تفسير سورة البقرة من الآية 142 إلى 152

تفسير سورة البقرة
من آية 142 إلى الآية 152
(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
السفهاء هم اليهود الذين سخروا من النبي والمسلمين عندما حوّلوا وجوههم في الصلاة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام فراحوا يتساءلون ساخرين ما الذي جعلكم تتولون عن قبلتكم فأجابهم بوحي من الله تعالى الأرض كلها لله وقد اقتضت حكمة الله أن يتوجه المسلمون في الصلاة إلى جهة الكعبة المشرفة، فالأمر بيد الله وليس بأيدي البشر.
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
الأمة الوسط هي الأمة التي تسير على الصراط الوسط أي طريق العدل، وقد شرّف الله هذه الأمة بأن جعل المسلم المبلّغ حجة على باقي الناس لأن ما يقوله المسلم العالم هو الحق، ومن أهمل هذه المسؤولية من علماء المسلمين كان الرسول شهيداً عليه يوم القيامة، وبعد أن أمر الله نبيه بأن يتوجه في الصلاة نحو الكعبة ارتاب بعض المسلمين من هذا الأمر فقال متسائلاً ومنزعجاً مرةً هنا ومرة هناك؟ فجعل الله هذا الأمر اختباراً للمسلمين ليرى من يتبع الرسول ممن يتخلف عنه ويعصيه وهذه القبلة الجديدة كبيرة على أهل الإيمان وعظيمة جداً وليعلم الجميع بأن اله تعالى لن يضيع أجر العاملين الذين يطيعون الله ورسوله في كل شيء.
(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)
كانت أمنية الرسول الأكرم أن تتحول القبلة إلى الكعبة الشريفة فهي موضع أبيه إبراهيم وقبلته، ولقد حقق الله أمنية حبيبه محمد فأمره بأن يحوّل وجهه في الصلاة إلى جهة الكعبة وهذا الحكم شامل لجميع المواضع على الأرض حيث أمر الله الجميع بتحويل وجوههم نحو الكعبة أينما كانوا يصلّون، وأما الذين شككوا بهذا الأمر القاضي بتحويل الوجوه أثناء الصلاة نحو الكعبة هم يعلمون يقيناً بأنه من الله لأنهم موقنون بصدق محمد بن عبد الله الذي لا يأتي بأية حركة إلا بوحي من الله عز وجل.
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)
فإذا أتيت اليهود والنصارى ومن تبعهم في إنكارهم لهذا الأمر فلو أتيتهم بكل البراهين الدالة على كونه أمراً من الله تعالى لما تبعوا قبلتك ولا أنت تتبع قبلتهم ولا اليهود يتبعون قبلة النصارى ولا النصارى يتوجهون إلى بيت المقدس، فمن اتبع اليهود والنصارى كان من الظالمين.
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) إن اليهود والنصارى وخصوصاً علماؤهم يعرفون محمداً حق المعرفة فهم يعرفون صدقه وأمانته ونزاهته كما يعرفون أبناءهم لأن الأمر ليس خفياً عنهم ولكن أكثرهم يكتمون الحق لأنه في غير مصلحتهم وقال هنا فريقاً منهم وليس الجميع ليستثني الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام.
(الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الحق من ربك يا محمد فكل ما أنزله إليك هو اليقين وهو الصحيح فلا تكن يا محمد من الشاكين بكونهم يعرفون أن ما أُنزل إليك إنما هو من عند الله بل إنهم يكذبون عليك ويكابرون مكابرةً.
(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لكلٍ من اليهود والنصارى والمسلمين قبلة يتوجهون إليها وعلينا أن نستبق الخيرات ونعمل بما يرضي الله عز وجل لأنه سوف يجمعنا جميعاً في يوم القيامة ليحاسبنا على أعمالنا ومعتقداتنا التي كنا عليها في دار الدنيا.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وهنا يأمر الله رسوله بأن يتوجه في صلاته إلى جهة الكعبة أينما كان، وقد كرر الله تعالى هذا الأمر من باب التأكيد.
(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
كيلا يأتي أحد ويطلب من الناس أن يتوجهوا لغير القبلة فقد أبرم الله تعالى هذا الحكم كيلا يختلف الناس في ذلك فوجّه الأمر للنبي والمسلمين، وهذا الأمر ساري المفعول إلى يوم القيامة فإذا تركتم قبلتكم كان عليكم حجة ولا ينبغي للمؤمن أن يخشى غير الله عز وجل وقد أتم الله النعمة علينا بمعرفة الحق والعمل به لعلنا نهتدي إلى الحق.
( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ)
وهنا يبين الله تعالى تلك النعمة الكبرى التي أنعم بها على المسلمين وهي أنه بعث فيهم رسولاً منهم يعلمهم القرآن ويزكيهم من الشرك ويعلّمهم الحكمة التي يحتاجون إليها بل ليعلّمهم الإسلام الذي لم يكونوا يعلمون عنه تفاصيله.
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) فاذكروا الله بالطاعة يذكركم بالثواب واشكروا النعمة ولا تجحدوا بها.



