تَأَمُّلاتٌ فِي خُطْبَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِيْن فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء (عَلَيْهَا السَّلامُ)

تَأَمُّلاتٌ
فِي خُطْبَةِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِيْن
فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء
(عَلَيْهَا السَّلامُ)
مُقَدِّمَةٌ تَمْهِيْدِيَّةٌ
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المخلصين، وبعد:
قبل بيان معاني خطبة الزهراء والدخول إلى أعماق هذا الأثر الكبير تجدر الإشارة إلى صاحبة هذا الأثر العظيم، والتعرف على جزء صغير من حقها علينا وفضلها وكرامتها ومنزلتها عند الله سبحانه وتعالى، فإذا أدركنا كنهها وعظمتها فقد أدركنا حقيقة كل ما يتعلق بها من فعل أو قول أو أي سلوك آخر.
إنها فاطمة الزهراء بنت خاتم الأنبياء، وزوجة سيد الأوصياء، ووالدة الحسنين، وأم الأئمة من ذرية ولدها الحسين، وهي المرأة المعجزة، وأفضل نساء العالمين على الإطلاق، حيث جعلها ربها سيدة نساء العالمين.
إنها البنت المميزة، والزوجة المميزة، والأم المميزة، والمعصومة المميزة التي خلقها الله تعالى لتكون مثلاً أعلى لكل الناس من الرجال والنساء، ولتكون مضرباً للمثل في كل المعالي والمَكْرُمات والفضائل حيث بلغت قمة الرفعة والسمو والتقوى، وحازت على الصفات الفاضلة والخصال الكريمة.
ونحن بدورنا مهما حاولنا أن نقرب معنى الزهراء إلى الأذهان والقلوب فسوف نبقى قاصرين عن إتمام المراد وبيان تمام المطلوب، لأن حقيقتها عظيمة وعميقة، فهي ليست سهلة المنال، ولا يكفي وصفها بالشكل السطحي الفارغ، فإننا وإن اجتهدنا في ذلك فلن نصل إلى معنى الزهراء الحقيقي لأنها السر الإلهي العظيم والمرأة التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها في إيمانها وأخلاقها وحبها لله ورسوله، وعلمها الغزير وحكمتها المميزة.
إنها أم أبيها لأنها احتلت مكانة الأم بالنسبة للرسول، وهي الصدّيقة الطاهرة المطهَّرة الراضية المرضية، إنها العالِمة المعلَّمة التي عصمها الله من كل خطأ وزلل.
فهي التي قال الله فيها: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي أنظروا إلى أَمَتي فاطمة كيف ترتعد فرائصها مِن خِيفتي:
إنها المرأة التي باهى الله بها أهل سمواته وأرضه، وهي التي قال فيها النبي(ص) : فاطمة بَضعة مِني من آذاها فقد آذاني، و: فاطمة روحي التي بين جَنبَيّ: و : فاطمة حوراءُ إنسية:
وهي المظلومة الكبرى التي ظلمها القريب والبعيد، فبدل أن يكونوا عوناً لها كانوا يداً عليها، وأكثر من 1ذلك كله فقد تحول الجميع إلى ذئاب كاسرة ذات أنياب قاتلة، كلٌ يريد النيل منها والطعن بها، وكأنها محقوقة أومذنبة، وهي في الواقع صاحبة الحق الذي لا ينكره إلا كافر أو معاند أو طامع في الدنيا يعمل لنفسه تحت الغطاء الإسلامي.
إنها المرأة التي عاشت على الحق، واعتُدي عليها من أجل الحق، وقُتلت مظلومة في سبيل إبقاء الحق على حاله، وذلك بعد أن أراد الطامعون تغيير الدين الذي جاء به رسول الله(ص) من عند ربه.
وإن خطبتها المشهورة التي ألقتها في الناس لأكبر شاهد على فضلها وعظمتها وإخلاصها لله ورسوله، وعشقها لهذا الدين الذي حاول غَصَبَةُ حقها أن يبدلوا أحكامه من أجل مصالحهم.
لقد كانت تلك الخطبة الرائعة وما تزال درساً عظيماً للأمة كلها، بل للبشرية جمعاء، لأنها(ع) دافعت بها عن الحق من دون أن تنظر إلى هوية صاحبه، وواجهت بها الطغاة من دون أن تلاحظ القرابة فيهم، حيث كان همها كهم أبيها وبعلها تجاه الدين والأمة، لقد كان كل همها هو أن تحافظ على شريعة الإسلام بعد أن رأت كيف تكالب الناس على النيل من هذا الدين وكأنهم ينتقمون من رسول الله(ص) بعد أن هداهم الله به وأخرجهم به من الظلمات إلى النور.
الزَّهْرَاءُ (ع) فِيْ سُطُوْر
السيدة فاطمة الزهراء(ع) هي بنت محمد بن عبدالله(ص) وخديجة بنت خويلد (ع) .
ولدت من أكرم أبوين عرفهما التاريخ البشري، ولم يكن لأحد في تاريخ الإنسانية ما لأبيها من الآثار التي غيّرت وجه التاريخ، ودفعت بالإنسان أشواطاً بعيدةً نحو الأمام في بضع سنوات معدودات، ولم يحدّث التاريخ عن اُمٍّ كاُمّها وقد وهبت كلّ ما لديها لزوجها العظيم ومبدئه الحكيم ، مقابل ما أعطاها من هداية ونور.
لقد عاشت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) محن تبليغ الرسالة الإلهية منذ نعومة أظفارها ، وحوصرت مع أبيها واُمّها وسائر بني هاشم في الشِعب ولم تبلغ ـ في بدء الحصار ـ من العمر سوى سنتين.
وما أن رفع الحصار بعد سنوات ثلاث عجاف، حتى واجهت محنة وفاة اُمّها الحنون وعمّ أبيها وهي في بداية عامها السادس، فكانت سلوة أبيها في تحمّل الأعباء ومواجهة الصعوبات والشدائد ، تؤنسه في وحدته وتؤازره على ما يلمّ به من طغاة قريش وعتاتهم.
وهاجرت مع ابن عمّها والفواطم، الى المدينة المنوّرة في الثامنة من عمرها الشريف ، وبقيت إلى جنب أبيها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) حتى اقترنت بالإمام عليّ بن
أبي طالب (عليه السلام) فكوّنت أشرف بيت في الإسلام بعد بيت رسول الله(ص) إذ أصبحت الوعاء الطاهر للسلالة النبوية الطاهرة .
وقد أثبتت الزهراء للعالم الإنساني أجمع أنّها الإنسان الكامل الذي استطاع أن يحمل طابع الاُنوثة، فيكون آية إلهية كبرى على قدرة الله البالغة وإبداعه العجيب، إذ أعطى للزهراء فاطمة أوفر حظ من العظمة وأوفى نصيب من الجلالة والبهاء.
أنجبت الزهراء البتول لعليٍّ المرتضى : سيّدي شباب أهل الجنّة وابنيّ رسول الله « الحسن والحسين » الإمامين العظيمين ، والسيّدتين الكريمتين «زينب الكبرى واُمّ كلثوم» المجاهدتين الصابرتين ، وأسقطت خامس أبنائها « المحسن » بعد وفاة أبيها في أحداث الاعتداء على بيتها ( بيت الرسالة )، فكان أوّل قُربان أهدته هذه الاُمّ المجاهدة الشهيدة بعد أبيها من أجل صيانة رسالة أبيها من التردّي والانحراف .
لقد شاركت الزهراء (عليها السلام) أباها وبعلها صلوات الله عليهما في أحرج اللحظات وفي أنواع الأزمات، فنصرت الإسلام بجهودها وجهادها وبيانها وتربيتها لأهل بيت الرسالة الذين استودعهم الرسول مهمة نصرة الإسلام بعد وفاته، فكانت أوّل أهل بيته لحوقاً به بعد جهادها المرير.
وقدكانت(ع) رمزَ البطولة والجهاد والصبر والشهادة والتضحية والايثار ، حتى فاقت في كلّ هذه المعاني سادات الأوّلين والآخرين في أقصر فترة زمنية يمكن أن يقطعها الإنسان نحو أعلى قمم الكمال الشاهقة.
فسلام عليها يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّةً.
بَلاغَةُ الْسَّيِّدَةِ فَاْطِمَةَ الْزَّهْرَاء (عَلَيْهَا الْسَّلامُ)
كان بين الحين والآخَر يظهر في عصر من العصور أشخاص يغمرون الحياة بالفضل والنفع والخير، وكانوا يمرُّون في التاريخ البشري مَرَّ الكرام، لا يشبع الناس من أُنْسهم، ولا يمَلُّون من ذِكرهم، لأن ذكرهم يذكّرهم بكل جميل.
ولم تكن هذه النماذج كثيرة، وإنما كانت نادرة الوجود، حيث كانوا بالنسبة للبشر كمَنامٍ سريع يرونه في ليلهم، وسرعان ما يستيقظون فيتحسرون على انتهائه وانقضائه، فيتمنون لو أنهم يرونه أو يرون مثله ثانية أو أنهم لم يستيقظوا من رقدتهم تلك.
ومن أعظم تلك النماذج التي كانت سريعة المرور وكثيرة المنفعة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) حيث ندر وجودها منذ عهد آدم وإلى يومنا هذا، إذ لم تشهد الأرض بعدها امرأة تضاهيها بالعلم والحِلم والحكمة والتقوى والعَظَمة.
وليس من السهل أن يظهر بيننا شخص يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه كفاطمة الزهراء(ع)، فمَن استغل وجودها وأرضاها ربح الدنيا والآخرة، ومن آذاها فقد كتب على نفسه الخلود في العذاب لأنه خسر بإغضابها دنياه قبل آخرته، ولا ينفع الندم بعد ارتكاب الجرائم التي لا تُغتفر، فأي جريمة أعظم من هتك حرمة الزهراء وغَصْب حقها وإدخال الحزن إلى قلبها وإشعارها بالظلم الذي حلّ بها بعد وفاة أبيها الأعظم الذي أوصى العالَم بها وأمر الناس بحبها لأن حبها يعني طاعة الرحمن فلم يُسمَع لقول الرسول، ولم تُحفظ فيهم البتول حتى التحقت بالرفيق الأعلى غاضبة عليهم مُعرِبة بوجهها عنهم، والملتقى في يوم الحساب يوم تتغيظ نار جهنم لحزن فاطمة وتضطرب الملائكة للأذى الذي نزل بها فعندها يُحكم على الظالمين بالنار وينالون غضب الجبار الذي آلى على نفسه أن يرحم محبيها والسالكين في طريقها، ويعذب ظالميها مهما كان حجم ونوع ظلمهم لها.
فلم يعهد عصر الفصاحة ولم تشهد ساحة البلاغة ولم يَرَ أرباب المعاني والبيان، بل ولم يسمعوا عن امرأة أعظم منطقاً وأدقَّ صواباً وأحسن وأعذب كلاماً وبياناً من كلام ومنطق سيدة النساء فاطمة بنت محمد عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ألف تحية وسلام.
إِنْكَارُ حَقِّ الزَّهْرَاءِ وَإِخْفَاءُ فَضْلِهَا
ورغم وضوح تلك العظمة في شخصية الزهراء(ع) نجد كثيراً من المؤرخين والكتّاب والمحدثين يجحدون بحقها وينكرون فضلها وهم أعلم من غيرهم بحقيقتها وأعرف الناس بمكانتها العلمية فضلاً عن مكانتها الإيمانية، فنراهم يولون الإهتمام في بحوثهم لنساء يُعتَبَرْنَ نقطة في بحر الزهراء، فينقلون إلى الناس آثارهن، ويحدثون الناس عن فضلهن وبلاغتهن وفصاحتهن، وقد أُلِّفَت العديد من الكتب في هذا المجال، ونحن لا نرى أن لهذه الكتب أدنى قيمة، لأنها تحمل في طياتها حقائق مزورة، وفي نفس الوقت يعمل مؤلفوها على طمس الحقائق وإنكار فضل الأخريات أمثال فاطمة الزهراء وابنتها زينب وبعض اللواتي حذون حذوهما وسلكن نهجهما.
لذلك نحن نعتقد بأن الزهراء لم تُظلم يوم حُرق دارها فقط، ولم تُظلم في الفترة الفاصلة بين وفاة أبيها ووفاتها، وإنما ظُلمت عندما حاول الناس أن يفرضوا التعتيم على حقها المغتصَب وينكروا فضلها العلمي والأخلاقي والإجتماعي والديني.
وكذلك ما زالت هذه المرأة الكريمة تُظلم نتيجةً لبعض الآراء والإجتهادات الحاقدة التي بات الهدف منها معلوماً والغاية من ورائها واضحة، وهؤلاء الأخيرون ليسوا بأقل سوءاً ممن تجرأ عليها واقتحم دارها، وليسوا بأقل عذاباً من أولئك عند الله تبارك وتعالى.
نعود إلى منطقها الراقي وأسلوبها الفريد من نوعه عند بيان الأمور وكشف الحقائق، ونحن الآن أمام نص تاريخي عظيم وأثر خلدته الزهراء فينا ليكون سلاحاً بأيدينا وحصناً لنا من سهام الغدر والتخطيء، هذا الأثر العظيم هو خطبتها الشهيرة التي أظهرت فيها الحقيقة ووضعت فيها النقاط على الحروف فكشفت بها الأقنعة المزيفة، وقلبت بها الموازين رأساً على عقب بعد أن ظن الناس بأنها محقوقة، مع أنها صاحبة الحق الذي لا يُنكر.
لقد كانت خطبة الزهراء نهجاً في الفصاحة والبلاغة بعد كونها نهجاً للحق، كما وكانت تلك الخطبة رمزاً للمنطق السليم الذي ينبئ عن القلب السليم ويكشف عن المعتقَد العظيم والروحية المقدسة والنفس الزكية.
لقد كانت تلك الخطبة دليلاً واضحاً على صدق ما جاء به النبي الأعظم(ص) من عند ربه، ودليلاً على استقامة سيرته ونهجه وعمله الدؤوب الذي استغرق سنوات طويلة من الزمن حيث لم يسمع الناس منطقها من قبل، ولذلك عندما سمعوا كلامها ومنطقها ضجوا بالبكاء وأظهروا الندامة حيث ظنوا بأن النبي هو الذي يخاطبهم ويشير إليهم، وذلك لقرب منطقها من منطقه ومشابهة لهجتها من لهجته المباركة فذكرتهم بالرسول الذي أرسله الله تعالى رحمة إليهم والذي نقلهم به من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الباطل إلى الحق، ونشر بينهم الخير، وأبعدهم عن الشر، فكانت النتيجة أنهم لم يحفظوا الأمانة، ولم يبادلوا الإحسان بالإحسان.
إِلْقَاءُ الحُجَّةِ عَلَى جَمِيْعِ الْمُسْلِمِيْنَ
ما زلنا هنا في مراحل التقديم لفهم معاني تلك العبارات الجليلة والمفاهيم القيمة التي وردت على لسان الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(ع) في تلك الخطبة الرائعة التي تحولت إلى مستند تاريخي يرجع إليه التائهون ويلوذ به المتحيرون لكونها نصاً إلهياً وأثراً نبوياً نُطق به على لسان تلك الحوراء الإنسية التي ما رأت عين الناس مثلها في هذا الوجود، فهي المرأة التي بلغت درجة الكمال البشري، وهي المعصومة والراضية المرضية والصادقة المصدِّقة والمصدَّقة، وهي التي باهى الله بها ملائكة السماء عندما قال لهم : أنظروا إلى أمتي فاطمة كيف ترتعد فرائصها من خيفتي : وهي التي احتلت موقعاً في روح النبي لم يحتله شخص غيرها قبلاً وبَعداً، وهي التي أمر الله أباها باحترامها وتقديرها وتقبيل يدها، وهي التي امتازت عن البشرية كلها باقتران رضاها برضا رب العالمين تبارك وتعالى.
وخُطبتها المباركة تُعتبر من أهم النصوص الصحيحة والوثائق التي اشتملت على جملة كبيرة من الحقائق الدينية، بحيث أصبحت مصدراً وثيقاً لأهل العلم والمعرفة، فلقد شكّلت خطبتها صَيْحةَ أهل الحق في وجه أهل الباطل، بل شكلت صيحة الحق في وجه الباطل، وزلزلت أركان الظلم والجور، وأنارت البقعة التي فُرض عليها التعتيم من قِبَل أهل الدنيا، لأنها مثّلت معنى القرآن المجيد، فكانت خلاصته وعصارة الدين الحنيف، ونحن بهذه العبارات لسنا في مقام المدح، لأن المدح قاصر عن إعطائها جزءاً صغيراً من حقها الكبير علينا وعلى جميع البشر، ولكننا في مقام بيان الحقيقة ونفي الظلم وكشف القناع المزيف عن الوجوه الشريرة التي استعملت الإسلام غطاءاً للعيوب ووسيلة للوصول إلى أهداف حاقدة ونوايا سيئة لا تتصل مع الدين بوجه من الوجوه.
لقد كانت تلك الخطبة الباهرة أحد أبرز المحطات الإيمانية الكبرى والمواقف الإسلامية التي تُوِّجَت بالشجاعة والجرأة في الكشف عن هوية أهل الضلال رغم القوة والمكانة التي كانوا يتمتعون بها في المجتمع الإسلامي آنذاك، فلم تنظر الزهراء إلى حجم قوتهم وكثرة أعدادهم وسرعة غضبهم وأليم شرهم، وإنما نظرت _في ما صنعت_ إلى الله وحده، حيث كان همها الوحيد إصلاح ما أفسدته أيديهم في دين الله، وتصحيح تلك الأفكار والمعتقدات التي زرعتها يد الجور بين المسلمين بهدف التفريق بين صفوفهم والسيطرة عليهم على قاعدة فرّق تَسُدْ.
هلْ كَانَتْ أَهْدَافُ الْقَوْمِ خَفِيَّةً عَلَى الْزَّهْرَاء؟
لم تكن أهداف القوم خفية على الزهراء البتول، بل كانت عندها في غاية الوضوح، ولأجل ذلك إذا لاحظنا الأمور التي طرحتها في خطبتها، والمشاكل التي وضعت لها الحلول لأدركنا بأنها كانت محيطة بكل ما يقوم به الطامعون والخبثاء وعبّاد المصالح الخاصة أتباع النفعية العمياء.
وهنا ندرك بكل وضوح أن إطلاق تلك العبارات من قبل الزهراء(ع) لم يكن مجرد شكوىً تبثها، فهي لا تشكو أمرها إلا لله عز وجل، حيث حاول بعضهم أن يصور للناس ذلك الموقف بهذا التصوير البعيد عن الواقع الصحيح والهدف السامي من خطبتها المباركة، لقد حاولوا أن يحجبوا العقول عن المعاني الرئيسية التي أرادت الزهراء بيانها والكشف عنها وذلك عبر بث الأكاذيب ونشر الأضاليل بدعوى أنها امرأة منكوبة قد أفقدها حزنها على أبيها صوابها، وهذا منطق مرفوض في شخص عظيم كفاطمة الزهراء التي سددها ربها بالعصمة وخصها بالمنزلة الخصيصة والمكانة العليا، فكل تلك الأضاليل باتت واضحة وجلية، فلم يعد واقع الأمر قابلاً للتمويه والتعتيم، حيث أصبح الحق ظاهراً وواضحاً كالشمس في كبد السماء، لقد أصبحت أكاذيبهم قديمة وبالية وواهية لا تصلح أن يُتذرع بها أو يُحتج بها.
هَلْ كَانَتْ خُطْبَةُ الزّهْراءِ(ع) مِنْ أَجْلِ فَدَكٍ؟
لم تكن تلك الخطبة من أجل فدك كما يحاول البعض أن يذيع بين الناس ليقدِّم الزهراء للناس على أنها صنعت كل ما صنعته من أجل فدك، فإن كل حرف من حروف كلماتها أعظم من ألف فدك، وفدك كلها لا تستحق ما قامت به الزهراء في ذلك الموقف الذي اعتبره الناس حاسماً للفصل بين الحق والباطل، فالأمر ليس خاصاً بفدك، فلقد كانت فدك نافذة للزهراء تعبر منها نحو بيان الحكم الإلهي، ونافذة لغصبة الحق يعبرون منها إلى محو الحق وتزوير الحكم الإلهي.
لقد كانت تلك الخطبة الرائعة علاجاً لتلك النفوس المريضة التي سيطر عليها حب الهوى وأغرقها في شهوات الدنيا.
مَا هُوَ المُرَادُ الأَسْمَى مِنْ تِلْكَ الخُطْبَة
لقد أرادت الزهراء(ع) أن تعظهم وتذكرهم بالله ليرجعوا عن غيهم ويتخلوا عن ضلالهم.
لقد أرادت منهم أن يرحموا أنفسهم بالتوبة أولاً وبالعمل بوصايا رسول الله(ص) ثانياً، هذا النبي العظيم الذي كان رحمة لهم في الدنيا والآخرة، ولكنهم رفضوا الرحمة واستحبوا العذاب بإصرارهم على الغي والفجور وظُلم الناس أفراداً وجماعات.
كَيْفِيَّةُ التَّعَاطِي مَع العُظَمَاءِ
من أولويات التعامل مع أهل العظمة أن نولي الإهتمام لجميع جوانب حياتهم إِنْ على الصعيد الديني أو الأخلاقي أو الإجتماعي أو السياسي أو على أي صعيد آخر، وذلك كيلا يفوتنا من المنفعة الناجمة عنهم شيء، هذا ونحن نعتقد بأن كل جوانب حياتهم مليئة بالمنفعة والخير والعلم، وأن كل حركاتهم وسكناتهم تحمل خلفها الفائدة، لأن العظيم لا يرشح منه سوى العظمة.
وهذه الطريقة متبَعة لدى كثير من الناس الذين يتابعون أخبار أهل السياسة والمال والشهرة، فهم يلحقون بهم من مكان إلى آخر ويسجلون كل ما يصدر عنهم كصفقات إعلامية يسبقون الغير عليها، وهذا ما كان يصنعه الرواة الذين عاصروا النبي وآله(ص) فاستطاعوا أن يدونوا لهم الكثير وينقلوا عنهم الكرامات والفضائل والمواقف الكريمة والتعاليم الكبرى.
لقد قام أولئك الرواة والمؤرخون بوظائفهم فنقلوا إلينا الوقائع والأحداث، وهنا تأتي وظيفتنا تجاه ما نُقل إلينا، فيجب علينا أن نتتبع كل أثر، ونقف على كل كلمة وردت عنهم من أجل أن ندرسها جيداً لنفهم المراد منها، وذلك عبر دراسة الظروف والقرائن المتعلقة بها، كيلا نخسر أمراً يحمل لنا الفائدة على مستوى الدنيا أو على مستوى الآخرة، وهذا ما يجعلنا نتعامل مع نصوص المعصومين وآثارهم بتلك الأهمية البالغة، فواجبنا نحن هو الحفاظ على تلك الآثار، والعمل بمضامينها، وكشف النقاب عن الأمور الخفية، فلا يجوز أن نتعاطى مع نصوص النبي وآله كما نتعامل مع النصوص الأخرى الفاقدة للمنفعة، بل يجب أن ندقق ونبحث ونتأمل ونجتهد حتى نصل إلى المراد.
وخطبة السيدة الزهراء(ع) أهم وثيقة إسلامية وعقائدية، فهي ليست مجرد نص تاريخي عادي أو كلام خرج أثناء حدث معين، فلا ينبغي التعامل مع هذا الأثر بالشكل العادي، بل لا بد من أن ننظر إليه من زواياه الواسعة الأفق، لأنه في الواقع يمتاز عن غيره من الآثار والنصوص من جهات عديدة:
منها: أنه أثر وارد عن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) تلك المرأة الجليلة التي خُلقت بشكل خاص، وعاشت بطريقة خاصة، والتحقت بالرفيق الأعلى في ظروف تُعتبر من أخص وأدق الظروف.
ومنها: أن هذه الخطبة تُعتبر دليل إدانة لكل من تجرأ على حرمة الزهراء وغصب حقها أو تعاون مع الذين اغتصبوا حقها أو رضي بهذا الفعل الشنيع الذي أغضب الله ورسوله، لأن النبي(ص) قال من أغضب فاطمة فقد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله، وهذه الخطبة كانت كتاباً جامعاً للعديد من الأحكام الإلهية وبيان بعض علل الأوامر والنواهي الإلهية، وما زال كثير من الناس يرجعون إلى هذه الخطبة المباركة في إثبات بعض الأمور الدينية أو نفي أمور أخرى، لأنها تشكّل بالنسبة لهم مرجعاً يثقون بصحته ومضمونه.
ومنها: أن أموراً كثيرة كانت متوقفة على سماع هذا الكلام الذي غيّر كثيراً من المعادلات، وقلب العديد من الموازين، وأقام انحراف الأمة التي كانت تسلك طريق الهاوية بعد أن منّ الله عليها بخاتم الأنبياء الذي قال الله فيه(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال تعالى فيه(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فقد مثَّلت تلك الخطبة منعطفاً تاريخياً مهماً في حياة المسلمين الذين كانوا على شفا حفرة من النار لولا تلك الوقفة الجريئة من قِبل الزهراء(ع) في وجوه الظالمين وتوجيه إصبع التهمة إليهم.
لأجل ذلك كان لا بد من تعظيم هذا النص وملاحظة جميع أبعاده ومقاصده ومعانيه حيث قد يتوقف الحق على كلمة واحدة من الكلمات التي وردت فيه.
فمن العار علينا أن نهمل حرفاً من حروفه أو نتجاهل بنداً من بنوده، فحرام علينا أن نقتل الزهراء مرة أخرى في دفن هذا الأثر أو فرض التعتيم عليه بهدف دفن حقها.
لقد غضبت الزهراء عليهم، وهذا يعني غضب الله عليهم وإن صلوا وصاموا وادعوا بأنهم مسلمون أو قيمون على الإسلام والمسلمين، ألم يكفهم عاراً أن الزهراء حرمتهم من معرفة مكان قبرها كعلامة على شدة غضبها، ألم يكفهم أنهم هتكوا حرمتها وأحزنوها بدل أن يخففوا عنها آلامها، لقد زادوها حزناً فوق حزنها، ومنعوها من البكاء على أبيها كيلا يبقى الناس ذاكرين له، وقد كان بكاؤها على أبيها يذكرهم بالنبي دائماً، لقد أرادوا بها كيداً فجعلهم الله الأخسرين حيث حاولوا أن يدفنوا ذكر النبي عندما هجموا على دارها، ولكنها بمجرد أن خاطبت الناس تذكروا رسول الله وأجهشوا بالبكاء.
يَجِبُ أَنْ نَبْقَى قَرِيْبِيْنَ مِنَ الزهْرَاء
إذا كنا من عشاق سيدتنا فاطمة وممن يقتدون بها حقاً وصدقاً وجب علينا أن نعيش معها لحظة بلحظة، وذلك من خلال مطالعة تاريخها والوقوف على كل ما ورد عنها، فعلينا أن نقرأه جيداً ونفهمه بطريقة صحيحة، وبذلك نبقى معها وإن بَعُدَ زماننا عن زمانها، فإن الزمن لا يفصل بين الناس مهما كان بعيداً.
وها نحن اليوم نعيش مع أنبياء الله عليهم السلام كآدم وإدريس ونوح وإبراهيم، والزمن الفاصل بيننا وبينهم يُعد بآلاف السنين، ولكننا لم نشعر يوماً بأننا بعيدون عنهم أو هم بعيدون عنّا، بل نشعر وكأننا موجودون معهم في ساحاتهم، نرى تحركاتهم ونسمع كلامهم ونشاهد معجزاتهم، وهنا يكمن السر في قراءة التاريخ والتمعن فيه، حيث يشير الإمام علي(ع) إلى نفع المطالعة وقراءة التاريخ بشكل جيد لأن ذلك يُرجعنا بأرواحنا ونفوسنا إلى الوراء حتى نُعَدَّ كأحدهم، وكذلك فإننا نعيش مع نبينا الأعظم(ص) وأئمتنا المعصومين(عليهم السلام) لحظة بلحظة، ونسلك خطاهم ونأتمر بأوامرهم الصادرة منذ أكثر من أحد عشر قرناً وكأنهم الآن يأمروننا أو الآن يُعلّموننا أو يرشدوننا لما فيه الخير لنا.
وبالطريقة ذاتها يجب أن نتعامل مع سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء(ع) فإن تاريخها واضح وكلامها بيّن، فهو حجة علينا في يوم الحساب، حيث لا عذر للمقصرين بواجباتهم تجاهها، وخطبتها ما زالت تتردد في مسامعنا وكأنها الآن تتكلم وتحتج وتستنكر وتدافع عن الدين وتصلح ما أفسده القيمون على الناس باسم الناس ومعتقداتهم وأديانهم، فلقد كان كلامها واضحاً لا غبار عليه، وموقفها من ظالميها بيّناً لا يختلف في ظهوره أحد، وكذلك الهدف من وراء كل ما قامت به مهما حاول أهل الضلال أن يحرفوا الكلم عن مواضعه ويوجهوا الإتهامات الباطلة لأعظم امرأة في هذا الوجود، فقد كذبوا على أبيها من قبل فلم تكن ممارساتهم موضع استهجان أو مفاجأة لأن ذلك ديدنهم في التعاطي مع عظمائهم وأهل الخير فيهم.
خُطْبَةُ الزهْراءِ(ع) إِحْدَى رَكَائِزِ الدَوْلَةِ العَادِلَة
لقد كانت عبارات خطبتها ركائز متينة لحياة كريمة بل لدولة الحق والعدل والمساواة وحرية الضمير، وكانت عباراتها مدرسة كبرى لرواد الحقيقة وطلاب المعرفة وأهل العلم عبر الزمن لأنها تعبر عما في ضمير الحق وتتكلم بلسان كل غيور على الدين ومهتمٍ بالقيم والمبادئ.
وهي بذلك تتابع مهمة أبيها وتعمل على حفظ الدين الذي أتى به من عند ربه نوراً للبشرية ومنقذاً لهم من الضلال والإنحراف رغم أنهم استحبوا ذلك على الهدى وآثروا طاعة الشيطان على عبادة الرحمن لأنهم لمسوا دنياهم في اتباع الهوى ونبذ الهدى وراء ظهورهم وضربه بعرض الحائط بعدما كانوا يلتفون حول الرسول ويقتدون به ويأتمرون بأوامره فانقلبوا بعد إيمانهم كفاراً كأنه لم يُبعث فيهم رسول الله الذي أنقذهم الله به.
لقد نزلت تلك الخطبة الكريمة صاعقة على رؤوس الظالمين الذين أرادوا قتلها قبل أن تتكلم وتكشف عن نواياهم السيئة وأهدافهم الخبيثة التي طالما خططوا لتنفيذها في حياة الرسول، ولكن وجوده بينهم وقف حائلاً دون تنفيذها.
لقد تعامل كثير من المسلمين بالأخص مع تلك الخطبة كأنشودة يترنم القارئ بها ويستأنس السامع بألفاظها ومعانيها وذلك بعيداً عن العمل بها والإقتداء بمضمونها، وهذا هو الإنحراف بعينه لأنه من الحرام الأكبر أن ندفن أو نهمل تلك التعاليم الإلهية التي أجراها الله تعالى على لسان سيدة نساء العالمين سلام الله عليها، ولذلك يجب على كل مسلم أن يسلك نهج الزهراء ويعمل بعملها ويدافع عن حقها ونهجها الذي هو نهج الإسلام العظيم، فلا إسلام من دون فاطمة، ولا إيمان لنا إذا أهملنا ذرة من حقها.
نَظْرَةُ أَعْدَاءِ الزّهْرَاءِ إلى الْمُؤْمِنِيْنَ بِهَا
يجب أن نثبّت أقدامنا في طريق الحق لنواجه التيارات الهوجاء والعواصف الطائشة التي تأخذ في طريقها كل ما يعترضها، يجب أن نقف موقفاً واضحاً في وجوه الظالمين الذين لم يكتفوا بظلم الزهراء، وإنما وصلت نوبتهم إلى ظلم المؤمنين بها والمدافعين عن حقها، حتى نُظر إلى المؤمنين بها كما يُنظر إلى الكفار والملحدين، ولذلك فقد أسس أعداء الزهراء وبالأخص أولئك الذين عاصروها وعصروها ورأوها بأعينهم وسمعوها بآذانهم واقتحموا دارها وانتهكوا حرمتها وعصوا الله ورسوله في تلك الممارسات البشعة، لقد أسسوا نهجاً عدائياً لمدى الحياة، وجيشوا له جماعات تتولى شأنه، ووظيفة هذا النهج هي التزوير والتحريف ووضع الأوهام وزراعة الأحقاد ونشر الكراهية في صفوف الناس تجاه بعضهم البعض، ودفن الحقائق وإخفاء معالم الدين خصوصاً تلك التي كان مصدرها آل رسول الله(ص) لقد جندوا لتلك المهمة الشيطانية والوظيفة العدائية رجالاً من مختلف الطبقات والمذاهب تسللوا إلى قلوب بعض المؤمنين بالزهراء عن طريق الترغيب والعروضات المغرية ليتحول هؤلاء من محبين إلى أعداء فتكون الضربة بهم أوجع وآلم للأمة وأحرارها، لأن ظلم ذوي القربى أشد وقعاً وأثراً من ظلم الغير، لقد جعلوا من هؤلاء البسطاء أدرعاً بشرية يردون عنهم سهام أهل الحق الذين التزموا نهج فاطمة وضحوا بالغالي والنفيس في هذا السبيل الذي يرسم لهم طريق الجنة وسبيل السعادة، إذ لا سعادة في الدنيا والآخرة من دون محمد وآله(ص) ولا راحة من أهوال يوم الحساب إذا لم يكن النبي وآله قادتنا هناك.
لقد فشلت محاولاتهم المتكررة عبر مئات السنين لأنهم كلما نجحوا في تنفيذ خطة وجدوا أمامهم عصبة مؤمنة تقف حجر عثرة في طريقهم الشريرة.
وما زال هؤلاء المؤمنون موجودين حتى اليوم وهم على أتم الإستعداد للبذل والتضحية في سبيل الزهراء لأنهم معتقدون تماماً بأن الزهراء هي العامل الأول لحصولهم على سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الحق بلا شك.
خُطْبَةُ الزّهْرَاءِ نَصْرٌ للهِ تَعَالَى
قال سبحانه وتعالى(إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) وقال تعالى(وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) والكتاب المجيد مليء بالآيات التي تحدثنا عن كون الله ناصراً ومعيناً وحامياً لعباده المخلصين الذين ينصرون ربهم بالطاعة الصادقة والجهاد في سبيله والعمل من أجل عياله، وهذه المفاهيم الإيمانية الكبرى ترجمها النبي وآله(ص) على أكمل وجه وأتم صورة، ووقفة فاطمة الزهراء يوم الهجوم على دارها وإضرام النيران فيه لأكبر شاهد على كونها ناصرة لله تبارك وتعالى، لأنها دافعت عن الدين الحنيف بكل ما آتاها الله من قوة، ولأجل ذلك فقد نصرها الله وحفظ نهجها وذكرها وآثارها رغم العمل المستمر من قبل أعدائها على دفن ذكرها وآثارها لأن آثارها تضم الحق، وهم يكرهون الحق، إذ ليس من مصلحتهم نشره بين الناس الذين إذا عرفوا الحق أعرضوا عنهم، لأنهم سوف يكتشفون مباشرة أنهم أهل الضلال الذين يعملون من أجل أنفسهم ومصالحهم، وليس من أجل الناس كما يدعون كذباً على الناس وافتراءاً على الحق وأهله.
مُحَاوَلاتُ التّضْلِيْلِ الفَاشِلَة
ومنذ أن فضحتهم الزهراء وكشفت عن نواياهم السيئة التي كانوا يبيتونها ضد الإسلام والمسلمين راحوا يعملون على حفظ ماء وجوههم عبر اتهام الزهراء وتحريف ما قامت به، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى أقوى، فلم ينجحوا في جميع محاولاتهم رغم أنهم يصرفون الأموال الطائلة على المجموعات المجندة لهذه المهمة الشيطانية التي تُرتكب باسم الإسلام، لأنهم كلما حاولوا إثبات الباطل وجدوا أمامهم فقرة من خطبة الزهراء قد وقفت فحالت بينهم وبين تنفيذ مخططاتهم الحاقدة، حيث أحاطت الزهراء في كلامها بكل ما يمكن أن يُستعمل كسلاح في وجه الظالمين ودليل ضدهم.
لقد كانت الزهراء عالمة بتلك المؤامرات التي سوف تجري بعدها فوضعت بكلماتها المباركة نهجاً قويماً لا تزلزله رياح الشر والغدر عبر الزمن، إذ كيف تؤثر تلك المؤامرات على نهجٍ كان وما زال نهج الله، وهل يمكن لهؤلاء وغيرهم أن يقفوا في وجه الإرادة الإلهية؟ ونحن الآن ننصح كل الذين يضمرون العداء للزهراء ويؤسسون للطعن في نهجها بأن يوفروا طاقاتهم لأمر يمكن أن يُكتب لهم النجاح فيه، أما الأمر الذي يمس بالزهراء فإنه لن يحصل، لأن الله معها، فهو يحفظ نهجها، ويسدد أهله ومتبعيه، ولذلك فإننا نخبركم من الآن أن جميع المخططات العدائية لن تنجح ولو استعنتم بشياطين الإنس والجن لأنه سوف يضعفكم الله عز وجل، ويهدم كل ما تبنونه على الكره والغدر والظلم والجور.
سوف تفشل مخططاتهم كما فشلت عبر التاريخ، والذي أفشلها في السابق هو الذي سوف يكتب لها الفشل في الحاضر والمستقبل، وهؤلاء يجهلون الزهراء لأنهم لو أدركوا عظمتها وعرفوا شأنها لوفروا على أنفسهم كل تعب وعناء، حيث لن يتخلى الله عن شخص وجدت السماوات والأرض من أجله، وقُرن غضب الله بغضبه ورضاه برضاه، وهؤلاء مهما صلوا وصاموا وحجوا واعتمروا وقرؤوا القرآن وبنوا المساجد فلن يشكل ذلك لهم أي عذر أمام الظلم الذي أنزلوه بسيدة نساء العالمين وفلذة كبد رسول الله وروحه التي بين جنبيه.
ألم يعلم هؤلاء بأن الزهراء ريحانة رسول الله وأم أبيها وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وأن الرسول كان يعظمها بأمر من الله تبارك وتعالى.
ألم يعلموا بأن الزهراء عندما تنادي يوم القيامة إلهي أحكم بيني وبين من ظلموني سوف تتغيظ نار جهنم غضباً على ظالميها وغاصبي حقها.
ألم يعلموا بأن من ترضى عنه الزهراء سوف يرضى عنه الخالق القدير، وأن الذي تغضب عليه فلن ينال الرحمة أبداً.
لقد فشلت مؤامراتهم وأحبطت مخططاتهم لأنهم أرادوا أن يمسوا كرامة أطهر وأنزه امرأة في هذا الوجود، فكيف يصدقكم أهل الضمائر الحرة وأنتم تتهمون فاطمة التي عصمها الله تعالى عن كل نقص وعيب وخطأ فهي الكريمة وهي العظيمة وهي الصادقة والصدّيقة والطاهرة والمطهرة وهي التي لها جلال عظيم لا يعلوه سوى جلال الله جل جلاله.
مَن من الأحرار يصدق بأن الزهراء(ع) قد اقترفت خطئاً في حياتها؟ لا أحد يصدق ذلك على الإطلاق لأن سمعتها الطيبة وتاريخها المشرق وسيرتها العطرة وقفت حائلاً بيننا وبين تصديق تلك الإدعاءات الواهية، لقد كانت الزهراء أقوى من تلك الإشاعات والإفتراءات التي كان الهدف منها قتل الإسلام وإخراج الإيمان من قلوب أهله.
ورغم فشل مخططاتهم وعلمهم بأن الله تعالى هو الذي يصنع ذلك فلم يقفوا عند هذا الحد وإنما حاولوا بطرق عديدة علهم ينجحون في قتل نهج الزهراء فلم يجدوا وسيلة لذلك ولن يجدوا من ينجح في تنفيذ هذه المهمة إلى يوم القيامة، ونحن بعون الله وتوفيقه سوف نبقى مع الزهراء لتكون معنا في يوم الحساب فلن نتخلى عن نهجها لحظة لأن التخلي عن نهجها يعني الهلاك.
إِيْذاءُ الزّهْرَاءِ(ع) أَذَىً للهِ وَرَسُوْلِهِ
قال رسول الله(ص) :ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت: وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق المسلمون عليها لإيمانهم بأن الرسول قد ابتلي بما لم يبتلى به غيره من الأنبياء، فالجميع متفقون على صحة ورود هذا الحديث، ولكن الخلاف وقع في معناه، فإن كل جهة تفسر معنى الأذى بالطريقة التي تفهمها والتي تنسجم مع آرائها ومعتقداتها، وربما مع مصالحها.
ولو بحثنا عن أبعاد هذه الكلمات التي أطلقها نبي الرحمة في بعض المواضع المُرة، ونظرنا إلى محتواها لأدركنا حقيقة ما قُصد بها، بَيْدَ أن جميع الأنبياء والرسل قد ظُلموا بشتى أنواع الظلم، وأشهرها القتل على أيدي اليهود الذين بالغوا في قتلهم وإيذائهم ليصدوهم عن تأدية واجباتهم وتبليغ رسالات ربهم.
لقد ضجت الأرض بحجم الظلم الذي وقع على الأنبياء والرسل(عليهم سلام الله) مِن قتل وتشريد ونفي وتجويع وتوجيع وتخويف وتهويل وطرد من الديار وتكذيب واتهام بالسحر والجنون، إلى ما هنالك مما لا طاقة لنا على حصره بسبب كثرته، وذلك ضمن إطار الحملات الشاملة ضد الرسالات السماوية وحامليها.
وكان من أبرز الذين عانوا الأمرّين أبا البشر الثاني نوحاً(ع) الذي استغرقت دعوته الأولى للناس ألفاً إلا خمسين عاماً، ولا يمكن أن نتصور كيف قضى تلك المدة بين أناس متحجري العقول وميتي الضمائر، فلقد كان كلما دعاهم إلى الله تعالى سخروا منه واستهزؤوا به، وإلى هذه الحالة النفسية القاسية أشار القرآن الكريم بقوله عن نوح(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) فرغم دعوته المتكررة لهم، وربما المستمرة، لم يكن لها أي جدوى، حيث لم يستجب له منهم أحد، وإنما أصروا على الكفر والضلال وعبادة الأوثان، ورغم سوء أوضاعهم وتعاطيهم مع نبيهم، ورغم طول المدة التي عتوا فيها وأفسدوا مجتمعهم، ورغم تلك المعاناة التي عاشها معهم، لم يصل مستوى ظلم قومه له إلى مستوى ظلم القرشيين لرسول الله محمد(ص) لأن الساعة التي كانت تمر على خاتم الأنبياء تعادل سنوات من التي مرت على الأنبياء من قبل، ويعود هذا التفاوت إلى نوع الظلم وحجمه والظروف التي كانت حاكمة في زمانه، فإن الأعوام الثلاث والعشرين التي مرت على محمد بن عبد الله تعادل جميع المراحل التي عاشها الأنبياء قبله لأن المجتمع الذي أرسل إليه الخاتم(ص) لم يكن كسابقيه من المجتمعات، وإنما كان مجتمعاً فريداً من نوعه من حيث الظلم والعناد والقساوة ونوعية المواجهة مع النبي.
ولا نبالغ إذا قلنا ما قلناه، فالذي قرأ تاريخ المجتمع العربي الذي بُعث فيه محمد(ص) لأدرك حقيقة ما نقول، ولعل السبب في هذه المعادلة يعود إلى أمور:
الأمر الأول: وهو أن أذى الناس لنوح(ع) لم يتجاوز ألسنتهم وبعض الإشارات التي كانوا يستعملونها للتوبيخ والإستهزاء، فلقد حدثنا القرآن الكريم عن استهزائهم وسخريتهم، إلى أن توجه إلى الله تعالى بالدعاء عليهم فلم يبق لهم على الأرض أثر، حيث أهلكهم الله سبحانه بالطوفان، أما رسول الله محمد(ص) فلم يتوقف الناس عن ظلمهم له طيلة حياته، ولم يكتفوا من الظلم بالسخرية فقط، وإنما راحوا يترجمون ما بضمائرهم من حقد وغيظ ضده، فآذوه باليد واللسان وبأعز ما لديه، فقد استهزؤوا بالله خالقهم وجحدوا به وكذبوا الآيات والمعجزات، وهذا لوحده كان أعظم أذى لرسول الله(ص).
الأمر الثاني: أن أذي مشركي مكة والمدينة صدر منهم وهم على علم بصدق دعواه وما أتى به من عند الله تبارك وتعالى وأنهم كانوا يعلمون بأنه النبي الموعود، فتحمل الأذى كله إلى أن نشر الدين في جميع بقاع الأرض وما زال هذا الدين مزدهراً وسوف يبقى كذلك إلى يوم القيامة لأن التأسيس له كان من أجل أن يستمر ويبقى فلم يكن بالأمر الآني.
الأمر الثالث: أن أذى الناس لرسول الله بدأ منذ بعثته ولم ينته حتى يومنا هذا، ولن ينتهي إلى يوم القيامة، فطالما أن هناك ظالماً على وجه الأرض، وروح النبي(ص) تسمع وترى كل شيء، وأن كل أذى يصاب به الإسلام أو فرد من المسلمين فإنه يصيب محمداً(ص) فسوف يبقى الأ1ذى ملازماً له(ص) لأنه الغيور والحريص على أنفس المؤمنين ومشاعرهم وأحاسيسهم، وأكبر موارد الظلم هو الذي يصيب آل محمد الذين ما زالوا يُظلمون في كل يوم ألف مرة، وهذا الظلم يقع على النبي لأنهم نفسه وروحه وأقرب الناس إليه، فنوح(ع) ظُلم من قبل قومه مدة تقرب من ألف سنة، أما ظلم الناس لمحمد بن عبد الله فإن عمره حتى الآن ألف وأربعمائة سنة تقريباً، ولم يُرفع هذا الظلم حتى اليوم، وظلم الناس لنوح ارتفع عنه في حياته، أما ظلمهم لرسول الله فلقد كان في حياته وبعد مماته.
الأمر الرابع: أن النبي الأكرم(ص) كان على علم بما سوف يجري على أهل بيته وعلى المؤمنين بالله والموالين له ولآله عبر الزمن، ولذلك فقد عاش في حياته همومهم وآلامهم قبل أن تنزل بهم، وأفجع أنواع الأذى ما جرى على ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) عندما اقتحم المسلمون دارها وانتهكوا حرمتها وغصبوا حقها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها وآذوها بشتى أنواع الأذى المادي والمعنوي، ومنعوها من البكاء على أبيها واعتقل بعلها، وإلى ما هنالك من أنواع الظلم الذي لا يكاد يحصى له عدد، ورغم كل ذلك كان النبي(ص) عالماً به قبل حصوله، فقد كان يتجرع الأذى تلو الأذى، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وهو غاضب على الذين ارتدوا ثوب الإسلام وقلوبهم خالية من الرحمة والإنسانية والإيمان.
طَمَعُهُمْ بِالمُلْكِ أَعْمَى بَصَائِرَهُم
إشتدت وطأة الظلم واستفحل ساعد الشر واستحوذ الشيطان على قلوب أكثر المسلمين الذين كُشفت الأقنعة المزيفة عن وجوههم لحظة هجومهم على دار فاطمة البتول وقرة عين الرسول الطاهرة الزكية وإضرام النار في بيتها الذي كان مقصداً لملائكة الله ومهبطاً للوحي والتنزيل، لقد أعمى الشيطان قلوبهم وسيطر على كل مشاعرهم فأنساهم إنسانيتهم فضلاً عن دينهم ومعتقدهم فلم يروا أمامهم سوى الحصول على الملك مهما كان نوع الثمن قبيحاً حتى وإن كان الثمن قتل الزهراء وزوجها وبنيها وجميع المؤمنين.
وهذا ما أقدموا عليه بالفعل، غير أن السحر انقلب على الساحر فخسر هنالك المبطلون.
نَقْضُهُمْ لِلْعُهُودِ مَعَ الرّسُوْل
فيا عجباً لسرعان نقضهم العهود التي قطعوها مع الرسول من قبل، ويا عجباً لنسيانهم الرسول الذي لم يمض بعد على وفاته ثلاثة أشهر، فقد أنساهم الطمع نبيهم الذي عانى الأمرين من أجلهم ودفع كل حياته ثمناً من أجل أن يجعلهم بشراً مؤمنين، فلم يحفظوا رسولهم فيما أوصاهم به، ولم يصنعوا مع آله خيراً، وإنما تحولوا إلى حيوانات مفترسة ونار تأكل الأخضر واليابس، وهم الذين سمعوا رسول الله مراراً يقول لهم: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي: موضحاً لهم أنهما يشكلان للأمة الصراط القويم بعده، ولكون آله(ع) هم العالمون بالقرآن الكريم والعاملون به والمحافظون عليه والحريصون على أن يسلك الناس نهجه ويستنيروا بهديه.
وقد أكد رسول الله في وصاياه على حفظ الزهراء مبيناً لهم موقعها عند الله تبارك وتعالى، وأنها الدليل على الله والجنة، وأنه(ص) كان كلما اشتاق إلى رائحة الجنة شم ابنته فاطمة(ع) وأنه من آذاها فقد آذى الرسول ومن آذى الرسول فقد آذى الله، وليس ذلك إلا لأجل كرامة الزهراء عند الخالق القدير ومنزلتها السامية عنده، وأنها نور من نور ربها، وأنها موضع عجب الملائكة الذين كانوا يتبركون بها وبذكرها، ويأنسون بإزهار السماء عندما كانت تقوم إلى محرابها للصلاة، فلقد كانت تزهر السماء وتشع فيها أنوار فاطمة.
لقد طال ما أوصاهم النبي بها ليلقي الحجة عليهم لأنه كان يعلم ما سوف يجري على ابنته من بعده، وهو الرحمة الكبرى للعالمين، وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ولكن ومع الأسف لم يفلح كثير منهم، ولم يتبع الرسول سوى قلة قليلة تكاد لا تتجاوز عدد أصابع اليد، فاقتحموا الدار المباركة وخذلوا رسول الله الذي كانت الزهراء روحه التي بين جنبيه، فقد كانت روحه حاضرة عندما اقتحم الناس دارها وكأنهم يقتحمون موقعاً عسكرياً معادياً من دون رحمة ولا شفقة ولا خوف من الله تعالى، وهم يدركون تماماً بأنهم في اقتحامهم المشؤوم يرتكبون معصية من كبائر المعاصي التي يستحق فاعلها عليها النار الكبرى بل الدرك الأسفل من النار.
لقد قست قلوبهم فكانت كالحجارة أو أشد قسوة منها، وقد كانوا ألعن من اليهود الذين كذبوا الآيات وأنكروا الدلائل والمعجزات، وهؤلاء أيضاً أنكروا الآيات بطريقة جنونية وشيطانية لم يسبقهم عليها أحد من الناس قبلهم، فلقد كانت الزهراء بينهم آية ومعجزة، ورغم ذلك فلقد تجرؤوا على تلك المعجزة الكبرى وآذوها فكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها وهتكوا حرمتها من دون شفقة ورحمة.
لقد أصبحوا بذلك أبرز عناوين الظلم والجور، وأقرب مصداق من مصاديق الخيانة والإرتداد عن الحق، فلقد تركوا كل الظالمين الذين كانوا يشكلون خطراً فعلياً على الإسلام والأمة الإسلامية فتجاهلوا خطرهم وسمحوا لهم بالعيش بينهم وتحولوا جميعهم إلى دار الطهر والنزاهة والأخلاق الحسنة والصفات الكريمة ليقتلوا كل خير بقتل صاحبة الدار(ع).
وأعظم وصف لتلك الجريمة البشعة هي أنني لا أستطيع أن أصف ما صنعه القوم في حق الزهراء البتول، ونفس عجزي عن البيان أعتبره أبلغ من أي وصف آخر.
وأنا أسأل هؤلاء ومن رضي بظلمهم، ألم تفكروا في تلك اللحظات كيف كان شعور رسول الله تجاهكم؟
ألم تفكروا في شدة الغضب الإلهي عليكم وأنتم تضربون تلك الآية العظيمة التي ببركتها وجدت السماء والأرض وما فيهن وما فوقهن وما تحتهن؟
ألم تفكروا في نوعية العذر الذي سوف تعتذرون به لله عندما يسألكم عن تلك الجريمة؟
ألم تعلموا أن النار موعدكم وأن الغضب الإلهي بانتظاركم؟
لم يفكروا في شيء لأنهم أصبحوا عبيداً مخلصين للشيطان الرجيم لا يخرجون عن دائرة أوامره.
وهنا أسألهم مرة أخرى فأقول: ماذا صنعت الزهراء لكم حتى تنزلوا بها هذا العقاب الوحشي؟ إنها لم تصنع معكم سوى الجميل، ولم ترد لكم سوى الخير، ولم تفكر يوماً في إيذائكم، بل إنها لم تدعو عليكم، إذ أنها لو توجهت لحظتها بالدعاء لما ترك الله منهم على الأرض أحداً، ولكنها لم تدع عليهم علهم يرجعون إلى الصواب ويتخلون عن الغي والضلال.
لقد شاءت إرادة الله تعالى أن تسكت الزهراء وتصبرعليهم حتى ينكشف للعالم كله حقيقة أولئك المتسترين بثوب الإسلام كيلا ينخدع الناس بهم فلا يبقى بعد ذلك للدين أي أثر.
لقد سكتت الزهراء عن الدعاء عليهم فقط، ولكنها لم تسكت عن بيان الحق، بل تكلمت أمام الجميع حتى لا يصبح أولئك الظالمون أبطالاً إسلاميين عبر التاريخ، لأن كلماتها تلك أوضحت الحقيقة للناس وكشفت لهم عن نوايا القوم تجاه الإسلام والمسلمين.
ورغم وضوح الحقيقة وجلاء صورة الموقف ما زال بعض الناس حتى اليوم يعتبرون ما صُنع بالزهراء عملاً بطولياً، وليس ذلك إلا نتيجة للتعصب الأعمى الذي هلك به ملايين الناس عبر الزمن.
شُمُوْلِيّةُ خُطْبَةُ الزَهْرَاءِ لِأَكْثَرِ مِنْ وَاقِعَةٍ وَحُكْمٍ
تارة يكون السكوت أبلغ من البيان، وأخرى يكون البيان واجباً، ويعود ذلك إلى وجود المصلحة أوعدمها من البيان وعدمه، فقد يسكت الشخص إذا كان النقاش فارغاً لا يستفاد منه بشيء على الإطلاق، فهو حينئذٍ يعتبر أن السكوت عن هذا الأمر من الذهب، أما عند بيان الحق فيكون الكلام أثمن من الذهب وبالخصوص إذا توقف بيان الحق عليه، كما كان حال الزهراء(ع) مع قومها الذين حاولوا قتلها حتى لا يتبين الحق للناس فيخسر الطامعون ما سعوا إلى تحقيقه عبر ظلمهم وحقدهم وخبثهم وارتكابهم للجرائم البشعة والممارسات الشنيعة، فكان لا بد للزهراء من أن تتكلم حتى لا يظن أحد بأن الذين هجموا على دارها كانوا أهل حق أو كانوا غيورين على مصلحة الناس كما كانوا يشيعون بين أفراد مجتمعهم، فلقد ألبسوا الباطل لباس الحق وصوروا ضلالهم بصور الهدى وشرهم بصور الخير، مع أن ضلالهم أضل أنواع الضلال، وشرهم شر من كل شر.
لقد واجهت الزهراء ذلك الموقف رغم ألمها ووجعها من جراء كسر ضلعها وإسقاط جنينها ونَبْتِ المسمار في صدرها، والدماء تنسال منها، والألم النفسي بلغ أقصى الدرجات عندها، ورغم ذلك وقفت ذلك الموقف الجريء وتكلمت بكلام فيه لله رضا وللناس منفعة إن أخذوا به، وبكلامها ذاك كشفت عن ضلال القوم وانحرافهم ومستوى أطماعهم وحجم استكلابهم على الحكم والسلطة وتولي المناصب التي كانت سبباً في هلاكهم على مستوى الدنيا والآخرة، لأن الحاكم إذا كانت تصرفاته سيئة فسوف ينعكس هذا السوء عليه فيُفقده كل شيء ويهدم كل ما بناه على ركائز الظلم والجور.
لقد خطبت فاطمة الزهراء خطبة بليغة وفصيحة ذات أبعاد كبيرة ومعان عميقة، فلم تدع شاردة ولا واردة إلا وبينتها من باب إتمام الحجة وإحكامها، ولكن وكما قال الشاعر: لقد أسمعتَ لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي:
خاطبتهم فاطمة بقول بيّن وكأنها لم تخاطبهم، حيث سمعوا كلامها وتجاهلوا معناه خوفاً على معيشتهم، فتباً وسحقاً لعيشٍ يقوم على ظلم فاطمة الزهراء أو أي شخص من الناس، لقد كانت إغراءات القيمين على الساحة وتهديداتهم للناس حائلاً بينهم وبين اتباع الحق، فوضعوا الأقفال على أسماعهم وقلوبهم فكانوا كما قال الله تعالى(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ)
وهؤلاء الذين خذلوا رسول الله بعد التحاقه بالرفيق الأعلى ولم يحفظوه في آله ولا في الأمة الإسلامية قد ارتدوا على أدبارهم، وإلى ذلك يشير القرآن بقوله(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) وهذا ما ذكّرتهم به السيدة الزهراء(ع) في خطبتها عندما وعظتهم بأن يرجعوا إلى الصواب وأن لا يستسلموا لأهواء الحكام والطامعين الذين استهوتهم الحياة الدنيا وأغرتهم زخارفها بعدما كانوا ينعمون بوجود النبي فيهم، بل بعدما كانوا يزاحمونه في ركبتيه ولكن ليس من أجل البركة واكتساب الأجر والثواب وإنما كان ذلك تخطيطاً منهم للمستقبل، حيث كانوا يتوقعون موت النبي بين لحظة وأخرى لكونه كان مطلوباً إلى كل الجهات المتضررة من وجود الإسلام وانتشاره، وما أكثر المتضررين من ذلك، كانوا يجلسون في أعالي الجبال عند نشوب أية معركة، فلا ينزلون إلى الساحة إلا بعد انتهائها، فإن كان النصر حليف النبي قالوا إنّا معك يا رسول الله ونحن نفديك بأرواحنا وأموالنا، ولم يكن ذلك إلا مجرد كلام خال من الفحوى والمضمون وبعيداً عن الواقع بُعد الأرض عن السماء، وأما إذا كان النصر لغير المسلمين أنكروا إسلامهم وادعوا أنهم معهم ليحفظوا رؤوسهم لأنهم يريدون العيش وإن كان عيشاًَ ذليلاً، وهؤلاء هم المنافقون الذين وبخهم الله تعالى وفضحهم عندما قال في كتابه المجيد(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)
لقد كان كلام الزهراء(ع) مقنعاً وواضحاً وبيناً لا يمكن لأحد أن يدعي بأنه يحمل أكثر من وجه، حيث حرصت(ع) على أن يكون الكلام بمستوى الحاضرين، فخاطبتهم بالطريقة التي يفهمونها حتى تلقي الحجة عليهم فيما صنعوه أو ما يمكن أن يفعلوه بعد ذلك الموقف.
الدّفَاعُ عَنْ الحَقِّ دَلِيْلٌ عَلَى الإِسْتِقَامَة
إذا كنا مؤمنين بالله تعالى حقاً، ومسلمين له صدقاً وإخلاصاً، وموقنين بالرسل والملائكة والجنة والنار والثواب والعقاب وجب علينا أن نجعل من أنفسنا وأموالنا وجميع قدراتنا وطاقاتنا مدافعاً عن الحق وحامياً له، وبالخصوص الحق المتعلق بالنبي وآله(ع) ونحن هنا أمام نص عظيم وأثر إسلامي كبير لا يجوز إهماله ولا التهاون بأمره لأنه يشكّل بالنسبة إلى الدين ركيزة أساسية من ركائزه ومحوراً مهماً في وصول الناس إلى أكثر الحقائق والمفاهيم، فأي إهمال لهذه الركيزة، وأي تقصير بالواجب تجاهها فإنه سوف يعرضها للإنهيار والسقوط، وإذا انهارت تلك الركيزة انهار معها كل شيء، وأعني بكل شيء الدين وما يندرج تحته من عنواين ومفاهيم ومتعلقات عامة وخاصة.
خُطْبَةُ الزَّهْرَاءِ(ع) جَوْهَرَةٌ نَادِرَةُ الوُجُوْد
ونظراً لأهمية خطبة الزهراء وضرورة الإهتمام بكلياتها وجزئياتها وظاهرها وباطنها وعامها وخاصها وجب علينا أن نلفت النظر إلى ما يتعلق بهذا الأثر الكبير والنادر والذي لم يعهد التاريخ أثراً مثله بعد القرآن وكلام النبي وعلي صلوات الله عليهم أجمعين، ومن جهة ثانية فإن الدفاع عن حق الزهراء واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، ومسؤولية على كل صاحب رأي حر وضمير صاح، فمن تخلف عن القيام بهذا الواجب أو قصّر في تولي هذه المسؤولية وحَمْلِها كما يجب فقد تخلى عن إسلامه وقيمه وأخلاقه بل عن إنسانيته لأن الدفاع عن حق الزهراء أمر إنساني قبل أن يكون أمراً دينياً ومسألة إسلامية كونها(ع) تعني الإسلام الحنيف، وهي في ذات الوقت أحد أركانه الأساسية، بل هي المدخل إليه، فمن أراد أن يكون إسلامه صحيحاً وجب عليه أن يعتقد بعصمتها وبكونها ظُلمت على أيدي الذين اقتحموا دارها، وأنها مشمولة بآية التطهير، وأن رضا الله تعالى متوقف على رضاها.
ومن هذه النقطة يجب أن ننطلق في حياتنا، وبهذا المنظار يجب أن نعمل ونسلك الطريق، فمن تولى عنها وأعرب عن خطها فقد خسر خسراناً مبينا.
خُطْبَةُ الزَّهْرَاءِ(ع) مِنْ أَعْظَمِ النُّصُوْصِ
وإن خطبتها الشهيرة التي يحفظها الكثيرون ويقرؤها العديدون تُعتبر من أعظم النصوص التاريخية وأكبر الآثار التي خلّفتها الزهراء في الأمة، فهي صحيفة حق لا باطل فيها، ونور لا تعتريه ذرة من ظلمات الحياة، ونحن نعتقد بأن كثيراً من غير المسلمين احترموا هذا النص الفاطمي وعظّموه لأنهم أدركوا قيمته التي تجاهلها المسلمون كعادتهم، فغيرنا يرى بأن هذا الأثر هو مصدر نور للبشرية ووثيقةٌ يجب فهمها والأخذ بما ورد فيها، لأن ما ورد فيها نافع على كل حال سواء كان الآخذ مؤمناً بالزهراء أو جاحداً بحقها ومنكراً لشأنها، فإذا لم يرد هؤلاء التعاطي مع آثارها على أنها سيدة النساء فعلى الأقل عليه أن يتعامل معها على أساس كونها عالمة وبليغة وفصيحة وصاحبة حق لنتعلم منها كيف نسترجع الحق من غاصبيه.
وقد أطلنا الكلام في التمهيد للدخول إلى فقرات تلك الخطبة ولكننا لا نلام، لأن الواقع المنطقي يفرض علينا التقديم بهذه الطريقة، حيث أننا لا نقدم لأمر عادي، بل لأمر خرق نواميس العادة حتى تحول إلى رمز تاريخي لا مثيل له، وإن هذه المقدمات تنفعنا كثيراً في فهم المراد من تلك الفقرات التي وردت على لسان الزهراء سلام الله عليها، ولعل أبرز سبب في إطالة التمهيد هو الضمانة من عدم خسران أمر أو تجاوز مسألة قد تتوقف عليها أجزاء كثيرة من حياتنا، فلا يمكن أن نتعامل مع هذا الأثر الذي نعتبره جوهرة ثمينة كما نتعامل مع النصوص العادية الأخرى، ثم الذي يدعونا إلى ذلك هو أن الآثار الواردة عن الزهراء قليلة جداً، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى آثارها بتلك النظرة الكبيرة ونضع كلامها أوسمة على صدورنا.
ثم إنه مهما طالت المقدمات وكثرت التمهيدات لكلامها(ع) نبقى قاصرين عن إدراك جوهرها والوصول إلى تمام المراد من ذلك البحر الزاخر الذي لا نفاد له، وسوف يظهر لنا في البحوث القادمة أننا قصرنا في المقدمات لأن معانيها وأبعادها لا يمكن أن تنال إلا بالإحاطة بكل ما يتعلق بخطبتها، يبقى هناك أمور يجب أن نمهد بها الطريق للوصول إلى الهدف المطلوب والمقصد المراد من خلال الغوص في بحر كلامها.
ونحن ننصح كل طالب معرفة بالرجوع إلى أهل العلم ليسأل عن معاني كلام الزهراء، وسوف يدرك بأن لكلامها أغواراً مهما تبحرنا فيها فلن نحصي تمام مرادها لأنها(ع) ليست امرأة عادية، بل هي العالمة والصدّيقة والزكية والراضية والمرضية والمعصومة، فالشخص الذي يحمل مثل هذه الصفات لا بد وأن يكون كلامه فوق مستوى كلام الناس العاديين.
رُوْحُ أَهْلِ العِصْمَةِ وَاحِدَةٌ
عندما نتحدث عن واحد من المعصومين(ع) فكأنما نتحدث عن الجميع، لأن شأنهم واحد وديدنهم واحد وكيفية تعاطيهم مع الله والخلق واحد، وسبب هذا التوحد في السلوك والصفات هو أن المصدر الذي يأخذون عنه، والطريقة التي يتعلمون بها هي واحدة، فلقد أخذوا علمهم عن رسول الله عن جبرائيل عن الله تبارك وتعالى، ولقد أحسن من قال: ووال أناساً قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرائيل عن الباري: وهذا يعني أنهم يشكلون في هذه الحياة النهج القويم والصراط المستقيم، وهذا ما صرّح به رسول الله(ص) عندما قال:مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى: ومن هنا نعلم بأن هناك قاسماً مشتركاً بين الجميع وهو وحدة توجهاتهم نحو الهدف الأسمى وهو الحفاظ على دين الله عز وجل.
الهَمُّ الّذِي شَغَلَ بَالَ الرَّسُوْلِ(ص)
لقد كان كل هم الرسول الأكرم(ص) أن يصل الدين إلى جميع المناطق في العالم، وكانت وظيفته مركّبة من أمرين: الأول: إيصال الدين إلى الجميع، والثاني: الحفاظ عليه بعد نشره، وقد دفع حياته كلها في سبيل ذلك.
أَهَمُّ مَسْؤُولِيَّاتِ الوَصِيِّ عَلِيٍّ(ع)
وكذا كان هم الإمام علي(ع) وهو حفظ الإسلام من دخول الأغيار عليه، فلقد أمّنه من كل خطر عسكري وفكري وعقائدي لإيمانه بأن هذا الوجود لا قيمة له من دون عقيدة في قلوب الناس، فقد بذل كل طاقاته وإمكانياته في سبيل بقاء الدين واستمراره، فكل المعارك التي خاضها وكل التعاليم التي أوصلها إلى أذهان الناس كان الهدف منها حفظ الإسلام من الأخطار، وقد نجح الإمام في ذلك بسبب إرادته العالية وإخلاصه لله ورسوله، بينما كان غيره يهدفون إلى أمور لا علاقة لها بالدين، فقد كانوا يسعون لكسب المال والجاه والحصول على الحكم نابذين خلفهم مسؤولياتهم تجاه الدين، فلم يكن همهم دين الله، وإنما كان همهم أنفسهم، وذلك على خلاف ما كان عليه علي(ع) الذي دفع روحه ثمناً لبقاء الدين الحنيف الذي كان يعتبره أغلى من روحه ووجوده.
وقد أقر أهل الحق وأصحاب الضمائر الحرة بهذا الجهد الكبير والفضل العظيم لأمير المؤمنين علي(ع) موقنين بأنه لولا جهوده وجهاده وسهر عينه لما بقي للإسلام أي أثر في هذه الحياة.
وكذلك الإمام الثاني من أئمة الهدى الحسن الزكي المجتبى سبط الرسول المصطفى، فقد حفظ الإسلام والمسلمين بحكمته ووعيه وصبره على أذى الأمويين له ولأخيه وللمؤمنين، فقد أجرى مع معاوية صلحاً فيه الضمانة لهذا الدين، فإنه لولا صلحه المعروف لزال الإسلام من الوجود على يد معاوية ومن تبعه من الناس، ونحن نعتقد تماماً بأن معاوية لا يمثل الإسلام، بل هو يمثل مجموعة من الناس كان لهم المصلحة في اتباعه والسير خلفه.
وكذلك الإمام الثالث أبو عبد الله الحسين الشهيد حبيب جده وروحه وريحانته الذي بذل الدم الغالي من نفسه وأولاده وأصحابه في سبيل الدفاع عن الدين مصرحاً بهذا الهدف قبل وصوله إلى كربلاء بمدة طويلة حيث قال: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر: وكان العاشر من شهر محرم عام واحد وستين للهجرة أبرز حدث وأكبر أثر للحفاظ على الدين.
وهكذا كان الأمر لدى الزهراء البتول التي عملت جاهدة على إصلاح ما أفسدته أيدي الغدر والجور والخيانة أصحاب المطامع والمصالح الخاصة الذين حرّفوا كتاب الله ونبذوه خلف ظهورهم وبدّلوا معانيه الأساسية ووضعوا معان تنسجم مع أهوائهم ومصالحهم، وفرضوا على الناس أن يأخذوا بآرائهم ويسيروا على نهجهم رغم وضوح بطلانه، كل ذلك بهدف الوصول إلى الغايات الدنيئة التي خططوا لها من عهد رسول الله(ص) ولكنهم لم يستطيعوا أن يحركوا ساكناً في حياته، فأرجؤوا الأمر إلى ما بعد وفاته، لأنهم لو واجهوا الرسول لمَا أيدهم أحد، فرأوا أن يصبروا إلى أن يموت محمد فتخلو الساحة حينئذٍ أمامهم، فهؤلاء لم يؤمنوا برسول الله إلا من أجل غاياتهم الخبيثة، حيث لمسوا المنفعة في إعلان الإسلام، وهم في الحقيقة أعداؤه الألداء الذين يريدون تدميره بطريقة خفية حاقدة، وإذا صادف أنهم حافظوا على الدين مرة فلأجل أنفسهم، لأنه ليس من مصلحتهم أن يزول الشيء الذي يعلقون عليه آمالاً كبرى، فلو لم يكن لهم في انتسابهم إلى الإسلام مصلحة لما أعلنوا الإسلام من الأساس، والدليل على ما نقول هو أنهم لم يأتوا إلى الإسلام إلا بعد أن رأوا تهافت الناس عليه، فلم يكونوا سباقين إليه، وإنما انتظروا النتيجة، فرأوا أنهم إذا لم يدخلوا فيه فسوف ينبذهم الناس، فعند ذلك أعلنوا الإسلام ظاهراً، وقلوبهم مليئة بالعداء للرسول والرسالة ولجميع المؤمنين بالله ورسوله وبالأخص أهل البيت(ع).
وأكبر شاهد على كونهم أعداءاً لرسول الله والدين هو أنهم عند وفاة الرسول تركوه مسجى في أحضان علي وراحوا يتفقون على تقسيم التركة في السقيفة المشؤومة التي كانت مصدر البلاء الأكبر للإسلام.
ويدلنا على كرههم لله ورسوله ما فعلوه بسيدة نساء العالمين، وكلهم يعلمون بأن النبي كان يقدسها ويأمر الناس باتباع نهجها.
مِيْرَاثُ الأَنْبِيَاء(عليهم السلام)
من جملة الأمور التي يجب أن نجعلها مقدمة لهذه البحوث مسألة الإرث عند الأنبياء، فلقد ادعى كثير من المسلمين بأن الأنبياء لا يورثون أبناءهم من المال شيئاً، ولا يوجد في الكتاب والسنة ما يدل على صحة هذا الحكم، بل يوجد ما يؤيد كونهم يورثون المال لأبنائهم، مثل قوله تعالى(وورث سليمان داوود) يعني ورث عنه كل شيء من مال وحكم وسلطة وعلم، فإن قيل بأن ما ورثه سليمان هو النبوة، فهذا هو الخطأ الأكبر، لأن النبوة ليست وراثة، بل هي تعيين واصطفاء مباشر من الله سبحانه وتعالى، وقولهم يعني أن جميع أبناء النبي يجب أن يكونوا أنبياء وهذا من الأخطاء الظاهرة التي لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان.
وهذه النقطة بالذات كانت مورد نقاش بين الزهراء ومقتحمي دارها، فلقد أرادوا أن يحرموها من حقها في فدك بحجة أن الأنبياء لا يورثون درهماً ولا ديناراً، مع أن الأحكام الإلهية تسري على الجميع، على الأنبياء قبل غيرهم، فكما كان النبي مأموراً بالصلاة والصوم والحج والجهاد كغيره من الناس، فكذلك الأمر في مسألة الإرث، فالذي يجب أن يفعله المسلم العادي في موضوع الإرث يجب على النبي أن يفعله أيضاً، ولا يوجد نص شرعي يخرج الأنبياء عن دائرة هذا التكليف، وإنما يوجد رأي للمجرمين الذين حاولوا أن يزوروا كلام الله ويحرموا الزهراء من حقها، ولكنها كانت(ع) لهم بالمرصاد، حيث أدلت بالأدلة القرآنية التي تثبت لها حقها في الإرث، وسوف نشير إلى هذه المسألة بالتفصيل عند شرح الفقرات الخاصة بهذا المجال.
لقد برّر هؤلاء جريمتهم الشنيعة بأن الأنبياء لا يورثون مالاً وإنما يورثون العلم فقط، ولا يوجد نص كهذا، بل هو بدعة ابتدعها أصحاب المطامع، و هذا القول يعتبر اجتهاداً في مقابل النص، وهو باطل بالضرورة كما يعرف الجميع.
ولو أننا نزلنا عند رغبتهم وسلّمنا معهم جدلاً ووافقناهم على هذا الرأي من أن النبي لا يورث سوى العلم لكان ذلك بحد ذاته دليلاً ضدهم لأنه يثبت كذبهم وافتراءهم على الله ورسوله، وهنا يجب أن نعلق على الأمر لأنه الحجة البالغة التي تدينهم جميعاً عند الله سبحانه وتعالى، فلو آمنا بأن الأنبياء يورثون العلم وأنهم حرموا الزهراء من فدك لأنها لا ترث عن أبيها سوى العلم فقط، وقد أثبت كلامهم بأن الزهراء ورثت العلم عن أبيها، وعِلْمُ أبيها هو من عند الله، وأن الذي يرث علم الرسول يكون مثله يجب اتباعه والأخذ بعلمه لأنه هو مصدر العلم الصحيح، والزهراء ورثت علم محمد، فإذاً يجب علينا أن نأخذ بعلمها لأنه حسب إقراركم هو علم الرسول، وقد قالت لكم الزهراء بحسب العلم الذي ورثته عن أبيها بأن أولاد الأنبياء يرثون عن آبائهم الأموال، فمعنى ذلك أن فدكاً من حقها، وأنكم بحرمانها من حقها تفترون على الله الكذب وأنتم تعلمون.
ولا يحق لكم أن تنكروا كلام الزهراء لأنه عين كلام أبيها الذي يجب الأخذ به بحسب الأمر الإلهي الواضح(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ، والنبي لا يخطئ، وكذلك وارث علمه لا يخطئ أيضاً، وهنا نصل إلى النتيجة الحاسمة، وهي أن كل الذي صنعه هؤلاء ضد الزهراء لم يكن شرعياً بل هو غصب للحق وإنكار لرسالة السماء وترجمة لتلك العداوة التي كانوا يضمرونها لرسول الله(ص) من قبل.
والنتيجة الثانية: وهي أن الإعتماد على القول بأن الأنبياء لا يورثون مالاً، مردود على أصحابه، لأنه مخالف لظواهر القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولم تقتصر مخالفتهم للكتاب والسنة على هذا الحكم فقط وإنما خالفوا الكثير من الأحكام الواضحة، فما كان منسجماً معهم أخذوا به وما كان مخالفاً لأهوائهم أنكروه وكانوا بذلك مصداقاً لقوله تعالى(أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
وهذه الآية المباركة لم يقصد بها اليهود فقط وإنما تشمل كل من يترجم هذه التجزئة في سلوكه مع الله تعالى.
أَهَم النُقَاطِ الوَارِدَةِ فِي خُطْبَةِ الزّهْرَاءِ(ع)
في هذا البحث سوف نقف على نقاط تتكفل ببيان الحقيقة التي عملت الزهراء في خطبتها على بيانها، ولا بد لنا دائماً من التذكير بالحق، لأن هناك جهات عديدة تعمل على طمس الحقائق وفرض التعتيم على المسائل التي لا تنسجم مع أهوائهم ولا تنزل عند رغباتهم.
النقطة الأولى: وهي أن أحكام القرآن الكريم والسنّة المطهرة من واجبات ومحرمات تشمل رسول الله والأئمة المعصومين(ص) فَهُم يلتزمون بها كغيرهم من الناس، بل إن التزامهم بها أولى من التزام الناس، لأنهم القدوة للبشر، والمعصومون الذين لا يتركون واجباً ولا يرتكبون محرماً، ولا أحد من الرواة والمحدثين والمؤرخين ينكر بأن رسول الله(ص) كان ملتزماً بأوامر الله تعالى ونواهيه مع وجود خصوصيات خص الله بها نبيه من قبيل جواز التزويج بأكثر من أربع نساء لحكمة من الله تعالى.
مثلاً: عندما يقول الله تعالى(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فهذا حكم شرعي من الله تعالى، وعلى الجميع أن يلتزموا بمضمونه، سواء كانوا معصومين أو غير معصومين، وهذا الحق الإلهي للولد ينطبق على سيدة نساء العالمين(ع)، وعلى القول بأن البنت ترث النصف فقط، فقد كان لها حق في نصف فدك على الأقل، ولكنهم أرادوا أن يحرموها كلياً من هذا الإرث، وهي عندما خرجت تطالب بحقها ليس من أجل فدك وثمنها، بل من أجل الحفاظ على أحكام الله تعالى، لأنها لو سكتت عن هذا الحق في هذه المرة فسوف يتجرأ القوم على أحكامٍ أخرى في المرة المقبلة، وبهذه الطريقة يزول الدين من الوجود، فلم يكن هم الزهراء فدكاً كما حاول البعض أن يصور الأمر للناس ويقول بأن طمع الزهراء بفدك هو الذي جرها إلى ما حدث لها، وإنما كان همها عدم تحريف الحكم الإلهي.
النقطة الثانية: وهي أن النبي(ص) هل يملك كغيره من الناس أو أنه لا يملك: نحن وغيرنا من المسلمين نعتقد تماماً بأن رسول الله(ص) كان يملك الأشياء كغيره من الناس، فلقد كان يملك داراً ودابة وأمتعة وطعاماً، وإلا إذا قلنا بأنه لا يملك فكيف كان يأكل طعاماً لا يملكه؟ وكيف كان يركب دابة ليست من حقه؟ فإذا قلنا بأنه لا يملك كان ذلك خروجاً واضحاً عن النصوص المعتبرة، وهذا يعني حرمانه من حقوقه المدنية والشرعية، ولا أحد يقر بهذا الأمر، وإذا قلنا بأنه يملك الأشياء(وهو الصحيح) فهذا يعني أنه إذا مات وله تركة فيجب أن توزع تركته على أولاده كما نص القرآن الكريم، ولم يكن لرسول الله من الأولاد سوى فاطمة(ع) فهي تملك تركة أبيها كلها بالأصل والرد.
النقطة الثالثة: لقد قلنا ونكرر بأن أحكام الله عز وجل شاملة لجميع المكلفين من دون استثناء، فلا يخرج من دائرة التكليف أحد حسب الأنظمة الشرعية التي سنتها الشريعة، فلا يخرج عن دائرة التكليف سوى فاقد القدرة والمجنون وغيرهم ممن شملهم حديث الرفع: رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطأ والنسيان وما لا يعلمون ما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان:
إذاً.. لا يخرج أحد عن دائرة التكليف إلا إذا استثناه القرآن الكريم أو السنة الشريفة، ففي موضوع الإرث إذا راجعنا الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تحدثت عن الإرث لوجدناها وردت مطلقة لم تستثن من الناس أحداً، ولو كان النبي(ص) وابنته الزهراء(ع) مستثنيين من هذا الحكم لذكره القرآن أو لذكره الرسول على الأقل، ولماّ لم يرد استثناء فيهما ولم يأتي نص يخرجهما عن هذه القاعدة كان الحكم شاملاً لهما أيضاً، فما هو الدليل الذي اعتمد عليه الذين حرموا الزهراء من حقها في حرمانها من الإرث؟ نقول: لا يوجد نص يخرجهما عن القاعدة سوى افتراء القوم عليهما.
وقد أشارت الزهراء(ع) إلى هذه النقطة بالذات عندما توجهت إلى أبي بكر قائلة له: أفي كتابٍ أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئاً فرياً، ثم قالت أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي:
لا يوجد قرآنان، ولم يخص الله أحداً بآية أخرج منها محمداً(ص) فعلى أي أساس يريدون أن يطبقوا شريعتهم بالزهراء دون شرع الله تعالى.
النقطة الرابعة: أن فاطمة الزهراء(ع) معصومة، وليس في قلب المعصوم طمع بشيء سوى رضا الله تعالى، فلا يعقل أن تنحرف الزهراء عن الحق من اجل قطعة أرض كبيرةً كانت أو صغيرة، وهي التي كانت تتصدق على الفقراء بكل ما تملك.
النقطة الخامسة: وهي الترويج بين الناس من أن فاطمة عرضت نفسها للخطر وخرجت على حكم الله تعالى طمعاً بفدك، وذلك من أجل أن يحرضوا الناس عليها فلا يلومونهم فيما يصنعون بها وإن قتلوها.
النقطة السادسة: لو كان الذين هاجموا دار الزهراء يريدون الحفاظ على شرع الله وأحكام كتابه كما يدعون كذباً لما أقدموا على ارتكاب تلك الجريمة وبتلك الطريقة الوحشية التي لا تتفق مع الدعوة إلى الله وإصلاح شرعه، فإنه تعالى يأمرنا بأن ندعو الناس إلى دينه بطرق الخير والحكمة حيث قال(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) والطريقة التي أراد بها القوم تصحيح الأمر كما يدعون لا تنسجم مع معنى هذه الآية الكريمة، حيث أنهم كانوا بعيدين كلياً في تعاطيهم مع الزهراء عن الحكمة والموعظة الحسنة، حيث كانوا وحوشاً ضارية تهجم على فريسة لا حول لها ولا قوة، لقد كانوا بتعاملهم ذاك مسيئين لها، وهي الواعظة لهم، فلم تخاطبهم بوحشية كما تعاملوا معها، وإنما راحت تعظهم وتذكرهم بالله علهم يرجعون إليه، وهي تعلم بأنهم لن يتوبوا ولن يخشوا الله تعالى، ولكنها ألقت الحجة عليهم كيلا يكون لهم حجة في يوم الحساب.
إن الدعوة إلى الله تعالى تتم بالطريقة التي سنها الله وليس عن طريق خلع الباب وكسر الضلع وإسقاط الجنين ونبت المسمار في الصدر والسب والشتم وغير ذلك من ممارسات البشاعة التي صدرت عن القوم يوم الهجوم الشيطاني على منزل النبوة والإمامة والعصمة والطهر والنزاهة والعلم والأخلاق الكريمة والصفات العليا.
النقطة السابعة: وهي الكشف عن نوايا القوم وفضحهم أمام الملأ كيلا يبقى الناس ظانين بهم خيراً، وبالنبي وآله شراً، وهذا هو جوهر المؤامرة التي حاكها القوم ضدها، فهل كانت نيتهم إصلاح الفساد كما يدعون؟ أم أنها كانت نشر الفساد بعد أن نشر النبي الخير والعدل والمساواة بينهم؟ فلو كانت نيتهم إصلاح الأمر لوجب عليهم أن يتركوا الأمر للزهراء، فهي التي من شأنها أن تصلح الفساد وتحاربه لأنها العالمة بالصلاح والفساد والمميزة بينهما، فلو كانت نيتهم الإصلاح لكان أول أمر يجب أن يقوموا به هو عدم الهجوم على الزهراء واللجوؤ إليها في تصحيح الأمر.
لقد أرادوا بها كيداً فجعلهم الله الأخسرين، لأنها وقفت موقفاً جريئاً لم يكن أحد منهم يتوقع صدور مثل هذا الموقف الذي كان بمثابة صاعقة نزلت على رؤوسهم، لأنها استطاعت أن تفضح أمرهم وتكشف نواياهم الهادفة إلى الإستيلاء على كرسي العرش وهدم الإسلام ووضع دين آخر مكانه يكون منسجماً مع أهوائهم الضالة وممارساتهم المنحرفة عن جادة الصواب.
لقد كشفت الزهراء للعالم كله بأن هؤلاء لم يدخلوا إلى الإسلام عن قناعة وإيمان، وإنما دخلوا إليه لأنهم لمسوا المصلحة من إعلان الإيمان حفاظاً على أنفسهم من أيدي المسلمين.
النقطة الثامنة: لقد كُشف للناس مدى حقدهم الذي كان مبيتاً منذ فترة طويلة، وأنهم حاسدون لها لما سمعوه من النبي في حقها، فلقد كان رسول الله(ص) يحدثهم دائماً عن ابنته فاطمة ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى، فبدل أن يعظموها ويقتدوا بها ويتبركوا بوجودها بينهم راحوا يبعدونها عن الساحة لأنها كانت تشكل خطراً على عروشهم القائمة على الظلم والكذب والتحريف والإنحراف، ولأنهم أدركوا حجم الخطر الذي تشكله عليهم فقد أقدموا على ارتكاب تلك الجريمة في حقها وهم يعلمون بأن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة، ولكن الشيطان الغوي أنساهم غضب ربهم عليهم وأنساهم كل القيم والمبادئ والآثار التي سوف تنجم عن جريمتهم، فأطاعوا الشيطان بصدق وإخلاص وعصوا الرحمن بشكل واضح.
النقطة التاسعة: وهي أنهم خططوا ونفذوا ما خططوا له، ولكنهم لم ينجحوا في الوصول إلى الهدف، حيث كانت إرادة الزهراء(ع) أقوى منهم، فقد خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة، فكانوا أخسر الأخسرين، وقد جعلهم الله تعالى عبرة للبشر على مر العصور.
النقطة العاشرة: وهي أن خطبة الزهراء اشتملت على بيان النصوص القرآنية المحكمة التي تثبت حقها في فدك، أما هم المعتدون الآثمون فلم يملكوا دليلاً واحداً ضدها.
النقطة الحادية عشرة: وهي أن طلب الزهراء من علي بأن يخفي قبرها فيه حكمة وهدف لا يعرفه الكثيرون، فلقد ادعى بعضهم بأنها طلبت ذلك كيلا ينبشوا قبرها، وأنا شخصياً أرفض هذا المنطق لأنهم لن يستفيدوا بشيء من نبش قبرها سوى العار عليهم فيزيدهم هذا الفعل عاراً فوق عارهم السابق، فهم لا يقدمون على ذلك ليس من باب الخوف من الله تعالى بل من باب الخوف من كلام الناس والعادات والتقاليد التي كانت تمنع ذلك بشدة، ولعلها طلبت إخفاء قبرها لتبيّن للناس حجم الأذى الذي نزل بها، وفي نفس الوقت حجم غضبها عليهم، فهي لا تريد منهم أن يزوروا قبرها ويبكوا عليها ويستعملوا قبرها للوصول إلى غايات قبيحة مرة أخرى، فقد أرادت أن يموتوا في حسرتهم لأنهم ليسوا من البشر، بل هم وحوش ضارية على صورة بشر.
وقد كانت في اتخاذ هذا القرار كما في غيره حكيمة وواعية، لأن الناس سوف تسأل دائماً لماذا أخفت قبرها؟ وهذا السؤال سوف يكون مفتاحاً لبيان الحقيقة التي يطلبها الناس، وإن إخفاء القبر أحد أكبر العوامل المساعدة على بيان الحقيقة وصدق فاطمة(ع) وهي الصادقة في كل مورد وعلى كل حال.
الحَمْدُ الحَقِيْقِيّ
قالت سيدة النساء فاطمة الزهراء(ع) في بداية خطبتها المباركة:
(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الْشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ)
عندما أجمع القوم الذين خسروا أنفسهم وباعوا آخرتهم على منع السيدة فاطمة الزهراء(ع) من حقها ظلماً وافتراءاً على الله تعالى، وكرهاً لرسوله محمد ووصيه على صلوات الله عليهما وآلهما، وقد علمت الزهراء باجتماعهم وجوهر المؤامرة التي يحيكونها ضد الإسلام والقرآن عن طريق إفراغ الساحة من أهل الإسلام والقرآن، وضعت(ع) ستاراً على بدنها وخرجت إلى القوم بهدف وقف المؤامرة ووأد الفتنة التي يرأسها الطامعون بالسلطة عن طريق التحريف والتزوير، فأشارت إليهم فهدأ الجميع ليسمعوا كلامها ويقارنوا بينه وبين ما قيل بها وعنها على لسان ساداتهم الموهومين، ثم بدأت ابنة رسول الله بالكلام وكأن الرسول هو الذي يخاطب القوم فقالت:
(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الْشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَالْثَّنَاْءُ بِمَا قَدَّمَ، مِنْ عُمُوْمِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَسُبُوْغِ آلاءٍ أَسْدَاهَا، وَتَمَاْمِ مِنَنٍ أَوْلاهَا، جَمَّ عَنْ الإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَنَأَى عَنْ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا، وَتَفَاوَتَ عَنْ الإِدْرَاكِ أَبَدُهَا)
أيها القراء الأعزاء.. إن هذه الخطبة المباركة كبيرة جداً، وهي كثيرة بألفاظها، وغزيرة بمعانيها وأبعادها ومضامينها وبالمفاهيم الكبرى التي اشتملت عليها، وهي في نفس الوقت عظيمة ببلاغتها وفصاحتها، ومتقاربة في اللهجة والمحتوى والطريقة بلهجة أبيها رسول الله وبعلها سيد البلغاء علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، ولو لم يكن رسول الله ميتاً لاعتقد الجميع بأنه هو الذي يتحدث إليهم، وهذا الظن لوحده يجسد دليلاً واضحاً ضد القوم، لأنهم رغم علمهم بمنزلة الزهراء ومكانتها وكرامتها لم يراعوا لها ولأبيها أية حرمة، وإنما هجموا على دارها كما يهجم الحيوان المفترس على فريسته بلا شفقة ولا رحمة، غير أنهم كانوا شراً من الحيوان المفترس الذي إذا أكل شبع، ولكن هؤلاء لم يشبعوا رغم كثرة ما أكلوا، ولم يرتووا رغم غزارة الدماء التي سفكوها، وقد أكدت الزهراء بمنطقها المشابه لمنطق الرسول بأن المعصومين حلقة مترابطة في الفكر والسلوك والجوهر، فهم يشبهون بعضهم البعض من جميع النواحي، وهذا يؤكد لنا بأن المصدر الذي ينهلون منه واحد، وهو الله تبارك وتعالى.
لقد بدأت الصدّيقة المظلومة كلامها بحمد الله تعالى، وهذا من شيم الأبرار وأخلاق الأطهار الذين يخشون ربهم بالليل والنهار ويرجون ثوابه ويخافون عقابه، فهم يبدؤون الفعل والقول بحمد الله والثناء عليه ليتوج كلامهم بالبركة ويكون أقرب إلى المسامع والقلوب.
والحمد: لفظ أعم من لفظ الشكر الذي لا يصدر إلا بعد نزول النعم، فإذا أنعم عليك ربك أو أحسن إليك أحد الناس قلت له : الشكر لك: أو : أنا أشكرك : بخلاف الحمد الذي يصح استعماله في حالتي النعمة والبلاء، فإنك تستطيع أن تحمد ربك على نعمته وعلى بلائه.
والحمد: يحمل معنى الشكر، ولا عكس، لأن الحمد يصدر على كل حال كما ورد عن النبي الأكرم محمد(ص) الذي كان يقول: الحمد لله على كل حال:
والحمد: عندما يصدر عن مثل الزهراء سيدة النساء(ع) فإنه يصدر عن علم بمعناه الحقيقي العميق، وعن كيفية استعماله، وأين ومتى ولماذا وماذا ينتج عن إصدار هذا اللفظ وعلى أي شيء يدل وإلى أي شيء يهدف، الأمر لا يتوقف عند مجرد مادة (حمد) بل هو أوسع دائرة من ذلك، فهو لفظٌ يخاطَب به ربُ العالمين سبحانه، وهو علامة من علامات أهل الإيمان، لأن المؤمن هو الحامد لربه حقاً وصدقاً قولاً وعملاً.
ونحن عندما نجعل الحمد علامة على الإيمان فلا نقصد به اللفظ، وإنما نقصد به التوجه القلبي وتطبيق أثر الحمد عملياً، فالمؤمن يترجم حمده بطاعة ربه والعمل الصالح لأن حقيقة الحمد المعتبر هو العمل الدال على كون المؤمن حامداً لربه، وإلا فإن المجرمين والظالمين والكافرين في بعض الأحيان يقولون الحمد لله، فهناك فرق واضح بين أن أقول أنا أو تقول أنت (الحمد لله) وبين أن تقول الزهراء ذلك، فإن الدافع لدى الزهراء غير الدافع عندي وعندك، وما تعرفه الزهراء عن الحمد وما تقصده به غير الذي أعرفه أنا أو أنت أو أي إنسان عادي، ولأجل ذلك نحن نتأمل بكل كلمة تصدر عن المعصوم وإن كان ظاهرها عادياً، وإننا بهذا التأمل والتفكر لا نبالغ في القول والفعل وإنما نصنع ما يجب أن يصنعه العقلاء حول ما يصدر عن عظمائهم.
والسؤال الوجيه هنا، لماذا نؤكد على بيان جوهر الحمد؟ نحن نفعل ذلك لأن الحمد يجب أن يخرج من القلب قبل أن تتردد ألفاظه على اللسان، فإن كثيراً من الناس يستعملون هذا اللفظ ولا يدركون معناه ولا يعرفون مؤداه ولا يقصدون جزء ما قصدته الزهراء بحمدها لربها قبل البدء بالكلام.
كثير من الناس لا يتعدى الحمد عندهم ألسنتهم، وكأنه تحول إلى مجرد مصطلح يستعملونه في بعض الحالات، كما لو قلت لأحدهم كيف حالك؟ فيقول لك (الحمد لله) وهو يقصد بهذا الحمد أن يرد عليك من باب اللياقة فقط، ولا يقصد به الحمد الحقيقي الذي يترتب عليه أجره وثوابه.
وهذه الإستعمالات للألفاظ الدينية لم تنحصر في الحمد فقط وإنما تعدت لتطال الكثير من تلك الموارد التي استعملها الناس في غير محلها، كتحية الإسلام التي أصبحت مجرد تحية مجردة عن أي معنى شرعي، مع أنها من الأمور التي تعود على صاحبها بالكثير من الأجر والثواب، فلو قصدت بالتحية وجه الله تعالى لكان أجرك عظيماً عند الله، أما إذا لم تقصد بها سوى التحية المجردة عن نية القربة إلى الله، فلا أعتقد أنها تعود عليك بالأجر.
وقد ورد أن الله تعالى جعل في التحية سبعين حسنة، تسع وستون منها لملقي التحية، وواحدة للراد إلا إذا أحسن في ردها فله عشر حسنات، فلو كان ملقي التحية منطلقاً من هذا المنطلق وعاملاً على هذا الأساس لكانت تحيته هي التحية التي حدثنا عنها القرآن وأمرنا بردها.
وقد طال الإستهتار بالأمور الدينية أكثر العبادات كالصلاة والصوم والحج وربما الجهاد وربما غير ذلك من أنواع العبادات التي أصبحت تؤدى كعمل شكلي يقوم به المرء لأنه لا بد من القيام به.
هذه الروحية التي نتعامل بها مع الأمور الدينية بعيدة عن المعصومين سلام الله عليهم فهم يراقبون الله في كل شيء من قول أو فعل أو ترك أو أي أمر من أمور الدنيا ليكون عملهم مثمراً ونافعاً.
آثَارُ الحَمْدِ عَلَى الحَامِد
ما زال الكلام حول قول الزهراء(ع) في بداية خطبتها(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ) وقد تحدثنا في البحث الماضي عن أمور عديدة لها علاقة مباشرة بلفظ الحمد وجوهره، وذلك على اعتبار أن الناس نوعان تجاه هذه الآداب الدينية، فمنهم من يقصد بالعمل وجه الله تعالى مهما كان قليلاً أو صغيراً، ومنهم من يطلق هذا الشعار أو يستعمل هذا الأدب من دون أن يلاحظ كونه أمراً شرعياً يترتب عليه الأجر والثواب.
فالحمد أمر كريم، واستعماله في موارده أمر عظيم، وهو أول كلمة في الكتاب المجيد بعد البسملة، فقد افتتح الله كلامه بالحمد حيث أنه أول كلمة من أول سورة قرآنية وهي قوله تعالى(الحمد لله رب العالمين) والبدء بها ليس أمراً شكلياً، بل هو دعوة ضمنية إلى تتويج العمل أو القول بذكر الله تعالى عبر حمده والثناء عليه، وأهم أنواع الثناء على الله تعالى هو حمده، وقد أشير إلى هذا المعنى الدقيق في دعاء الإفتتاح حيث قال الداعي(فأثني عليه حامداً)
ومن آثار حمد الله تعالى على الحامد أنه يضفي عليه السكينة ويُشعره بالإطمئنان ويخفف عنه آلامه ويهدئ له من روعه ويؤنس له وحشته، لأنه عندما يحمد الله تعالى خصوصاً عند نزول البلاء فإنه يشعر بالقرب من رب العالمين سبحانه، فإذا قال المبتلى (الحمد لله) هانت عليه مصيبته وانحدر عنه حزنه وزال ألمه، لأن الحمد الصادق هو في الحقيقة أُنسٌ للحامد ووسيلة من وسائل التقرب إلى الله عز وجل.
وهناك شعار أطلقه الرسول(ص) حول الحمد بيّن فيه مورد استعماله عندما قال: الحمد لله على كل حال: هذه رسالة وجّهها النبي الأعظم للبشرية يحثهم فيها على استعمال الحمد في مورده الصحيح والتزامه في جميع الحالات لكونه من العوامل المساعدة على الصبر وتحمل المرارات والمشقات.
وقد أخبرنا مولانا الصادق(ع) عن مورد استعمال الحمد لدى الرسول الأعظم(ص) حيث قال(ع) كان رسول الله إذا ورد عليه أمر يسره قال الحمد لله على هذه النعمة وإذا ورد عليه أمر يغتم به قال الحمد لله على كل حال:
وهذا يعني أن الحمد يستعمل لشكر النعمة ودفع آثار النقمة، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى آثار الحمد حيث قال: الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره وسبباً للمزيد من فضله ودليلاً على آلائه وعظمته:
هذه كلها رسائل خير وتعليم وتوجيه وتثقيف أوردها النبي وآله ليرسموا بها طريق السعادة لسالكي نهجهم والسائرين في طريقهم والعاملين على طريقتهم، ولكننا نتفاجأ بأن كثيراً ممن علموا هذا الشيء عن الحمد لم يلتزموا بمضمون تلك الرسائل، بل رفضوا الفكرة من أساسها لأنهم ضعفاء أمام أي بلاء ينزل بهم حيث تصبح قوة المناعة الدينية لديهم ضعيفة لأقل نازلة وأصغر بلاء.
وليس ذلك من صفات المسلم، ولا من أخلاق المؤمن الذي يقتدي في الحياة بالنبي وآله(ص)، إذ لو كان معهم لعمل بعملهم، وهم(عليهم السلام) القائلون :ما شيعتنا إلا من عمل بعملنا:
هناك أشخاص إذا انهالت عليهم النعم استبشروا خيراً وشكروا ربهم، ولا ندري إن كانوا بهذا الشكر يقصدون الله أو يعبرون بالشكر عن عظيم فرحهم بما نالوه من النعمة، فنحن نلاحظ بأن كثيراً من الناس إذا رزقهم ربهم برزق معيّن قالوا مبتهجين : الشكر لله: وربما قالوا :الحمد لله: وقد يصدر منهم ذلك وهم منبهرون لشدة فرحهم، والدليل على هذا هو أنه إذا مُنعوا من النعمة لم يحمدوا الله، بل يفقدون صوابهم ويطلقون عبارات لا تليق بهم أن يستعملوها، فنفس عدم الحمد منهم عند نزول المصيبة أو النقمة لأكبر دليل على كونهم عندما شكروا الله على النعمة لم يكن شكرهم لله، لأن الذي يتقرب إلى الله تعالى بشكر النعمة لا بد وأن يتقرب إليه بالحمد عند نزول المصيبة.
فقد حاول رسول الله وآله(ص) أن يحثوا الناس على الحمد عند النعمة والنقمة لأن ذلك أنفع لهم وأقرب إلى رضوان الله وغفرانه ورحمته، ولكن الناس لم يقبلوا بتوجيهات الرسول لهم، ولم يسلكوا نهجه فكُتب عليهم الهلاك.
وبعد هذه المقدمة الطويلة حول حقيقة حمد الله نأتي إلى حمد الزهراء لربها في مطلع خطبتها حيث قالت :الحمد لله على ما أنعم: والجدير بالذكر هنا هو أن الزهراء سلام الله عليها أطلقت عبارة الحمد وصبتها على ما أنعم ربها عليها، فلم تأت على ذكر البلاء، بل لم تقرن لفظاً يدل على البلاء بلفظ الحمد رغم شدة البلاء وكثرة المصائب التي نزلت عليها، وكأنها(ع) لم تبتلى بشيء، مع أن ما نزل بها لا تحتمله الجبال، وأنا أعتقد أنها أرادت أن توصل رسالة إلى الناس، مضمونها عدم فَقْد الصواب عند نزول البلاء، لأن فقد الصواب يوقع الإنسان في الأخطاء، فمهما كثرت عليك المحن وتتالت عليك المصائب فلا تستسلم لوسوسات الشيطان الرجيم الذي أراد أن يوقع بالإنسان في حفر النيران وخصوصاً في الحالات التي تكون فيها القابلية للخروج عن الطريق أيسر عليه وأسهل، وهي حالات البلاء.
أرادت(ع) أن تلفت انتباهنا إلى كون النعم الإلهية علينا أكثر بكثير من المصائب التي تعترضنا في حياتنا، فإذا شعرنا يوماً أننا سوف نفقد الصواب بسبب نزول البلاء فلنتذكر نعم الله علينا التي جم عن الإحصاء عددها ونأى عن الجزاء أمدها كما تقول الزهراء(ع) ففي هذه الحالة يبقى المرء متمالكاً نفسه ورشده فلا يخرج عن جادة الصراط المستقيم، ولنضع نصب أعيننا قوله تعالى(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فلا ينبغي أن تسيطر علينا قلة المصائب مع وجود كثرة النعم فينا وحولنا وفوقنا وتحتنا.
لقد صبت على الزهراء مصائب جمة ورغم شدة المحنة ورداءة الظروف التي أحاطت بها بقيت قوية ومتماسكة لعلمها بأن نعم ربها عليها كثيرة وأعظمها نعمة الإيمان.
ضَرُوْرَةُ التَّعَمُّقِ فِي مَعَانِي وَأَبْعَادِ خُطْبَةِ الزَّهْرَاءِ
في هذا البحث وما يليه سوف نلقي الضوء على أبعاد ومعاني خطبة السيدة الزهراء(ع)، وهذا لا يعني أن نقف على شرح المفردات العامة والمعاني الكلية لها، بل ينبغي أن نستفيد من كل ما يمكن أن يوافق هذه الخطبة أو يشبهها ولو من بعيد، ونحن نرى بأن الوقوف على المعاني السطحية لا يفي بالمطلوب ولا يليق بشأن فاطمة(ع)، وهذا ما يدفعنا إلى التأمل بكلماتها، والتفكر في فقرات خطبتها لندخل إلى جوهر الأمر قدر المستطاع، ونحكي لكم ما في ضمير الزهراء(ع) ولو بشكل إجمالي وسريع، وكلنا نعتقد بأن الزهراء(ع) كانت تعني مقصودها من كل كلمة نطقت بها، ومن كل ما كان يدور في داخلها حول كل كلمة صدرت عنها، وبمعنى آخر فإننا نحاول بيان المراد كما لو كنا نحن أصحاب كلامها، فالإنسان منا يطرح فكرة معيّنة ثم يبين جوهرها ويكشف عن أسرارها وأسبابها ليوصل الفكرة للآخرين تامة، وذلك من باب إتمام الحجة على الآخَرين، ولم يكن لدى الزهراء مجال للشرح والتوسعة كما تلاحظون عند قراءة كلماتها المضغوطة.
أَسْبَابُ إِيْجَازِ الكَلام
ولعل السبب في ضغط الكلام بهذه الطريقة يعود إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الطريقة التي تحدثت بها فاطمة(ع) كانت هي المتبعة آنذاك، لأن من سمعوا كلامها كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة نوعاً ما، فلم يكن هناك من داع للشرح والتفصيل، لأن الهم الأكبر لدى الزهراء كان إيصال الفكرة العامة متكلةً بذلك على من يأتي بعدها ويتكفل ببيان المراد لمن لا يفقهون هذه الطريقة الموجزة.
الأمر الثاني: وهو أن المعصومين سلام الله عليهم كانوا يعملون على قاعدة خير الكلام ما قل ودل، وهذه الطريقة في البيان من شأنها أن تدعو الناس إلى السؤال والإستفسار من باب حب الإستطلاع على الأقل.
الأمر الثالث: هو أن الزهراء(ع) لم يكن همها فقط أن توصل المراد إلى الذين كانوا حاضرين حولها، وإنما أرادت أن توصل مرادها إلى العالم كله ليعلم الجميع بأن القوم ظلموها،فقد أرادت أن تثبّت الدين الحق في قلوب الناس، ولذلك استعملت تلك الطريقة الجذابة التي تأنس بها الآذان والقلوب كيلا يشعر أحد بالملل فلا يهتم الناس بكلامها بعد ذلك، ونحن عندما نتحدث عن الزهراء ينبغي أن لا ننسى بأنها ليست امرأة عادية، ولا يمكن أن ننظر إلى كلامها كما ننظر إلى كلام بعضنا البعض، بل يجب أن نأخذ كل كلمة من كلامها بعين الإعتبار لأنها معصومة لا تنطق إلا بالصواب ولا يصدر عنها سوى الجميل كأبيها وبعلها وبنيها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
سَبَبُ الإِطَالَةِ فِيْ شَرْحِنَا لِكَلامِ الزَّهْرَاءِ(ع)
فقد يتساءل البعض حول موضوع الإطالة في شرح كلمات الزهراء والتأمل الدقيق في فقرات خطبتها خصوصاً وأن بحثنا هذا هو الثالث حول كلمة(الحمد لله على ما أنعم) وهذا ما بَدَأَتْ به الزهراء خطبتها، فهل أن واقع الأمر يفرض علينا التأمل بهذه الطريقة أم أننا نبالغ في الأمر؟
وأنا شخصياً أعتبر بأن هذا السؤال في محله، وأدعو كل مؤمن ومؤمنة إلى الإستفسار دائماً، وأن لا يستحوا من السؤال لأنه مفتاح العلم.
أنا أقول: إذا حمل هذا الإستفسار استنكاراً فإن الإستنكار هنا غير صحيح وليس له أي وجه أو مبرر، لأن هذا الإستنكار يصح فيما إذا كان الكلام فارغاً لا قيمة له ولا منفعة منه، أما إذا كان الكلام كلام الزهراء أو غيرها من المعصومين فإنه من اللازم علينا أن نتأمل بهذا الشكل أو أكثر، وهناك عدة أسباب تدفعنا للإطالة:
السبب الأول: أننا قد تصدينا لبيان مراد الزهراء، وهذا العمل لا يمكن أن يصيب تمام الأمر لأننا قاصرون عن إدراك كل ما كانت تضمره هذه المرأة الجليلة، وبما أننا تصدينا لهذه المهمة فنحن إذاً مسؤولون شرعاً عن كل كلمة تصدر عنا أو عن كل تقصير يمكن أن نقع فيه تجاه مراد مولاتنا وسيدتنا الزهراء، والخطأ فيه يكلفنا كثيراً، فكلما استطعنا بيان أمر استجد لدينا أمر آخر له وظيفة في هذه المهمة، وكثيراً ما يتعبنا التردد في بعض الأفكار، ولأجل أن نبرئ ذمتنا تجاه هذه المسؤولية فإننا نضع جميع الإحتمالات مع ترجيح لبعضها، وهذا الترجيح ليس أمراً ذوقياً أو استنسابياً، فإنه لا يجوز لنا أن نستنسب رأياً في كلام أحد المعصومين(ع) وإنما نرجح هذا الأمر أو ذاك بسبب وجود بعض القرائن الدالة على رجحان هذا الأمر دون غيره، ولو لم يكن هناك غير هذا السبب لكفى دليلاً على ضرورة الإطالة والدقة في التأمل والتفكر.
السبب الثاني: وهو حبنا وشوقنا للإستفادة والتعلم من كل ما ورد على ألسنة أهل العصمة(ع) ولا أحد ينكر وجود المنفعة الكبرى في كلام سيدة نساء العالمين إن على مستوى الدنيا أو على مستوى الآخرة، وإذا كنا من طلاب المعرفة ورواد الحقيقة ومحبي الحق وأهله ومبغضي الظلم بجميع أنواعه ومصادره وجب علينا التأمل بهدف الإستفادة واستخراج تلك الكنوز واللآلئ من أعماق بحرها الزاخر، كما يفعل الغطاس عندما يسعى للوصول إلى أبعد قعرٍ في البحر بهدف التعرف على الحياة فيه واستخراج كنوزه.
السبب الثالث: وهو سبب ديني محض، وهو كسب الأجر والثواب لأن العمل في سبيل أهل البيت(ع) وبيان مرادهم ونشر علمهم هو عمل في سبيل الله عز وجل من دون أدنى شك، فنفس ذكر أهل البيت عبادة، والدفاع عنهم وعن حقهم كذلك، ونحن في كلامنا عن الزهراء(ع) نضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً نذكرها لأن ذكرها ذكرٌ لله، وثانياً لكي ندافع عن حقها ونظهر للعالم مظلوميتها.
مَفْهُوْمُ التَّأَسِّي
هناك مفهوم قرآني عريق يجب التعرف عليه والعمل به لأنه ذو فوائد جمة على الملتزم به، وهو مفهوم التأسي، وذلك انطلاقاً من قوله تعالى(ولكم في رسول الله أسوة حسنة) ومفهوم التأسي له وجوه كثيرة، لأنه غير محصور في موضوع خاص، فقد يتأسى المرء بصبر عظيم من العظماء أو بطريقته في التعامل مع الآخرين أو بسلوكه مع الله سبحانه وتعالى، وبما أننا نتحدث عن الزهراء(ع) فيجب علينا أن نتأسى بها ونتعلم منها كيف نواجه البلاء ونصبر عليه وكيف نقف في وجوه الظالمين وننتصر عليهم، ونحن نعرف كثيراً من المسلمين يقومون ورداً من الليل تأسياً برسول الله(ص)، وكذلك نعرف مجموعة منهم يتحملون أنواعاً من الأذى تأسياً بآل رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين.
ونحن كمؤمنين بالله ورسوله ينبغي علينا أن نتعلم من آدابهم ونتأسى بأخلاقهم العالية ونحذو حذوهم ونتبع طريقهم ونعمل بعملهم ونتعامل مع الله والخلق كما كانوا يتعاملون معهما.
فلا ينبغي أن ينسينا البلاء صغيراً كان أو كبيراً نعم الله تعالى علينا، ولا ينبغي أن يتحول هذا البلاء إلى عائق يحول بيننا وبين التصرف الحكيم والصبر الجميل، فلا يجدر أن يصبح البلاء حجر عثرة يعترض طريقنا نحو الله سبحانه وتعالى ويمنعنا عن شكره وذكره وحمده، فإذا حمدنا الله على النقمة كما نحمده على النعمة كان ذلك خيراً لنا في الدنيا ورصيداً كبيراً في ميزان الآخرة.
وقد أثرنا هذا الأمر من باب وعظ أنفسنا أولاً، ووعظ الآخرين ثانياً، لأن هناك رجالاً ونساءاً من المسلمين وغير المسلمين تشمئز نفوسهم لمجرد وقوع المصيبة، ويعاتبون ربهم على نزول البلاء قبل أن يعرفوا خيره وشره، فقبل أن تعاتب ربك إبحث عن واقع الأمر، فلربما كان يستحق منك الشكر دون العتاب، وذلك لاحتمال أن يكون البلاء من أجلك، وكم من بلاء كانت آثاره وعواقبه حسنة على صاحبه، فلماذا نتسرع بالحكم على الله تعالى قبل أن ندرك الواقع ونعرف الحقيقة، ونحن نرى بأن كلام كثير من الناس لا يقف عند حدود العتاب،ولا يقف عتابهم عند حدود كلمات المعاتبة، وإنما يمتنعون عن الحمد، وربما يتركون واجبات كانوا يفعلونها قبل البلاء بسبب نزوله عليهم أو بهم، فهؤلاء يريدون أن يدخلوا الجنة ويربحوا الدنيا معها من دون أي مقابل ومن دون أي ثمن، والمعروف أن للجنة ثمناً يجب أن يدفعه الإنسان في دار الدنيا التي هي دار الإمتحان والبلاء، فبدل أن تعاتب ربك على البلاء الذي نزل بك أُذكره واشكره واعبده لأنه إن كان البلاء شاقاً خفف عنك أثره إذا لجأت إليه ولذت به وأقررت بحاجتك له، ولو فكر هؤلاء المعاتبون قليلاً لأدركوا بأن امتناعهم عن حمد الله عند نزول البلاء يزيد بلاءهم شدة وقسوة لأن ذكر الله تعالى يخفف الآلام عن الإنسان.
إن أفضل وأحسن طريقة لمعالجة آثار المصيبة والبلاء هو أن تُرجع أمرك إلى الله عز وجل وتقول الحمد لله، أو إنا لله وإنا إليه راجعون، وهي العبارات التي يذكرها الصالحون عند نزول المصيبة، وهؤلاء يرحمهم الله ويصلي عليهم ويفرج عنهم لقوله في سورة البقرة(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) ومعنى الصلاة على الصابرين يعني الرحمة لهم والسكينة والطمأنينة، فإن الله يطمئن قلوبهم لأنهم لجؤوا إليه وصبروا احتساباً لأجره وثوابه.
الشُّكْرُ عَلَى إِلْهَامِ الشُّكْر
نعود إلى بداية كلام الزهراء(ع) حيث ابتدأت حديثها بحمد الله وشكره فقالت
(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَلَهُ الْشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ)
فبعد أن حمدت ربها على نعمه شكرته على ما ألهمها، وهنا نقطة مهمة في الكلام تظهر لنا جانباً من جوانب عظمة الزهراء سلام الله عليها، وهو أن الشكر يأتي عقب النعمة الظاهرة، كمن يرزقه ربه بولد أو مال أو مهنة فيشكر ربه، ولكننا نلاحظ هنا بأن الشكر الذي صدر من الزهراء هو شكرٌ على نعمة قَلَّ من يلتفت إلى شكرها من الناس، وهي نعمة الإلهام إلى الخير، فإن الله تعالى هو الذي ألهمنا لكل جميل، فهو ألهمنا الإيمان والعمل الصالح والتقوى، وهذا يعني أن الإلهام أساس كل نعمة ظاهرة وباطنة مادية كانت أو معنوية، فقد اعتدنا أن نقول (شكراً لله) إذا نزلت علينا النعم المادية، أما الزهراء هنا فإنها تلفت انتباهنا إلى أمر عظيم كنا عنه غافلين، وهو شكر نعمة الإلهام، إذ لولا هذا الإلهام لما تعرفنا على سبل الخير.
فالرزق الذي يصل إلى يديك لم يكن ليصل إليك لولا إلهام ربك، فهو يلهمك السعي ويلهم غيرك العطاء فتتحقق به عملية الإسترزاق.
لقد شكرت الزهراء ربها على ما ألهمها، وقد ألهمها الكثير، فقد ألهمها أن تقف أمام القوم بكل جرئة وتتكلم بتلك الكلمات التي سجلها التاريخ بحروف من النور، وألهمها أن تكشف بكلامها عن نوايا القوم، وتدافع عن نهج الحق المتمثل بالدين الحنيف.
(الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الْشكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَالْثََّنَاءُ بِمَا قَدّمَ، مِنْ عُمُوْمِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَسُبُوْغِ آلاءٍ أَسْدَاهَا)
وهنا تثني على ربها سبحانه الذي يبتدؤنا بالنعم من دون أن نسأله أو قبل أن نسأله، وهذا دليل كرم الله ولطفه، وقد أسدانا آلاءه التي لا تعد ولا تحصى.
ثَبَاتُ المَعْصُوْمِيْنَ(ع) عَلَى طَرِيْقَةٍ وَاحِدَة
وقد امتاز أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم بثباتهم على طريقة واحدة مع الله عز وجل لا تتغير ولاتتبدل ولا ينقص منها شيء في جميع الظروف مهما كانت مريرة وشديدة، فمن الناس من يشتد ذكره لله في حالات خاصة وهي حالات الشدة وينسى ربه في الحالات العادية وكأن الداعي عنده لذكر ربه هو الظروف الخارجية وليس الإيمان بالله والخوف منه.
وإذا قرأنا تاريخ النبي وآله(عليهم السلام) وراقبنا أحوالهم جيداً في السلم والحرب نجد بأنهم يلتزمون طريقة واحدة في التوجه إلى الله عز وجل لأنه في نظرهم هو الله العظيم والقدير والقهار في جميع الحالات والظروف، فلا يلجؤون إليه في حالات الشدة والمحنة ويتخلون عنه في حالات الرخاء، فإن الذي يصنع ذلك لا يكون صاحب إيمان صحيح ولا صاحب قلب سليم بل هو صاحب مصلحته، فلا يذكر ربه إلا إذا كان له مصلحة من ذكره.
لَمْ تَفْقِدْ الزَّهْرَاءُ صَوَابَهَا
فلنرجع معاً بعقولنا وقلوبنا إلى تاريخ حرق الدار وخلع الباب وكسر الضلع المبارك ولنسمع جيداً كلام الزهراء نجد بأن حزنها وألمها لم يخرجاها عن القاعدة الملتزمة بها فلم يفقدها الأمر صوابها وإنما بقيت متماسكة لم يتبدل في نظرها شيء تجاه الله وذكره، ولأجل ذلك إذا قرأنا خطبتها من دون أن نعرف سببها لما شعرنا بأن هناك أمراً قد أزعجها سوى أنها كانت تتكلم بلسان المدافع عن الحق، فلقد أرشدت ووعظت ونبهت وقدمت المصلحة العامة على كل المصالح الخاصة، وذكرت ربها ذكراً حسناً، وبدأت الكلام بالحمد والشكر والثناء على النعم التي نتجاهلها ونتناساها، وهذا أقبح ما في المرء، فإن أقبح ما في المرء أن ينسى إحسان غيره إليه.
ويمتاز المعصومون(ع) بطريقة النهج التعليمي الذي يوصلون به المعارف إلى عقول الناس، فإنهم لا يخصصون لذلك وقتاً معيناً كما هي الطريقة المتبعة في زماننا، وإنما يفعلون ذلك عند أية فرصة تُفتح أمامهم، ففي قراءتهم للقرآن لا يقصدون به كسب الأجر فقط وإنما يصنعون ذلك من أجل أن يعلّموا الناس كلام الله وأحكامه، وكذلك الأمر في أدعيتهم وخطبهم ومخاطبتهم للناس أفراداً وجماعات، فالزهراء(ع) عندما حمدت الله وأثنت عليه فقد حمدته حقاً، ولكنها بذلك أيضاً تُعلِّم الناس كيف يبدؤون كلامهم، ولم يقتصر الأمر عند الزهراء على الحمد أو الشكر، وإنما قرنت بهما أموراً عقائدية أرادت أن تعلمها لهم من قبيل أن المعطي والرازق وصاحب كل النعم إنما هو رب العالمين سبحانه، وكأنها تقول أنا لا أحمد الله كشعار يستعمله المسلمون، فإن هناك من يذكرون الله قبل كلامهم وأفعالهم ولكن الهدف عندهم يختلف عن هدف الزهراء، فقد يبدؤون كلامهم بذكر الله تعالى كعادة اعتادوا عليها، أما الزهراء فإنها حمدت الله لأنه أهل للحمد مشيرة إلى كونها تحمده على النعم الجمة التي يجب شكرها بشكل عملي، ولأجل ذلك قالت(الحمد لله على ما أنعم) وقد أنعم الله علينا بالكثير، فلا ندري ما نشكر، هل نشكره على العطاء المادي أو على نعمة الإيمان أو نعمة الحفظ من المخاطر أو نشكره على ستر عيوبنا الكثيرة.
وإلى هذا المعنى يشير الإمام السجاد(ع) في دعاء أبي حمزة حيث يقول مخاطباً ربه( فلا ندري ما نشكر أجميل ما تنشر أم قبيح ما تستر أم عظيم ما أوليت وأبليت أم كثير ما منه نجيت وعافيت يا حبيب من تحبب إليك ويا قرة عين من لاذ بك والتجأ إليك)
لقد كثرت نعم الله وأحاطت بالجميع، فلم يحرم منها أحداً من خلقه ليعلم الشاكرَ منهم مِن الكافر، ولكن أكثرهم لم يكونوا شاكرين، مع أن أثر الشكر عظيم، فهو باب النعم والزيادة منها(ولئن شكرتم لأزيدنكم) ولكن النتيجة هي ما قاله تعالى في موضع آخر(وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)
نعود مرة أخرى إلى كلام الزهراء(ع) (الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نعم ابتداها)
فإننا تارة نتحدث عن نوع النعمة وأعدادها، وأخرى نتحدث عمن نزلت إليهم، وثالثة عن الطريقة التي تستدر بها النعمة، أما أعدادها وأنواعها فلا يعلمها سوى المنعم الأول تبارك وتعالى، وأما على من تنزل النعم فإنها تنزل على الإنسان بغض النظر عن كونه مؤمناً أو كافراً، وذلك بفعل الرحمانية الإلهية، لأن الرحمانية تعني العطاء للجميع على أساس كونهم خلقاً من مخلوقات الله عز وجل، وأما الطريقة التي تنزل بها النعمة أو تستجلب بها فإما أن تنزل بعد سؤال العبد ربه، أو تنزل مبادرة وابتداءاً منه تعالى، وهي الأكثر انتشاراً ونزولاً من القسم الأول، لأنه تعالى أكرم الأكرمين وأجود المعطين والمنعمين.
إذاً.. (وَالْثََّنَاءُ بِمَا قَدّمَ، مِنْ عُمُوْمِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَسُبُوْغِ آلاءٍ أَسْدَاهَا) فلقد أنعم الله علينا وأسغب نعمه، أي أنه أنزلها بغزارة وكثافة، وهنا تقع الحيرة فينا، فلا ندري كيف نشكره أو كيف نبدأ بالشكر وبماذا نبدأ.
يقول أهل اللغة إن السبوغ هو الكمال والسعة في العطاء، بمعنى أن الله تعالى ينزل علينا من النعم ما يكفينا وزيادة، وهنا نسأل أنفسنا كم من موسم زراعي يأتي ونرمي منه أكثر مما نأكل، وذلك كيلا يكون لنا حجة على الله تعالى، يعني نحن البشر حالياً قَرُب عددنا من خمسة مليارات نسمة، ونعم الله تعالى الحالية تكفي لعشرات المليارات، هذا غير مليارات المليارات من البشر الذين أنعم الله عليهم عبر الزمن من عهد آدم وقبله وبعده وإلى يوم القيامة.
هذا ونحن نكفر بالنعمة وننسى الشكر ونتجاهل أن علينا واجبات تجاه تلك النعم، ونهمل عتاب الله المتكرر لنا في سورة الرحمن القائل(فبأي آلاء ربكما تكذبان) وهذا الخطاب موجه للإنس والجن معاً، وقد تجاوز عدد هذا العتاب في سورة الرحمن الثلاثين مما يدلنا على وجوب شكر النعمة وخطورة الكفر بها أو الجحد بها.
سَلامٌ إِلَى سَيِّدَةِ النِّسَاءِ(ع)
سلام الله عليك يا بنت محمد يا فاطمة الزهراء أيتها العالمة الراضية المرضية والحوراء الإنسية والمجاهدة في سبيل الله يا من كان همك حفظ الشريعة من أيدي المتآمرين عليها والهادفين إلى تحريفها وجعل كل أحكامها منسجمة مع أهوائهم الضالة وسلوكياتهم المنحرفة، فلولا وقوفك أمامهم بكل جرئة وبسالة لوصلت إلينا أحكامٌ ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن شاءت إرادة الله جل وعلا أن تكوني يا سيدتي أحد أسباب حفظ الدين والقرآن الكريم الذي حفظه الله بكم وبجهودكم وجهادكم وإخلاصكم وذوبانكم في حب الخالق العزيز فجزاك الله عنا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات خير الجزاء ورزقنا في الدنيا زيارتكم وفي الآخرة شفاعتكم إنه سميع مجيب الدعاء.
نِعَمُ اللهِ تَعَالَى لا تُحْصَى
قالت سيدة النساء فاطمة(ع) في خطبتها الشهيرة (وَتَمَامِ مِنَنٍ أَوْلاهَا، جَمّ عَنْ الإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَنَأَىْ عَنْ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا، وَتَفَاوَتَ عَنْ الإِدْرَاكِ أَبَدُهَا، وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالشُكْرِ لاتِصَالِهَا، وَاْسْتَحْمَدَ إِلَى الخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَثَنّى بِالنَدْبِ إِلَى أَمْثَالِهَا)
لقد أشرنا في البحوث الماضية إلى حقيقتي الحمد والشكر وإلى الهدف من النطق بهما أمام القوم حيث خلصنا إلى كونها(ع) لم تكن في مقام الحمد والشكر فقط، وإنما – زيادة على ذلك – كانت في مقام التعليم والتوجيه والتنبيه والوعظ والإرشاد والتذكير بالله سبحانه وتعالى، وقد أنمّت تلك العبارات القيمة عن مدى العمق الذي أشارت إليه (سلام الله عليها) بتلك الكلمات الموصوفة بالكمال، والتي أشبهت كلام محمد وعلي (صلوات الله عليهم أجمعين) ومن الطبيعي بل من الضروري أن توجد هذه المشابهة لأن النبع الذي ينهلون منه واحد، وهو المصدر الأوحد لكل خير في هذه الدنيا، وهو الله تبارك وتعالى، لأنهم نهلوا من معين الرسول الذي لا ينطق عن الهوى وإنما عن الوحي الإلهي.
ثم تابعت الزهراء تقديمها لتلك الخطبة فقالت(وتمام منن أولاها جم عن الإحصاء عددها ونأى عن الجزاء أمدها وتفاوت عن الإدراك أبدها وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها وثنى بالندب إلى أمثالها)
فما أجمل هذه الكلمات التي تشدنا بشوق نحو الله عز وجل، وما أروع سبكها وعذوبتها، وما أعمق دلائلَها وأبعادَها، إنها عبارات نبوية ملائكية أشبهت كلام القرآن من حيث الأسلوب والمضمون، وهي كلمات تستحق منا التأمل والتفكر لننال أغوارها وننهل من خيراتها وينابيعها المتفجرة على شكل الدوام، فلا يمكن أن نحقق منها أهدافنا، ولا نستطيع أن نصل إلى مرادنا إلا من خلال البحث عن أسرارها والدخول إلى خفاياها الكثيرة والغوص في أبحرها العميقة لأنها في الواقع كذلك، ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك لوضوح الأمر وظهور الحقيقة وسطوع الحق.
إنها عبارات أطلقتها الزهراء(ع) من القلب، فلم تكتب ولم تتحضر ولم تكوِّن الجمل وتنظمها، بل خرجت إلى الناس بتلك العفوية الطاهرة المسددة من الله تعالى، وراحت تخاطبهم كنهرٍ جارٍ لا يعترض طريقه شيء، فلو جلس أهل الفصاحة والبلاغة وأرباب اللغة وأساطين الفكر والكلام وأمضوا الأيام والأسابيع والأشهر والسنوات في تحضير كلام مشابه لكلامها من حيث السبك والمعنى لما قدروا على ذلك لأن كلامها فوق مستوى كلام البشر ودون مستوى كلام الله، وإنْ كان معناه من الله سبحانه وتعالى.
بهذه الكلمات العظيمة تابعت الزهراء مقدمة كلامها بعد حمد الله وشكره والثناء عليه، ونفس الطريقة التي اتبعناها في بيان المراد من الفقرات الماضية سوف نستعملها هنا، لأن هذه العبارات ليست أقل شأناً من سابقاتها.
فالزهراء(ع) تحمد الله وتشكره على تلك المنن الإلهية التي أولاها ربها إياها، وهذا الشكر على مِنَنه تعالى ليس خاصاً بالنعم التي أولاها إياها، بل هي تشكره على كل مننه لها ولغيرها، فالله تعالى يتحبب إلينا بالنعم، ونحن نبادله بالذنوب، وهذا عيب فينا كبير يجب تصحيحه، ومهما اجتهدنا بالشكر والحمد والثناء والعمل فلن نقدر على تأدية حق الله الذي لا يؤدى تكويناً.
تَمَامُ النِّعَمِ الإِلهِيَّة
قالت(ع) (وَتَمَامِ مِنَنٍ أَوْلاهَا، جَمَّ عَنْ الإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَنَأَىْ عَنْ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا، وَتَفَاْوَتَ عَنْ الإِدْرَاكِ أَبَدُهَا)
تبين لنا الزهراء(ع) بهذه الفقرات حجم النعم والمنن الإلهية التي يجم عن الإحصاء عددها، أي أنها لا تعد ولا تحصى، وكذلك (وَنَأَىْ عَنْ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا) أي أن جزاء تلك النعم بعيد عنا لا نستطيع رد الجميل، والنأي هو البُعد، وقد ذكرنا هذا الأمر قبل قليل.
(وَتَفَاْوَتَ عَنْ الإِدْرَاكِ أَبَدُهَا) وهذه الفقرة تقريباً تحمل نفس المعنى الموجود في الفقرة السابقة، وهذا ما يجب أن يعرفه كل الذين يظنون بأنهم يؤدون شكر الله وحقه، فإنهم بهذا الشكر لا يدفعون ثمن النعم التي لا ثمن لها لعظم ثمنها وقصور الإنسان عن تسديده، والشكر سواء كان لفظاً أو عملاً ليس ثمناً للنعم، فما هو سوى ملاطفة ومجاملة يحبها الله عز وجل، ويحب أن يسمعها من قلب الإنسان وسلوكه، وليس من لسانه فقط، لأن الشكر ينبئ عن جوهرٍ كريم ونفس زكية ليس أكثر.
والشكر الذي يحبه الله تعالى هو المصاحب للعمل الصالح، فلا يكون الشكر مقبولاً إلا إذا كان صاحبه ملتزماً بأوامر الله ونواهيه، ومن هنا نقول لمن يريد أن يشكر ربه إذا أردت أن تشكر ربك حقاً وصدقاً فاعبده حق عبادته.
الله تعالى يحب الشاكرين ، وكثير من الكفار والعاصين يقولون بألسنتهم (الشكر لله) فهل أن الله يحبهم أو يرضى عنهم؟ بالطبع لا، لأنهم ليسوا شاكرين في الواقع،وقد عرفنا أنّ للشكر أسساً كثيرة، أهمها أن تكون أيها الإنسان شاكراً بقلبك وفعلك وجميع توجهاتك وأحاسيسك.
الدَّعْوَةُ إِلَى الإِسْتِزَادَةِ مِنْ خِلالِ الشُّكْر
قالت الزهراء(ع) (وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالْشُّكْرِ لاتِّصَاْلِهَا، وَاْسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا، وَثَنَّىْ بِالْنَّدْبِ إِلَى أَمْثَاْلِهَا)
تارة يرد إلينا نصٌّ عادي عن شخص عادي فنتعامل مع هذا النص بمستواه من حيث التدقيق به وأخذه بعين الإعتبار فلا نجد ضرورة للبحث العميق لأن الغوص في أبعاده وعدمه سيان، وتارة يصل إلينا نص فوق العادة من شخص ميزه الله عن باقي البشر فيكون التعامل معه بمستوى رفيع فهو يستحق أن نصرف فيه الجهد والتعب وذلك لقناعتنا بأن التعب فيه لن يذهب هدراً، كتلك النصوص الواردة عن المعصومين(ع) فلا يمكن أن نقرأ نصوصهم بشكل عابر لأن اتباع هذه الطريقة يعقبها خسارة لنا، فإذا لم نبحث طويلاً ونتأمل كثيراً في نصوصهم لنطال العمق منها فلا يمكن أن يعود علينا البحث بشيء من الفائدة.
وقد ورد إلينا أثر عظيم عن سيدة نساء العالمين(ع) وهو تلك الخطبة الكريمة التي أتحفنا الله بها ومنّ علينا بكلامها لأن في كلامها نفعاً لنا في الدنيا والآخرة.
وأمامنا هنا ثلاث فقرات من خطبتها المباركة.
الفقرة الأولى: قولها(ع) (وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالْشُّكْرِ لاتِّصَاْلِهَا)
وهنا نعاود القول بأننا نراقب كل أثر يرد عن المعصومين(ع) وندقق بكل فقرة أو كلمة لنفهم المراد منها وندرك خلفياتها وأهدافها الكبرى، ونحن نتعامل مع آثارهم بهذا الشكل لعلمنا بأن في كلامهم عمقاً، وأن هذا العمق لا يمكن الوصول إليه عبر مراقبة الظاهر فقط، وإنما يجب البحث الحثيث والتأمل الدقيق والتفكر العميق كيلا يكون مرورنا على كلامهم مرور الكرام، وهذا النوع من المرور – إذا صح التعبير – لا يجدي نفعاً مع نصوص أهل البيت(ع) لأن كلامهم فوق مستوى كلام البشر، وإذا حمل أي نص من النصوص هذه الصفة أو هذا المستوى وجب التعامل معه بشكل مميز، فإن تميُّزَ النص لا يكون بظاهر كلماته، بل يكون بالعمق الذي يشير إليه، وبالباطن الذي لا يدرك إلا عن طريق التأمل والبحث.
العِبْرَةُ فِي البَاطِن
وكلام المعصومين(ع) هو في غاية الأهمية، والأهم منه باطنه، لأن العبرة تكمن خلف الباطن، وحكم التعاطي مع نصوصهم كحكم التعاطي مع النصوص القرآنية التي دعا الله تعالى إلى تدبرها،فإنها تحمل مع الظاهر الجميل باطناً أجمل منه، ومع الظاهر الأنيق أعماقاً متينة ودروس مفيدة لأن القرآن له ظهر وقلب، فظاهره أنيق وباطنه عميق كما يصفه أمير المؤمنين علي(ع).
وأمامنا هنا عبارة مكونة من أربع كلمات، وهي فقرة صغيرة من خطبة سيدة النساء(ع) ولكننا إذا تدبرنا كلمات هذه الفقرة وبحثنا في عمقها لوجدنا فيها معانٍ قد لا يصدق أحد بأن أربع كلمات تحمل عشرات المعاني، ولكننا نحن نصدق ذلك لأننا نعرف حجم المعصومين وعمق كلامهم
لقد قالت(ع) (وَنَدَبَهُمْ لاسْتِزَادَتِهَا بِالْشُّكْرِ لاتِّصَاْلِهَا) أي دعاهم إلى طلب زيادة النعم واستمرارها عن طريق مواصلة الشكر، وقد استنبطت الزهراء هذا الكلام من معنى قوله تعالى(ولئن شكرتم لأزيدنكم) فكلما شكر العبد ربه كلما نزلت عليه النعم، إذاً ندبنا ربنا لاستزادة النعم بالشكر ومواصلته، لأن العبرة في دوام النعم هو الشكر المتواصل أيضاً، فلا يجدي الشكر مرة واحدة النفع المطلوب، بمعنى أنه يجب على العبد أن يكون شاكراً على نحو الدوام، وليس بالقول بل بالسلوك والمنهج والمشاعر القلبية.
الشُّكْرُ وَالكُفْرُ
ولمزيد من الإستفادة نلقي نظرة بسيطة وسريعة على الآية الشريفة لأن كلام المعصومين(ع) يفتح لنا آفاقاً واسعة وأبواباً كثيرة، ونحن نستغل هذه المجالات للحديث عن أكثر من مفهوم، فبعد أن عرفنا أن الشكر وسيلة لمواصلة النعم واستزادتها ينبغي أن نشير إلى أن الشكر تارة يقابل عدم الشكر المستوجب لحرمان النعم أو القلة منها، وأخرى يكون مقابلاً للكفر إذا قصدنا به الشكر العملي المستوجب للطاعة من فعل الواجب وترك المحرم، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) وهذا الكفر يمكن حمله على معناه الحقيقي وهو الكفر بالله لأن عدم شكر النعمة بالعمل يعني أن الممتنع عنه قد أنزل نفسه بهذا السلوك إلى مستوى الكافر الذي لا يبالي بالثواب والعقاب، ويمكن حمل معنى الكفر في الآية الكريمة على الجَحد بالنعمة، وهو لا شك سلوك سيء مع الخالق القدير سبحانه وتعالى، ولسنا هنا في مقام اختيار الأنسب من المعنيين أو ترجيح أحدهما على الآخر.
وعندما دعانا ربنا إلى الشكر فقد دعانا إلى ما هو خير لنا في الدنيا والآخرة، لأن أثر الشكر وعاقبته يعودان على الشاكر، وليس على المشكور الذي لا تنفعه طاعاتنا ولا تضره معصياتنا، وهذا الأمر واضح في الآية المذكورة حيث قال تعالى(وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) وقد ركّز القرآن على موضوع الشكر لأنه صفة يحبها الله تبارك وتعالى، وهو في نفس الوقت تعبير عما في ضمير الإنسان، وهو من الصفات الحسنة العامة سواء صدرت من مسلم أو من غير المسلم، ولكن ترتب الأثر على الشكر له شروط، أولها الإيمان بالله وبكل ما يجب الإيمان به، ونحن تارة نتحدث عن الشكر كمفهوم ديني، وأخرى نتحدث عنه كسلوك إنساني، ولكل مورد منها أحكامه الخاصة به، ومتعلقاته التي تخضع لنية الشاكر وتعبيره عن الشكر، لأنه تارة يعبر عنه باللفظ، وأخرى بالعمل، وثالثة بهما معاً وهو المطلوب.
ومن هنا كان الممتنع عن شكر النعمة خارجاً عن القوانين الإنسانية والموازين التكوينية لسلوكيات البشر.
الفقرة الثانية: قولها(ع) (وَاْسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلائِقِ بِإِجْزَالِهَا)
وهي من العبارات العظيمة التي تُظهر لنا مدى لطف الله بالعباد، وكرمه لهم، ورحمته بهم رغم كونه غنياً عن العالمين، وتكمن العظمة خلف هذا السر إذ كيف يعطينا ربنا الكثير على عمل قليل، وهذا العمل القليل لا يصيب اللهَ منه شيء لأننا في الحقيقة نعمل لأنفسنا، وليس لربنا، وقد أكد القرآن المجيد على هذه الحقيقة وهذا المبدأ الكبير في أكثر من موضع، ففي سورة الروم قال سبحانه(مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) وفي سورة فصلت قال تعالى(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) وفي سورة الجاثية(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)
فإذا كانت الطاعة من أجلنا فلماذا يثيبنا عليها؟
الجواب: إنه يثيبنا عليها لأنه الكريم والرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
طَلَبُ الحَمْدِ مِنَ العِبَاد
فالهاء في قولها(بإجزالها) ضمير يعود على النعم، فيكون المعنى بإجزال النعم، وقد أشرنا في السابق إلى مسألة الشكر مشيرين إلى كل ما يتعلق به بشكل موجز، بقي حوله أمر، وهو أن له أثرين عظيمين، أحدهما أعظم من الآخر.
أما الأثر الأول فهو ما تحدثنا عنه في السابق وأنه سبب في زيادة النعم الإلهية على الإنسان في الدنيا، وهو يشمل النعم المادية والمعنوية، وذلك انطلاقاً من قوله تعالى(ولئن شكرتم لأزيدنكم) وأما الأثر الثاني فهو أعظم وأكبر وأفضل من الأول، لأن الأول دنيوي محض، وأما الثاني فله علاقة بالآخرة رغم كونه متصلاً بالدنيا أيضاً، فهو جامع للدنيا والآخرة بخلاف الأول.
ونحن بدورنا نشكر الله تعالى بالقول والفعل، والله تعالى بدوره يشكر مَنْ شَكَره، ولكن بطريقته الخاصة وهي أنه يبادل شكرنا له بإجزال النعم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فالنعم التي يطلبها الإنسان من ربه، وأما في الآخرة فالجنة والرحمة والرضوان وهذا أهم بكثير من نعم الدنيا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
والله يشكر من يشكره بنية صادقة وقلب سليم، وهو شرط في استحقاقه، وسوف نلمس شكر الله لنا في الآخرة كما لمسناه وسوف نلمسه في دنيانا من خلال عطاياه التي لا يحصى لها عدد، وإلى مسألة شكر الله لعباده يقول تعالى في سورة البقرة(وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وفي سورة النساء(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) وأود هنا أن أشير إلى مسألة حول الجزاء، كلنا نرغب بأن ننال الجزاء الحسن في يوم الحساب، وكلنا نتمنى دخول الجنة، ولكن هذا الأمر لا يحصل بمجرد التمني والرجاء، بل لا بد في تحقيقه من العمل الصالح الذي هو مفتاح الخير للإنسان، فالأمر بيدك أيها العبد، فإن شئت رحمت نفسك بالطاعة، وإن شئت جلبت لها العذاب بالعصيان.
التَّأْكِيْدُ الإِلهيُّ عَلَى صُدُوْرِ الحَمْدِ مِنَ العَبْد
الفقرة الثالثة: قولها (ع): (وَثَنَّىْ بِالْنَّدْبِ إِلَى أَمْثَاْلِهَا)
أي أنه تعالى يكرر علينا طلب الزيادة بتكرار الشكر، فلا ينبغي أن نشكره مرة ثم ننسى ذلك أو نتناساه، بل لا بد من التواصل المستمر مع الله تبارك وتعالى.
أَسْبَابُ افْتِتَاحِ الخُطْبَةِ بِالحَمْدِ وَالشُّكْرِ وَالثَّنَاء
لقد بدأت السيدة الزهراء(ع) خطبتها بذكر الله عز وجل وذلك لأسباب لا بد من المرور عليها ولو بشكل موجز.
السبب الأول: أنها(ع) مجبولة على حب الله وذكره والإخلاص له، ومعجونة بالخوف منه ورجاء ثوابه، والإنسان الذي يحمل في نفسه هذه المزايا الكبرى والخصال الكريمة لا بد وأن يكون ربه نصب عينيه في جميع حركاته وسكناته.
السبب الثاني: لعلها(ع) أرادت زيادة على ما ذكرناه أن تحرك في داخل المسلمين مشاعر الإيمان علهم يرجعون إلى الرشد والصواب، وبالفعل فقد حصل شيء من ذلك عندما ندم بعضهم على مشاركتهم في ظلمها وأخذوا يبكون ندماً على تلك الجريمة التي ارتكبوها في حق الزهراء البتول التي تمثل شيئاً عظيماً في ساحة الإسلام.
السبب الثالث: أنها(ع) قصدت بذلك أن تذكرهم بالله ورسوله حتى لا يعتدوا على الإسلام ويحرفوا أحكامه ويجيروها لمصلحتهم الخاصة كما كان هدف قادة تلك الجريمة، إذ لو كان هدفهم الإسلام فإن الزهراء هي الإسلام، ولكن عندما ظلموها ظهر للناس سوء نياتهم تجاه الدين الحنيف.
كَلِمَةُ الإِخْلاص
قالت(ع) : (وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْوِيْلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوْبَ مَوْصُوْلَهَا، وَأَنَاْرَ فِيْ الْتَّفَكُّرِ مَعْقُوْلَهَا)
فبعد حمد الله على نعمه، وشكره على آلائه، والثناء عليه بما قدّم من عموم النعم، نطقت الزهراء(ع) بشهادة أن لا إله إلا الله، مبينة لنا حقيقتها ومركزها في قلوب الناس.
ومن خلال نطقها بكلمة التوحيد فهمنا نحن عدة أمور:
الأمر الأول: أنها(ع) كعادتها تحاول دائماً أن تنبه الآخرين لما فيه المصلحة والمنفعة، لأن أهل الخير يرشدون إلى الخير في أفعالهم وأقوالهم وسكوتهم وإشاراتهم، ولعلها بذكر كلمة التوحيد تتم الحجة على الحاضرين عبر كونها مسلمة، وذلك بغض النظر عن كونها أساساً من أسس الدين وسيدة نساء العالمين، فلعلها أرادت أن تقول لهم ضمناً، لا يجوز للمسلم أن يعامل أخاه المسلم بالطرق الوحشية والأساليب الهمجية التي يغضب الله لصدورها ضد المسلم وغير المسلم أيضاً، لأن الإسلام يحارب العنف بشدة، ويدعو إلى الحوار القائم على الأسس المنطقية وقواعد الحكمة والموعظة الحسنة كما نقرأ وتقرؤون في الكتاب العزيز.
الأمر الثاني: أنها(ع) حاولت أن تذكرهم بربهم وإسلامهم عن طريق كلمة التوحيد المرتكزة في قلوب الجميع منذ عالم الذر علهم يخشعون ويرجعون إلى الصواب، لأن المسلم الحقيقي يخشع قلبه لذكر الله تعالى، وتطمئن نفسه بذلك، ويرجع إلى رشده وصوابه، فيتخلى عن ارتكاب الحرام خوفاً من عذاب ربه وطمعاً بثوابه.
الأمر الثالث: وهو أن الذين هجموا على دار الزهراء بتلك الطريقة المرفوضة في منطق العرب على وجه الخصوص لأنهم كانوا يدينون الإعتداء على المرأة حيث كانوا يعتبرونها مكسورة الجناح، فلا يليق برجل أن يضرب إمرأة، ولكنهم عند مواجهتهم للزهراء تجاوزوا كل الحدود، وأهملوا جميع الإعتبارات، وتخلوا عن عاداتهم وتقاليدهم التي دامت عدة قرون حتى ينفذوا خططهم الوحشية ومآربهم الوضيعة، والذين هجموا على دار الزهراء خرجوا عن الإسلام بلا شك إن قلنا بأنهم كانوا مسلمين حقاً من الأساس، فلو كانوا مسلمين لتحركت بداخلهم قوى الإيمان، ولكنهم خرجوا عن ربقة الإسلام عندما أصروا على ظلمها وغصب حقها، ونفس إلحاق الأذى بهذه المرأة العظيمة يُخرج صاحبه عن الإسلام فوراً، فهي التي دعا النبي إلى تقديسها واحترامها، لأن رضا الله تعالى متوقف على رضاها، فكيف يرضى الله عن قوم أغضبوا الزهراء وماتت وهي غاضبة عليهم.
إذاً.. لقد ألقت الزهراء على القوم حجة بالغة ولكنهم لم يراعوا لها حرمة، ولم يعملوا بما فرضه عليهم الإسلام.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ) هذه الكلمة هي علامة على الإسلام، فمن نطق بها تعاملنا معه على أساس كونه مسلماً حتى ينكرها بقوله أو فعله، فمن أراد أن ينال أجر المسلم فعليه أن لا يخرج عن إطار هذه الكلمة التي يجب العمل بمقتضاها الداعي إلى الإلتزام بأحكام الله تعالى من فعلِ واجب وتركِ محرم.
والذين ظلموا الزهراء(ع) كانوا يرددون كلمة التوحيد مرات عديدة في اليوم الواحد، إلا أنه لا جدوى من النطق بها إذا تجرد عن العمل بمضمونها، ولعلهم قبل تنفيذ تلك الخطة الحاقدة صلوا صلاة الصبح أو الظهر وهم يعلمون بأن صلاتهم وجميع عباداتهم لا تنفعهم بشيء إذا لم يحفظوا الرسول في أهل بيته وفي كل ما ترك فيهم.
هؤلاء مسلمون وليسوا مؤمنين، فهم كالأعراب الذين قالوا آمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، وهناك فرق بين المؤمن والمسلم، فالإيمان يخص الباطن الذي يترجمه العمل، وأما الإسلام فهو أمر ظاهري قد لا يدل على ما في ضمير الإنسان، وأكبر دليل على ذلك هو ما فعله أولئك بالزهراء رافعين شعارات إسلامية وقرآنية.
فلكي تكون مسلماً يجب عليك أن تخلص لكلمة التوحيد فتترجمها بعملك وسلوكك، وأهم عمل خاص بكلمة التوحيد هو ولاية أهل البيت(ع)
فقولك (أشهد أن لا إله إلا الله) هو كلمة يجب أن تأوِّلها بالإخلاص في العمل، والتطبيق يعني أن تخرج هذه الكلمة من دائرة القول واللفظ إلى دائرة الترجمة العملية وتسير على جادة الشريعة كما أمر الله ورسوله، إذاً كلمة (لا إله إلا الله) جعل الله الإخلاص تأويلاً لها، فمن أراد أن يكون عند ربه من أهل لا إله إلا الله فعليه أن يعمل لأن الإيمان من دون عمل كشجرة من دون ثمر(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وقد فسّر لنا النبي الأعظم(ص) معنى تأويل هذه الكلمة عندما عرّف لنا الإيمان الحقيقي بقوله: الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجَنان وعمل بالأركان: يعني أن الإيمان المطلوب هو كلام واعتقاد وعمل، فإذا نقص واحد من هذه الثلاثة انتفى كونه إيماناً وأصبح كإيمان الذين ظلموا الزهراء، فهؤلاء لم يتركوا العمل فحسب ولم يزلزلوا اعتقادهم فقط وإنما راحوا يعملون بخلاف ما أمرهم الله ورسوله.
(كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْوِيْلَهَا، وَضَمَّنَ الْقُلُوْبَ مَوْصُوْلَهَا،) أي أنه تعالى جعل القلوب ظرفاً يحتوي معاني وأبعاد كلمة التوحيد.
وتعتبر كلمة التوحيد المدخل إلى الإسلام، ولكنها لا تجعل الإنسان مؤمناً إلا إذا ترجمها بالإخلاص والعمل الحاكي عن كونه مؤمناً بمحتوى هذه الكلمة العظيمة.
وهذا من الأمور العقائدية الأساسية في دين الإسلام، لأن الإنسان يولد على فطرة التوحيد، حيث أخذ الله علينا الميثاق من عالم الذر، وأشهدنا على أنفسنا بأنه ربنا، وقد أقررنا له بذلك، وقد قال تعالى في خصوص هذه العقيدة(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فقد جعل الله تعالى قلوب الناس ظرفاً لهذه الكلمة فهو يحول بين المرء وقلبه وهو معه أينما كان وهو أقرب إليه من حبل الوريد، قال تعالى(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وقال تعالى(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وهذا يعني أن الله تعالى موجود في قلوبنا وليس بعيداً عنا، وهذا الشعور يتحرك بداخلنا بين الفترة والفترة، وبالخصوص عندما نكون بأمس الحاجة إلى القوي العزيز الجبار، وأغلبية الناس تتحرك فيهم هذه القوة المسماة (الفطرة) في حالات الخطر والشدة، وهذا دليل على ما قالته الزهراء(ع).
التَّفَكُّرُ طَرِيْقٌ إِلى الحَقِّ
ثم تابعت(ع) كلامها فقال(وَأَنَاْرَ فِيْ الْتَّفَكُّرِ مَعْقُوْلَهَا)
إن كلمة التوحيد تشتمل على جميع المفاهيم الإسلامية لأن كل أمور الدين الحنيف يندرج تحتها، فقد منّ الله علينا بأن جعل التفكر وسيلة لإدراك معقولات ومفاهيم كلمة التوحيد، فمن جملة مفاهيمها أنه تعالى موجود وواحد، وأنت من خلال التفكر في مبدأ الإيجاد ووحدة الموجودات تدرك وجود الله تعالى ووحدانيته، فعندما تنظر إلى عظيم الصنع مما هو حولك من المخلوقات فسوف يرشدك تفكرك إلى مبدأ الوجود وأصله، وهو معنى قولها(ع) وأنار في التفكر معقولها.
حَجْبُ الرُّؤْيَا عَن الأَبْصَار
ثم تابعت(ع) كلامها قائلة:
(المُمْتَنِعِ عَنْ الأَبْصَاْرِ رُؤْيَتُهُ، وَمِنَ الأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهَاْمِ كَيْفِيَّتُهُ)
فبعد أن شهدت(ع) لله تعالى بالوحدانية راحت تبيّن بعض الصفات الإلهية التي خالفها فيما بعد أعداء الزهراء وأطلقوا عقائد فاسدة حول الخالق القدير سبحانه فادعوا إمكانية الرؤيا مستدلين على ذلك بأوهامٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وأغلب تلك الآراء الخاطئة والمعتقدات الفاسدة نشأت منهم مخالَفةً لأهل البيت(ع) وإن كان أصحابها يعلمون بفسادها، غير أن القيمين عليهم آلوا على أنفسهم أن يخالفوا مذهب الحق مهما كانت النتيجة وخيمة، والزهراء(ع) بهذه العبارات تؤكد إقامة الحجة عليهم، لأنها ذكّرتهم بربهم من جميع النواحي وبرسوله من كل الجهات علّهم يرشدون، فوجدوا بأن المخالفة لها أضمن لدنياهم، وهم على يقين بأن مخالفة الزهراء أمر لا يقره العقل ولا يقبل به الشرع، ولكنهم تابعوا مسيرتهم الضالة من أجل الوصول إلى أهدافهم الدنيئة التي لا يمكنهم الوصول إليها إلا عبر الظلم والخروج على كل الحدود والشرائع السماوية.
(المُمْتَنِعِ عَنْ الأَبْصَاْرِ رُؤْيَتُهُ) وهذا من المعتقدات الأساسية لدى المسلمين، وأعني بالمسلمين الذين سلكوا نهج الحق من دون أي انحراف، فهم يعتقدون بأن الله تعالى لا يُرى بالعين، وإنما يراه القلب، والعجب أنهم وضعوا معتقدات حول مسألة الرؤيا تخالف ظواهر القرآن الكريم، فكيف يدعون الرؤيا، والله تعالى يقول في كتابه العزيز(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
وأنا شخصياً أعتقد بأن الزهراء اختارت هذا الوصف لله تعالى من بين غيره لأنها أحاطت بأخبارهم وعلمت أنه سوف يأتي يوم يبثون فيه معتقدات فاسدة، وعلى رأس تلك المعتقدات مسألة إمكانية رؤية الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فوضعت الإصبع على الجرح وأصابت الواقع الذي كانوا عليه بعد التحاقها بالرفيق الأعلى.
وأنا أرجح هذا الأمر لقناعتي التامة بأن المعصوم لا يطلق كلمة إلا بعد ملاحظة جميع أبعادها الحالية وما يمكن أن ينشأ لها من تفاسير وأبعاد في المستقبل، فلقد كان بإمكان الزهراء أن تكتفي بذكر كلمة التوحيد وما والاها من متعلقات، ولكنها عندما خصصت تلك الصفات بكلامها أدركنا بأن وراء هذا التخصيص سراً، وقد كشف هذا السر عندما تبنى أعداؤها فكرة إمكانية الرؤيا الباطلة بالضرورة.
وقد أغنى علماء الكلام مكتباتنا الإسلامية بكتب قيمة حول هذا المعتقد بالخصوص حيث أولوا له أهمية بالغة لقيام كثير من المعتقدات عليه.
إن الله تعالى ممنوع على الأبصار رؤيته لأنه شيء لا يشبه الأشياء، فقد تنزه عن مجانسة مخلوقاته، ولأجل ذلك كانت معرفة حقيقته ممنوعة ومستحيلة على المخلوقين، لأنها خارجة عن حدود الفكر مهما كان الفكر واسعاً ومحلقاً في سماء المعرفة، فهي حقيقة مجهولة ليس لأحد من الخلق إدراكها، هكذا أراد الله تعالى وهو فعال لما يريد، ولا نقصد بالحقيقة تلك الصفات التي أطلعنا ربنا عليها، وإنما نقصد بها تلك التي لم يطلع عليها أحداً من خلقه.
ولا تهمنا رؤية العين بقدر ما يهمنا رؤية القلب الذي يرى ما لا تراه العين ويدرك الماورائيات المستحيلة على باقي الأعضاء.
وقد حسم الله تعالى هذه المسألة عندما طلب منه كليمه موسى أن يراه بالعين المجردة فقلع له الجبل من مكانه ليكون علامة على وجوده وقدرته تعالى وكاد موسى ومن معه أن تخرج أرواحهم من أجسادهم لهول الأمر، وكأنه تعالى يريد أن يقول له ولكل الناس الذين سألوه ذلك والذين لم يسألوه: ليس المهم أن تروني بعيونكم بل المهم هو أن تؤمنوا بي وبوحدانيتي وأنني قادر على كل شيء.
(المُمْتَنِعِ عَنْ الأَبْصَاْرِ رُؤْيَتُهُ، وَمِنَ الأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهَاْمِ كَيْفِيَّتُهُ)
فكما يعجز البصر عن إدراك الله تعالى فكذلك الألسن، فهي قاصرة عن إدراكه بالوصف مهما كان الكلام صائباً وسليماً، لأن الإنسان تكويناً قاصر عن إدراك ما يجهل مهما كان ذكياً ونبيهاً، حتى أن الأوهام مهما حلقت وبحثت فلن تصل إلى تلك الحقيقة الممنوعة، وإلى هذه الناحية يشير أمير المؤمنين(ع) بقوله في أول خطبة من نهج البلاغة فيقول(الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون الذي لا تدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن.
خُطْبَةُ الزَّهْرَاءِ(ع) قِمَّةُ المَعَارِفِ الإِلَهِيَّة
بعيداً عن المغالاة والتعصب الأعمى الذي نرفضه من أساسه ولا نقبل به فضلاً عن كوننا لا ندعو إليه، فإننا نعتقد بأن خطبة السيدة الزهراء(ع) هي مجمع المعارف والعلوم وكل فضيلة ومكرمة، فهي صحيفة حق اشتملت على جل التعاليم الإسلامية بشكل موجز أو بشكل إشارات سريعة، حيث أرادت(ع) أن تبيّن أكبر عدد ممكن من المفاهيم والتعاليم والمعتقدات في تلك الدقائق التي استغلتها لبيان الحق والدفاع عن الإسلام والمسلمين، وهذا الإعتقاد بتلك الخطبة ناشئ من واقعها فإن بإمكان كل واحد منكم أن يلمس ذلك بنفسه من خلال قراءة الخطبة مع شيء من التأمل والتدبر وفهم ما بين السطور وهذا ما نعتبره أنفع وأوسع مما هو موجود في السطور.
فقد احتوت خطبتها الشريفة على العديد من المسائل الدينية بدءاً من الأصول الأساسية ووصولاً إلى أصغر حكم من أحكام الدين، وقد تحدثنا فيما مضى حول ذكر الزهراء لثلاثة أمور عقائدية، وهي امتناع رؤية الله تعالى، وعجز الألسن عن صفته، والأوهام عن إدراك حقيقته، وقد غاصت(ع) بكلامها في أعماق المعتقد الإسلامي، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على كونها عالمة بأحكام الله كلها من ألفها إلى يائها.
وبعد ذكر تلك الصفات قالت(ع)
(إِبْتَدَعَ الأَشْيَاءَ لا مِنْ شَيْءٍ كَاْنَ قَبْلَهَا، وَأَنْشَأَهَا بِلا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا)
تحاول سيدة النساء(ع) بتلك اللحظات القصيرة والدقائق القليلة أن تترك بين أيدي الناس أثراً خالداً يكشف لهم عن العديد من الأسرار والمسائل التي كانت موضع اهتمام البشرية من مؤمنيها وكافريها، وقد حاولت(ع) في ذلك الوقت الوجيز أن تبيّن لهم الإسلام من جديد بطريقتها الخاصة حيث كان لا بد من ذلك من أجل إخراج الإسلام من الدائرة الضيقة التي وضعه فيها القيمون على المسلمين باسم الإسلام الذي كان بالنسبة لهم مجرد غطاء يسترون به عيوب أنفسهم ويوهمون به الجهلاء من الناس الذين ظنوا في وقت من الأوقات بأن الدين الحق هو ما قاله هؤلاء المجرمون، وقد أعرض منهم كثيرون عن دين الله حيث منعوا التداول بحديث الرسول متذرعين بوجود القرآن وأنه مع وجود القرآن لا يجوز الرجوع إلى مصدر غيره، وهذا أكبر كذبة ابتدعوها لأن القرآن نفسه يأمرنا بأن نأخذ عن رسول الله لأنه لا ينطق عن الهوى، وفيه قال تعالى(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وهذا رد على الذين امتنعوا من الأخذ عنه في حياته، ثم وجّه الله تعالى أمراً واضحاً في ضرورة الأخذ عن النبي لأننا قاصرون عن إدراك معاني القرآن إلا بالرجوع إليه حيث قال تعالى(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) وقال سبحانه(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)
وقد بينت(ع) لهم بأن الله تعالى فضلهم على سائر الأمم بمحمد(ص) الذي أنقذهم من الضلال ونقلهم إلى الهدى، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى وفضلوا الإنحراف على الإستقامة حيث أمرهم الشيطان الرجيم بذلك فلم يرغبوا بمخالفته لأنهم أطاعوه وعبدوه من دون الله تبارك وتعالى.
وبقولها(ع): (إِبْتَدَعَ الأَشْيَاءَ لا مِنْ شَيْءٍ كَاْنَ قَبْلَهَا) تعظهم وتكشف لهم عن قدرة الله التي لا حدود لها والتي أخرجتهم من العدم إلى الوجود من دون أن يكون لهم أمثلة قبل ذلك، فلقد خلقهم الله وصورهم بصورهم المختلفة (يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) ولعل هذا ما أرادت(ع) أن تخبرهم به وتنقله إليهم من باب التذكرة التي لا تنفع إلا المؤمنين، ولمّا لم ينتفعوا بالذكرى تبين للجميع أنهم ليسوا من أهل الإيمان.
وهذا الكلام العظيم يشبه كلام بعلها أمير المؤمنين(ع) الذي قال: أنشأ الخلق إنشاءاً وابتدأه ابتداءاً بلا رويّة أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها:
ثم تابعت(ع) كلامها المبارك فقالت(كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حَاْجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَكْوِيْنِهَا، وَلا فَاْئِدَةٍ لَهُ فِيْ تَصْوِيْرِهَا، إلَّا تَثْبِيْتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبِيْهاً عَلَى طَاْعَتِهِ، وَإِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وَإِعْزَاْزاً لِدَعْوَتِهِ)
وبهذه الكلمات توسع الزهراء شرحها للمراد لتكون الحجة آكد من خلال هذه البيانات المدعومة بالأدلة والبراهين.
وإن من أهم وظائف المعصوم أن يخرج الآخرين من الحَيرة والضياع ويلقي النور في قلوبهم وينير عقولهم بأنوار العلم والمعرفة، لأن أسوأ حالة يكون عليها الإنسان هي حالة الجهل بالأمور الأساسية التي تتعلق به وبخالقه وبما حوله من الموجودات على اختلاف أنواعها وأشكالها وأعدادها ووظائفها، فمثلاً قد يطرأ على ذهن الإنسان سؤال حول حقيقة الذات المقدسة أو حول الحكمة من إيجاد المخلوقات أو غير ذلك من الأسئلة الحساسة والدقيقة نوعاً ما، فإذا كان جاهلاً بسبب وجوده ووجود الأشياء حوله فهو في غاية الجهل، ولن يفلح في دنياه أبداً، لأن التعرف على النفس هو المدخل إلى باقي المعارف، فإذا لم يعرف الإنسان نفسه والهدف من وجوده فلا قيمة حينئذ لوجوده ولا لحياته كلها حيث يكون بذلك شبيهاً بالأموات أو بالجمادات أو بالمخلوقات الحية المحرومة من قوة العقل والإدراك.
فقد يؤمن الإنسان بوجود الله تعالى وأنه ليس كمثله شيء وأنه واحد لا شريك له، وهذا من الإيمان، ولكنه لا يكون إيماناً جامعاً لأجزائه كلها، كما ويمكن سلب صفة الإيمان في بعض موارد النقص المخلة به والمستلزمة لترك بعض الواجبات المترتبة عليه.
لقد خلق الله الأشياء، ولكن لماذا خلقها، ثم نسأل مرة أخرى كيف خلقها، وما هي الطرق التي اتبعها في مسألة الإنشاء والتصوير، وهذه الأسئلة ليست أجنبية عنا نحن البشر، فهي تلازمنا وتراود قلوبنا وعقولنا بين الفترة والفترة، فليس من القبيح أن نسأل بهذه الأسئلة بل القبيح هو أن نبقى جاهلين بها، فيجب التعرف على الإجابات الخاصة بها إما نفياً وإما إثباتاً وإما إيجاباً أو سلباً لنستريح وتطمئن قلوبنا.
وقد عملت سيدة نساء العالمين(ع) للإجابة على هذه الأسئلة لعلمها بحاجة الناس إلى معرفتها سواء كانوا مهتمين بالسؤال عنها أو غير مهتمين بذلك، فقالت (كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِ) إلى آخر الفقرات المشار إليها، وهذه الفقرات تحمل الكثير من المعارف والمفاهيم الإسلامية العقائدية على وجه الخصوص، وهذا ما يدعونا إلى الوقوف على كل فقرة منها لنخلص بالبحث إلى نتائج واضحة ومرضية، وفي نفس الوقت نبين لكم العمق أو جزءاً من العمق الذي كانت تقصده الزهراء بكلامها.
الفقرة الأولى: وهي قولها(ع) : (كَوَّنَهَا بِقُدْرَتِهِ)
وهذه العبارة تحمل لنا مفهومين: مفهوم القدرة المطلقة، ومفهوم الوحدانية، فهي تفيد بعد بيان القدرة العظيمة أن الله تعالى واحد في الخالقية كما هو واحد في الربوبية والعبودية، والهاء في (كوَّنها) تعود على الأشياء، أي الموجودات، فلم يكن له شريك في إنشاء الخلق من العدم، وهذا الخالق للأشياء من العدم هو الذي يجب أن يطاع حق الطاعة.
الفقرة الثانية: قولها: (وَذَرَأَهَا بِمَشِيَّتِهِ)
ولكي نضع الإصبع على معنى المشيئة لا بد من مقارنتها بمشيئة الإنسان فإن الإنسان يشاء أمراً ولكنه لا يتحقق له إلا عن طريق الحركة، فهو يتحرك نحو الوسائل المطلوبة ويهيئ المقدمات اللازمة ويجيئ ويروح حتى يحقق ما شاء تحقيقه، أما مشيئة رب العالمين سبحانه فهي غير ذلك لأنها تتحقق من دون أية حركة أو سكنة أو كلمة أو إشارة، لأن نفس إرادة الله لشيء يعني أن هذا الشيء قد تحقق، فهو تعالى فعّال لما يريد، وإذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، ومع التأمل في كلمة (كُنْ) نجد بأن الأمر عند الله تعالى لا يحتاج إلى الكلام أيضاً، وكلمة (كُنْ) لا تعني أنه تعالى يقول هذا اللفظ، وإنما هي حاكية عن الإرادة الإلهية ليس أكثر، ولعل الزهراء(ع) أرادت أن تقول لنا بأن كل هذه المخلوقات أوجدها الله من العدم بمجرد أنه شاء إيجادها.
الفقرة الثالثة: قولها(ع): (، مِنْ غَيْرِ حَاْجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَكْوِيْنِهَا)
فقد أوجد الله تعالى جميع الخلق وهو غني عنهم وعن طاعاتهم، إذ لم يكن بحاجة إلى عبادتنا له، ولا تضره معصياتنا مهما كانت كبيرة وكثيرة، وقد أشار سيد البلغاء والأولياء علي بن أبي طالب(ع) إلى هذا الأمر بقوله: خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه:
الفقرة الرابعة: قولها(ع): (وَلا فَاْئِدَةٍ لَهُ فِيْ تَصْوِيْرِهَا)
فقد يظن بعض الملتزمين بطاعة الله عز وجل أنهم بطاعاتهم يقدمون له شيئاً عظيماً ويؤدون له حقه المفروض عليهم، وهم بهذا الإعتقاد متوهمون، فقد قلنا بأنه تعالى لا يستفيد من طاعتنا له لأن الفائدة من ورائها تعود علينا، كما أن آثار المعصية نحن الذين نتضرر منها، ومن ألطاف الله علينا أنه يثيبنا على عمل هو ليس بحاجة إليه.
فإن كل ما نقدمه في هذه الدنيا من أعمال صالحة فإنما نمهد به لحياة كريمة في يوم الحساب، وإذا كُتب لنا أن حصلنا على السعادة في يوم الحساب فهذا لا يعني أننا حصلنا عليها بجهودنا ، وإنما حصلنا عليه بلطف الله ورحمته.
الفقرة الخامسة: قولها: (إلَّا تَثْبِيْتاً لِحِكْمَتِهِ)
وهنا تشير(ع) إلى أحد أبرز الأهداف من إيجاد الخلق وهو أنه تعالى يريد أن يثبت لنا حكمته وأن نتعرف عليه بدليل قوله سبحانه(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقد ذكر المفسرون بأن المقصود بلفظ العبادة هنا هو المعرفة الدافعة بالعبد نحو العبادة والطاعة، وإليه تشير الزهراء بالفقرة القائلة: (وَتَنْبِيْهاً عَلَى طَاْعَتِهِ) أي أنه خلقهم ليمتحنهم في دار الدنيا، وبهذا ينفي اللغو والعبث وعدم الفائدة، فإنه تعالى لم يخلق الخلق سدى، بل خلقهم ليعرِّفهم على نفسه، وهذه المعرفة هي باب الرحمة لهم في الدنيا والآخرة.
الفقرة السادسة: قولها(ع) (وَإِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ)
فقد أحب سبحانه أن يظهر قدرته فخلق الخلق وعرّفهم على ذلك من خلال إيجادهم وإيجاد الأشياء حولهم، وقد أظهر لنا ذلك من أجل أن نؤمن به ونعمل صالحاً.
الفقرة السابعة: قولها(ع): (وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ)
وهي تشبه العبارة السابقة فإنه تعالى يتعبدنا، بل خلقنا من أجل هذه الغاية الكبرى.
الفقرة الثامنة: قولها(ع): (وَإِعْزَاْزاً لِدَعْوَتِهِ)
فقد كان هذا الخلق دليلاً على عظمة الخالق، وقد عزز الله به دعوة الأنبياء للعباد، وكثيراً ما استعمل الأنبياء هذه الموجودات كأدلة على إثبات الصانع ووحدانيته.
مَبْدَأُ الثوابِ وَالعِقَاب
قالت(ع): (ثُمَّ جَعَلَ الْثَّوَابَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَضَعَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، ذِيَادَةً لِعِبَاْدِهِ عَنْ نَقْمَتِهِ، وَحِيَاْشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ)
فبعد أن أشارت الزهراء(ع) في مقدمة كلامها إلى مسائل عقائدية عديدة تابعت الحديث حول بيان حقائق لا بد من العروج عليها زيادة في المعرفة كما هو زيادة في الأجر والثواب.
ففي العبارات السابقة أشير إلى مبدأ الإيجاد وكون الموجد سبحانه غنياً عن طاعة العباد، وفي هذه الفقرات عرّجت(ع) على مبدأ الثواب والعقاب من باب بيان العدالة الإلهية ومن باب الترهيب والترغيب على اعتبار أن من الناس من تؤثر فيه أساليب الترغيب فيعبد ربه طمعاً بالثواب، ومنهم من يتأثر بالترهيب فيعبده خوفاً من العذاب، وكلاهما حسن عند الله تعالى، أي سواء كان منشأ العبادة الطمع بالثواب أو الخوف من العقاب أو لأنه تعالى أهلٌ لأن يُعبَد كما كان يعبده المعصومون(ع).
ومن ألطاف الله بنا أنه جعل الثواب على الطاعة رغم كونه لا يستفيد منها، ووضع العقاب على السيئة حتى نستفيد نحن من هذا الوعيد فنتجنب الحرام.
وأما مسألة وضع العقاب على المعصية، فليس فيه شيء من الظلم لأنه سبحانه لا يظلم الناس مثقال ذرة، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بإهمالهم أوامر الله ونواهيه حيث اشترط علينا الطاعة من الأساس وكلّفنا بأحكامه التي جعل الإلتزام بها وتطبيقها طريقاً إلى السعادة، فكان الناس مخيرين بين هذه الطريق والطريق المضادة لها، وقد بيّن لنا عاقبة كل واحدة منهما، فلم يجبر أحداً على الطاعة، ولم يكرّه مخلوقاً على المعصية، وإنما قال (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وجعل الثواب على الإيمان والعمل، ووضع العقاب على ترك العمل، وقد ذكر لنا هذا الأمر في كتابه العزيز مراراً حينما بيّن ثواب الطاعة والتقوى وعقاب المعصية، وذلك من باب وعظنا وإرشادنا كي نعمل صالحاً، ففي بيان ثواب الطاعة قال سبحانه في سورة الحجر(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)
وفي سورة الدخان(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وفي بيان عاقبة الكفر والعصيان وعظنا القرآن الكريم بقوله تعالى(أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ)
ثم إنه تعالى ضاعف الحسنات ولم يضاعف السيئات فجعل ثواب الحسنة بعشر أمثالها من باب ترغيب العباد بالطاعة وبيان لطفه وكرمه بهم، قال تعالى(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) وبهذا الدليل وغيره ينفي الله عن نفسه الظلم مبيناً لنا بأن مصدر الظلم هم الناس أنفسهم وليس الخالق القدير عز وجل.
وقد أشارت الزهراء(ع) بكلامها إلى سبب الثواب والعقاب أو إلى الهدف الأسمى منهما حيث قالت(ذِيَادَةً لِعِبَاْدِهِ عَنْ نَقْمَتِهِ، وَحِيَاْشَةً لَهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ) فالذود هو الردع والدفع، وقد أراد سبحانه من خلال جعل الثواب ووضع العقاب أن يبعد عباده عن نقمته وغضبه وأن يحوشهم، أي يقربهم إلى جنته، معنى ذلك أنه تعالى يريد أن يرحمنا بشرط أن نكون من أهل الطاعة.
ثم بدأت(ع) تذكّر المسلمين برسولهم الذي بعثه الله رحمة لهم حيث هداهم به إلى الصراط المستقيم وأنقذهم به من الجهل والضلال والإنحراف، وكأنها تقول لهم ما أسرع نسيانكم لهذا العظيم الذي بذل الغالي والنفيس من أجلكم وضحى بحياته كلها في سبيل جعلكم بشراً ذوي شأن ومقام بين الآخرين، فدلكم على الله ودعاكم إلى عبادته ونبذ الأوثان والتخلي عن العادات السيئة والتقاليد الفاسدة التي كانت تحكمهم وتسيطر عليهم من الجاهلية، وإليه يشير القرآن الكريم بقوله(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) هذا ما وصف به القرآن فعل محمد(ص) وجهوده، وأما ما وصفت به الزهراء أباها فهو قولها:(وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِيْ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، إِخْتَاْرَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَّاْهُ قَبْلَ أَنْ اجْتَبَاْهُ، وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنْ ابْتَعَثَهُ، إِذْ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُوْنَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاْوِيْلِ مَصُوْنَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُوْنَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعَاْلَى بِمَآيِلِ الأُمُوْر، وَإِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الْدُّهُوْرِ، وَمَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الأُمُوْر)
خَصَائِصُ لِرَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ(ص)
فبعد شهادة أن لا إله إلا الله شهدت الزهراء برسالة أبيها من باب تذكير المسلمين بهذا الشخص الذي يذكرونه في صلواتهم وأذكارهم وجلساتهم العامة والخاصة فهو أبي وهو الذي قال ما قال وفعل ما فعل…
ولا تخفى بلاغة هذه العبارات وفصاحتها على أحد، فهي تخبر عن جوهر عظيم، وتدل على كون مطلقها غايةً في العظمة، حيث لا يرشح الجميل إلا من الجميل، ولا يصدر الحسن إلا عن المحسن، وسيدتنا الزهراء(ع) هي أعرف من أن تُعرّف، وأوضح من أن يُدَلَّ عليها أو يشار إليها بإصبع التعظيم والإكبار، فهي المرأة الأعلى شأناً والأرفع مقاماً من بين نساء العالم، وهي التي جعلها ربها في أرفع المستويات من العظمة لأنها تستحق هذا المنصب بجدارة، وليس ذلك منصباً فخرياً أو وساماً يوضع على الصدور بل هو استحقاق يَثبت للعامل والصادق والمخلص لله تبارك وتعالى، ولا شك بأن كلماتنا عاجزة عن التعبير وألسنتنا قاصرة عن بيان الحقيقة إذ كيف نصف شخصاً حارت به العقول ونال المدح والثناء من الله القدير وباهى به ملائكته.
وأنا أعتبر أن أعظم وصف لسيدة النساء(ع) هو عدم قدرتنا على وصفها نظراً لعلو شأنها وسمو مقامها عند الله ورسوله والمؤمنين.
فكلامها غاية في العظمة وهو ذو أعماق لا يسهل نيلها إلا بالجد والإجتهاد وهو قمة في الفصاحة والبلاغة والأبعاد.
لقد شهدت الزهراء لأبيها بالرسالة كما شهدت لربها بالوحدانية، وهما يكوّنان كلمة التوحيد، فإذا شهد المرء لله بالوحدانية ولم يشهد للرسول بالرسالة كان إيمانه ناقصاً وهو بحكم العدم، حيث يجب الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه وبالجنة والنار والثواب والعقاب وبكل ما يجب الإيمان به.
ولا شك بأنها(ع) تلقي الحجة على السامعين وتبين لهم حجم الجريمة التي ارتكبوها في حق الرسول من خلال الإعتداء على ابنته البتول التي يؤذيه ما يؤذيها ويغضبه ما يغضبها، وكأنها (سلام الله عليها) تقول لهذا الجمع من المسلمين _وما أبعدهم عن الإسلام _ إن الرسالة التي تدّعون الحفاظ عليها أنا جزء منها، وأنا التي أوصاكم أبي بي خيراً، فلم تحفظوا الوصية ولم تحافظوا على الرسالة، وبهذا يتضح لنا أن ما ادعاه هؤلاء إنما هو كذبة كبرى كذبوا بها على أنفسهم قبل أن يكذبوا بها على ربهم وعلى الآخرين، وإذا كان ما يدعونه حقاً وصدقاً فإن المرجع لهم في الدين هي الزهراء العالمة بأحكام الله وتعاليم الدين الحنيف، والإعتداء عليها يكشف لنا عن نواياهم السيئة تجاه الإسلام.
فبعد الشهادة لأبيها بالرسالة راحت تصفه بأوصاف عظيمة هي في الواقع صفاته ومزاياه فقالت(إِخْتَاْرَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ) وهذا من جملة الأمور التي يجب الإعتقاد بها حول رسول الله(ص) الذي اختاره الله لحمل رسالة السماء قبل أن يرسله رحمة للعالمين، وهذا يؤكد نظريتنا في كون الرسول خلق نبياً ومعصوماً حيث اصطنعه الله لنفسه واختاره لحمل أثقال الأمانة وأعباء الرسالة التي لا يمكن لإنسان عادي أن يحملها ويتحمل عاقبتها، والكل يعرف بأن الرسول صبر على قومه وأذاهم وتكذيبهم وعنادهم حتى يحقق الهدف الأسمى من بعثه إليهم فكان أعظم صابر لأنه تحمل أنواعاً كثيرة من الأذى حتى قال : ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت:
إذاً.. (إِخْتَاْرَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمَّاْهُ قَبْلَ أَنْ اجْتَبَاْهُ) فقبل أن يخلق الله محمداً سماه، وكان جميع الأنبياء من أولهم وإلى عهد عيسى يعرفون محمداً بالإسم ويعلمون حجم المسؤولية التي سوف تلقى على عاتقه، وقد حدثنا القرآن عن عيسى أنه أمر الناس باتباع الرسول الذي يأتي من بعده واسمه أحمد، وهذا دليل على كونه تعالى سماه من الأزل وعلم أنبياءه إسمه.
ثم قالت(ع) (وَاصْطَفَاهُ قَبْلَ أَنْ ابْتَعَثَهُ) وهذا قريب من معنى اختياره قبل إرساله، فلقد خلق الله محمداً وآله قبل أن يخلق الخلق بآلاف السنين، وهذا ما صرّح به النبي(ص) في أكثر من موضع كقوله :خلقت وآدم بين الطين والماء: وغير ذلك من النصوص التي تؤكد هذا المعتقد.
فقد اصطفى الله محمداً(إِذْ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُوْنَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاْوِيْلِ مَصُوْنَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُوْنَةٌ) لقد أخبرتنا الزهراء بأن الله تعالى اختار محمداً واصطفاه قبل أن يرسله للعالمين، ثم أشارت إلى الوقت الذي اختاره فيه وهو أثناء وجود الخلائق مكنونة في الغيب لم يظهر منها شيء بعد، فقبل أن يخلق الله الأرواح في الذر كانت معدومة وأثناء كونها معدومة خلق الله محمداً وآله من نور، ونهاية العدم هو العدم الكلي أي أنه لم يكن هناك مخلوق قبلهم.
فالعالَم كله بمسلميه ومسيحييه وأبيضه وأسوده وكبيره وصغيره عرف هذا النبي العظيم وسمعوا عنه الكثير وشاهدوا ثمار أعماله ونتاج جهاده وصبره وحكمته وشجاعته، وقرؤوا تاريخه المشرق وسيرته العطرة منذ الولادة وحتى الإلتحاق بالرفيق الأعلى سبحانه وتعالى، غير أن لهذا الرسول الأكرم حكاية قبل ولادته وحكاية بعد وفاته حيث كان له دور قبل وجوده في الحياة، وكذلك له الدور الأكبر في يوم الحساب لأنه هو الذي سوف يقود الصالحين إلى رحمة الله وجنته.
فكثير منهم عرفوا رسول الله ولكنهم عرفوه من جوانب محدودة وزوايا ضيقة، حيث عرفوا منه الشخص الأمين الذي اختاره ربه للنبوة، ولكنهم أهملوا أهم الجوانب الكاشفة عن جوهر هذا العظيم وحقيقته والتي ما زالت مجهولة لدى كثير من الناس بسبب القصور تارة والتقصير تارة أخرى.
وبمعنى آخر، لقد قرؤوا تاريخه بعد ولادته، وربما بعد مبعثه فقط، ولم يعيروا اهتماماً لتاريخه قبل الخروج إلى هذه الحياة وبعد الخروج من هذه الحياة حيث كان له دور منذ عالم الذر أو قبله وكذلك فإن له أدواراً كثيرة في يوم الحساب.
فقد خلق الله عز وجل محمداً وآله قبل أن يخلق الذر بفترة حددت في بعض الروايات بألفي عام، وفي بعضها بأكثر من ذلك وفي البعض الآخر بأقل، ونحن لا نتوقف على الفترة الزمنية بقدر ما نقف على كونهم أسبق الخلق في الوجود، فلو خلقوا قبل الخلق بساعة واحدة لكان ذلك شرفاً لهم من قِبل الله سبحانه وتعالى، فقد خلقهم الله تعالى أنواراً مشرقة كانت الأرواح في عالم الذر تنظر إلى تلك الأرواح المميزة نظرة خاصة، فلقد كانت روح النبي حاضرة مع جميع الأنبياء والرسل من عهد آدم، وقد توسل الأنبياء بهذا النور العظيم، وقد استجاب الله لهم بفضل هذا التوسل المبارك، وقد حفظ الله سفينة نوح نتيجة لتوسله بمحمد وآله، وما زالت تلك اللوحة المكتوب عليها أسماؤهم في عهد نوح موجودة في أعظم متاحف العالم.
والأحاديث القدسية تؤكد هذا المعتقد، حيث يقول سبحانه :وعزتي وجلالي ما خلقت سماءاً مبنية ولا أرضاً مدحية إلا لأجل هؤلاء: أي النبي وآله(ص).
وقول الزهراء(ع) أعظم دليل على صحة هذا المعتقد، وهو أن الله تعالى اختار محمداً وانتجبه واصطفاه قبل أن يكون هناك وجود للمخلوقات، وهو معنى قولها(إِذْ الْخَلائِقُ بِالْغَيْبِ مَكْنُوْنَةٌ، وَبِسَتْرِ الأَهَاْوِيْلِ مَصُوْنَةٌ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُوْنَةٌ)
وهذه من أخص الخصوصيات الخاصة بالنبي وآله، وهي من جملة المميزات لهم عن باقي الخلق بل من المعتقدات الثابتة التي يجب الإيمان بها.
حِكْمَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
ثم قالت(ع) : (عِلْماً مِنَ اللهِ تَعَاْلَى بِمَآيِلِ الأُمُوْر، وَإِحَاطَةً بِحَوَادِثِ الْدُّهُوْرِ، وَمَعْرِفَةً بِمَوَاقِعِ الأُمُوْر) لقد صنع الله ذلك لأنه عالم بما كان وما سوف يكون، فقد وضع رسوله وأهل بيت رسوله في هذا الموقع المشرف ليكونوا قدوة للبشر وموضعاً لامتحانهم واختبارهم في هذه الحياة ليعلم الصادقين منهم والمؤمنين المخلصين ويجزيهم بالخير خيراً منه.
لقد أعطى الله تعالى عناية كبرى لأهل هذا البيت الكريم، فميز رسوله محمداً عن باقي الرسل والأنبياء، ووصيه عن باقي الأوصياء، فجعل محمداً سيد أنبيائه، وعلياً سيد أوصيائه، وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وجعل الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وجعل منقذ البشرية ومخلصها من أهل هذا البيت العظيم الذي تحول إلى قبلة لملائكة الله الذين يتبركون بالنزول إليه.
هذه الأسرار باتت معلومة للجميع، ولكن كثيراً من المسلمين لا يقرون بها ولا يؤمنون بمضامينها عناداً وعتواً وتكبراً، فلو آمنوا بها وساروا على أساسها لتغيرت أكثر الموازين وتبدلت الأحوال، ولكن كثيراً منهم وقفوا القلوب والأسماع والجوارح كلها للشيطان الغوي الذي يكره الخير وأهله.
وإلى هذا المعنى يشير الشاعر بقوله:
هم النور نور الله جل جلاله هم التين والزيتون والشفع والوتر
وأسماؤهم مكتوبة فوق عرشه ومكنونة من قبل أن يخلق الذر
لماذا أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّداً(ص)
ثم قالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) (ابتعثه الله إتماماً لأمره ، وعزيمةً على إمضاء حكمه ، وإنفاذاً لمقادير حتمه ، فرأى الاُمم فِرَقاً في أديانها ، عُكَّفاً على نيرانها ، عابدةً لأوثانها ، منكرةً لله مع عِرفانِها)
فبعد كلام الزهراء(ع) حول حقيقة أبيها رسول الله(ص) وأن الله تعالى اصطفاه واجتباه قبل أن يخلق الذر بدأت بالكلام عن مبعثه الشريف مشيرة إلى الهدف منه وبعض الثمار الناتجة عنه فقالت:(ابتعثه الله إتماماً لأمره وعزيمةً على إمضاء حكمه)
فلقد خلق الله الجنس البشري بهدف المعرفة والطاعة، ولكنه تعالى لم يكن ليعذب أحداً من خلقه إلا بعد إتمام الحجة، وقد أتم الله الحجة على البشر بإرسال الرسل إليهم وبعث الأنبياء فيهم بهدف التعليم والتوجيه وبيان الحقيقة، فبعثهم فنشروا العلم في كل مكان بعد أن سددهم بالآيات التي لا تنكر والأدلة التي لا تواجَه، فلم تخل الأرض يوماً من نبي أو شريعة سماوية، فقد كان بعث الأنبياء حلقة لها بداية ولها نهاية، ولقد كانت البداية في عهد أبي البشر الأول آدم، والنهاية في عهد خاتم الأنبياء الذي أتم الله به أمره، وقد أشار سبحانه إلى مسألة عدم عقاب الناس بلا بيان فقال في محكم كتابه(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فبعثه الله رحمة للعالمين وأنزل معه القرآن الكريم الذي كان ولا يزال الدستور الأعظم المتماشي مع كل عهد وجيل حيث أنزله تعالى ليواكب البشرية حتى النهاية، فكان المعجزة الخالدة والنور المبين والنهج الساطع والصراط المستقيم.
كيف كان المجتمع العربي قبل المبعث الشريف
لقد أتم الله أمره ببعثه له وأمضى حكمه بإرساله إلى الناس كافة،(فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيْرَانِهَا)
فعندما بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق كان المجتمع العربي غارقاً في ظلمات الوثنية تحكمه العادات القبلية السيئة، وتسيطر عليه أنظمة الغاب والإفتراس، فلقد كانت كل قبيلة منهم تتخذ لنفسها ديناً خاصاً بها حسب ما يراه القيمون مناسباً لهم أو غير مناسب، لقد كان المجتمع العربي آنذاك أسوأ مجتمع شهدته الأرض حيث كانت الإنسانية فيه معدومة، فضلاً عن الدين، إذ كان همهم جمع المال والحصول على السلطة والوجاهة وإن كان ذلك على حساب الدماء والأعراض والكرامات، ولقد ارتكبوا من الجرائم البشعة ما لم يرتكبه أحد قبلهم حيث كانوا يدفنون البنات يوم ولادتهن لأن البنات لا يشكّلن مصدر رزق للآباء، وقد كانوا يصنعون ذلك بحجة أن البنت مصدر للعار، وقد استشرست فيهم المعاملات الربوية والسرقة والنهب وكل صفات الجور والظلم حتى أصبحت الحياة لا تطاق، وراح الناس فيما بينهم وبين أنفسهم يطلبون الخلاص من هذا الظلم الذي لم يعد محتملاً، ففي خضم هذه الظروف القاسية أراد الله سبحانه أن يرحم تلك المجتمعات ويلقي فيها الرحمة والعدالة والمساواة فأرسل إليهم رسوله الأكرم بدين الحق، وفي ذلك قال سبحانه(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال سبحانه(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
وقد وصفت الزهراء هذا الوضع الخطير بقولها(فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيْرَانِهَا ، عَابِدَةً لأَوْثَانِهَا ، مُنْكِرَةً للهِ مَعْ عِرْفَانَِِها)
ففي ذلك الوقت كانت عبادة الأوثان هي الرائجة والمسيطرة على الساحة لأنها كانت تشكل مصدر رزق وافر للتجار الذين كانوا على علم ببطلانها وصحة ما جاء به رسول الله(ص) من عند ربه، ولكنهم لم يقروا بالحق خوفاً على ثرواتهم وتجاراتهم التي كانت قائمة على الوثنية.
لقد أنكروا رسالة الحق وجحدوا بالله تعالى وهم يعلمون بأن الله هو الخالق الواحد الذي لا شريك له، ولكنهم أنكروا الإيمان حيث لمسوا المصلحة الخاصة في رفض الحق، وهو معنى قولها(ع) (مُنْكِرَةً للهِ مَعْ عِرْفَانَِِها) أي مع معرفتهم بصدق ما جاء به النبي من عند ربه.
بَعْضٌ مِن بركاتِ النَّبِي الخاتَم(ص)
ثم زادت الزهراء الأمر إيضاحاً فقالت(فأَنارَ اللهُ بأبي محمّد (ص) ظُلَمَها ، وكَشَفَ عن القلوب بُهَمَها، وجَلى عن الأبصارِ غُمَمَها ، وقام في النّاس بالهداية ، فأنقذهم من الغِواية ، وبَصّرَهُم من العَماية ، وهَداهُم إلى الدين القَويم ، ودعاهم إلى الصراطِ المستقيم )
لقد كشف الله ظلمات الأرض والقلوب بأنوار محمد الذي بعثه رحمة للناس، وبه انجلت البهم والشكوك والأوهام عن القلوب، ففتح لهم بصائرهم على الحق والمعرفة، وانتشلهم من حفر الغواية وأعماقها المظلمة، وبلّغ رسالة ربه، فقام في الناس بالهداية، فدلهم على طرق الدين القويم، وأنار لهم الصراط المستقيم ليسلكوها وهم على بصيرة من أمرهم.
وقد ركزت سيدة نساء العالمين في خطبتها المباركة على أهم المرتكزات التي يقوم عليها الإسلام ويتقوم بها، فبعد أن ذكرت أموراً عقائدية حول صفات الله عز وجل راحت تذكر أباها الأعظم وتذكّر الناس بفضله عليهم وأن الله تعالى أنقذهم برسول الله من الغواية والضلالة والجهالة حيث أرسله إليهم لينقلهم من الظلمات إلى النور، وإلى هذه الأمور أشارت بقولها (فأَنارَ اللهُ بأبي محمّد (ص) ظُلَمَها ، وكَشَفَ عن القلوب بُهَمَها، وجَلى عن الأبصارِ غُمَمَها ، وقام في النّاس بالهداية ، فأنقذهم من الغواية ، وبَصّرَهُم من العَماية ، وهَداهُم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم )
أولاً أنقذهم من الغواية التي كانت مصدر الشر لهم في الدنيا والآخرة، وشرّفهم بالدين والعلم، وأخرجهم من العمى، ففتح لهم بصائرهم التي كانت مظلمة ومغلقة بسبب الكفر والعناد، وهداهم إلى دين الله الذي به يكسب الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وقد أمرهم بالسير في طريق الهدى التي هي الصراط المستقيم، فإذا استجابوا له والتزموا بكلامه فقد ربحوا الدنيا والآخرة، ولكن كثيراً ممن عاصروه ورأوا معجزاته ولمسوا بركته قد انقضُّوا على الإسلام من بعده كما ينقض الذئب على فريسته، فبدل أن يبادلوه بالأحسن راحوا يبادلونه بالسوء ويؤلمونه بظلم فاطمة التي كان يقول فيها :فاطمة روحي التي بين جنبي، وفاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله: فلم يبالوا بالله ولا برسول الله ولا بأية حدود وخطوط حمراء.
الرَّسُوْلُ الأَعْظَمُ(ص) يُفَارِقُ الدُّنْيَا
ثم تابعت الزهراء كلامها حول أبيها وقلبها يقطر دماً حزناً عليه وعلى الإسلام بالدرجة الأولى وعلى إيذائها وهتك حرمتها بالدرجة الثانية، فراحت تحدثهم عن رسول الله قائلة(ثمّ قبضه الله إليه قَبْضَ رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار ، فمحمّدٌ (ص) من تعب هذه الدار في راحة ، قد حُفَّ بالملائكة الأبرار ، ورضوانِ الربّ الغفّار ، ومُجاورة المَلِكِ الجبّار ، صلّى الله على أبي نبيّه ، وأمينه وخيرته من الخلق وصفيّه ، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته)
فبعد أن بلّغ رسالة ربه وأكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة يوم الغدير وأوصاهم بوصاياه وأهمها قوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً: وبعد أن اكتمل نزول القرآن عبر ثلاثة وعشرين سنة كانت مشحونة بالتعب والسهر والجهاد، ومحفوفة بالخطر، آن أوان الإلتحاق بالرفيق الأعلى سبحانه وتعالى، وهنا يوجد أمر عقائدي يجب الإيمان به، وهي مسألة قبض روح النبي الأعظم(ص) الذي كان الأوحد من بين الخلق في طريقة قبض روحه، لأن عزرائيل لا يسأل أحداً، وإنما ينفذ الأمر الإلهي بمجرد أن يأتي أجل أحدهم فينزل إليه ويقبض روحه وينتهي الأمر، وقد ورد أن عزرائيل عندما نزل ليقبض روح نبي الله سليمان قال له(ع) لماذا لم يبعث الله لي الرسل لتخبرني بدنو أجلي؟ فقال له عزرائيل :لقد بعث الله لك الرسل، فقال سليمان وكيف ذلك؟ فقال عزرائيل :ألم تر الجنائز؟ قال :بلى: قال تلك رسل ربك إليك، أما عندما نزل عزرائيل لقبض روح النبي لم يكن وحده وإنما كان بصحبته أعظم ملائكة الله، وقد بلّغه رسالة ربه الذي خيّره بين البقاء في الدنيا أو الرحيل فاختار النبي(ص) الإلتحاق بالرفيق الأعلى حيث الراحة والسعادة والعظمة والطمأنينة وكل ما يتمنى المرء، ولذلك أخبرت الزهراء قومها عن هذا الحدث الفريد من نوعه لتذكّرهم بمكانة الرسول عند ربه فقالت(ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار) فقد قبضت روحه الشريفة برأفة من الله واختيار من رسول الله، وهذا الأمر لم يحصل لأحد من الناس قبله وبعده لأنه ميزة خاصة امتاز بها النبي عن غيره من الأنبياء والرسل فضلاً عن الناس العاديين (ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار) فلقد كان الرسول(ص) راغباً بالموت ومؤثراً الآخرة على الدنيا، وحب الإلتحاق بالرفيق الأعلى دليل على ارتياح المؤمن تجاه التكاليف التي ألزمه الله بها في دار الدنيا، أما العاصي فإنه يخاف من الموت لكونه سوف يحول بينه وبين التوبة، أما رسول الله فهو أعظم خلق الله على الإطلاق، فلا يخاف من الموت، بل هو اختاره عن طيب نفس، ولقد كان بإمكانه أن يخلد في الحياة إن أراد ذلك.
ثم بيّنت الزهراء للناس بأن محمداً(ص) في راحة من هم الدنيا حيث قالت(فمحمّد (ص) من تعب هذه الدار في راحة) فهو بين يدي الله تعالى في عيشة راضية تحف بها الملائكة تبركاً ( قد حُفَّ بالملائكة الأبرار ، ورضوانِ الربّ الغفّار ، ومجاورة الملك الجبّار: وهذه من أحب الأمور إلى قلب المؤمن الذي لا يريد بعد مجاورة الله شيئاً، فهو هناك مرتاح وسعيد في ظل الرضوان والنعيم.
ثم زادت الزهراء المقام بياناً فقالت (صلّى الله على أبي نبيّه ، وأمينه ، وخيرته من الخلق وصفيّه ، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته) فمحمد أمين الله وخير خلقه، وهو المصطفى منذ عالم الذر، وهو أعظم عظماء العالم على الإطلاق، فلماذا تناساه المسلمون في تلك المرحلة التي كانت الزهراء فيها بأمس الحاجة إلى الناصر والمعين.
وعظٌ وإِرْشَادٌ
ثم قالت(ع) :(أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ ، واُمناء الله على أنفسكم ، وبُلَغاؤه إلى الاُمم ، زعيمُ حق له فيكم ، وعهدٌ قدّمه إليكم ، وبقيّةٌ استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه ، قائدٌ إلى الرضوان اتّباعه ، مؤدّ إلى النّجاة استماعُه ، بِه تُنال حججُ اللهِ المُنَوَّرَة ، وعزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، ومحارِمُه المحذّرة ، وبيّناتُه الجالية ، وبراهينُه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورُخَصُه الموهوبة ، وشرائعهُ المكتوبة)
وتعتبر هذه الفقرات العظيمة دليلاً واضحاً على المقدمة المذكورة حيث أنها قمة في البيان والفصاحة والبلاغة خصوصاً وأنها أطلقت هذا الكلام من دون سابق تحضير، لأن المعصوم يتكلم بلسان الحق المسدد من قبل الله سبحانه وتعالى.
لقد وجّهت كلامها إلى الحاضرين تعظهم وتذكرهم بمكانهم، وفي نفس الوقت تبين لهم حدودهم التي لا يجوز لهم تخطيها، فهم عبادٌ لله شاؤوا أم أبوا، وعليهم واجبات تجاه الخالق القدير يجب أن يؤدوها على أتم وجه وأكمل صورة وأحسن أسلوب، فأنتم أيها المسلمون نصب أمر الله ونهيه، أي أنكم مكلفون من قبل الله تعالى بفعل كل الواجبات وترك كل المحرمات، وبمعنى آخر، أنتم مسؤولون أمام الله عز وجل عن كل حركة وسكنة تصدر منكم، فهو يراكم وهو معكم أينما كنتم وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، (أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ)
لقد وطّن المسلمون أنفسهم في البداية على حمل الدين في صدورهم وتطبيق أحكام الشريعة بحذافيرها، وكذا حمل الوحي الإلهي بشكل عام، وهو يشمل بالدرجة الأولى القرآن الكريم، والزهراء(ع) تقول لهم هذا الكلام من باب التذكير وإلقاء الحجة حتى لا يقولوا يوم القيامة لم نعرف ولم يقل لنا أحد شيئاً، وهذا الدين الذي حملوه هو أمانة في أعناقهم، ولكنهم كما قلنا في السابق خانوا الأمانة ولم يحفظوا الرسالة ولم يلتزموا بوصايا رسول الله لهم خصوصاً تلك التي تتعلق بأهل بيته(ع).
(أنتم عِبادَ الله نصب أمرِه ونهيِه ، وحَمَلَة دينهِ وَوَحْيهِ ، واُمناء الله على أنفسكم ، وبُلَغاؤه إلى الاُمم) ثم إنهم لم يحفظوا أمانتهم لأنفسهم أيضاً، وهذا مبالغة في بيان الحالة المتردية التي كانوا عليها، وقد كانوا بلغاء إلى الأمم، أي أنهم كانوا يبينون الأحكام والسنن للآخرين لأنهم تشرفوا بصحبة رسول الله(ص) فهم أعرف من باقي الأمم بأحكام الدين التي أخذوها عن رسول الله(ص)، ولكنهم لم يطبقوا أحكام الله على أنفسهم ولا على الآخرين بعد وفاة الرسول.
(زعيمُ حق له فيكم ، وعهدٌ قدّمه إليكم ، وبقيّةٌ استخلفها عليكم)
تريد أن تقول لهم لا داعي للإنكار والإستهتار والإعتداء والكذب، فصحيح أنه قد مات رسول الله، ولكن الدين ما زال حياً لأنه استخلف فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعده أبداً، ولقد قدمتم له العهود والمواثيق على أن تلتزموا بوصاياه وتعاليمه وإرشاداته ولكنكم ما أسرع أن تناسيتم تلك الوعود وخنتم تلك العهود، فلقد استخلف الرسول عليكم بقية عظيمة هي تمثل رسول الله بعد موته لأنها حملت علمه وحلمه وأدبه وأخلاقه وجميع التعاليم السماوية التي جاء بها من عند ربه سبحانه.
القرآنُ الكَريْمُ بَقِيَّةُ الله
لقد استخلف عليهم بقية، ولكن ما هي هذه البقية التي تمثله وتحل مكانه بعد موته؟ هي ما أشارت إليه الزهراء بقولها(كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع) إذاً البقية هي أهل البيت والقرآن الكريم.
وبهذه العبارات أرجعتهم الزهراء إلى أهم وصاياه(ص) التي أوصى بها الأمة قبل التحاقه بالرفيق الأعلى عز وجل، وهي قوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي: وهذا الحديث من أشهر الأحاديث وأصحها، فلا يمكن لأحد أن ينكر صدوره عن رسول الله، ولكنهم حرّفوه عندما لم يستطيعوا إنكاره، فلقد غيّروا في اللفظ بهدف صرف الأذهان عن المعنى المراد، وعملوا بكل طاقاتهم على تثبيت هذا التحريف الهادف إلى دفن الحق، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى هي الأقوى حيث أفشلت خطتهم وفضحت أمرهم وجعلتهم الأخسرين الخائبين لأنهم أرادوا أن يطفؤوا نور الله بكذبهم ونفسياتهم المنحطة ونواياهم السيئة، غير أن الإرادة الإلهية شاءت البقاء للحق المتمثل بآل النبي(ص) فهم نور الله في هذه الحياة، وهم السبب المتصل بين الأرض والسماء.
لقد استخلف النبي في الأمة الإسلامية كتاب الله الناطق وكتابه الصامت، أما الكتاب الناطق فهم آل النبي(ع) وأما الكتاب الصامت فهو المصحف الشريف الذي لا يمكن الوصول إلى أعماقه ومعانيه إلى عبر الدخول من باب الحق والعلم، وهم القرآن الناطق الذين حسدهم الناس على تلك الرتبة التي جعلهم الله عليها.
لقد غُرست هذه النبتة الخبيثة في يوم الغدير عندما أتم عليهم النعمة وأكمل لهم الدين بتعيين الخليفة الذي يحفظ الرسالة والأمة بعد موت النبي إذ ليس من المعقول أن يترك النبي الأمة في حيرة من أمرها بعد أن ذاق المرارات في سبيلها، ولا يعقل أن يتركهم من دون خليفة يرجعون إليه في أحكام الدين الذي لم يكن الجميع يعرفون التفاصيل الدقيقة عنه وبعض التفاصيل العامة، فهم بحاجة مستمرة إلى شخص يرجعون إليه في أمور دينهم، ولكن تنصيب الخليفة كان بمثابة صدمة لهم وصاعقة نزلت على رؤوسهم حيث لم يكن تعيين علي(ع) بالحسبان، فلقد كانوا طامعين بالرئاسة والزعامة، وهم على علم بأنهم فاقدوا أهلية تولي هذا المنصب الرباني الذي لم يكن لرسول الله أن يتصرف به من دون وحي إلهي خاص، لقد كان النبي خائفاً من كلامهم الجارح وظنهم السيء فأنزل الله عليه قوله(بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) وهؤلاء لم يكذّبوا رسول الله فقط وإنما كذّبوا القرآن الكريم رغم وضوح أمره.
ولذلك وصفت الزهراء هذا الأمر بقولها(والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه ، قائدٌ إلى الرضوان اتّباعه ، مؤدّ إلى النّجاة استماعُه)
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي لا يستطيع أحد من الناس أن ينكرها أو يواجهها حيث تحدى به النبي(ص) العالم بأسره، فلم يستطع أعظم بلغاء العرب وفصحائهم وعلمائهم أن يأتوا بسورة مثل سوره.
وإلى هذا المعنى يشير القرآن بقوله(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)
وهذا الكتاب السماوي هو النور الساطع والضياء اللامع، وهو كما وصفه النبي(ص) :حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم: وهو كما وصفه علي(ع) :ظاهره أنيق وباطنه عميق: وهو الذي لا يشبع منه العلماء ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد.
وهو كما وصفه الله تعالى(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) وهو الكتاب الذي لا تخفى أنواره وبيناته وبصائره، وهو الذي نقل الله به العباد من الظلمات إلى النور، وهو الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، ولكن المسلمين في زمن الزهراء تجاهلوا كل هذه المفاهيم القرآنية، وتجاوزوا جميع الحدود، بل نسوا ربهم من أجل تحقيق أهدافهم ومطامعهم.
ولأجل ذلك أحبت الزهراء أن تلقي الحجة عليهم وتصف هذا الكتاب العظيم بقولها (بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه)
والبصائر هي التعاليم والأنوار التي أنزلها الله في هذا الكتاب، والسرائر هي الأسرار، وقد انكشفت أسراره بفضل النبي وآله الذين عملوا بجد في بيان تعاليمه.
وأما ظاهره فهو جلي وواضح، ولا ينبغي أن يختلف اثنان في ظاهره ومحكماته، وقد حاول أعداء آل محمد أن يخفوا هذه الظواهر بسبب المصالح الحاقدة.
بعضُ عِلَلِ الفَرَائِض
وبعد أن ذكّرتهم الزهراء بربهم ونبيهم وخليفتهم وقرآنهم راحت تبيّن لهم فلسفة أحكام الدين لتتم الحجة عليهم عبر الإحاطة بهذه المفاهيم كيلا يبقى لهم عذر أمام الله والأمة والتاريخ، فقالت(ع) (فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك)
لقد أراد الله لعباده كل الخير، حيث خلقهم ليرحمهم بشرط أن يؤمنوا به ويعملوا صالحاً، ففرض عليهم الإيمان لينزههم من الشرك وما يتعلق به، والإيمان به ليس له، بل هو للمؤمن المستفيد من الإيمان.
وقالت(ع) ( والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر)
والصلاة كما تعلمون هي عمود الدين، وهي من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وذلك إذا كانت الصلاة لله تعالى، أما إذا كانت لغير الله فلن تعود بالنفع على مصليها، وكثير من الناس أصبحت الصلاة عندهم عادة لا يستطيعون التخلي عنها، وقد ورد في الحديث بأنه كم من مصل ليس له من صلاته سوى التعب، وقد فرض الله علينا هذه العبادة لينزهنا بها عن التكبر الذي يعقبه النار، فمن تواضع لله وعباده فقد خلّص نفسه من رواسب التكبر الذي يعتبر من الصفات الذميمة.
وقالت(ع) (والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق)
إن الزكاة تزيد في رزق صاحبها، وتعوِّده على الإيثار في سبيل رضا الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي للمرء أن يبخل فيما يَعُود عليه نفعه، فالذي يُخرج الحقوق الشرعية من ماله لا يكون خاسراً بل هو الرابح على مستوى الدنيا والآخرة لأن الزكاة تزيد في الرزق وتنميه وتعود بالأجر الكبير والثواب العظيم على المزكي في يوم الحساب.
وقالت(ع) (والصيام تثبيتاً للإخلاص)
إنك أيها الإنسان تدعي الإيمان وتدعي بأنك تطيع الله وتتحمل المشاق في سبيله، فقد فرض الله الصيام ليعلم الصادق من الكاذب، وهو العالم بالشيء قبل حدوثه، فأنت من خلال تحملك للجوع والعطش خوفاً من الله ورجاءاً في ثوابه تثبّت إخلاصك له، ونفس الصوم يساعدك على أن تكون مخلصاً في جميع الموارد.
وقالت(ع) (والحج تشييداً للدين)
فقد جعل الله البيت الحرام قياماً للناس، وبه يشاد الدين ويقوى ساعده.
وقالت (والعدل تنسيقاً للقلوب)
فلا يوجد أجمل من العدل، لأن به الألفة والمحبة والرضا، ولا يتخاصم مع العدل إلا من كان جائراً كأولئك الذين رفضوا العدل واستحبوا الجور في زمن سيدة النساء التي نالت نصيباً وافراً من ظلمهم.
وقالت(ع) (وطاعتنا نظاماً للملّة)
وهو يعني أن موالاة أهل البيت هي الوسيلة الوحيدة لسير الأمة في الطريق الصحيح لأنهم رسموا لها طريقاً واضحاً لا ظلام فيه ولا شبهات ولا أوهام، فأوله ظاهر وآخره بيّن، وهو الطريق الذي يوصلنا إلى الرضا والرضوان والسعادة الأبدية، غير أن كثيراً من المسلمين لم يسلكوا هذا النهج فوقعوا في المحذور الذي يعقبه شقاء ليس بعده شقاء.
وقالت(ع) (وإمامتنا أماناً للفرقة)
فهم الذين نصّبهم الله ليكونوا أئمة هدى للناس، ففرض علينا موالاتهم كيلا تحصل الفرقة في صفوف المسلمين، ولأن المسلمين أنكروا إمامتهم فلقد أصبحوا فرقاً كثيرة، هذا مع العلم بأن النبي(ص) قد أخبرهم بأن فرقة واحدة من تلك الفرق هي الناجية وهي التي عملت بوصاياه من بعده، وعلى رأس تلك الوصايا إتباع أهل بيته.
وقالت: (والجهاد عزّاً للإسلام)
فلا يمكن أن يكون الدين عزيزاً إلى إذا وجد من أتباعه من يدافع عنه بجميع الوسائل الممكنة، ونلاحظ بأن نشوء الإسلام واستمراره رغم كثرة أعدائه كان سببه الجهاد الذي فرضه الله تعالى على المسلمين، فلا ينبغي أن يكون المسلمون مكتوفي الأيدي وجالسين في بيوتهم وهم يريدون البقاء لأنفسهم ودينهم، فإن العزة لا تحصل بالرجاء والتمني وإنما تحصل بالجهاد.
وقالت: (والصبّر معونة على اسيجاب الأجر)
لأنه بالصبر ينال المرء مراده، وفيه أجر وثواب عظيمان، وقد بشّر الله الصابرين بالرحمة والجنة، لأنهم بالصبر أرجعوا أمرهم إلى الله تعالى، ولجؤوا به إليه، ومن لجأ إلى الله واتكل عليه كان الله معه.
وقد ورد في الصبر كلام كثير، منه في الكتاب ومنه في السنة، أما ما ورد في الكتاب العزيز فمنه قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وقوله عز وجل(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
وأما ما ورد في السنة المطهرة حول الصبر فمنه قول النبي(ص) :الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فمن لا صبر له لا إيمان له:
والزهراء(ع) هي القدوة لنا في إمكانية الصبر على الأذى، والتحمل في سبيل الله سبحانه وتعالى، فهي الصابرة المجاهدة والراضية المرضية.
وقالت(ع) : ( والأمر بالمعروف مصلحة للعامة)
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، فلا ينحصر برجال الدين والمبلغين فقط، وإنما هو عبادة عامة أوجبها الله عز وجل على الجميع، فإذا تعاملنا بهذه العبادة فقد حفظنا أنفسنا ومجتمعنا وأمتنا من الأخطار الشيطانية، وهذه هي أم المصالح لدى الإنسان المؤمن الذي يرجو الثواب ويخشى العقاب، ولم يكن وقوف الزهراء في ذلك الموقف إلا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ارتكبه المسلمون عندما هجموا عليها وأحرقوا دارها وغصبوا حقها، فهو عين المنكر الذي يستحق فاعله العقاب.
وقالت(ع): (وبرّ الوالدين وقاية من السخط)
لعلها(ع) تحاول أن تبيّن للناس أن الإسلام لم يترك أمراً من أمور الدين والدنيا إلا ووضع له أحكاماً خاصة وأنظمة محكمة، مشيرة إلى بعض أسباب تلك الفرائض والحكمة من ورائها، وإن البر بالوالدين واجب على كل ولد، وإن لم يكن الأبوان مؤمنين، وذلك احترام لحق الأبوة والأمومة، وقد قرن الله تعالى قبول الطاعات بالإحسان للوالدين حيث يقول(وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) أي أنه كما فرض عليكم أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً فكذلك فرض عليكم البر بالوالدين حتى وإن لم يكونا مؤمنين(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وأنت ببرك لوالديك تؤمّن نفسك من سخط الله عليك فلو كنت زاهداً وعاملاً وصائماً وقائماً ولم تكن مرضياً لأبويك فلن تشم رائحة الجنة التي كان مفتاحها البر بالوالدين.
وقالت(ع): (وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد)
وصلة الأرحام عبادة فرضها الله علينا كما فرض علينا الصلاة والصوم والحج والجهاد، غير أن كثيراً من المسلمين لا يلتزمون بها رغم عظيم الأجر المترتب عليها، قال تعالى(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وهذا هو الجانب السلبي لقطع صلة الرحم، فإذا لم يزر المرء أهله وأخوته والمؤمنين فقد وقع في خسارة كبرى لا تعوض، وصلة الأرحام لها آثار للدنيا وآثار للآخرة، أما آثارها في الدنيا فهو ما أشارت إليه الزهراء بقولها(وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد) أي أنها سبب في طول العمر وزيادة العدد، وأما في الآخرة فهو الثواب الأكبر، وقد ورد في الحديث أنه لا يكون المرء مؤمناً حتى يصل من قطعه:
وقالت: (والقصاص حقناً للدماء)
فكثير من الناس يتهمون الإسلام إتهمات باطلة وينظرون إليه نظرة شر من خلال القصاص الذي فرضه على المسيئين، ونفس هذا القصاص فيه رحمة للعباد لأن الإسلام لا يقاصص إلا المسيئ، فهو دين الحق والعدل، وهو يرفض الظلم ولو كان بمقدار ذرة، ولولا هذا القصاص لما حقنت الدماء، وكثير من الناس كانوا يتجنبون الجرائم خوفاً من القصاص، وهذا يعني أن لهذا الفرض منفعة للكل من دون استثناء حيث فرض الإسلام القصاص على الجاني من دون النظر إلى هوية المعتدى عليه.
وقالت(ع): (والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة)
إن الله تعالى ليس بحاجة إلينا وإلى نذورنا وعهودنا، ولكنه بسبب رحمته الواسعة فرض علينا أن نفي بالنذور لننال بذلك رحمته في الدنيا والآخرة.
وقالت: (وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس)
لقد كانت الحياة الإقتصادية قبل المبعث النبوي الشريف رديئة بسبب الغش والربا وأكل الأموال بطرق غير مشروعة، فلقد كان كثير من الناس يبخسون الناس أشياءهم، إلى أن جاء الإسلام وحرّم هذا السلوك بشدة، بل واجهه بكل ما أوتي من قوة، وذلك من باب إصلاح المجتمع الذي كان منحطاً ومتدهوراً، فلقد كان الكبير فيه يأكل الصغير، والغني فيه يظلم الفقير، إلى أن أتى الرسول بالحق صادعاً بأمره تعالى(فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
وقالت(ع): (والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس)
لقد أراد سبحانه أن ينزهنا عن باقي المخلوقات فحرم علينا شرب الخمر الذي يضر بالنفس والعقل قبل أن يضر بالجسد، والشيطان الرجيم يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا عن طريق شرب الخمر الذي يزيل العقل ويجعل الإنسان بمستوى الحيوان، فإذا أراد الإنسان لنفسه الذل والإنحطاط فالأمر يرجع إليه، ولكن عاقبة أمره سوف تكون وخيمة، ولقد حذرنا تعالى من وسوسة الشيطان حول هذا الأمر فقال(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)
وقالت(ع): (واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية)
وهذه الأمور باتت من أوضح الواضحات للقاصي والداني فلا حاجة إلى الإطالة حولها.
دَعْوَةٌ إِلَى تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
وقالت(ع) (فاتّقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فإنّه إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء )
فبعد أن ذكرت لهم شيئاً حول فلسفة العبادات دعتهم إلى تقوى الله، فإنه من دون تقوى لا يمكن أن يرجعوا إلى رشدهم وصوابهم والحالة التي كانوا عليها في حياة أبيها الأعظم محمد(ص) وهذه الدعوة هي دعوة القرآن للجميع حيث قال سبحانه وتعالى في سورة آل عمران(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
والذين هجموا على دار الزهراء وارتكبوا تلك الجريمة البشعة في حقها وحق الإسلام والقيم والمبادئ والأخلاق فقد كفروا، وليس بالضرورة أن يكون الإنسان عابداً للأوثان حتى يوصف بالكفر، فقد يصلي ويصوم ويقرأ القرآن ومع ذلك كله يكون حكمه عند الله تعالى حكم الكافر، وهؤلاء كفروا وهم تتلى عليهم آيات الله، وقد سمعوا الآيات مباشرة من رسول الله، وكفروا والرسول بينهم، حتى بعد وفاة الرسول كان بينهم لأن وجود أهل البيت(ع) كوجود الرسول.
ثم يوجه القرآن الكريم خطابه إلى المؤمنين ويدعوهم إلى التقوى لأن الإيمان المجرد عن العمل لا ينفع صاحبه بشيء على الإطلاق، ثم دعاهم إلى الوحدة فتفرقوا وكانوا شيعاً وأحزاباً وكل حزب بما لديهم فرحون.
وعندما دعتهم الزهراء إلى تقوى الله فهمنا أنهم كانوا على الضلال والإنحراف لأنهم لو كانوا متقين لما ارتكبوا تلك الجريمة البشعة في حق التقوى وأهلها.
لقد حاولت أن ترجعهم إلى الله تعالى ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان وآثروا العاجلة على الآجلة فكانت النتيجة أنهم خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة.
وقد يشكِل علينا بعض الراضين بالجور فيقول :إن دعوة الزهراء لهم إلى التقوى لا تعني أنهم لم يكونوا أتقياء لأن الله تعالى في بعض الآيات يدعوا المؤمنين إلى الإيمان كما في قوله المبارك(يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله) ونحن هنا نرد عليهم بأنه لو كان هؤلاء المؤمنون مؤمنين قولاً وعملاً وقلباً وقالباً لما وجّه القرآن لهم الدعوة لا من باب البدو ولا من باب التأكيد، ولسان الآية الكريمة هنا يشعر بالتوبيخ والتحذير ويكشف عن كونهم غير مؤمنين وإن أعلنوا الإيمان كالأعراب الذين سلب القرآن عنهم صفة الإيمان لأنهم لم يؤمنوا بالعمل والتطبيق.
ونزيد في القول بأن الذين هجموا على دار الزهراء لم يكونوا مؤمنين ولم يكونوا من أهل التقوى، لأن حفظ الزهراء واتباعها هو أساس التقوى، وكل من يتجرأ على الزهراء بقول أو فعل، بل كل من يشك بها في القلب أيضاً لم يكن من أهل تقوى الله عز وجل، إذ كيف يكون كذلك ولم يدخل إلى التقوى من بابها الصحيح، ولا أحد ينكر بأن باب التقوى هو النبي وآله(ص) الذين جعلهم الله تعالى قادة للناس ومثلاً أعلى لهم، حيث عصمهم من الذنوب وأبعدهم عن العيوب وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وقد كان من الضروري أن تدعوهم الزهراء إلى تقوى الله لأنهم أصبحوا بعيدين كل البعد عنها حيث أنساهم الشيطان دينهم ووجودهم وأخلاقهم فأصبح همهم الأوحد هو الحصول على السلطة مهما كانت الوسيلة بشعة ووضيعة.
ولعلها بدعوتهم إلى طاعة الله تعالى تؤكد كونهم لم يكونوا من أهل الطاعة حينما ظلموها، وهذا دليل آخر على إدانتهم وخروجهم عن الإيمان والإسلام، لأنهم لو ماتوا وهم على تلك الحالة ماتوا على غير ملة الإسلام، ولأجل ذلك حذرتهم الزهراء من أن يموتوا على غير هذا الدين الحنيف الذي ماتوا على غيره لأنهم أصروا على ظلمها وحرمانها من حقها الشرعي.
وقد أمرهم الله تعالى بأشياء كثيرة، وعلى رأسها ولاية أهل البيت(ع) حيث أمرنا الله بإطاعتهم لأنهم أولوا الأمر وأعلم الناس بالحدود الإلهية بعد رسول الله(ص) الذي أمر المسلمين بموالاة أهل بيته، وهو لا ينطق إلا بوحي من الله تعالى، ولذا يصح نسب أمر الرسول إلى الله لأنه ينقل عن الله مراده من أوامر ونواه وتعاليم وإرشادات.
وقد كانوا علماء بأحكام الله، وهنا تكمن الإدانة الفعلية، فهم غير معذورين في ظلمهم لآل الرسول، مع أنه من المفروض على العالِم بأحكام الله أن يخشى الله، وهؤلاء رغم علمهم بأحكام ربهم لم يخشوه ولم يطيعوه، بل أصروا على الظلم والطغيان.
أنا فاطمةُ الزَّهْرَاء
هناك كلمة أطلقتها الزهراء(ع) وقد دوى صداها في أرجاء الكون حيث أطلقتها وهي حزينة على أوضاع الأمة، وخائفة على مصير الدين الذي استعمله أصحاب المطامع غطاءاً يسترون به عيوبهم ويخفون به جرائمهم وقبحهم وخبثهم، لقد أطلقت كلمتها الشهيرة وهي على تلك الحالة من الضعف والمظلومية وإنكار الناس لحقها وشأنها ومكانتها عند الله ورسوله فوقفت أمام الملأ وقالت:
(أيها الناس إعلموا أني فاطمة)
وأمام هذه العبارة والهدف من إطلاقها يتردد على أذهاننا سؤال دقيق خصوصاً وأن كثيراً من المؤمنون يرددون هذه الكلمة في جلساتهم ويتغنون بعبارات خطبة الزهراء التي كانت قمة في الفصاحة والبلاغة، ولكن كثيراً منهم مع الأسف لم يبحثوا عن سبب إطلاقها مع أن كل الناس كانوا يعرفون بأن التي تخاطبهم هي فاطمة الزهراء(ع) وإذا كان الجميع يعرفونها فلماذا قالت لهم (إعلموا أني فاطمة)؟ طبعاً إن المعصوم لا ينطق باللغو لأنه منزه عن كل عيب ونقص، وإذا كان المعصوم منزهاً عن اللغو معنى ذلك أنه يوجد وراء هذه الكلمة هدف غير بيان شخصية المتكلم، وهنا نحاول أن نبين السبب في إطلاق هذه الكلمة.
وقبل الخوض في بيان السبب أذكر لكم مثالاً من واقعنا يوضح لنا الفكرة قبل بيان الجواب، هناك شخصان يعرفان بعضهما البعض معرفة وافية وربما يكونان أخوين أو قريبين فيختلفان مع بعضهما فيأتي المظلوم منهما ويقول للظالم :يا فلان أنا فلان، هو يعرف أنه فلان كما يعرف نفسه، فلماذا يقول له أنا فلان؟ هو يقول له ذلك من باب التأنيب، وكأنه يقول له :أنا الذي علمتك وأعلتك وصنعت معك المعروف، وأنا الذي مدحني فلان وأثنى عليّ فلان حتى تأتي أنت وتنكر هذا الفضل.
نفس هذا المعنى يمكن استعماله في عبارة الزهراء(ع) فكأنها تقول لهم :لماذا ارتكبتم هذه الجريمة في حقي وأنتم تعلمون أني فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، وأنني التي أوصاكم الرسول بي خيراً، فلماذا تناسيتم وصايا النبي وأنتم تعلمون بأنه لا ينطق إلا بوحي من الله وأن الراد على رسول الله راد على الله عز وجل، وكأنها تريد أن تقول أنا فاطمة التي تجب طاعتي، وأنا من كان أبوها رسول الله وأنا التي ترعرعت في أحضان الرسالة، فأنا أعلم منكم بأحكام الله، ولذلك قالت في خطبتها: أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمد: وهي هنا لا تتكل على النسب فقط وإنما تذكر لهم بأنه جزء من الرسالة.
ثم تابعت كلامها قائلة: (أقول عوداً وبدءاً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)
وهنا تؤكد لهم بأن الله تعالى منّ عليهم بنعمة عظمى حيث بعث فيهم رسول الله وهو منهم، أي من مكة المكرمة ومن قريش، وهو حريص على المؤمنين باذل في سبيلهم كل غال ونفيس، وهذا كلام الله تعالى في سورة التوبة.
ثم قالت(ع) (فإن تَعْزوهُ وتعرفوه تَجِدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابنِ عَمّي دون رجالِكم)
إذا راجعتم حساباتكم قليلاً ورجعتم إلى الوراء برهة من الزمن فسوف تعرفون – وأنتم تعرفون – بأن محمداً(ص) هو أبي وليس أب إحدى نسائكم، وسوف تجدونه أخا ابن عمي، يعني أخ علي بن أبي طالب، لأنه(ص) في يوم المؤاخاة قد آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بينه وبين علي بن أبي طالب لكونه أقرب الناس إلى الله ورسوله، وهناك قال له الرسول :أنت أخي ووصيي ووزيري: وهنا تُظهر للناس مدى العلاقة والرابطة الروحية والرسالية بينها وبين أبيها من جهة، وبينها وبين زوجها من جهة ثانية، وبينهما وبين رسول الله من جهة ثالثة، وهذا الأمر لا ينبغي أن يكون ببلاش، بل إن له آثاراً يجب أن تظهر على أيدي الناس، وأقل آثاره هو أن يطيع الناس إبنة رسول الله وأخاه في الله علي بن أبي طالب الذي تم تعيينه وتنصيبه من قبل الله سبحانه وتعالى حيث علم الله بأن أفضل خلق الله بعد محمد هو علي ابن أبي طالب الغيور على الرسول والرسالة، والحافظ لدين الله، وراعي الأمة ومدبر شؤونها.
ونحن على اعتقاد بأن جميع الحاضرين أمام الزهراء آنذاك كانوا يعرفون ما تقوله حق المعرفة، وإنما حاولت أن تذكرهم علهم يتذكرون وتعظهم لعلهم يتعظون ويرجعون عن غيهم وضلالهم وانحرافهم عن جادة الحق.
ثم قالت(ع): (وَلَنِعْمَ المعزّي إليه)
وهو مدح لرسول الله(ص) الذي حاول جميع أصحاب المطامع أن يسلخوا ذكره من قلوب المؤمنين لأنهم ما داموا يذكرون رسول الله فهناك أمل في رجوعهم إلى الحق، فرأوا بأن أفضل وسيلة للفصل بين الناس ورسول الله هو إبعاد ذكره عنهم، ولكنهم لم ينجحوا في تنفيذ هذه المؤامرة الهادفة إلى إطفاء نور الله المتمثل بالنبي وآله، فأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والمشركون والظالمون والمنافقون.
وقد امتزت علاقة الزهراء بأبيها (صلوات الله عليهما) عن علاقة أي ولد بوالده، أو والد بولده، فلقد حدثنا التاريخ المشرق عن مدى تلك العلاقة بينهما، وأنها لم تتوقف عند علاقة الأب بابنته، وإنما كانت علاقة مؤمن بمؤمن ومعصوم بمعصوم ورسالي برسالي، ولقد أوضح لنا النبي مراراً حقيقة معاملته المميزة للزهراء مبيناً بأن الله تعالى هو الذي أمره بذلك حيث قال لإحدى زوجاته عندما شاهدت منه العجب في تعاطيه مع الزهراء البتول فاستنكرت هذا الإحترام الكبير لها إذ كيف يقف الوالد لابنته احتراماً لها كلما دخلت على مجلسه أو كيف يمكن للوالد أن يقبل يد ابنته، فرد عليها النبي بقوله: أسكتي يا فلانة إن الله تعالى أمرني بحبها:
وهذا ما نلاحظه من خلال وصف الزهراء لأبيها فإنها لم تحدثنا عن معاملته الخاصة لها بل حدثتنا عن جهاده في سبيل الله والإسلام والأمة، وذكرت لنا فضائله على الناس، وهذا من شأنه أن يؤكد لنا بأن العلاقة بينهما كانت علاقة ربانية ورسالية أكثر من كونها علاقة نسبية، حيث لا يتعامل المؤمن مع المؤمن من منطلق النسب بل من منطلق الإيمان لأن المؤمن قريب من المؤمن وأخٌ له وإن لم تربطهما علاقة نسبية، وقد ورد في الحديث :المؤمن أخ المؤمن:
قِيام الرسول(ص) بتمام المهمة
لقد تابعت الزهراء حديثها عن أبيها وفضله على الناس من باب إتمام الحجة عليهم والتذكرة لهك فقالت: (فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة مائلاً عن مَدْرَجَةِ المشركين ، ضارباً ثَبَجَهُم آخِذاً بأكظامِهِم داعياً إلى سبيلِ ربِّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة)
لقد عمل النبي(ص) بكل ما أوتي من قوى روحية ونفسية ومادية على تبليغ رسالة الله رغم الأخطار التي كانت محيطة به والظروف الصعبة التي كانت تسيطر على الوضع العام في مكة المكرمة، ورغم قلة المؤمنين والمؤازرين، فلقد بقي سنوات طويلة من الزمن ليس معه مؤمن سوى علي بن أبي طالب والسيدة خديجة عليهما السلام، وقد شكّل هذان الشخصان العظيمان العمود الفقري للإسلام، وقد ذكر النبي ذلك بقوله :قام الدين بسيف علي ومال خديجة: وفي موضع آخر وبعد وفاة السيدة خديجة أثنى عليها النبي بقوله: آمنت بي عندما كذّبني الناس وواستني بمالها عندما حرمني الناس:
فلقد بلغ الرسالة وصدع بالنذارة، أي أنه أنذر الناس من البقاء على الكفر والوثنية والإستمرار في ممارسة الظلم والفحش والقتل والسرقة والربا وغير ذلك من المحرمات التي انغمس فيها أفراد المجتمع العربي قبل المبعث النبوي الشريف.
لقد أمره ربه بأن يبلغ فبلغ، وأن ينذر الناس مبتدءاً بعشيرته فأنذر، وكان خير مبلّغ ومنذر وغيور على الناس الذين قابلوا إحسانه لهم بالإساءة إليه عبر ارتكابهم الجرائم البشعة في حق أهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم.
وقالت(ع) في وصف أبيها(ص) (مائلاً عن مَدْرَجَةِ المشركين)
أي أنه بعيد عن طريقهم ومسلكهم وكل ما يتصل بهم من قريب أو بعيد.
وقالت: (ضارباً ثَبَجَهُم آخِذاً بأكظامِهِم)
لقد ضرب النبي وسط المشركين ومعظمهم بيد من حديد حتى يقضي على الكفر والوثنية، وهنا نلاحظ العظمة في التعابير التي أطلقتها الزهراء(ع) فالثبج: هو وسط الشيء ومعظمه، وأما قولها (آخذاً بأكظامهم) فإن الكَظَم هو مخرج النفَس من الحلق، وهو كناية عن كونه(ص) لحقهم وتابع مهمته معهم حتى يؤمنوا بالله تعالى فلم يتهاون في أمر الله ولم يقصر في تأدية واجباته بل كان حازماً ومخلصاً ومجداً.
ثم قالت(يَكسر الأصنامَ وَينكُثُ الهام ، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتّى تَفَرّى اللّيلُ عن صُبْحِه ، وأسْفَرَ الحَقُّ عن مَحْضِه ، ونَطَقَ زعيمُ الدّين، وخَرَسَت شَقاشِقُ الشَياطين ، وطاح وشيظُ النِفاقِ ، وانْحَلَّتْ عُقَدُ الكفرِ والشِقاق)
عندما فتح النبي مكة المكرمة دخل إلى الكعبة وأخرج منها الأصنام وحطمها، ثم أصعد علي بن أبي طالب على كتفيه ليطال الأصنام التي كانت موضوعة على سطح الكعبة الشريفة، فلقد كسّر الأصنام ونكث الهام، والهام هي قامة الرجل، أي أنه ألقى الرجال على رؤوسها.
لقد أدى وظيفته بالشكل المطلوب وجاهد في سبيل الله وتحدى جميع الأخطار ووقف في وجه الوثنية ومن يدعمها حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر هربوا من أمامه مهزومين مكسورين ضعفاء، حتّى تَفَرّى اللّيلُ عن صُبْحِه، ظهر الحق وبان النور وولى ظلام الكفر والوثنية، ونَطَقَ زعيمُ الدّين، ظهر الإسلام واشتد ساعده وصارت كلمته مسموعة، وخَرَسَت شَقاشِقُ الشَياطين: فالشقشقة شيء يخرجه البعير من فمه إذا غضب وهاج، وهذا تعبير وكناية عن هزيمة الشياطين لأن انتصار الحق على يد رسول الله(ص) انهزمت به الشياطين وظهر ضعفهم أمام عظمة رسول الله وانقطعت أنفاسهم حيث حاصرهم وقطع الطريق عليهم.
وطاح وشيظُ النِفاقِ الوشيظ هو السفلة والرذل من الناس، وقد أباد النبي أهل النفاق وأهلكهم وكسر شوكتهم وضعّف قوتهم وقلّل عددهم.
وانْحَلَّتْ عُقَدُ الكفرِ والشِقاق: فلم يعودوا أقواء متماسكين حيث زلزل النبي أركانهم ومعتقداتهم.
وبعد أن بينت الزهراء(ع) جهود أبيها الأعظم وطريقته في التعاطي مع أهل الكفر وأنه هزمهم والشياطين وجّهت خطابها إليهم قائلة لهم:
(وفُهْتُم بكلمة الإخلاص في نَفَر من البيض الخِماصِ)
يعني بعد أن لمستم القوة عند رسول الله والمسلمين، ورأيتم الضعف في صفوف المشركين والوثنيين، تفوهتم بكلمة لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وكثير منهم تفوهوا بكلمة الإخلاص خوفاً على أنفسهم من قوة المسلمين، وكان النبي يعرف نواياهم الخبيثة، ولكنه صبر عليهم ووعظهم ونصحهم وفتح لهم أكثر من فرصة للتوبة، فلم يتوبوا، فتركهم لأنهم كانوا في الظاهر مسلمين يقرون بشهادة أن لا إله إلا الله، وهنا لا بد من الحكمة في التعاطي معهم، فلا يمكن قتلهم أو سجنهم كيلا يقال بأن النبي قتل المسلمين، ولم يكن للنبي والمسلمين أن يطمئنوا لهم بل عاشروهم على حذر وانتباه، وفُهْتُم بكلمة الإخلاص في نَفَر من البيض الخِماصِ: والخماص هم الجائعون.
لقد ظن الطامعون بأنهم أصحاب فضل وشأن وأنهم أحق الناس بالزعامة والسلطة، وهم في حقيقة الأمر فاقدوا الأهلية لتولي الحكم حيث لم تتوفر عندهم شروط الحاكم والولي والخليفة، وقد صدّقوا أنفسهم وصدقهم شريحة كبرى من الناس، فكسرت الزهراء شوكتهم وذكّرتهم بأصلهم الوضيع وأنهم عندما أصبحوا بشراً فقد حصل لهم ذلك ببركة محمد ابن عبد الله الذي نقلهم من مستوى البهيمية إلى أعلى مستويات الإنسانية بعد أن كانوا غارقين في عيشة تشبه حياة الغاب التي يعيش فيها أقوى حيوان وأضعف حيوان من دون قانون يحمي الضعفاء، لقد كان القانون المعمول به هو أن القوي يأكل الضعيف ويفترسه وعياله من دون رحمة ولا شفقة، ولأجل ذلك ذكّرتهم الزهراء بالحالة التي كانوا عليها ليقارنوا بينها وبين الحالة التي أصبحوا عليها بعد أن بعث الله منهم وفيهم رسوله بالهدى ودين الحق فقالت لهم:
(وكنتم على شَفا حُفرة من النار ، مِذقَةَ الشارِب ونهزَة الطامع ، وقَبْسَةَ العَجْلان ، ومَوْطِئَ الأقدام تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ أذِلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب)
لقد كانوا قريبين جداً من الوقوع في الهاوية والغرق في بحر من المتاهات والظلمات، مذقة الشارب، أي كنتم ضعفاء يسهل الوصول إليكم والنيل منكم، ولقد شبّهتهم الزهراء هنا بالمِذقة، وهي اللبن الممزوج بالماء والذي يسهل شربه، بل كانوا أوهن من بيت العنكبوت، ولم يكن شربهم سهلاً بل كانوا نهزة الطامع، أي أنهم فرصة للطامع ينال منهم متى يريد، وكذلك شبّهتهم بقبسة العجلان، وهو من أعظم التعابير التي يمكن استعمالها في هذا المورد، وقبسة العجلان هي شعلة النار التي يتناولها الإنسان المستعجل، أي أنه يأخذ النار بشكل سريع، وهم كانوا بالنسبة لطالبهم هكذا يأخذهم بسرعة من دون أن يحسب لهم أي حساب ومن دون أن يكون لهم ناصر أو معين أو مطالب لهم بالحق إلى أن منّ الله عليهم برسوله الأكرم.
وكذلك كانوا موطئاً للأقدام يدوسهم الواحد بكل سهولة فرفع النبي شأنهم وانتشلهم من بين الأرجل ووضعهم على عروش عالية، فلم يرضوا بذلك، وإنما استحبوا الماضي الوضيع على الحاضر الرفيع، وقبلوا بالذل على العز والأوضاع المتردية على الحياة السليمة والكريمة.
ثم زادت(ع) أمرهم وضوحاً وجلاءاً لتصل الحقيقة إلى الناس على طبق من فضة فقالت لهم(تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ أذِلّة خاسئين)
لقد كنتم تشربون الماء الملوث بآثار الإبل، لأن الطَرَق هو الماء الذي خوضته الإبل وبركت فيه، وكنتم تأكلون القِد، والقد هو الجلد الذي لم يدبغ، بالإضافة إلى ذلك كله كنتم أذلة خاسئين تخافون من أدنى حركة وصيحة لأنكم فاقدوا القوة، وهو ما أشارت إليه الزهراء بقولها(تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم) هذا يأخذكم يميناً وذاك شمالاً، وهذا يصنع بكم ما يريد من دون أن يسأله أحد ماذا تفعل(فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب)
فبعد اللتيا والتي، أي بعد الأوضاع المتردية التي كانوا عليها أنقذهم الله عز وجل بمحمد(ص) الذي أرسله رحمة للعالمين بعد أن قص أجنحة الظالمين ومني ببهم الرجال أي بشجعانهم، وبعد هلاك ذؤبان العرب والمردة من أهل الكتاب.
وهذا الحق الكبير عليكم لا يجدر بكم أن تتجاهلوه أو تنكروه، فليس من شيم الناس الواعين أن يجحدوا بحقوق الآخرين، وبعد كل ما قالته أصروا على الظلم وما على الرسول إلا البلاغ.
فَضْلُ الإِمام علي بن أبي طالب(ع)
وبعد أن ذكّرتهم الزهراء(ع) برسول الله(ص) وفضله عليهم وكونه السبب في نقلهم من المستوى الحياتي الوضيع إلى مستوى عال ورفيع بدأت تحدثهم عن زوجها علي بن أبي طالب(ع) الذي كان له الدور الأبرز في انتشار الدين وبقائه حيث كان المثل الأعلى في التضحية والفداء والجهاد والإيثار، ولولا ضربته لعمرو يوم الخندق لما كُتب للإسلام بقاء واستمرار حيث مثّل نزوله يومذاك نزول الإسلام كله إلى الكفر كله، وتقول الزهراء(ع) في حق ابن عمها علي(ع):
(كلّما أوقدوا ناراً للحرب أَطفأها الله ، أو نَجَمَ قَرْنُ الشيطان ، أو فَغَرَتْ فاغِرةٌ من المشركين قَذَفَ أخاهُ في لَهواتِها)
كان المشركون بين الفترة والفترة يشنون الغارات على المسلمين ليشعلوا نار الحرب، ولكنهم في كل مرة كانوا يتفاجؤون بوجود بطل عظيم استمد قوته من جهة غيبية حيث كان مصدر خوفهم الدائم ورعبهم المستمر، فلقد كان الله تعالى يطفئ نار الحرب على يد رسوله ووصيه سلام الله عليهما، وكذلك كلما نجم قرن للشيطان، أي كلما تحرك أتباع الشيطان ضد المسلمين، أو كلما فغرت فاغرة من الشركين، أي كلما انطلقت طائفة منهم للنيل من الإسلام والمسلمين قذف أخاه في لهواتها، أي أنه أرسل لهم أخاه ووصيه ووزيره علي بن أبي طالب ليقف في وجوه الظالمين، وقد ذكر المؤرخون بأنه عندما كانت تتكاثر كتائب المشركين كان النبي يقول لعلي يا علي رد هذه الكتيبة، ويا علي رد تلك الكتيبة، فكان ينزل بينهم فيفرقهم.
وقد وصفت الزهراء صنيع زوجها بالمشركين في الحروب والمعارك فقالت
(فلا يَنكَفِئ حَتّى يَطأَ جَناحَها بأَخْمصِه ، ويُخْمِدَ لَهَبَها بِسَيْفِه)
وفي رواية أخرى (حتى يطأ صماخها بأخمصه) أي حتى يكسر شوكتهم ويهزمهم ويطأهم تحت قدميه، وتاريخ علي(ع) أعظم شاهد على هذه البيانات، حيث اشتهر بين الجميع بالمواقف البطولية والتي كان أعظمها مبيته على فراش النبي ليلة الهجرة حيث كانت تلك عملية استشهادية نوعية نفذها أمير المؤمنين وكله شوق للقاء الله ونيل الشهادة في سبيله.
وتتابع الزهراء العظيمة ذكر أوصاف لزوجها الإمام الأكبر فتقول:
(مَكدوداً في ذاتِ الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيّداً في أولياء الله ، مشمِّراً ناصحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ، لا تأخُذهُ في الله لومةُ لائم)
علي(ع) ذائب في حب الله عز وجل لأنه عرف الحقيقة وغاص في جميع مجالات المعرفة، حيث فتح له الرسول أبواب العلم ونوافذ المعرفة، فكان مشدوداً دائماً نحو الله، فلم يبرح قلبُه ذكرَ ربه، وهو السر في نجاحه وشجاعته ومواقفه التي ما شهد التاريخ لها مثيلاً من حيث المضمون النادر.
لقد كان علي مجتهداً في أمر الله، لم يَفْتُرْ لحظة عن طاعته وأداء حقه، ولم يكسل يوماً في العبادة رغم الظروف المريرة التي كانت تمر عليه، وإنما كان يعالج أمره بالرجوع إلى الله عز وجل، وقد كان صابراً على العبادة استجابة لأمر الله تعالى الذي يقول(فاعبده واصطبر لعبادته) وقد كان قريباً من رسول الله، ولا نعني بالقرب هنا قربه النسبي حيث لم ينطلق الرسول يوماً من منطلق النسب والقرابة، فهذا قريبه أبو جهل كان أعدى أعدائه لأنه كان عدواً لله عز وجل، وإنما كان علي قريباً من رسول الله نفسياً وروحياً وعقائدياً وفكرياً حتى أصبح كالنبي في الأفعال والخصال، ولعله السبب في تعبير القرآن عنه بنفس رسول الله في آية المباهلة حيث قال سبحانه(فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) وقد ذكر المفسرون بأن المقصود بقوله(أنفسنا) علي بن أبي طالب(ع).
علي لم يتخلى لحظة عن رسول الله في أحلك الظروف وأخطر الأوضاع وإنما لازمه واتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، ولم يتركه عند الوفاة كما فعل أصحاب المطامع عندما تجاهلوا موته وراحوا يقسمون التركة على أنفسهم.
وكان(ع) سيد أولياء الله وسيد الأوصياء، وكان ناصحاً للخلق ومجداً في العمل والجهاد والسهر على المصلحة العامة، وكان كما وصفته الزهراء :لا تأخذه في الله لومة لائم: أي أنه لا يقدم مصلحة الأفراد على المصالح العامة، ولم يبع دينه من أجل الأقارب والأصحاب، ولم يفرط في حقوق الناس كما صنع غيره ممن لم يكونوا أهلاً لتولي الحكم والسلطة.
فبينما كان علي يتحمل تلك الأعباء والمسؤوليات كان جميع المسلمين غير مبالين بما يحصل إذ كان همهم البقاء والعيش، وإن كان ذليلاً، وبدل أن يشكروا أهل البيت على جهودهم راحوا يتآمرون عليهم ويساعدون العدو على قتالهم ويفرون من القتال والجهاد خوفاً من الموت العزيز، وإلى ذلك أشارت الزهراء بقولها:
(وأنتم في رفاهيّة من العيش، وادِعون فاكِهون آمِنون ، تَتَربَّصوَن بِنا الدوائر وتَتَوكَّفونَ الأخبْارَ وتَنْكِصونَ عِنْدَ النِزالِ ، وتَفِرّونَ مِنَ القِتال)
أما قولها تتربصون بنا الدوائر، أي العواقب السيئة، وأما قولها،وتتوكفون الأخبار، يعني أنهم كانوا ينتظرون أخبار السوء بأهل البيت(ع).
الإرتداد بَعْدَ الإِيمان
ثم قالت سيدة النساء فاطمة الزهراء(ع)
(فلما اختار الله لنبيه (ص) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النِفاق،وسمُلَ جِلبابُ الدين ونَطَقَ كاظِمُ الغاوين وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلّينَ وهَدَرَ فَنيقُ المُبطِلين ، فَخَطَرَ في عَرَصاتِكم وَأطْلَعَ الشَيْطانُ رأسَه مِن مَغرِزِه هاتِفاً بِكُم فَأَلْفاكُم لِدَعْوَتهِ مُستَجيبين ولِلغِرَّةِ فيه ملاحِظينَ)
كان المسلمون على عهد رسول الله مؤتمرين بأوامره ومنتهين بنواهيه لا يخرج أحد منهم عن أمره، وكانوا لا يأتون بأية حركة إلا بعد استشارته والرجوع إليه، فإن وافق فعلوا، وإن منع امتنعوا، وقد كانوا مطيعين له بكل ما للكلمة من معنى، وكانوا في غاية الحذر من الوقوع في الخطأ، فلو نظرت إليهم لحسبتهم ملائكة من السماء تمشي على الأرض، ولا عجب من ذلك، لأن كثيراً من الناس من عهد آدم وإلى هذا العهد ظاهرهم ملائكي وباطنهم شيطاني، وهو من أهم الوسائل المتبعة لدى أهل النفاق، حيث لا يستطيع المنافق أن يتسلل إلى المجتمع الإسلامي إلى من خلال التستر بثوب الدين والأخلاق الفاضلة، وكان النبي(ص) يعلم ما يدور في ضمائرهم، ولكنه لم يقدر في تلك المرحلة أن يحرك ساكناً أو يدين أحداً منهم حيث لم يظهروا ما في داخلهم، فلو حكم عليهم بسبب ما يدور في نفوسهم لقامت الدنيا عليه واتهموه بالظلم، فاقتضت الحكمة النبوية أن يسكت عنهم، وبقي الأمر كذلك حتى اختار الله لرسوله دار الآخرة التي عبّرت عنها الزهراء(ع) بدار الأنبياء ومأوى الأصفياء، فعندما التحق النبي بالرفيق الأعلى كشّروا عن أنيابهم وكشفوا الأقنعة عن وجوههم وفجروا الغيظ الذي كان يرتكز في قلوبهم منذ زمن بعيد تجاه أهل الحق وقادة أهل الإيمان.
لذلك خاطبتهم الزهراء قائلة(فلما اختار الله لنبيه (ص) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النِفاق،وسمُلَ جِلبابُ الدين ونَطَقَ كاظِمُ الغاوين)
وهي العداوة لأهل البيت والحقد عليهم، وأكبر شاهد على ذلك هو ما صنعوه ضد الزهراء يوم هجموا على دارها بتلك الطريقة المتجاوزة لجميع الحدود والخطوط الحمراء.
وهذه كلها تعابير عن فلتان الأمر بعد وفاة الرسول(ص) فسمل جلباب الدين، أي أنه شُوه بسبب افتراءاتهم، ونطق كاظم الغاوين، وهو الذي كان ساكتاً على عهد رسول الله فلم يتجرأ على الكلام إلا بعد أن خلت الساحة من شخص النبي(ص).
ثم تابعت كلامها فقالت:
(وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلّينَ وهَدَرَ فَنيقُ المُبطِلين ، فَخَطَرَ في عَرَصاتِكم وأطلع الشيطان رأسه من مغرزِه هاتفاً بكم)
لقد أصبح للأراذل ألسنة ينطقون بها بعد أن كانوا ساكتين خائفين، لأن تَجَرُّأ أصحاب المطامع على الدين وعلى النبي وآله شجع الجبناء على الكلام والوقوف في وجه أهل الحق، ولكنهم بقوا خائفين من أهل الضلال، فلم يكونوا أقوياء إلا في وجه أهل البيت، وهدر فنيق المبطلين، والفنيق هو الفحل من الإبل، فخطر في عرصاتكم أي أنه صار له وجود عندكم بعد انعدامه في زمن الرسول.
لقد أطلع الشيطان رأسه من مخبئه وصاح بكم فاستجبتم له وعصيتم أمر ربكم.
وتتابع الزهراء وصف الحالة التي كان عليها المسلمون فتقول محدثة عن الشيطان وأثره فيهم بعد وفاة الرسول فقالت:
(ثمّ اسْتَنْهَضَكُم فَوَجَدَكُم خِفافاً ، وأحْشَمَكُم فَألفاكم غِضاباً ، فَوَسَمْتُم غَيْرَ إبِلِكُم ، وَوَرَدْتُم غَيْرَ مَشْرَبِكُم)
لقد حركهم الشيطان لتنفيذ مآربه ضد الحق فوجدهم خفافاً مطيعين لأمره ضعفاء أمام وسوسته، فاستفزكم وأحمشكم فوجدكم سريعي الغضب، أي أنكم مؤهلون للوقوع في المخالفة بشكل سريع، وهذا ما يطلبه الشيطان ويريده في جنوده.
ثم قالت: (فَوَسَمْتُم غَيْرَ إبِلِكُم ، وَوَرَدْتُم غَيْرَ مَشْرَبِكُم)
أي أنكم تملكتم ما ليس لكم واعتديتم على حق الغير ظلماً وعدواناً وعتواً وتكبراً، ووردتم شرباً هو في الأصل ليس لكم لأنكم غير المنصوبين من قبل الله تعالى، وأنتم تعرفون الحق كما تعرفون أنفسكم، غير أن الشيطان أغواكم فرُحتم تطلبون ما لا يحق لكم.
السقوط في الفتنة
ثم تابعت القول(هذا والعهدُ قَريبٌ ، والكَلْمُ رَحيبٌ، والجُرْحُ لمّا يَنْدَمِلْ ، والرّسولُ لَمّـا يُقْبَرْ ، إبتداراً زَعَمْتُم خَوْفَ الفِتْنَةِ ألا في الفِتْنَةِ سَقَطوا وإنّ جَهَنّم لَـمُحيطَةٌ بالكافرين )
وبهذه العبارات تنبؤهم بالمصير المحتوم الذي سوف يواجهونه حيث ألقوا أنفسهم في التهلكة، وقد وبختهم بأن الحزن لم ينقص بعد، وأن الرسول لم يقبر، وقد تآمرتم على الإسلام قبل أن يدفن جسده الطاهر، وقد سبقتم بالقول أنكم تخافون الفتنة وقد أوقعتم أنفسكم فيها لأنكم مصدر الفتنة، وقد استشهدت(ع) بقول الله المنطبق عليهم(ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) وهذا تصريح واضح منها(ع) بأنهم خرجوا عن دين الإسلام وارتدوا بعد الإسلام كافرين.
ثم قالت(ع):
(فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة)
إنها عبارات تخبر عن مدى الأنة والأسى والألم والحزن من الأمة على الأمة، إذ ليس من السهل على المعصوم أن يرى دين الله يتلاعب به الناس ويجيرونه لمصالحهم الخاصة، وليس من السهل عليه أن يرى الظالمين يفرضون على الأمة أحكاماً جائرة باسم الدين الذي يتبرأ منهم ومن ممارساتهم الظالمة والهادفة إلى محو الحق وإطفاء نور الله عز وجل.
وهنا تتعجب الزهراء من صنعهم بالحق ماذا تصنعون ولماذا ترتكبون الأخطاء وكتاب الله معكم وبين أيديكم وفيه الحلال والحرام والمناهج التي سنها رسول الله بوحي من الله وهو واضح في أوامره ونواهيه وأحكامه وهذا حجة عليكم.
وقد استنكرت عليهم هذا الإهمال لكتاب الله متسائلة هل تخليتم عن القرآن أم أنكم تحكمون بكتاب غيره، ولذا قالت(ع)
(وقد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟)
ثم وجهت لهم توبيخاً يستحقونه بجدارة فقالت (بئس للظالمين بدلا ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين )
وهؤلاء ابتغوا غير الإسلام ديناً لهم فخسروا الدنيا والآخرة رغم سعيهم المستمر وراء الدنيا، وتابعت كلامها قائلة
(ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكُن نفرتها ، ويَسلُس قِيادُها)
بمعنى أنكم تنتظرون الفرصة للإنقضاض على الدين وأهله بهدف التسلط، فتتحيلون الفرص السهلة لتأكلوا الشيء بشكل سهل وهو ليس من حقكم، أي أنكم تحبون اللقمة السهلة.
طاعة الشيطان الرجيم
وقالت(ع):
(ثمّ أخذتُم تُورونَ وَقْدَتَها ، وتُهَيِّجونَ جَمْرَتَها ، وتَستَجيبونَ لِهِتافِ الشيطانِ الغَوِيّ وإطفاءِ نورِ الدّينِ الجَليّ، وإهمالِ سُنَنِ النَبيّ الصَفِيّ)
ثم رحتم تشعلون نار الفتنة لأنكم أول وأكبر المستفيدين منها، علماً بأن عاقبة الفتنة وخيمة، فهي أكبر وأشد من القتل كما عبّر القرآن الكريم، وبهذا أنتم تستجيبون لنداء الشيطان الغوي الذي يبغي نشر العداوة بينكم وإطفاء نور الدين الحنيف الذي جاء به محمد(ص) من عند ربه رحمة للناس كافة، وكذلك فقد أهملتم سنن النبي كلها، فلم يعد يعني لكم شيئاً على الإطلاق، حيث استحوذ الشيطان على قلوبكم فأنساكم ذكر الله والخشية منه، ثم قالت(ع)
(تَشْرَبونَ حَسْواً في ارتِغاء وَتَمْشوُن لأهِلهِ وَوُلْدِهِ في الخَمَرَةِ والضَرّاء)
وهؤلاء لم يكتفوا بترك السنّة فقط وإنما راحوا يخططون للقضاء على وُلد النبي المختار(ص) لأنهم يشكلون العائق الأكبر في وجه الشيطان ومكره وخدعه ووسوساته، فالذي يريد أن يطيع الشيطان يجد بأن وجود آل محمد خطر عليه فيعمل على إبعادهم حتى ولو اقتضى الأمر القتل.
وأما قولها(ع) تشربون حسواً في ارتغاء: أي أنكم تُظهرون أمراً وتريدون غيره، وهؤلاء الذين هجموا على دار الزهراء أظهروا الحفاظ والغيرة على الإسلام وهم في الواقع يريدون قتل الإسلام ونفيه من الوجود، والإرتغاء هو الزبد الذي يطفو على وجه الماء أو اللبن وسرعان ما يتبدد، وأما قولها: وَتَمْشوُن لأهِلهِ وَوُلْدِهِ في الخَمَرَةِ والضَرّاء: أي أنكم تفعلون الشر معهم في السر والعلن والله أعلم.
الصبر على الأذى
ثم قالت(ع)
(ونصبر منكم على مِثْلِ حَزِّ المُدى وَوَخْزِ السِنان في الحَشا)
نحن نصبر على الأذى الكبير الذي يشابه حز المدى وهو السكين الحاد الذي يقطع بسهولة، وأما وخز السنان في الحشا فهو إدخال الرمح في الجسد، وقد ظلم المسلمون آل بيت رسول الله بشكل لا يحتمل.
إنكارُ الحَقِّ الذي لا يُنكَر
ثم قالت(ع)
(وأنتم الآنَ تَزْعَمون : أن لا إرْثَ لَنا ، أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغونَ ؟ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكماً لِقَوْم يوقِنون)
لقد زعم المسلمون بأنه لا إرث للزهراء من أبيها بحجة أن الأنبياء لا يورثون أولادهم درهماً ولا ديناراً وهذا لم ينزل الله به سلطاناً لأنه مخالف لظواهر الكتاب العزيز، وقد ادعى هؤلاء ذلك ليس من باب الحرص على الدين كما يزعمون بل من باب التخريب وهدم ما جاء به محمد فكيف يريدون تطبيق حكم الإرث ولا يطبقون موضوع حفظ النبي في أهل بيته، من هنا يظهر لنا أن نواياهم كانت سيئة وهذا أمر لا يقبل الشك. وقد وصفت الزهراء هذا الزعم بحكم الجاهلية البعيدة عن كل قوانين السماء، وهل يوجد أفضل من حكم الله؟
وبعد مقدمات طويلة ذكرتها فاطمة الزهراء(ع) في خطبتها المباركة وصلت إلى صلب الموضوع الذي شكّل الأساس في المواجهة وهو منعها من حقها في فدك بدعوى أن أبناء وبنات الأنبياء لا يرثون من آبائهم مالاً وهو حكم الجاهلية بل مخالف لظواهر القرآن والسنّة، وهو بمثابة حجة لهم بهدف السيطرة على كل ما تركه رسول الله(ص) وهم يعلمون تماماً بأنهم يظلمون الزهراء وأن هذا الحكم لا يتفق مع شريعة الإسلام ولكنهم بحثوا عن باب يدخلون منه إلى مطامعهم ومخططاتهم وتنفيذ أهدافهم الأجنبية عن المصلحة العامة والمباينة للموازين الشرعية، وقد كان كثير من الناس معتقدين بصحة هذا الحكم الذي لم يسمعوه من رسول الله إلى أن وقفت الزهراء هذا الموقف المشرف في وجه أهل الضلال الذين يبيتون النيات الحاقدة ضد الإسلام والمسلمين فوقفت موقفاً جريئاً رغم أنها كانت مهددة بالقتل، وقد قُتلت بالفعل على أيدي أولئك الظلمة الذين كانوا عوناً للشيطان وعدواً للرحمن باسم طاعة الرحمن والرحمن بريء منهم ومما يشركون ويقولون ويفعلون، فقالت(ع)
(وأنتم الآنَ تَزْعَمون : أن لا إرْثَ لَنا ، أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ تَبْغونَ ؟ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكماً لِقَوْم يوقِنون)
لقد حاولت رغم الشدة التي كانت عليها والظروف المريرة التي أحاطت بها أن تعظهم وترجعهم إلى ربهم مبينة لهم بأن ما يقولونه ويدعونه إنما هو حكم الجاهلية وأنه لا دليل عليه في القرآن والسنة وإنما الدليل القرآني يخالف ما يدعون، أيها المسلمون، بل أيها الذين تغطوا بالإسلام وتستروا بثوب الإيمان كيف تزعمون أنه لا إرث لنا مع أن الله تعالى هو الذي فرض الإرث وهل يوجد أعظم وأحسن من حكم الله؟ في الحقيقة لا يوجد أحسن من حكم الله ولكن القوم استحبوا حكم الجاهلية وقدموه على حكم الإله لأن حكم الجاهلية ينسجم مع أهوائهم ويتفق مع أهدافهم.
أدلة قاطعة تُدِين القوم
ثم بدأت تلقي بالبيانات وتعطي الأدلة على كذبهم وتكشف للملأ نواياهم الخبيثة التي كانت مبيتة من عهد رسول الله(ص) فقالت:
(أفلا تعلمون ؟ ! بلى قَد تَجلّى لكم كالشمسِ الضاحِيَةِ : أنـّي ابنَتُهُ ، أيُّها المسلمون أاُغْلَبُ على إرْثي؟)
وقبل أن تبدأ بإعطاء الأدلة ذكّرتهم بأنها إبنة رسول الله لتثبت حقها في الإرث الذي سنته الشريعة السمحاء، أنتم تعرفون أني ابنة رسول الله وهذا أمر واضح كوضوح الشمس في وسط السماء، ثم ألقت الحجة على المسلمين: أيها المسلمون أاغلب على إرثي، أي أأُحرم من هذا الحق الثابت وأنتم تنظرون من دون أن تأتوا بأية حركة تدافعون بها عن الإسلام الذي يريد القوم تدميره، الأمر لم يكن هادفاً إلى حرمان الزهراء، وهي لم تدافع عن حقها الشخص بل الأمر كان مستهدفاً دين الإسلام وهي وقفت من أجل الدفاع عن الإسلام لأنها لو سكتت عن حقها فسوف يعتقد الناس بأن القوم على حق، ففي هذه المرة يخربون أحكام الإرث وفي المرة الثانية أحكام الجهاد ثم أحكام الصلاة ثم الصوم إلى أن يفنى الإسلام وتدمر أركانه فلا يبقى له أثر في الوجود، فبعد أن توجت بالكلام للمسلمين عامة وألقت عليهم الحجة البالغة توجهت إلى قائد القوم والمعني الأول في تلك الحادثة وهو أبو بكر حيث قالت له:
(يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟)
هل يوجد في القرآن الكريم أو في غيره من كتب السماء حكم يقضي بأن ترث أباك وأحرم أنا من إرث أبي، طبعاً ارتبك وتلعثم ولم يجد جواباً يرد به على سيدة نساء العالمين التي لا تنطق إلا بالعلم والحق والحكمة والوعي والفهم لأنها منزهة عن الخطأ، ثم وجهت له كلمة أنا أعتبرها صاعقة قاتلة حيث قالت له:
(لقد جئت شيئاً فريا)
لقد قمت بأمر فظيع ضد الإسلام وارتكبت جريمة في حق ابنة رسول الله كيف ستواجه الله ورسوله في يوم الحساب وبأي سلاح سوف تدافع بع عن نفسك.
الأدلة القرآنية على استحقاق فاطمة(ع) لِفَدَكٍ
ثم تابعت كلامها قائلة:
(أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) ، وقال فيما اقتَصَّ مِن خَبَرِ يَحيى بنِ زَكَرِيّا إذ قال: (فَهَبْ لي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقوبَ ) وقال : ( وأُولو الأرحامِ بَعْضُهُم أولى بِبَعْض في كتابِ اللهِ ) وقال : ( يُوصيكُمُ اللهُ في أوْلادِكُم لِلذّكَرِ مثلُ حظِّ الاُنثَيَين ) وقال : ( إن ترَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ للوالِدَيْنِ والأقرَبينَ بالمَعروفِ حَقّاً على المتّقين )
وفي الحقيقة أنهم تركوا كتاب الله ونبذوه خلف ظهورهم، وقد أعطتهم الزهراء أدلة قرآنية على ثبوت حقها في الإرث ولا يمكن لأحد أن ينكر هذه الآيات المحكمات التي لا تقبل التعدد في التفسير لكونها تحمل وجهاً واحداً من وجوه التفسير.
وصل بنا الكلام إلى الأدلة القرآنية المحكمة التي بينتها الزهراء(ع) للذين ادعوا عدم حقها في فدك بدعوى أن الأنبياء لا يورثون أولادهم، وقلنا ونكرر بأن هذا الحكم لم ينزل الله به سلطاناً بل هو حكم الجاهلية التي لا ترى شريعة سوى شرائعها الغابية الظالمة وقوانينها البعيدة كل البعد عن العدالة.
الإستدلالُ على ضَلال القوم
لقد أوردت الزهراء(ع) هنا خمسة أدلة على ضلال القوم.
الدليل الأول: قوله تعالى(وورث سليمان داود) فسليمان نبي ووالده داود نبي وقد ورثه ولم يقيد القرآن هذا الإرث بشيء ولو أراد أن يخرج الإرث المالي لأخرجه ولكنه أطلق الحكم، ويؤكد التاريخ بأن سليمان ورث الملك والكنوز والأموال عن أبيه، وهذا الدليل لوحده يكفي ولكنها(ع) لم تكتف به من باب إتمام الحجة.
الدليل الثاني: قوله تعالى(فَهَبْ لي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقوبَ )
وهو كلام الله عن يحيى بن زكريا وقد أشار إلى موضوع الإرث، وتخصيص الإرث هنا بالنبوة يحتاج إلى دليل ثم إن النبوة ليس أمراً وراثياً بل هي اصطفاء واجتباء من قبل الله سبحانه وتعالى.
الدليل الثالث: وهو قوله عز وجل(وأُولو الأرحامِ بَعْضُهُم أولى بِبَعْض في كتابِ اللهِ) فبأي وجه شرعي يحاول هؤلاء أن يحرموا الزهراء من حقها المفترض لها من قبل الله تبارك وتعالى، فقد يكذب الإنسان على ربه فيما إذا كان الأمر المكذّب فيه لا دليل صريح عليه أما عندما تكون الأدلة كثيرة وواضحة بحيث يصعب إنكارها فيكون الكاذب هنا مفترياً على الله ورسوله ومعانداً لهما.
الدليل الرابع: (يُوصيكُمُ اللهُ في أوْلادِكُم لِلذّكَرِ مثلُ حظِّ الاُنثَيَين) يعني على الأقل كان الأجدر بهم أن يقروا للزهراء بنصف التركة لأن الوصية الإلهية واضحة لا تقبل الشك ولا التحريف ولا أي نوع من أنواع التعتيم، ولكنهم أصروا على حرمانها من جميع حقوقها.
الدليل الخامس: (إن ترَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ للوالِدَيْنِ والأقرَبينَ بالمَعروفِ حَقّاً على المتّقين) فالخير هو المال سواء كان نقداً أو أرضاً أو بيتاً، وبمعنى آخر هو ما يملكه الإنسان فعليه أن يوصي بهذا الخير للورثة فإذا مات الإنسان ولم يوصي بتركته وجب تقسيمها بحسب ما ورد في القرآن والسنة، وأوضح ما ورد فيهما هو مسألة الميراث لأن الآيات الحاكية عنه وردت صريحة وواضحة ومفصَّلة لكيلا يختلف اثنان في موضوع الإرث الذي كان وما يزال سبب الكره والعداوة بين كثير من الناس ممن يختلفون على التركة ويخالفون الحكم الإلهي فيها نتيجةً للطمع والجشع ونسيان يوم الحساب.
ثم تابعت الكلام فقالت:
(وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي)
وهنا ترد الزهراء على القوم الذين زعموا بأنه لا حظوة لها من أبيها ولا إرث لها بدعوى أن النبي لا يورّث أولاده، وهنا تبدي الزهراء(ع) استنكاراً شديداً وهي تقول لهم هل أنزل الله عليكم آية أخفاها عن رسول الله وهل تعتبرونني على غير ملة رسول الله، نعم الكافر لا يرث المسلم أما المسلم فيرث المسلم كما نص القرآن الكريم، فإن اعتبر هؤلاء بأن الزهراء من ملة مغايرة لملة رسول الله فقد كذبوا على الله وجاؤوا ببهتان عظيم يستحقون عليه الخلد في نار جهنم لأن الزهراء سيدة العالم بأسره وأعظم مؤمنة في هذا الوجود.
أولست أنا وأبي من ملة واحدة ملة الإسلام؟ فلماذا إذاً تعاملونني بهذه الطريقة وكأنني من غير الملة، ثم خاطبت زعيم القوم الذي أعطى الأوامر بالهجوم على دار الزهراء وإحراقها وكسر الباب وهو يعلم بأن الزهراء واقفة خلفه، يعني كانت المؤامرة تقضي بقتل الزهراء، وبالفعل لقد قتلت الزهراء على أثر ذلك الهجوم الوحشي وكانت تلك من أعظم الجرائم في تاريخ الرسالات السماوية.
ولذلك قالت له:
(فَدونَكَها مخْطومَةً مرحولةً تَلقْاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَنِعْم الحَكَمُ اللهُ ، والزَعيمُ مُحَمَّدٌ، والمَوْعِدُ القِيامَةُ ، وَعِنْدَ السّاعِة يَخْسَرُ المُبْطِلونَ ، ولا ينفَعُكُم إذ تَنْدمونَ ، ولِكُلِّ نَبأ مُسْتَقرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ مَن يَأتيهِ عذابٌ يُخزيه وَيَحِلُّ عليه عَذابٌ مُقيمٌ)
فدونكها، الضمير عائد على فدك موضوع النزاع بينهم، فدونكها مخطومة مرحولة، وهذا من أعظم التعابير التي يمكن استعمالها في المقام الذي كانت عليه الزهراء لأنه يعبّر عن المطلوب بشكل مختصر للغاية، معنى هذه الكلمات الثلاث أنه يا بن أبي قحافة أنت تريد فدكاً وقد سحبتها بالرحل كما تسحب الناقة ووضعت الحلقة فيها كما توضع الحلقة في أنف البعير كيلا يفلت من صاحبه.
فالخطام هو كل ما يوضع في أنف البعير، ومرحولة أي الرحل للناقة كالسرح للفرس.
سوف تكون فدكاً وبالاً عليك في يوم المحشر يوم يسألك ربك عن صنيعك بأولياء الله وكتابه وسنة نبيه فنعم الحكم الله والزعيم محمد، ففي يوم القيامة سوف يحكم الله عليك بما جنته يدك وارتكبته في حق الزهراء الذي ذكّرته بالله والحساب فلم يتذكر ثم ذكرت له عاقبته الحتمية حيث قالت:(وَعِنْدَ السّاعِة يَخْسَرُ المُبْطِلونَ ، ولا ينفَعُكُم إذ تَنْدمونَ ، ولِكُلِّ نَبأ مُسْتَقرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ مَن يَأتيهِ عذابٌ يُخزيه وَيَحِلُّ عليه عَذابٌ مُقيمٌ)
ثم تابعت الزهراء كلامها أمام المسلمين فتوجهت إلى جهة الأنصار وخصتهم بالكلام فقالت لهم:
عِتَابٌ وَنَصِيْحَةٌ
(يا معشر النقيبة وأعْضادَ المِلَّةِ وحَضَنَةَ الاِسلام ، ما هذِهِ الغَميزَةُ في حَقّي والسِنَةُ عَن ظُلامَتي)
فمعشر النقيبة هم الجماعة الفتيّة، والأعضاد هم المعينون ماهذه الغميزة في حقي، يعني ما هذا التجاهل لحقي الواضح والمعلوم لديكم، ولماذا هذه السنة أي هذا النوم عن مظلوميتي.
(أما كانَ رسَولُ اللهِ أبي يقول : « المرءُ يُحْفَظُ في وُلْدِهِ)
وهذه وصية من وصايا رسول الله للمسلمين وهو حكم عام يجب على الجميع أن يعملوا به فإذا أردت أن تحفظ المرء فاحفظه في ولده، ثم قالت(ع):
(سَرْعانَ مَا أحْدَثْتُم ، وَعَجْلانَ ذا إهالَة ولَكُم طَاقَةٌ بما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ على ما أطْلُبُ واُزاوِلُ)
سرعان ما نسيتم رسول الله وتعاليمه ووصاياه، وأنا أعتقد بأنكم ذووا طاقة على نصري والدفاع عن حقي فلماذا هذا التهاون:
(أتقولونَ ماتَ محمّد فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوسَعَ وَهْنُه وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَاظْلَمَّتِ الأرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وكُسِفَتِ الشَمسُ وَالقْمَرُ، وانْتَثَرَتِ النجومُ لِمُصيبَتِهِ، وأَكْدَتِ الآمالُ، وَخَشَعَتِ الجِبالُ، واُضيعَ الحَريمُ، واُزيلَتِ الحُرْمَةُ عِنْدَ ممَاتِهِ)
هل يعني موت محمد انعدام الدين وزوال القيم والمبادئ؟ إن موته أمر عظيم ولكن هذا الأمر قد اتسع فتقه وشقه عندما لم تحفظوه في أهل بيته، وهذا ما زاد في الطين بلة فإن موت محمد بالإضافة إلى ظلم أهل بيته قد أظلمت له الأرض وكسفت له الشمس والقمر، وكل هذه العبارات تأكيد على جلل المصاب وشدته.
ثم وصفت الأمر بقوله:
(فَتِلكَ وَاللهِ النازِلةُ الكُبْرى، والمُصيبَةُ العُظمى، لامِثْلُها نازِلَةٌ، ولا بائِقَةٌ عاجِلَة، أعْلَنَ بها كتابُ اللهِ جَلَّ ثَناؤُه في أفْنِيَتِكُمْ، وَلِقَبْلِهِ ما حَلَّ بِأنبياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ حُكْمٌ فَصْلٌ، وقَضاءٌ حَتْمٌ: (وما مُحمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قد خَلَتْ مِن قَبلِهِ الرُسُلُ أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُم على أعْقابِكُم وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ فلنَ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيْجزي اللهُ الشاكرينَ)
وبالفعل لقد ارتدوا على أدبارهم وانقلبوا على أعقابهم حيث استغلوا موت رسول الله وخلو الساحة أمامهم.
ثم راحت(ع) تبيّن مدى ظلم المسلمين لها وهم قادرون على حفظها والدفاع عنها فقالت للأوس والخزرج وهم بني قيلة وقيلة هو أسم أم قديمة لهم: (إيهاً بني قيلة أاُهْضَمُ تُراث أبي؟ وأنتم بِمرَأىً منّي ومَسْمَع، ومُنْتَدىً ومَجْمَع، تُلْبِسُكُمُ الدَعْوَةُ، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعُدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنَّة، توافيكم الدَعْوَةُ فلا تجيبون، وتأتيكُمُ الصَرْخَةُ فلا تغيثونَ، وأنتم مَوْصوفونَ بالْكِفاح، مَعروفونَ بِالخَيْرِ والصّلاح، والنُخْبَةُ الّتي انْتُخِبَتْ، والخيرةُ التي اختيرت لنا أهْلَ البَيْتِ، قاتَلْتُمُ العَرَبَ، وتَحَمَّلْتُم الكَدَّ وَالتَعَبَ، وناطَحْتُم الاُممَ وكافَحْتُم البُهَمَ، لا نَبْرَحُ أو تَبْرَحون، نأمُرُكُم فَتَأْتَمِرونَ حتّى إذا دارَتْ بِنا رَحى الإسلام، ودَرَّ حَلَبُ الأَيامِ، وَخَضَعَتْ ثَغْرَةُ الشِرك، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإفك، وَخَمَدَتْ نيرانُ الكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الهَرَجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدّين، فأنّى حزتم بعد البيان ؟ وأسررْتم بعد الاِعْلانِ؟ ونَكَصْتُم بَعْدَ الاِْقدام؟ وأشْرَكتم بعد الإيمانِ؟)
تقول لهم أنا أظلم ويغصب عليّ حقي بمرأى منكم ومسمع بعد أن كنتم من خيرة الناس لنا وناطحتم الأمم وقاتلتم الناس من أجلنا أصبحتم اليوم علينا وأشركتم بعد أن كنتم مؤمنين، والآن تأتيكم صرختنا فلا تجيبون ولا تغيثون من دون سبب يدعو إلى هذا التقاعص والجفاء.
وبما أنهم آثروا الدنيا على الآخرة فقد ذهب عملهم هباءاً منثوراً كأنهم لم يؤمنوا من الأساس وكأنهم لم يعملوا ما عملوا ولذلك وبختهم الزهراء بقولها:
(بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أوّل مرّة، أتخشونهم فالله أحقُّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)
لقد آثروا سعة العيش القائم على الكفر والظلم على العيش الطبيعي المتوج بالأنوار الإلهية، وهو معنى قولها(ع):
(ألا وقد أرى أن قد أخذتم إلى الخفض وأبعَدْتُم مَن هو أحقُّ بالبَسطِ والقَبض، وخَلَوْتُم بالدَعَة ونَجَوْتُم بالضّيق من السعة، فَمَجَجْتُم ما وَعَيْتُم، ودَسَعْتُم الذي تَسَوَّغْتُم فإن تكفروا أنتم ومَن في الأرض جَميعاً فإنّ الله لغنيٌ حَميدٌ)
الخفض هو سعة العيش، والدعة هي الراحة والسكون، والدسع هو الدفع والقيء، ولو كفر جميع أهل الأرض فإن الله تعالى غني عنهم وأهل البيت أغنياء عن جميع الناس فلا يحتاجون منهم شيئاً.
المواجهة الحاسمة والضربة القاصمة
ثم ختمت الزهراء(ع) كلامها بقولها:
(ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة مني بالجذلة الّتي خامَرَتْكُم والغَدْرَةِ التي استشْعَرَتْها قلوبُكُم، ولكنّها فَيْضَةُ النَفْسِ ونَفْثَةُ الغَيْظ، وخَوَرُ القَناة وَبثَّةُ الصَدْر وتَقْدِمَةُ الحُجَّةِ، فَدونكموها فاحتَقِبوها دَبَرَةَ الظَهر، نَقِبَةَ الخُفِّ باقيةَ العارِ، موسومَةً بِغَضَبِ الجَبّار وشنارِ الأَبَدِ، موصولةً بنارِ الله الموقَدة، الّتي تطّلع على الأفئدة، فبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلونَ (وسيعلمُ الذين ظلموا أيَّ منقلَب ينقلبون) ، وأنا ابنةُ نَذير لكم بَين يَدَي عذاب شديد فاعملوا إنّا عامِلونَ، وانتظِروا إنّا منتَظِرونَ».
وبعد هذا لجأ أبو بكر الى اُسلوب التضليل والاستغفال في محاولة منه لتدارك الموقف فقال: يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً رؤوفاً رحيماً، على الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، إن عزوناه وجدناه أباك دون النّساء، وأخا إلفِك دون الأخلاّء آثره على كلّ حميم، وساعده في كلّ أمر جسيم، لا يُحبّكُم إلاّ سعيد، ولا يُبغضكم إلاّ شقيّ بعيد، فأنتم عترة رسول الله الطيّبون، الخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا.
وأنت يا خِيَرَةَ النساء وابنة خير الأنبياء صادقةٌ في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صِدْقِكِ، والله ما عَدَوْتُ رأْىَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا عملتُ إلاّ بإذنِهِ، والرائدُ لا يكذب أهلَه، وإنّي اُشهد الله وكفى به شهيداً أنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ذهباً ولا فضّةً ولا داراً ولا عقاراً وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلولىّ الأمر بَعْدَنا أن يحكم فيه بحكمه» وقد جعلنا ما حاولتِهِ في الكراع والسِلاح يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفّار، ويجالدون المَرَدَة الفُجّار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي عندي وهذه حالي ومالي، وهي لك وبين يديك، لا تُزوى عنك، ولا تُدَّخَرُ دونَكِ وإنّك وأنتِ سيّدة اُمّة أبيك، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا ندفعُ ما لَكِ من فضلك، ولا يوضع في فرعك وأصلِك، حكمُكِ نافذٌ فيما ملكت بيداي، فهل ترين أن اُخالفَ في ذلك أباك (صلى الله عليه وآله)؟
فقالت (عليها السلام): «سبحان الله ما كان أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتاب الله صادِفاً ولا لأحكامه مخالِفاً! بل كان يتّبع أثره، ويقفو سُوَرَه، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزُور، وهذا بَعدَ وَفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حَياتِهِ، هذا كتاب الله حَكَماً عَدْلا، وناطِقاً فَصْلا يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب) ويقول: (وورثَ سُلَيْمانُ داود) وبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذُكران والإناث ما أزاح به علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ بل سوّلتْ لكم اَنْفُسُكُم أمراً فصَبْرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون».
فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا أُبعِدُ صَوابَكِ، ولا اُنكِرُخطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت غيرَ مكابِر ولا مستبدّ، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.
وهذه اُول محاولة لأبي بكر استطاع فيها من إخماد عواطف المسلمين وحرف رأيهم عن مناصرة الزهراء (عليها السلام) من خلال التضليل والتظاهر بالصلاح واتّباع سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله).
ثُمَّ التفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس وقالت : «معاشِرَ المسلمين المسرِعَةَ إلى قيلِ الباطلِ، المُغْضِيَةَ على الفعلِ القبيحِ الخاسِر، أفلا تتدبّرونَ القُرْآن أم على قلوب أقفالها؟ كلاّ بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم. فاُخذ بسَمْعِكُم وأبصارِكُم ولبئس ما تَأَوَّلْتُم، وساء ما به أَشَرْتُم، وشرّ ما منهُ اغتَصَبْتُم، لَتَجِدُنَّ واللهِ مَحْمِلَه ثَقيلا، وَغِبَّهُ وَبيلا، إذا كُشِفَ لكُمُ الغِطاءُ وبانَ ما وراءَه الضَرّاءُ، وبَدا لَكُم مِن ربّكم ما لم تكونوا تحتَسبِون (وخَسِرَ هُنالِكَ المُبطِلونَ).
ثم عطفت على قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقالت:
قد كان بعدك أنباءٌ وهنبثة***لو كنت شاهِدَها لم تكثُرِ الخُطَبُ
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها *** وأختلّ قومك فاشهدهم ولا تغبُ
وكلُّ أهل له قُربىً ومنزِلَةٌ***عِندَ الإله على الأدنين مُقترِبُ
أبدت رجالٌ لنا نجوى صدورهم *** لما مضيت وحالت دونك الترب
تَجَهَّمَتْنا رجالٌ واستُخِفّ بنا***لمّا فُقِدْتَ وَكُلُّ الأرْضِ مُغْتَصَبُ
وكنت بدراً ونوراً يستضاء به *** عليك ينزل من ذي العزّة الكتب
وكان جبريلُ بالآياتِ يُؤْنِسُنا***فَقَدْ فُقِدْتَ وَكُلُّ الخَيْرِ مُحْتَجبُ
فَلَيْتَ قبلَكَ كانَ المَوْتُ صادَفنا *** لمّا مَضَيْتَ وحالتْ دونك الكتب
ولو أننا أردنا أن نقف على كل فقرة من كلمات سيدة النساء لطال بنا الكلام كثيراً، ولكننا اكتفينا ببيان أهم ما ورد في خطبتها الشريفة، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا في الدنيا زيارتها وفي الآخرة شفاعتها إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.



