
ما زال الكلام حول حقيقة الموت وبيان الأساليب التي يجب أن تُستعمل في عملية الكشف عنها والسُبل المتَّبَعة للوصول إلى هذا الهدف، وقد أشرت في البحث الماضي إلى أمر حساس هو في الحقيقة وباء خطير تفشّى في مجتمعاتنا الإسلامية على وجه الخصوص وكان مصدر هذا الوباء تقصير الجهات المسؤولة بالدرجة الأولى، ومن ثَم تقصير الناس الذين خدعتهم المظاهر واستحكمت بهم الأهواء واستخفوا بأصول عقائدهم متذرعين بأن فلاناً قال كذا وفلاناً قال ذاك.
من قال لكم بأن المسؤولية الشرعية تقع على عاتق رجل الدين فقط، ومن الذي أخبركم أنكم بمنأى عن المساءلة في يوم الحساب، فمن قال لكم ذلك فقد كذب عليكم لأنكم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وإليكم بعض كلمات الله تعالى الواردة في هذا المجال، قال سبحانه(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) وقال(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) وقال(يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) وإذا كنتم في غقلة عما يجري اليوم على الساحة الإسلامية من مؤامرات ضد عقائنا عن طريق أشخاص منا وفينا فأنا أخبركم ببعض ما أعرف، وأنا مسؤول عما أقول أمام الله وأمامكم، وغرضي من هذا الكلام ضمن الحديث عن الموت هو النصيحة والموعظة وإلقاء الحجة.
إن ما يجري على الساحة الإسلامية في هذه الأيام هو في غاية الخطورة لأن هذا الدين الحنيف كان وما زال مستهدَفاً من قبل الجهات المعادية للإسلام والمسلمين، وقد ازداد الخطر في أيامنا الحاضرة أكثر من الماضي لأننا في الماضي كنا نميز المعادي للإسلام من خلال سلوكه وإعلانه للكفر، وكان المنافقون في الماضي أفراداً ومجموعات صغيرة، وكانوا معروفين لدى المسلمين، أما في هذا الزمن فقد تحول المنافقون من أفراد إلى جماعات ومن مجموعات إلى دول كبرى وغنية هي التي تعمل على تدمير الإسلام بوحي من قبل الدول العظمى بهدف أن يحافظ الحكام على عروشهم فهم على أتم الإستعداد لأن يقتلوا المسلمين ويحرقوا المصحف الشريف ويعطوا خيرات الأمة للدول الكبرى التي لا هم لها سوى مصالح شعوبها وإن تم ذلك على حساب كل الشعوب العربية والإسلامية.
والخطر الأكبر على الإسلام في هذا الزمان هو أن الذين يحاربونه قد عُرفوا في العالم بأنهم دول إسلامية وهم أبعد ما يكون عن الإسلام لأنهم عبيد شهواتهم وأسرى نزواتهم.
أنتقل الآن من الحديث عن الدول التي تعمل على تدمير الدين إلى الحديث عن الأفراد الذين يقومون بالغاية نفسها عن قصد أو عن غير قصد.
لقد ابتلي مجتمعنا الإسلامي بآفات قاتلة تعمل على تخريب الدين بوسائل متعددة حيث تصدى للتبليغ من هم ليسوا أهلاً لحمل تلك المسؤولية، فراحوا يستخفون بالأمر موطنين أنفسهم الأمارة بالسوء على احتمال تبعات أفعالهم وأقوالهم، كل ذلك من أجل الإنتفاع الوضيع الذي قام على حساب العقيدة والتلاعب بمشاعر البسطاء من المؤمنين.
أنا لا أتهم هؤلاء بالغباء لأن هذا النوع من الإتهام قد يعطيهم مبرراً لنفاقهم، بل أنظر إليهم على أنهم أذكياء جداً ولكن ذكاءهم مقترن بدهاء وحنكة، فلقد نظر هؤلاء إلى الوسائل التي يمكن استعمالها واستغلالها للوصول إلى ما عند الناس، أو بمعنى آخر لسرقة أموال الكادحين والعمال بطريقة تشبه الحق ظاهراً وهي عين الباطل، فيخوفون الناس ويضحكون عليهم ويسرقون باسم الأيتام والفقراء الذين لا ينالون من خيراتهم شيئاً، ويبنون القصور ويؤسسون المؤسسات التي تدر عليهم أموالاً طائلة ولكنها لا تكفيهم وزبانيتهم ومحسوبياتهم، ومع الأسف فإن كثيراً من الناس قد انخدعوا بتلك المظاهر الخلابة والشعارات الكاذبة فمشوا خلفهم ولا ندري إلى أين سيصل بهم الأمر.
الحل موجود، وهو أن نتخلى عن العصبية العمياء التي نهى عنها الإسلام ونرجع في أمور ديننا إلى من أمرنا الله بالرجوع إليهم إذا أردنا أن نحافظ على دنيانا وآخرتنا.
ومن هؤلاء المنافين أولئك الذين يكذبون على الله ورسوله، ويحدثون الناس بخرافات ليس لها أصل في شريعة الإسلام وذلك من باب تهييج المشاعر الإيمانية داخل الناس، ولا قيمة لمثل تلك المشاعر عندما تتحرك بسبب الكذب والتحريف.
كثير من هؤلاء حدثوا الناس عن الموت والبرزخ ويوم القيامة، وقالوا كلاماً لم يرد في القرآن ولم يُذكر على ألسنة النبي وآله، ولم يتحدث به علماؤنا ورواتنا أبداً، فما هو المصدر الذي اعتمد عليه هؤلاء؟ المصدر لكلامهم هو الشيطان الرجيم، إن كثيراً من الذين سمعوا قصص هؤلاء حول الموت قد ضنوا بالله الظنون وكرهوا ذكر الموت حيث صوّر لهم هؤلاء الموقف على أنه فيلم رعب، وقد ارتد ذلك سلباً على عقيدتهم وعلى نظرتهم إلى رحمة الله الواسعة.
فعلى المبلغ أن يتقي الله، وعلى الناس أن لا يستسلموا لكلام المشكوك بأمرهم بل يجب عليهم الرجوع إلى العلماء الأعلام الذين يصفون الدواء المناسب ولا ينطقون إلا بعلم وخشية من الله تعالى، وأقول لمن يكذب من هؤلاء على الله ورسوله والناس بل على أنفسهم أيضاً، إسمعوا قول الله تعالى في ذلك حيث يقول(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)



