
الإِتِّعَاظُ بِالمَوْت
يوماً بعد يوم وساعةً بعد ساعة تشتد الحاجة عندنا إلى مواعظ جليلة وكلمات صادقة تنير قلوبنا وتزكّي نفوسنا وتلقي السكينة في أرواحنا وتفتح أمامنا آفاقاً كثيرة وأبواباً واسعة ننفذ من خلالها إلى غاية السعادة ومنتهى الراحة في الدار الآخرة التي جعلها الله عاقبةً لعباده الصادقين المخلصين المتقين، هذا ونحن نرى الكثير من المواعظ ونسمع الكثير منها في أماكن مختلفة ومناسبات عديدة وبطرق كثيرة، ولكنّ رؤيتنا للموعظة وسَماعنا إياها لا يفيان بالمطلوب ولا يعودان علينا بالمنفعة المرجوّة إذا لم تتحرك بداخلنا أنوار الفهم والإتعاظ، فقد جاء في الحديث: من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ: معنى ذلك أن الدور الأكبر في تأثير الموعظة هو قلب الإنسان الذي إما أن يفتح بابه ويتقبّل ما يدخل إليه، وإما أن يغلقه فلا ينفعه بعد ذلك شيء.
ولهذا ينبغي أن نمهد الطريق في نفوسنا أمام الموعظة ونفتحها أمام العبرة لكي تتفاعل أنوارها في قلوبنا لنُلجِم بها النفس الأمارة بالسوء فنجعل منها نفساً زكياً منصاعة لأوامر ربها ومهتديةً بهديه وعاملة بأوامره ومنتهية عما نهى عنه، وبهذه الطريقة تُؤْتي الموعظة أُكُلَها كلَّ حين وتدخل القلب وتتمركز في قرارها المكين.
واعلموا بأن جميع كلماتنا وكل عباراتنا مهما كانت بليغة وجميلة ومعبرة فإنها لا تساوي كلمة وردت في القرآن أو فقرة جرت على لسان رسول الله أو لسان واحد من آله الطاهرين، ولأجل هذا يجدر بنا استعمال مواعظهم لأنها أجمل وأحسن وأفضل وأنفع وأثمر وأبقى وأدوم.
وها هو كتاب الله مليء بالمواعظ ومكتظ بالعبر التي لو أخذنا بقليلها لكنا من الفائزين.
ففي سورة المؤمنون قال تعالى(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)
وفي سورة القيامة(أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)
وفي سورة عبس(قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)
وفي وعظ الناس بالموت قال أمير المؤمنين(ع): ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ: فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ، لاَ تُخْطِىءُ سِهَامُهُ، وَلاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ، يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ، آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ، وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ، وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ، وَيَبْني مَا لاَ يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُج إِلَى اللهِ، لاَ مَالاً حَمَلَ، وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ، وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، والْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً، لَيْسَ ذلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ، وَبُؤْساً نَزَلَ. وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ المَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ، فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ، وَلاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اللهِ، مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا! وَأَظْمَأَ رِيَّهَا! وَأَضْحَى فَيْئَهَا، لاَ جَاءٍ يُرَدُّ، وَلاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ. فَسُبْحَانَ اللهِ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ! إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ، فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ في الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَزَادَ فِي الدُّنْيَا: فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ! إنَّ الَّذي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ:
وقال(ع): وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَلاَ رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ:
وإن الحديث عن الموت كثير وما يهمنا التعرف عليه هنا هو حقيقة الموت، فهل هو هيّن أو صعب، هل فيه ألم كبير أم هو راحة من الآلام، وقد كشف الرسول وآله(ص) عن هذه الحقيقة في العديد من المناسبات.
فحقيقة الموت للمؤمن شيء ولغير المؤمن شيء آخر، ون كانت عملية الموت في كل ذوي الأرواح واحدة، فالموت للمؤمن هو كصحة من بعد مرض وراحة من بعد تعب وعناء، وسعادة من بعد شقاء ، وأمن من بعد قلق، وهو له كالنوم لقول النبي وآله(ص) كما تنامون تموتون: وأما غير المؤمن فإن الموت صعب عليه وهو عليه بعكس ما كان على المؤمن لأن غير المؤمن ينتقل من دار راحة إلى دار تعب ومن دار أمن إلى دار خوف وعذاب، وإلى هذا المعنى يشير الإمام زين العابدين(ع) بقوله: عندما سُئل عن الموت: للمؤمن كنزع ثيابٍ وسِخة قَمِلةٍ وفَكِّ قيودٍ وأغلالٍ ثقيلة والإستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطءِ المراكب وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثيابٍ فاخرة والنقل عن منازل أنيسة والإستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها وأوحش المنازل وأعظم العذاب:
فحقيقة الموت هي انتزاع الروح من الجسد، وهذا من خصوصيات الله عز وجل رغم كثرة الأسباب المؤدية إلى خروج الروح، وبناءاً على ما ذكرناه يتضح لنا أن الموت راحة للمؤمن من كل تعب وقلق.
وقد روي أن الإمام الحسن العسكري(ع) دخل على مريض من أصحابه وهو يبكي ويجزع من الموت، فقال له يا عبد الله تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، أرأيتُكَ إذا اتسختَ وتَقَذَّرتَ وتأذيتَ من كثرة القَذَر والوسخ عليك وأصابك قروح وجَرَبٌ وعلمْتَ أنّ الغَسلَ في حمّامٍ يُزيل ذلك كله أما تريد أن تدخله فتَغسلَ ذلك عنك؟ أَوَما تكرهُ أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟ قال بلى يابن رسول الله قال(ع) فذاك الموت هو ذلك الحمّام وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك وتنقيتك من سيئاتك فإذا أنت وردت عليه وجاوزته فقد نجوت من كل غمٍ وهمٍ وأذى ووصلتَ إلى كل سرورٍ وفرح، فسكن الرجل واستسلم ونَشِطَ وغمّضَ عين نَفسِه ومضى لسبيله:
وما نفهمه من هذا الكلام هو أكثر من بيان حقيقة الموت إذ أشار الإمام(ع) إلى نقطة هامة تتعلق بالموت وهي أن اشتداد النزع على المؤمن كفارة لذنوبه ومَذْهبةٌ لسيئاته، وهذا من ألطاف الله على الإنسان.
والموت قرين كل ذي روح وهو ألزم للمرء من ظله، وهو كما يعبّر عنه أمير المؤمنين في بعض كلماته: قِرْنٌ غير مغلوب: فالموت يصيب المؤمن وغير المؤمن، وطريقة انتزاع الروح واحدة في الجميع، غير أنّ الإختلاف يقع في مقدمات قبض الروح ومدى تأثّر المحتضَر بها من حيث الخوف والألم والرعب والجزع، فالمؤمن له وضع خاص قبيل الموت وعند الموت وبعده، إذ لا يقبل الله تعالى لعبده المؤمن أيَّ خوف أو أيّ جزع لأن أولياء الله لا خوف عليهم في أي موضع من المواضع.
وجاء في حديث المعراج: وإذا كان العبد في حالة الموت يقوم على رأسه ملائكة بيدِ كل ملك منهم كأسٌ من ماء الكوثر وكأس من الخمر يَسقون روحه حتى تذهبَ سكرتُه ومرارته ويبشرونه بالبِشارة العظمى ويقولون له طِبْتَ وطاب مَثواك إنك تَقْدِم على العزيز الحكيم الحبيب القريب:
وقال(ص): أول ما يُبشَّر به المؤمن رَوح وريحانٌ وجنة نعيم، وأول ما يبشَّر به المؤمن أن يقال له: أبشِرْ وليَّ الله برضاه والجنة قَدِمْتَ خيرَ مَقْدَم قد غفر الله لمن شيّعك واستجاب لمن استغفر لك وقَبِلَ مَن شهِد لك:
ومهما علا شأن الإنسان في هذه الحياة، ومهما ارتقى مناصب الرِّفْعة، وجمع من الثروات ما لا يحصى، وبلغ فيها ما لم يبلغه غيره، ومهما كان صاحب عز وشرف ومقام رفيع وسمعة طيبة أو غير طيبة، ومهما حكم وامتلك وصال وجال وبنى وأسس وعمّر أو خرّب وظلم أو عدَل فإنه لا بد من يوم يأتي عليه ينقله من هذه الحياة إلى ما بعدها من المراحل والمنازل لأن الموت حكم عامٌ للجميع وشامل لكل الطبقات من ذوي الأرواح، فلم يُكتَب الخلود لأحد من الخلق، ولو كُتب الخلود لأحد لكان الأنبياء والأئمة أحقَّ بهذه الخصوصية، ولكن حكم الله في ذلك ماض:(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) و(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فلو تأملنا في مضامين هذه الآيات وأمثالها لخشعت قلوبنا واستيقظت ضمائرنا التي أماتتها المادة، وقضت عليها شهوات هذه الحياة.
فلا ينبغي لأحد أن ينسى تلك اللحظات، فإن في ذكرها موعظة كبرى ودافعاً بالمرء نحو العمل، لأن ذكر الموت يهدم اللذات ويميت الشهوات التي حرّمها الخالق سبحانه.
قال أمير المؤمنين(ع): فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُد َعَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ:
والموت طريد الإنسان، فلا يعلم المرء متى يقع في شباكه ويصبح واحداً من عالم الآخرة، ولقد ملأ الرسول وآله مكتبة المسلمين بالمواعظ والعبر والتعاليم والإرشادات والتي منها موضوع مطاردة الموت للأحياء فقال علي(ع): أنتم طرداء الموت إن أقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم وهم ألزم لكم من ظلكم، الموت معقود بنواصيكم: معنى ذلك أن أحداً من الخلق لا يمكن أن يفلت من هذه السنّة التي خلقها الله عز وجل في حياة الأحياء من خلقه.
وسواء آمنا به واستسلمنا له، أو كفرنا به وفررنا منه، فإنه سوف يدركنا، إذ لا طاقة لأحد على الخروج من هذا النظام الرباني الحكيم الدقيق الذي لا يعزب عنه شيء.
وهناك الكثير من الأحاديث التي تبيّن لنا مطالبة الموت الحثيثة لنا مما يُشعرنا بالقلق الدائم وعدم الإطمئنان لهذه الحياة الخدّاعة الغرارة التي تزيّن لنا الفاني وتُنسينا الباقي.
ومن وصايا الإمام علي لولده الحسن(ع): إعلم يا بنيَّ أنك إنما خُلقتَ للآخرة لا للدنيا وللفناء لا للبقاء وللموت لا للحياة، وأنك في قُلْعة ودار بُلْغة وطريقٍ إلى الآخرة وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه ولا يفوته طالبه ولا بد أنه مدركه فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حالٍ سيئةٍ قد كنتَ تحدِّثُ نفسك منها بالتوبة فيحولُ بينك وبين ذلك فإذا أنت قد أهلكتَ نفسك:



