محاضرات

خَلْقُ السّموات والأرض(البحث السادس)

يَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

هذا عنوان قرآني عظيم مستوحى من الآية الثامنة من سورة النحل، وجميع عناوين القرآني عميقة وعظيمة وذات أبعاد علمية وعقائدية كبرى، ولهذا ينبغي التعامل معها بدقة وحذر وانتباه شديد لأنه كلام الخالق العظيم سبحانه والذي لا يُمكن أن يُدرك عن طريق الذوق أو التكهن أو الإستحسان، بل لا بد من الرجوع إلى أهل الذكر في هذا الشأن، فمن فسّر القرآن برأيه هَلَك وأهلك معه من سمع له أو أخذ بكلامه وعمِل باستنتاجاته الذوقية الخاصة.
وهذا العنوان القرآني الكريم يحمل خلفه الكثير من المعاني والأبعاد والمعلومات رغم كونه مُركَّباً من أربع كلمات(فعلان واسمٌ وحرف) ولذا فإن على الذي يريد البحث في القرآن أن ينطلق من كونه ليس كلاماً عادياً بل هو كلامٌ بالمستوى الذي بيّنه لنا أمير المؤمنين علي(ع) بقوله في وصف هذا الكتاب السماوي الأعظم” وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَتَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ” وفي موضع آخر من نهج البلاغة قال(ع)”وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ” وفي موضع ثالث قال(ع)” ذلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ: أَلاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ”
وإن الحديث عن العنوان المذكور(يَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) لكي يكون شاملاً وواضحاً ومفيداً ينبغي أن يتم بطريقين:
الطريق الأول: وهو الحديث عن معناه العام من دون ملاحظة السياق الذي ورد فيه ضمن الآيات الكريمة الحاكية عن خلق أصناف الحيوانات وبعض فوائدها ووظائفها، فإذا لاحظنا السياق ونظرنا إلى العنوان المذكور على أنه لا يصلح للدلالة على غير هذا المورد فقد انحصر معناه في موضوع الحيوان فقط وأن الله تعالى سوف يخلق أنواعاً من الحيوانات لا علم لنا بها، وهذا ما سوف نقف عليه بعد قليل.
الطريق الثاني: وهو الحديث عن معناه من دون ملاحظة سياقه أو محل وردوه في القرآن الكريم بمعنى أن نجعله فقرة مستقلة وإن ورد في هذا المكان، وهكذا الحال في جميع الفقرات إذ لا يلزم ربط الفقرة بسياق الآية لأن الآية الواحدة قد تتركب من عدة فقرات لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر لكونها نزلت على مراحل وفي أسباب متنوعة كما هو حال آية التطهير التي وردت ضمن الحديث عن نساء النبي(ص) وقد أقر جميع المفسرين من الخاصة وكثير من العامّة بأنها نزلت في أهل البيت(ع).
ولذا أقول في البدء: إن كلا الطريقين صحيح لأن العنوان المذكور يصلح انطباقه على خلق أنواع أخرى من الحيوانات وأنواع أخرى من غير الحيوانات، ولا أظن بأن أحداً من العقلاء ينكر هذه الحقيقة.
وأقف هنا مرة أخرى على العنوان المذكور لأكشف لكم أموراً تتعلق بمفردات الفقرة(و يَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) من الآية المذكورة حتى نحيط بمجمل المعنى منها، وهذا ما يساعدنا على فهم المراد الحقيقي من تلك الفقرة الكريمة.
فهل أن القرآن الكريم استعمل لفظ الخلق(يخلق) في المضارع وأراد به الماضي ليلفت به انتباهنا إلى عظيم القدرة التي ذرأت وبرأت آلاف الأصناف من الحيوانات من ماء، ومن قبله من العدم؟ وكذا يقع الكلام في المعنى الأعم للفقرة وهو أنها تشمل غير الحيوانات أيضاً.
ولذلك نقول: إن هذا النوع من الإستعمالات اللفظية جائز في لسان العرب، بل إنهم يعتبرونه أبلغ في بيان الأمور، وبهذه الطريقة تعامل النبي وآله(ص) في خطاباتهم مع الناس.
وأقف هنا مرة ثالثة على هذا العنوان لنعرف المراد من الفقرة: فهل أن الله تعالى قصد بلفظة(يخلق) أنه خلق أنواعاً من المخلوقات لم نتوصل بعدُ إلى معرفتها؟ أم أنه تعالى سوف يخلق في المستقبل أنواعاً أخرى من المخلوقات لم توجد من قبل؟
فلو حملنا المعنى على ما ورد لظهر لنا أن الله تعالى سوف يخلق أنواعاً أخرى، وليس ذلك على الله بعزيز، وتلك المخلوقات التي يتم اكتشافها يوماً بعد يوم من الحيوانات البرية والبحرية ومن النباتات ربما تكون موجودة من الأساس ولكننا اكتشفناها الآن بسبب البحث والتنقيب إن صح التعبير، وربما وُجدت حديثاً، ولا مانع من حمل الأمر على المعنيين، فلا يقف هذا الأمر عائقاً في طريق العلم والمعرفة، ولا يؤثر سلباً على العقيدة بل يزيدها تثبيتاً في النفوس.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى