
كلمة حول أبي طالب(ع)
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين:
قال تعالى(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)
يعود تاريخ البشر إلى آلاف السنين حيث انتشروا في معظم بقاع الأرض وشغلوا مساحات واسعة منها فبنوا للعيش وأسسوا للحياة وقاموا بالكثير من التجارب حتى خلُص إلينا الكثير من آثارهم بحيث يمكن أن نطّلع على تاريخ مئة عام في يوم واحد وخصوصاً في هذا العصر المزدهر بالصناعات والمتسم بالتطورات التي لم نكن لها من قبل مقرنين.
ومن جملة الأمور التي تكرر حدوثها في التاريخ ما نصت عليه الآية الكريمة وهو وجود مؤمنين بين حكام ظالمين وشعوب ضالة كانوا يكتمون إيمانهم خوفاً على أنفسهم إلا أنهم كانوا يترجمون الإيمان بأفعالهم وسلوكهم، فمنهم من بقي كاتماً إيمانه ومنهم من أظهره بالقول والفعل كآسية زوجة فرعون التي عذبها زوجها أشد تعذيب فكانت مثالاً رائعاً للإنسان الذي يؤثر إيمانه على كل شيء في هذه الدنيا، فلقد كانت آسية بنت مزاحم السيدة الأولى في عصرها تملك من الكنوز ما لا يحصى ومن الأموال ما لا يُعد ومن الرفاهية ما يحلم به أي إنسان، ولكنها استصغرت كل أمتعة الدنيا مقابل إيمانها بالله تعالى حيث علمت بأنها أعظم نعمة في هذا الوجود.
ببركة هذه المرأة بقي كليم الله موسى على قيد الحياة، وبسبب إيمانها العميق وإيثارها للحق على الباطل رغم الخطر الذي كان محدقاً بها تأسست مدرسة الإيثار والبطولة ومواجهة الشر مهما كان الأشرار أقوياء، وفتحت أنظار الناس على مسألة كانت قبل ذلك خفية عنهم حيث راح بنوا قومها يتساءلون عن حقيقة الشيء الذي جعلها تترك قصر الإله فرعون وتواجهه وتتحداه وتتحمل آلام الأوتدة التي عذبها بها حتى الموت، فمن خلال ذلك أدرك الناس عظمة الإيمان وأن ما بعد الموت أعظم بكثير مما هو كائن في هذه الحياة رغم كثرة أمتعتها وزخارفها وإغراءاتها.
لقد حدثنا القرآن الكريم عن حقيقة ما قامت به هذه المرأة وعن مدى حبها لله تعالى حيث و جعلها رب العالمين مثلاً طيباً لجميع المؤمنين عبر الزمن إذ يقول(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
هذه هي الروحية التي تحرك بها أنبياء الله(ع) ولكنني أريد أن أذكر غير الأنبياء لخصوصية في هؤلاء الأشخاص العاديين الذين دعموا رسالات الأنبياء ودفعوا ثمن انتشارها واستمرارها.
ومن تلك النماذج أولئك الذين آمنوا بموسى وعيسى وغيرهما وتحملوا أنواع الأذى في سبيل إعلاء كلمة الحق.
ففي زمن فرعون كان هناك مؤمنون بالله يكتمون إيمانهم وكان لهم دور كبير في الدفاع عن المؤمنين عبر طرق حكيمة يغيرون بها قرارات فرعون، وكذا الحال في كل زمان إذ لا تخلو الأرض من الطيبين والأبرار والصلحاء.
وقد تكرر هذا المشهد في زمن كانت الظروف فيها أقسى من الظروف التي أحاطت بمؤمن آل فرعون إذ كان يُقتل الرجل على مجرد التهمة، ففي هذا الوضع الخطير كان هناك أداة حافظة لحياة محمد بن عبد الله(ص) خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، تلك الأداة تمثلت بمؤمن آل قريش المسلم والمجاهد والمؤمن والحصن الحصين لرسالة السماء العبد الصالح عبد مناف بن عبد المطلب المكنى بأبي طالب سلام الله عليه.
هذا الرجل العظيم الذي كانت له مواقف مشرفة تجاه رسالة السماء وحاملها حيث وطّن نفسه على تحمّل المخاطر والتبعات في سبيل أن يبقى محمد على قيد الحياة لا لأنه ابن أخيه فله أبناء أخوة كثر بل لأنه كان يعي حجم الدور الذي يلعبه محمد بن عبد الله حيث أخبره أبوه عبد المطلب بشأن محمد ففرغ كل حياته ووضع جميع إمكانياته في سبيل الحفاظ على ابن أخيه الرسول.
لقد تميز إيمان أبي طالب بأمر قل من يتعرض إلى ذكره وهو أن أبا طالب آمن بنبوة محمد قبل أن يبعثه الله نبياً.
أما الذين يتهمون أبا طالب بالكفر فإنهم يعتمدون في هذا الإتهام على الحقد الأعمى لأن ما ظهر في حياة أبي طالب أكد لنا أنه كان من أشرف المؤمنين ومن أهم المؤمنين في زمن كانت الأرض خالية من المؤمنين بل كان الإيمان في ذلك الوقت جريمة يستحق عليها المؤمن القتل بأبشع الأساليب.
هناك الكثير من الكلمات صدرت من أبي طالب أفصح فيها بشكل واضح عن إيمانه، فلو لم يكن مؤمناً لما عرّض حياته للخطر في سبيل محمد ولما وطّن نفسه على المكوث في الشعب لسنوات، ولما تحمل الجوع والسب والشتم من القرشيين، وقد سئل عن سبب ذلك مراراً فكان جوابه كجواب أبيه عبد المطلب:إن لابني هذا لشأناً:
إرادة الله تعالى هي التي اختارت أبا طالب للقيام بهذه المهمة، ولا نظن بأن الله تعالى يختار لحفظ الرسالة إنساناً كافراً، أما الذين يشبّهون أبا طالب بآزر فنقول لهم إن الفرق بينهما كبير جداً، فآزر لم يؤمن بل طرد إبراهيم من داره، أما أبو طالب فآمن وآوى ابن أخيه ولم يتخلى عنه إلى آخر لحظة من حياته بل إنه أوصى جميع أبنائه بحماية محمد لأنه كان يعلم بأن بقاء محمد يعني بقاء الدين وبقاء الرحمة.
وإذا كان أبو طالب كافراً فلماذا أمر الله رسوله بأن يسمى العام الذي توفي فيه أبو طالب بعام الحزن، فهل ينطق رسول الله عن الهوى؟ أو ليس الله يقول(وما ينطق..)
هناك خلفية وحيدة لتلك الهجمة الهمجية التي قامت ضد أبي طالب وهي أنه والد الخليفة الشرعي لرسول الله والذي اختار الله له الأصلاب الطاهرة، كل ما قيل من شر وباطل في حق أبي طالب لم يكن أبو طالب هو المستهدف منه بل كان المستهدف الحقيقي هو ابنه علي(ع) لا لأنه علي بن أبي طالب بل لأنه وصي رسول الله والخليفة الحق.
وبمعنى آخر إن تلك الخلفية هي نفسها خلفية إبليس عندما عصى الله تعالى بداع الحسد.



