محاضرات

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثامنة

الشيخ علي فقيه

في رحاب نهج البلاغة الحلقة الثامنة
يقول أمير المؤمنين علي(ع) في ذكر فريضة الحج:
وفرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته:
سلام الله تعالى على أمير المؤمنين الذي لم يترك أمراً إلى وبيّن لنا معانيه وأعماقه وأبعاده وأهدافه وآثاره، ولم يدع جهة إلا وحدثنا عنها ليجعلنا علماء عاملين ننهج الحق ونلهج به وندافع عنه بكل غال ونفيس، وها هو(ع) يكشف لنا أموراً تتعلق بفريضة الحج، تلك الفريضة الكبرى التي تحمل لنا المنفعة بكل صورها ومراتبها وأنواعها، فهو يخبرنا بأن ربنا تبارك وتعالى امتحننا بهذه الفريضة الشاقة ليختبر بها إيماننا وإخلاصنا وأننا هل نوطن أنفسنا على الطاعة مهما كانت شاقة أم أننا نختار السهل منها دون حامل المشقة، أنت عندما تحمل زادك وتترك أهلك ووطنك وتذهب إلى تلك البقعة المقدسة قاصداً الرحمة والغفران والأجر والثواب على قاعدة قول النبي(ص) حفت الجنة بالمكاره.
والإمام(ع) يصور لنا حالتنا ونحن نذهب إلى البيت الحرام ونطوف حوله فيقول: يردونه ورود الأنعام: وليس في هذا التعبير أي أذى أو إهانة لأن الإمام سلام الله عليه أجل من أن يصف المؤمنين بوصف ناقص أو مشين بل يوجد فيه توطيد لعلاقتنا مع الله تعالى وحث على طاعته لأنه مولانا وله حق الطاعة التامة علينا.
وأعظم تشبيه لأوضاعنا في الحج هو ما ذكره(ع) من أننا نأله إلى ذلك المكان ولوه الحمام أي أننا نلوذ به متحدين قاصدين أمراً واحداً كما يلوذ الحمام ويعكفون على مكان.
ويشير الإمام(ع) إلى أننا في الإلتزام بهذه الفريضة نعترف لله تعالى بالعزة والعظمة وأننا نتواضع لعظمته الباهرة حين نذهب ونطوف حول البيت المعظم، وهو معنى قوله(ع): وجعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته:
ثم راح(ع) يبين حال المؤمنين بالله تعالى تجاه هذه الفريضة وغيرها من الأوامر الإلهية وأنهم سمعوا دعوة ربهم واستجابوا لها وأدوها على أتم وجه فقال: واختار من خلقه سُمّاعاً أجابوا إليه دعوته وصدقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبهوا بملائكته المطيفين بعرشه:
بمعنى أن المؤمنين الذين يقصدون البيت الحرام من أجل الله وحده هم كالملائكة الذين يطوفون حول عرش ربهم، ثم تابع الإمام كلامه فقال: يُحرزون الأرباح في متجر عبادته، نحن ندرك بأن التجارة مع الله تعالى رابحة على كل حال وأن المؤمنين يرجون تجارة لن تبور ولن تخسر كما قال سبحانه في محكم كتابه(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)
إذن.. يُحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله سبحانه وتعالى للإسلام عَلماً، وللعائذين حرماً، فرض حقه وأوجب حجه، وكتب عليكم وفادته فقال سبحانه(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.
وبعد انصراف أمير المؤمنين علي(ع) من منطقة صفين الواقعة في مدينة حلب وقف خطيباً بمن كان معه وقال: أحمده استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته، واستعصاماً من معصيته، وأستعينه فاقةً إلى كفايته، إنه لا يَضل من هداه، ولا يئل من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، فإنه أرجح ما وُزن، وأفضل ما خُزن:
هذه العبارات العظيمة تشكّل بداية الخطبة المباركة ابتدأها بحثِّنا نحو الإتكال على الله سبحانه وتعالى الذي لا يخسر من التجأ إليه ولا يقع في الضلالة من اهتدى بطرق الهداية مبيناً أن اللجوء إليه تعالى هو أرجح شيء في الموزونات وهو أفضل المخزونات، بمعنى أن المهتدي والمتوكل على الله رابح على كل حال في قبال عدو الله فإنه خاسر في الدنيا والآخرة.
وبعد أن حمد الله بهذه الكيفية الرائعة التي تفصح عن إخلاص الحامد أتبع حمده بشهادة أن لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد والمدخل إلى الإسلام فقال(ع): وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً ممتحَناً إخلاصها، معتَقَداً مُصاصُها: أي أنها صدرت من قلب معتقد بالوحدانية حقاً وصدقاً، ثم تابع(ع) قائلاً: نتمسك بها أبداً ما أبقانا، وندّخرها لأهاويل ما يلقانا، فإنها عزيمة الإيمان وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن ومدحرة الشيطان: أي أن كلمة التوحيد تدفع عنا أهاويل الآخرة على وجه الخصوص لأنها مفتاح الرحمة والإحسان وهي الباب الذي نعبر من خلاله إلى عالَم الإيمان ورحاب الإسلام الحنيف، ولأجل ذلك كانت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله علامةً على الإسلام، ثم أتبع بشهادته هذه شهادة أن محمداً رسول الله لأن كليهما يشكلان أمراً واحداً فلا تقبل إحداهما من دون الأخرى بمعنى أن الذين يؤمنون بوحدانية الله ولا يؤمنون بنبوة محمد فكأنهم لم يؤمنوا بالوحدانية أصلاً لأن الإقرار بنبوة محمد(ص) شرط في صحة الإيمان والإسلام، فقال سلام الله عليه: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعَلَم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع والضياء اللامع، والأمر الصادع، إزاحة للشبهات واحتجاجاً بالبينات، وتحذيراً بالآيات، وتخويفاً بالمَثُلات:
أما الدين المشهور فهو الإسلام وقد قال سبحانه في محكم كتابه(إن الدين عند الله الإسلام) وفي آية أخرى(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وأما العَلم المأثور فهو الشريعة الحقة التي جاء بها من عند ربه والتي أُثرت عنه(ص) وأما الكتاب المسطور والنور والضياء فهو القرآن الكريم الذي جعله تعالى معجزة خالدة إلى يوم القيامة فهو نور للمهتدين بأنواره وقائد لكل من يسلك مناهجه ويعمل بمقتضى ما ورد في سوره وآياته، فقد أرسل الله رسوله بالإسلام ليدرأ به الشبهات التي كان الناس يعملون بها ويأخذونها دستوراً لأنفسهم وهي أولاً وآخراً لا تسمن ولا تغني من جوع لأنها شبهات.
وأما قوله(ع) تحذيراً بالآيات، وتخويفاً بالمَثُلات: فإن الآيات هي المعجزات، والآيات القرآنية معجزات أيضاً فيصلح هذا اللفظ أن ينطبق على الآية التي هي بمعنى العلامة أو المعجزة، وعلى الآية التي هي جزء من السورة القرآنية وهي في نفس الوقت تشكل للناس معجزة من الله تعالى لأن كلام القرآن كله معجزات.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى