محاضرات

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثالثة

الشيخ علي فقيه

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثالثة
من كلام لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في صفة الملائكة:
ومنهم أمناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه.
الملائكة مخلوقات نورانية خلقهم ربهم من النور كما خلق الجن من النار والإنسان من الطين، ولكن الفرق بين الملائكة والجن والإنسان أن الملائكة لا يرتكبون الخطأ أبداً فهم مجبولون على الطاعة، أما الإنس والجن فمنهم المطيع ومنهم العاصي.
وقد جعل الله تعالى لكل مجموعة من الملائكة وظيفة معينة، وكان بإمكان الله أن يستغني عن الملائكة لأن إرادته واقعة وحاصلة بالتأكيد، ولكنه اتخذ لنفسه ملائكة ليعلّمَ الناس على تنظيم الأمور والتعاون فيما بينهم، ولأنه تعالى يريد ذلك فلا يُساَلُ عما يفعل.
وقد أشار الإمام(ع) إلى عدة مجموعات من الملائكة.
المجموعة الأولى: وهم الأمناء على وحيه الذين ينزلون بوحي الله تعالى على الأنبياء كجبرائيل وغيره من الملائكة الذين كانوا يأتون الأنبياء بالتعاليم والتوجيهات الإلهية.
المجموعة الثانية: وهم الذين كانوا ألسنة للرسل بمعنى أن الرسل كانوا ينطقون بألسنة الملائكة الذين ينزلون بالقرارات الإلهية وهذه المجموعة قد تكون عين المجموعة الأولى بسبب المشابهة في الوظيفة.
المجموعة الثالثة: وهم المختلفون بقضاء الله وأمره، ولا يقصَد بالإختلاف هنا اختلاف الرأي والسلوك بل هو الإلتزام بأمر الله تعالى في القضاء على فلان أو فلان وتنفيذ إرادته عز وجل.
المجموعة الرابعة: وهم الحفظة للعباد من المهالك والمخاطر فلقد وكّل الله تعالى بالإنسان ملكاً أو عدة ملائكة يحفظونه من بعض المخاطر.
المجموعة الخامسة: وهم السدنة لأبواب الجنان، وقد أشار القرآن الكريم إلى سدنة أبواب الجنان وأبواب النيران التي جعل عليها ملائكة شداد.
وهناك مجموعات أخرى سوف نتعرض لذكرها في البحوث القادمة.
والهدف من بيان صفات ووظائف الملائكة هو تثبيت العقيدة بما أشار إليه القرآن الكريم…
وفي دعاء الإمام السجاد(ع) في الصلاة على الملائكة قال: اللهم وحملة عرشك الذين لا يفتُرون من تسبيحك ولا يسأمون من تقديسك ولا يستحسرون من عبادتك ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمرك ولا يغفُلون عن الوله إليك.

وقال(ع) في بيان صفات الملائكة وبعض وظائفهم:
ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة في السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسةٌ دونه أبصارهم، متلفّعون تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يُجرون عليه صفاتِ المصنوعين، ولا يحدّونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر:
كثير من الناس يسمعون بالملائكة ويعرفون بأنهم مخلوقات خاصة تأتمر بأوامر الله ولا يعصونه أبداً، ولكن هذا الشيء لا يكفي لبيان القدرة بالشكل المطلوب، فإن الملائكة ليسوا بمستوى واحد ولم تكن مهامذهم ووظائفهم وأشكالهم واحدة فإن منهم من له جناحان ومنهم ثلاثة أجنحة ومنهم أكثر من ذلك، وقيل بأن جبرائيل الأمين هبط على رسول الله(ص) وله ثمانون جناحاً، وكثرة الأجنحة عبارة عن مكانة الملَك وأهمية دوره.
وهناك أسرار كثيرة في الأرض وفي السماء، بعضها مقدور على اكتشافه من خلال البحث والتنقيب والتحليل وإجراء البحوث اللازمة بالطرق المعتبرة والمقررة عند أهل العلم، وبعضها يندرج تحت عنوان الغيب الذي لا تمكن معرفته ولا التوصل إليه إلا بإيحاء وتوفيق من الله جل وعلا.
نحن نقرأ أو نسمع عن الملائكة، ولكننا نجهل أشكالهم ووظائفهم وتصرفاتهم، وهذا أمير المؤمنين علي(ع) يكشف لنا من تلك الأسرار ما علّمه إياه رسول الله الأعظم والنبي الأكرم محمد(ص) الذي أوحى الله إليه ما يوحى.
لقد وصف لنا الملائكة لندرك من ذلك قدرة الله التي لا تحدها حدود ولا تأطرها أطر، ويقول لنا هناك صنف من الملائكة أشكالهم وأحجامهم عظيمة قد لا تطيقها عقول الناس وأنظارهم، ربما إذا قُدّر لأحدنا أن يرى ملكاً بإذن الله فليس ببعيد أن يصعق ويموت لهول المنظر، فهناك ملائكة أقدامهم في الأرضين السفلى وأعناقهم في السموات العلا، وهناك ملائكة تناسب أكتافهم قوائم عرش الله، بمعنى أن ملكاً واحداً من الملائكة يساوي حجمه حجم السماء والأرض، والله وحده يعلم عدد هذا الصنف وكيف يتحركون أو يمارسون أدوارهم ، وهذه الملائكة رغم أحجامها الكبيرة وقدرتها الهائلة فإنها تنكّس رؤوسها من خشية الله سبحانه وتعالى، ونحن الضعفاء والأذلاء نتجرأ على الله عز وجل ونواجهه بالمعاصي على أنواعها.
وهذه الملائكة الشداد والعظام تتلفع وتستظل بعرش الله تقدّساً وخشية وخوفاً، وهؤلاء يعرفون الله حق المعرفة فلا يتوهمونه بالصور كما قد يتوهم بعض الناس أو بعض الأطفال على وجه الخصوص، ولا يشيرون إليه كما يشار إلى المخلوق لأنهم يدركون بأن الله تعالى ليس كمثله شيء فلا تراه العيون وإنما تراه القلوب عن طريق النظر إلى آثار قدرته الباهرة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى