محاضرات

حول يوم القيامة

الموت قريب

أجهل الناس من يتوهم أن الموت بعيد عنه وأن الفرصة ما زالت أمامه فإن هذا الشعور نبتة غرسها الشيطان في قلوب الكثيرين حتى يؤخروا العمل ويؤجلوا التوبة بطول الأمل، وهذا ما حذرت منه الشريعة السمحاء على ألسنة النبي وآله إن في أحاديثهم أو مواعظهم أو أدعيتهم.
أما أحاديثهم في التحذير من طول الأمل فهي أكثر من أن تُحصى، وأما في أدعيتهم في كثيرة أيضاً وأبرزها ما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام السجاد(ع) حيث قال: وأعنّي بالبكاء على نفسي، فقد أفنيت بالتسويف (التأخير) والآمال عمري، وقد نَزَلَت نفسي منزلة الآيسين من خيري، فمن يكون أسوء حالاً منّي إن أنا نُقلت على مثل حالي إلى قبرٍ لم أمهّده لرقدتي، ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي:
كيف يمكن أن نأمن من الموت ونحن نرى المأخوذين على الغرة أطفالاً وشباباً وشَيَبة فهو لا يفرق بين كبير وصغير وصحيح وسقيم، ولذا فقد قال أمير المؤمنين(ع) في مساوئ طول الأمل: أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لايَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ. وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً:
وقال(ع): أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ; فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ. أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا، أَلاَ وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ:
فالموت قريب مهما عمّر الإنسان في الدنيا حتى أن نبي الله نوحاً(ع) وهو أطول الناس أعماراً في الوجود كان عمره قصيراً نظراً إلى العمر الذي سيبدأ بعد الموت فهو عمر دائم إلى ما شاء الله، فأنت في كل لحظة تدنو من الموت أكثر فأكثر وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين(ع):نَفَس المرء خطاه إلى أجله: وفي حديث آخر: في كل لحظة أجل: وقال(ع): رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدٌّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْآخِرَةِ عَمَّا قَلَيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَان:
وقد أعجبني قول الشاعر: لا تركنن إلى الحياة إن المصير إلى الممات:
لهذا ينبغي على كل إنسان أن يضع أمام عينيه فكرة أن الموت يطارده من مكان إلى مكان وأن أحداً من الناس بالغاً ما بلغ لا يستطيع النجاة منه، وقد أدرك الموت الأقوياء والأغنياء والأشداء والجبابرة كالنمرود وفرعون وهامان وقارون والدول العظمى والحكومات الكبرى فلم يبق من ماضيهم سوى الذكر السيء ولن يبقى على وجه البسيطة أحد لأن كل نفس سوف تذوق طعم الموت ولأنه لن يبقى سوى وجه الله تعالى الذي قال في محكم كتابه(كل نفس ذائقة الموت) وقال(كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) كم كان ظلم فرعون كبيراً، وإن أوضح شاهد على ظلمه للعباد هو تلك الهياكل الكبرى التي شُيدت بدماء الأبرياء كالأهرام والتماثيل والقلاع، وكم أحاط به من الجنود لحمايته ولكن عندما أتاه الأجل أدركه الغرق فجعله الله آية لمن يأتي بعده، وفي ذلك قال تعالى(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)
وكذا قارون الذي ملك من الكنوز ما تعجز المخيِّلة عن تصوره حتى بغى على العباد وأفسد في الأرض فكانت نهايته عبرة لمن يعتبر حيث ابتلعته الأرض وكنوزَه، وفي ذلك قال تعالى(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)
وقد أعطانا الإمام علي(ع) موعظة في هذا المجال حيث قال: أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ! أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ، وَأَطْفَأُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ! أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ، وَهَزَمُوا بالْأُلُوفَ، وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ، وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ:
أنا شخصياً عندما أنظر فيما حدث لكل من خالف رسالات السماء وفيما حدث لوثنيي مكة وبني أمية وبني مروان وبني العباس أستفيد من ذلك عبرة كبرى ودرساً نافعاً وموعظة بليغة وهي أنه مهما أسس الإنسان وسعى للدنيا وحصّن نفسه ووجنّبها المخاطر فلا بد أن يأتيه الأجل بألف طريقة كذاك الذي أحاط به الجنود لحمايته من الأخطار فنزلت عليه صاعقة من السماء أحرقته دونهم، إن بني العباس أسسوا لدولة دائمة فاستمرت دولتهم أكثر من خمسماية عام وتعاقب على الملك ما يقرب من أربعين حاكماً كان أولهم أبا العباس السفاح وآخرهم المستعصم بالله ثم زالت تلك الدولة ولم يبق لها ولهم سوى الذكر السيء.
فالأجل يحيط بنا من كل الجهات، والموت يطاردنا على شكل الدوام، ولا مفر من وقوعه علينا، ولا مهرب من لحوقه بنا، وبما أن الأمر كذلك وجب علينا العمل الذي نستفيد منه بعد الموت.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى