قِصَّةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَون

قِصَّةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَون
في كثير من المواضع يذكر القرآن الكريم العديد من الأحداث دون أن يتعرّض لذكر الأسماء، ولا شك أنه يوجد في هذا التكتم فائدة ومصلحة، ولربما كانت الموعظة مع عدم ذكر الإسم أبلغ في بعض الأحيان، وربما كان إخفاء الإيمان ذا فائدة أكبر على المصلحة الإيمانية كما فعل أبو طالب رضوان الله عليه عندما كتم إيمانه عن قريش حتى يحمي بذلك الرسول والرسالة في آن واحد.
وفي بداية القصة الخاصة بهذا المؤمن قال سبحانه(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ)
هو رجلٌ آمن بدعوة موسى(ع) كما آمنت آسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وشاءت حكمة الله أن تجهر آسية بإيمانها لوجود مصلحة في ذلك للدين، وأن يبقى إيمان هذا الرجل مكتوماً لنفس السبب، وقيل هو ابن عم فرعون وولي عهده، والقَدَر المتيقَّن هو أنَّ هذا الرجل كان ذا شأن رفيع عند فرعون وكان فرعون يستشيره في العديد من الأمور ويأخذ برأيه، ولعله استمع إلى كلام موسى وهارون عندما جاءا إلى قصر فرعون، ورأى المعجزات، ولكنّ أثر كلام موسى على قلب هذا الرجل كان أعظم من أثر تلك المعجزات الخارقات لقوانين الطبيعة.
فبعد أن دعا كليم الله موسى فرعون إلى الإيمان بالله تعالى وأجرى له العديد من المعجزات، أيقن فرعون في نفسه بأنّ موسى على حق ولكنه أنكر وجحد تكبُراً وعتواً وخوفاً على كرسيّ العرش، فأراد أن يقضي على دعوة الحق قبل أن تنتشر بين الناس ويعرفوا الحقيقة التي أخفاها عنهم فرعون لعقود من الزمن، لذا قرّر أن يقتل موسى دون أن يفكّر في عواقب تلك الجريمة.
موسى(ع) لم يخطئ في أية كلمة ولم يكن أسلوبه فظاً حيث أمره الله تعالى أن يستعمل اللين في دعوة فرعون إلى الإيمان(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)
وبعد أن سمع فرعون إلى كلام موسى قرّر أن يتخلص منه قبل أن تخرج كلماته من قاعة القصر لأنه كان يدرك بأنّ الناس إذا عرفوا بجوهر تلك الكلمات فسوف يؤمنون برب موسى ويتخلون عن عبادته حيث كانوا يعتقدون بأنه إلههم، وهناك تدخّلت الإرادة الإلهية لحمايته عبر شخص مؤمن كان مقرّباً من فرعون وذا رأي سديد عنده حيث وقف في وجه تلك المجزرة ومنعها بحكمته مع حفاظه على إخفاء إيمانه، وبما أنّ رأيه كان مسموعاً في قصر فرعون فقد استطاع أن يصرف عن ذهنه فكرة التخلص من موسى والتي لن تكون لمصلحته لأنه سوف يقول الناس قتل فرعون موسى لأن موسى على حق.
وهناك راجع فرعون حساباته فعلم بأن الحق كما يقول هذا الحكيم، لا فائدة من قتل موسى لأنه لم يسئ لا بالقول ولا بالفعل فأمره بالخروج من قصره.
(وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) إذا كان موسى يكذب(والعياذ بالله) فلن يضركم في شيء بل هو الذي يتحمل تبعات كذبه، أما إذا كان صادقاً فاسمعوا له فلعله أصابكم خيرٌ من صدقه.
وهناك بدأ هذا المؤمن يُظهر الحقيقة لآل فرعون بالتدريج كيلا يشكوا في أمره، وقد أعان موسى على دعوته بطريقة ذكية حيث راح يدعو فرعون وقومه إلى الإيمان برب موسى بطريقة سلسلة تُبعد الشك عنه، وقد حكى لنا القرآن الكريم شيئاً من دعم هذا المؤمن للرسول والرسالة حيث قال تعالى(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
لعله هنا راح يجهر بالإيمان شيئاً فشيئاً، ولعل الله تعالى ربط على قلبه خوفاً عليه من ظلم فرعون، وفي ذات الوقت فإن الله تعالى أبعد الشك عن قلب فرعون في هذا الرجل المؤمن حتى يحفظه من الشر.
يجب على المؤمن أن يتمتع بالحكمة والهدوء ليوصل الرسالة إلى المجتمع كما أوصلها هذا المؤمن الذي جعله الله درساً للبشرية.



