محاضرات

حول يوم القيامة

عمر الدنيا قصير

إن مسألة قِصر عمر الدنيا لها صلة بموضوع الموت وما يكون بعده لأن الحياة الدنيا هي محور الحياة والموت لأنها تبدأ على صعيد الفرد منذ ولادته وتنتهي له لحظة وفاته، ولهذا كان الحديث عن قصر العمر في الدنيا مقدمة للحديث عن الموت، ولأجل ذلك حدثنا المعصومون(ع) عن هذا الموضوع، فقد قال أمير المؤمنين(ع): وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ، وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوالشِّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ:
يوجد في حياة البشر خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيا بحالة من الأحوال، فلو فرضنا أنهما التقيا بشيء أو لمرة واحدة فهذا يعني حدوث خلل في النظام التشريعي، وهو غير ممكن لأننا نعتقد بدقة هذا النظام الذي سنّه رب العالمين الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض، فهناك خط يتصل بالسعادة، وخط متصل بالشقاء، وكلاهما واضح ومعلوم، فلا يشتبه فيهما أحد حيث اقتضت حكمة رب العالمين أن يُفصح عن كلا الطريقين بشكل لا يعتريه الشك وذلك بأن يكون الحلال بيناً والحرام كذلك، وهذا الوضوح أكبر حجة على الناس في يوم القيامة إذ لا يمكن لأحد أن يقول إنني اشتبهت بينهما.
لقد دُللنا من قبل الله تعالى هذين السبيلين اللذين اتصل كل سبيل منهما بعاقبة تتناسب مع واقعه، فسبيل الحق منتهاه الرحمة والسعادة، وسبيل الباطل نهايته العذاب، والأمر رهن عمل الإنسان الذي بإمكانه أن يحدد مصيره من خلال سلوكه في هذه الحياة.
وقد أكد القرآن على هذا الميزان الرباني العادل في أكثر من مكان، وكان من ذلك قوله تعالى(فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)
لأجل ذلك يعظنا الإمام علي(ع) بقوله: وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ: ربما لا تستغرق طاعتك لربك سوى وقت قصير ثم يدركك الأجل أو ربما تطول مدة عبادتك، ويعود السبب إلى مدة عمر الإنسان في الدنيا منذ يوم تكليفه، ولكن العاقبة لكليهما واحدة إذ لا تقاس النهاية بمدة العمل بل بكون حياة المكلف قد خُتمت بالطاعة وليس بالمعصية، فعلى فرض أن الإنسان كُلف في اليوم الفلاني فبدأ هذا المكلف بالعمل كما أراد الله تعالى فصلى صلاة واحدة أو لم يصل لعدم دخول وقت الصلاة وهو عازم على القيام بها ثم أدركه الموت في ذلك اليوم كُتب عند الله من الفائزين المتقين.
ثم يتابع الإمام موعظته بالقول: وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ:
إذا كانت غايتك هذه الحياة فأنت تَنشد ما لا يبقى وتطلب شيئاً تُنقصه اللحظات فإن كل لحظة تمضي من عمرك تقربك من الأجل أكثر، وكذا بالنسبة للدنيا، وإذا كانت الحياة الدنيا تَنقص بمرور الزمن فمعى ذلك أن مدتها قصيرة وإن كانت في موازين الناس طويلة، وإذا كانت الدنيا هكذا فلا راحة فيها لأن العيش فيها منغص بحلول الأجل والتعب والأمراض والأحزان.
ثم وصف الإمام واقع الحياة الدنيا بوصف جميل ودقيق للغاية حيث قال: وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ:
الليل والنهار في تجدد مستمر، وحلولهما يقرب المسافات الزمنية بيننا وبين البعيد، فلو غاب عنك عزيزك سنة، فإن انقضاء كل ليلة أو مرور كل نهار يقرب المسافة الزمنية بينك وبينه، والأجل غائب سوف تكون أوبته سريعة بفعل مرور الزمن مهما طال العمر.
ثم يشير الإمام(ع) إلى أهم مسألة في هذه الدنيا وهي التزود للآخرة حيث قال: ): فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تُحرزون به أنفسكم غداً:
ومن مواعظ الإمام حول الموت ويوم القيامة قوله: حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً، قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الْإِسْتِكانَةِ، وَضَرَعُ الْإِسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الْْأَمَلُ، وَهَوَتِ الْْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً، وَخَشَعَتِ الْْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الْْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ، وَنَكَالِ الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ:
ومن مواعظه(ع): فَهَلْ دَفَعَتِ الْْأَقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟ وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْْأَمُوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الْْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالْْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بَغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا:

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى