
القرآن الكريم
بين الشريعة والإعجاز
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعز المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.
القرآن الكريم يصف نفسه
لقد حدثنا الكتاب المجيد عن نفسه ليكون ذلك بلاغاً لنا وحجة علينا بعد أن ثبت بالدليل القاطع أن هذا القرآن هو كلام الله تبارك وتعالى.
ففي سورة يونس قال سبحانه(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
وفي سورة الإسراء(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)
وفي ذات السورة(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)
وفي سورة النمل(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
وفي سورة الكهف(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
وفي سورة طه(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا)
وفي سورة الواقعة(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
وهناك عشرات الآيات القرآنية التي يحدثنا القرآن فيها عن عظمته ووظائفه وإعجازه وجميع خصائصه.
كلام النبي وآله(ص) حول القرآن الكريم
أخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.
وقال(ص) إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير خبرني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
وعنه(ص): يا أيها الناس إني قد نبأني اللطيف الخبير إنه لن يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله وإني قد يوشك أن أدعى فأجيب وإني مسؤول وإنكم مسؤولون فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت ورسوله وأن جنته حق وناره حق وأن الموت حق وأن البعث حق بعد الموت وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور يا أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليا اللهم وال من والاه وعاد من عاداه يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض أعرض ما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما الثقل الأكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض.
وفي نهج البلاغة قال(ع): كِتَابَ رَبِّكُمْ فِيكُمْ: مُبَيِّناً حَلاَلَهُ وَحَرامَهُ، وَفَرَائِضَهُ وَفَضَائِلَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَعِبَرَهُ وَأَمْثَالَهُ، وَمُرْسَلَهُ وَمَحْدُودَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، مُفَسِّراً مُجْمَلَهُ، وَمُبَيِّناً غَوَامِضَهُ. بَيْنَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى العِبَادِ في جَهْلِهِ، وَبَيْنَ مُثْبَت في الكِتابِ فَرْضُهُ، وَمَعْلُوم في السُّنَّهِ نَسْخُهُ، وَوَاجب في السُّنَّةِ أَخْذُهُ، وَمُرَخَّصٍ في الكِتابِ تَرْكُهُ، وَبَيْنَ وَاجِب بِوَقْتِهِ، وَزَائِل في مُسْتَقْبَلِهِ، وَمُبَايَنٌ بَيْنَ مَحَارِمِهِ، مِنْ كَبير أَوْعَدَ عَلَيْهِ نِيرَانَهُ، أَوْ صَغِيرٍ أَرْصَدَ لَهُ غُفْرَانَهُ، وَبَيْنَ مَقْبُولٍ في أَدْنَاهُ، ومُوَسَّعٍ في أَقْصَاهُ.
وفي موضع آخر قال(ع): وَذَكَرَ أَنَّ الْكِتَابَ يُصَدِّقُ بَعْضَهُ بَعْضاً، وَأَنَّهُ لاَ اخْتِلافَ فِيهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً). وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَتَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ.
وقال(ع): وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ:
وعن الإمام الحسن العسكري عليه السلام في تفسيره، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: حملة القرآن المخصوصون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلمون كلام الله، المقربون عند الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله، يدفع الله عن مستمع القرآن بلوى الدنيا وعن أقاربه بلوى الآخرة، والذي نفس محمد بيده لسامع آية من كتاب الله وهو معتقد (إلى أن قال) أعظم أجراً من نبير ذهبا يتصدق به، ولقاري آية من كتاب الله معتقدا أفضل مما دون العرش إلى أسفل التخوم.
وعن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحافظ للقرآن، العامل به مع السفرة الكرام البررة.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة، يقول يقول: يا رب إن كل عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلغ به أكرم عطائك، قال: فيكسوه الله العزيز الجبار حلتين من حلل الجنة، ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا رب قد كنت أرغب له فيما أفضل من هذا، قال فيعطى الأمن بيمينه، والخلد بيساره، ثم يدخل الجنة فيقال له: إقرأ آية فاصعد درجة، ثم يقال له: هل بلغنا به وأرضيناك؟ فيقول: نعم، قال: ومن قرأ كثيرا وتعاهده بمشقة من شدة حفظه أعطاه الله عز وجل أجر هذا مرتين.
وهناك الكثير الكثير من الأحاديث التي تخبرنا عن حقيقة القرآن الكريم وشأنه ومكانته وفوائده وعاقبة المتمسكين بحبله.
القرآن الكريم في نظر المعاندين له
رغم المحاولات المتكررة للنيل من القرآن وزرع الشك تجاهه في النفوس بقي هذا الدستور مستمراً على حاله وفي تأدية وظيفته حيث أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب المعجزة وحفظه بقدرته من التحريف والتزوير، وقد أخبرنا ربنا تعالى عن هذه الحقيقة حيث يقول في سورة الحجر(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
ولم يكتف المعاندون للقرآن بعجزهم عن مواجهته بل اعترف كثير منهم بعظمته وأكد على إعجازه حي نفى أن يكون من صناعة البشر، ومن جملة الذين اعترفوا بهذه الحقيقة أحد عتاة المشركين ولعله ابن المغيرة عندما ذهب إلى رسول الله(ص) ليناقشه في القرآن ويثبت أنه من صنع النبي فرجع إلى كونه خائباً متغيراً لونه فقالوا له: هل سحرك محمد؟ فقال لهم: لا: ولكنني سمعت من محمد كلاماً ليس بكلام الإنس ولا بكلام الجن إنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه:
ومن جملة الذين أقروا بمنزلة القرآن الكريم وكونه معجزة أربعة من الزنادقة الذين اتفقوا على أن ينقض كل واحد منهم ربع القرآن فاتفقوا على أن يلتقوا بعد سنة، فمضت تلك السنة واجتمعوا، ولكنهم اجتمعوا على خيبة الأمل والعجز حيث عجزوا عن نقض آية واحدة من آياته الكريمة، وليس ذلك سوى اعتراف ضمني منهم بعظمة القرآن وكونه كلام الخالق سبحانه.
ويروي هشام الصحابي الجليل للإمام الصادق (ع) اجتمع في بيت الله الحرام أربعة من مشاهير الدهرية وأعاظم الأدباء وكبار الزنادقة وهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وأبو شاكر ميمون بن ديصان وعبد الله بن المقفع وعبد الملك البصري فخاضوا في الحج ونبي الإسلام وما يجدونه من الضغط على أنفسهم من قوة أهل الدين ثم استقرت آراؤهم على معارضة القرآن الذي هو أساس الدين ومحوره. . فتعهد كل واحد منهم أن ينقض ربعاً من القرآن إلى السنة الآتية… ولما اجتمعوا في الحج القابل وتساءلوا عما فعلوا اعتذر ابن أبي العوجاء قائلاً أنه أدهشته آية: (قل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فأشغلته بلاغتها وحجتها البالغة.
وأعتذر الثاني قائلاً أنه أدهشته آية: (ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب فأشغلته عن عمله…
وقال ثالثهم أدهشتني آية نوح: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) . فأشغلتني الفكرة عن غيرها. وقال رابعهم أدهشتني آية يوسف: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) فأشغلتني بلاغتها الموجزة عن التفكير في غيرها.
قال هشام وإذا بأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يمر عليهم ويومئ إليهم قائلاً: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً
وقد تحدث القرآن الكريم عن الجن الذين أدهشهم هذا الكلام فآمنوا به حيث أُذن لهم بأن يسمعوا كلام القرآن، وفي هذا الشأن قال سبحانه في سورة الجن(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)
المواجهة الحاسمة بين القرآن والمعاندين له
لقد كان مبعث خاتم الأنبياء(ص) بمثابة صاعقة قاتلة نزلت على رؤوس القوم وخصوصاً عندما سمعوا منه كلاماً لم يسمعوا بمثله طيلة حياتهم وهم أهل الفصاحة وأرباب البلاغة فشعروا عندها بالخطر الذي بات محدقاً بهم ومهدداً وجودهم.
فبعد أن استقصوا الأمر وأمعنوا النظر فيما سمعوه من محمد أدركوا بأن هذا الكلام يعلو مستوى البشر، ولا يمكن لهم أن يتهموا صاحبه بأية تهمة لأن الناس لن يصدقوا ادعاءاتهم بعد أن لمسوا الإعجاز في كلام النبي(ص).
فمرة اتهموا الرسول بالجنون فرُدَّ عليهم بأنه يستحيل على المجنون أن يأتي بمثل هذا الكلام من حيث السبك والمعنى، فراحوا يروجون بين العامّة بأنه سحر فأُنكر عليهم الأمر لأن السحر لا يكون كذلك فوقعوا في حرج شديد بعد تلك المحاولات المتكررة التي قام بها كبارهم بهدف كسر شوكة النبي وتكذيبه حيث لم يكن أمامهم فيما بينهم سوى الإعتراف بكون محمد نبياً وأن القرآن هو كلام الخالق الذي يدعو محمد إلى الإيمان به.
وقد كثرت الدعايات الكاذبة في شأن القرآن وأنه جنون أو سحر أو أن النبي تعلّمه من أحدهم، فلو كان هذا الأحد إنساناً لبرز وبان، ولكن عندما لم يستطع أكابرهم الإتيان بشيء من مثل هذا الكلام فقد ثبت لهم بأنه ليس كلام بشر فأقلعوا عن هذه الفكرة التي لم يكونوا هم مؤمنين بها من الأساس.
فقد أراد الله تعالى أن يحسم هذا الموقف ويثبّت قدم نبيّه(ص) بين قومه فأمر رسوله بأن يتحدى القوم فكان هذا التحدي على مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: وهي أن يأتي المنكرون للقرآن بمثله، فإن أتوا بمثله كانوا على حق فيما ادعوه، وإن عجزوا(والأمر كذلك) كان النبي(ص) صادقاً(وهو كذلك) وإلى هذه المرحلة من مراحل التحدي أشار الله تبارك وتعالى إلى النتيجة الحتمية التي سيؤول إليها أمر القوم حيث قال(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
المرحلة الثانية: وهي أن يأتي المنكرون للقرآن بعشر سور من مثل سوره، ولا شك بأن هذه المرحلة كان وقْعُها على نفوس القوم آلم لأنها الكفيلة ببيان وهنهم وكذبهم وافترائهم على الله ورسوله، فكانت النتيجة هنا كالنتيجة في الأولى، وفي ذلك يقول سبحانه في سورة هود(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة والحاسمة، وهي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فإن عجز القوم هذه المرة عن الإتيان بما طلبه منهم النبي فإنه سوف يثبت للقاصي والداني بأنهم قوم مفترون، وقد قال تعالى في هذه المرحلة(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) وفي سورة يونس(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)
وعندما عجز القوم عن مواجهة القرآن الكريم رغم فصاحتهم وبلاغتهم فقد لجؤوا إلى أساليب أخرى لقمع الدين وترهيب المؤمنين ولكن جميع تلك المحاولات قد باءت بالفشل بفضل الله ورسوله الصابر على أذى قومه.
موافقة المعجزة لأرقى فنون العصر
مَا هِيَ المُعْجِزَة
المعجزة هي الحدث الخارق للنواميس الطبيعة، وبمعنى آخر: هي العمل الخارج عن نطاق المألوف للأنظمة التكوينية وللأذهان.
فليس من العادة أن تتحول العصا إلى ثعبان، وليس منها أن تتحول النار إلى برد، ولا منها أن تخرج ناقة من بين الصخر، ولا منها أن ينفلق البحر.
وقد حصر تعريف المعجزة معناها الحقيقي وذلك لعدم الخلط بينها وبين السحر من جهة ، وبينها وبين الكرامة من جهة أخرى.
مَا هُوَ السِّحْرُ
السحر مجرد فنٍّ ووهمٍ، ولا صلة له مع الحقيقة أبداً، غاية ما في الأمر أن الساحر يسحر العيون فيريك شيئاً على غير واقعه، ولكنك إذا أتيت إلى هذا الشيء ولمسته بيدك لكنت لمستَ شيئاً على حقيقته، فلو أنك كنت في زمن المواجهة التي جرت بين موسى والسحرة واقتربت من تلك الحبال ولمستها لكنت لمستَ حبالاً وليس أفاعي، أما لو اقتربت من ثعبان موسى لالتهمك ولم يبق لك وجود حتى بعد أن عادت العصا إلى حالتها الأولى، والدليل هو أن الحبال التي ألقاها السحرة ورآها الناس أفاعي قد التهمتها عصا موسى، ولذا فإنه عندما عادت العصا إلى طبيعتها الأولى لم ترجع الحبال إلى السحرة ولم يبق لها وجود، ولعل هذا هو الذي أثبت للسحرة أن ما أتى به موسى ليس سحراً بل أمر حقيقي مائة بالمائة من دون أي شك.
ومن هنا يظهر لنا الفرق بين السحر والإعجاز، فالسحر وهم من دون شك، والمعجزة حقيقة من دون شك.
الفَرْقُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ وَالسِّحْر
يضطر الباحث لعقد مثل هذا الموضوع بسبب الأيدي الشريرة التي تحاول تشبيه المعجزة بالسحر بهدف زرع الشكوك في قلوب بعض الضعفاء، فلو لم يوجِّه المعاندون تهمهم الباطلة نحو المعجزة لما كان هناك حاجة لعقد هذا البحث من الأساس، ولكنهم عندما أشاروا إلى المعجزة بإصبع الإتهام أصبح لازماً علينا توضيح الأمر حذراً من أن تجرف تلك الأوهام بعض المؤمنين الذين لم يمكّنوا أنفسهم بسلاح العلم.
فلو لم يُتهم الأنبياء بالسحر لما اضطررنا إلى بيان الفرق بين السحر والمعجزة لأن الكفار والمعاندين قد أسسوا تلك الفكرة في عقول الناس بسبب وجود مشابهة ظاهرية بينهما، مع العلم أن السحر والمعجزة لا يشبه بعضهما بعضاً، ولكن الوهم قد لعب دوره بفعل أهل الضلال الذين صوروهما للناس أمراً واحداً.
والسبب في توجيه هذا الإتهام للمعجزة هو أن المعاندين رأوا نافذة على المعجزة واستطاعوا أن يتسللوا من خلالها إلى عقول البعض منا، وكانت تلك النافذة هي السحر الذي اعتاد الناس عليه من قبل فأصبح من الممكن لأصحاب الأغراض السيئة أن يزرعوا في عقول الناس تلك الفكرة التي لو بحثنا عنها قليلاً لما وجدنا لها واقعاً في عالم المعجزات كما أشرنا.
والنتيجة هي أن الساحر كاذب والنبي صادق، والسحر خيال، والمعجزة واقع.
دَوْرُ المُعْجِزَةِ فِيْ تَبْلِيْغِ الدَّعْوَة
لا يمكن لعاقل أن يشك في الدور الكبير الذي تلعبه المعجزة في عملية تبليغ الرسالات السماوية وإثبات صدق ما بُعث به الأنبياء من الكتب والشرائع، وكأن الله سبحانه وتعالى قد حسم الموقف بالمعجزات حيث لا يمكن للمتمتع بالقوة العقلية أن ينكرها إلا إذا كان معانداً فعند ذلك لا تنفعه المعجزة ولا غيرها من أساليب الإقناع لأنه لا يريد أن يؤمن، وهناك فرق كبير بين من لا يعرف ومن لا يريد أن يعرف.
فلو دققنا في حقيقة أمر من استمر على الكفر بعد أن رأى المعجزات لوجدناه معانداً.
إن الذين وقفوا في وجه الأنبياء وعرقلوا مسيرة الإيمان هم المعاندون الذين وجّهوا الإتهامات الباطلة لأنبياء الله ووضعوا في طرقهم العثرات والعراقيل، واتهموهم بالكذب مرة وبالسحر مرة أخرى من أجل إبعاد الناس عنهم حيث لم يكن من مصلحتهم أن يؤمن الناس بالله الواحد.
كانوا يستفيدون من كفر الناس ببيعهم الأصنام وأخذ الربا منهم والإتجار بأنواع كثيرة من المحرمات.
إن دور المعجزة في إثبات الحق كبير، يمكن لنا أن نثبت ذلك من خلال عجز البشر عن مواجهتها وإذعان كثير من الناس بها.
ثم إن الإقدام على قتل الأنبياء لَدليل قاطع على أهمية المعجزة لأنهم لو قدروا على الوقوف بوجهها لفعلوا ذلك، ولكنهم عندما عجزوا عن تكذيب الأنبياء وإنكار المعجزات عمدوا إلى قتلهم لظنهم بأن ذلك هو الطريقة الوحيدة للقضاء على ما زرعه الأنبياء في قلوب الناس وعقولهم.
وهذا ما يكشف لنا عن كون الإعجاز أكبر سلاح امتلكه الأنبياء، ولولاه لما أثمرت جهودهم.
سَبَبُ حُدُوْثِ المُعْجِزَة
ومن جملة الحقائق التي ينبغي كشفها حول المعجزة هو سبب حصول المعجزة، فإن الأنبياء لم يبادروا إلى المعجزة إلا بعد أن طلب الناس منهم ذلك، فهي تحصل بناءاً على طلب الناس.
وكانوا يعلّقون إيمانهم بالله على حصول معجزة معيّنة، ولكنهم كانوا في الغالب يصرون على كفرهم وعنادهم مع العلم بأن المعجزة حدثت نزولاً عند رغبتهم، كما صنع قوم صالح عندما طلبوا منه القيام بمعجزة تُثبت لهم صدق نبوته فأتى بمعجزة الناقة التي حدثنا عنها القرآن الكريم في أكثر من سورة وكانت النتيجة أنهم عقروها تحدياً منهم لرب العالمين الذي أنزل عليهم العذاب وجعلهم عبر للناس.
ومن الطبيعي أن يطلب الناس الإعجاز من أي شخص يأتيهم بشريعة، فغير الأنبياء سقطوا، أما الأنبياء فقد صمدوا واستمروا وبلغوا الرسالة، وكان للمعجزة دور بالغ الأهمية في إحقاق الحق.
الإِعْجَازُ عَلامَةٌ عَلَى النُّبُوَّة
من حق كل إنسان أن يطلب البرهان على أية دعوة تصدر من أي شخص مهما كان مستواه الديني والإجتماعي والأخلاقي بين الناس، ومهما كان تاريخه حافلاً بالمواقف الصادقة.
نعم.. قد ينفع هذا التاريخ كثيراً فيما لو أتى بالدليل القاطع على صدق دعواه، أما إذا لم يأت بالدليل فليس من واجب الناس أن يصدقوه أو يؤمنوا به لمجرد اجتماع تلك الصفات فيه، وهذا ضرْبٌ من ضروب النظام الحكيم المجعول لوظيفة النبوة
بل من الغباء أن ينجرف المرء وراء الوهم والهوى لمجرد أن صاحب هذه الدعوة أو تلك رجل جيد، والأشد غباءاً من ذلك هو أن ينكر المرء الدليل القاطع.
وبعد ذكر هذه المقدمة يمكننا القول بأنه ليس من واجب الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بعد إقامة الدليل، ولا يمكن أن يكون الرجل نبياً إلا إذا قام بالمعجزة على اختلاف أنواعها لأنها الدليل الوحيد على كون الداعي نبياً، وبغير المعجزة لا تقوم الحجة على البشر.
فلقد كان كلما بُعث نبي إلى قوم من الناس سألوه عن الدليل، بغض النظر عن العناد الذي قد يصدر من البعض بعد إقامة الحجة، نحن نبين هنا المطلب الطبيعي لكل إنسان تصله الدعوة.
ويمكن القول بأن جميع الناس الذين عاصروا الأنبياء قد طلبوا مثل ذلك، فمنهم من آمن، ومن الطبيعي أن يؤمن الإنسان بعد المعجزة، ومنهم من أصر على الكفر لأنه لا يريد أن يؤمن.
الأَدْوَارُ التِي يَلْعَبُهَا الإِعْجَازُ
لقد حصر بعضهم مهمة المعجزة في موضوع كونها دليلاً على صدق الداعي، وقد بيّنا ذلك، وقلنا بأن المعجزة دليل على صدق ما أتى به الأنبياء.
ولكننا نقول: لا ينبغي حصر دورها في هذا الموضوع فقط، وذلك لإمكان انحلال هذا الدور إلى أكثر من واحد:
الدور الأول: وهو الموضوع المتفق عليه بين الجميع، فلا يمكن لأحد أن ينكر هذا الدور لها.
الدور الثاني: وهو أن المعجزة قطعت الطريق أمام المغرضين الذين ادعوا النبوة لأنفسهم ولم يأتوا بالمعجزات، كمسيلمة الكذاب الذي نُعت بذلك لأنه لم يأت بالمعجزة، فلو أتى بها لكان نبياً، ولكنه وُصف بالكذاب حيث لم يأت بالدليل المطلوب من كل نبي يرسله الله إلى مجموعة من الناس.
فلو لم تكن المعجزة علامة على النبوة لإدعى النبوة في اليوم الواحد ألف شخص، وقد حصل هذا الإدعاء من البعض في عصرنا فأصبحوا موضع سخرية عند الناس.
ولو أننا دققنا قليلاً في حقيقة استهزاء الناس لهؤلاء لوجدنا أن سببه عدم وجود المعجزة، وكأنه أصبح هذا الأمر من المسلمات لدى جميع البشر من مسلمين وغير مسلمين.
الدور الثالث: وهو أن المعجزة مصدرٌ للعبرة والموعظة والتذكير بالله عز وجل.
وعلى فرض أن أحداً ادعى النبوة ولم يأت بالدليل، وكان في الواقع نبياً، ولم نؤمن به، لم نكن مطالَبين بشيء يوم القيامة لأنه لم يأت بالبرهان، وهذا من الفروض المستحيلة لأنه لم يبعث الله نبياً من دون دليل.
الدور الرابع: وهو بيان القدرة الإلهية المطلقة، وكأن لسان حال المعجزة يقول: إن الذي خلق هذه المعجزة هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهو الذي سوف يبعثكم أحياء في يوم القيامة.
مُوَافَقَةُ المُعْجِزَةِ لأرْقَى فُنُوْنِ عَصْرِهَا
لكي تكون المعجزة ذات أثر فعّال أمام إنكار أهل الضلال لا بد أن تفوق أرقى فنون عصرها وعصرهم فإن ذلك يساعد كثيراً في عملية إثبات صدق الأنبياء بشكل أسرع.
وقد توقع الأنبياء(ع) حدوث مواجهات مع الأطراف الضالة الذين سوف يدَّعُون تَفَوُّقهم على الأنبياء في فنونهم وتجاراتهم وصناعاتهم ليثبتوا بذلك ضعف الأنبياء.
لقد ظنوا ذلك لجهلهم بما أتى به الأنبياء من المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة والتي لم يعرف الناس غيرها، فأتوا بالمعجزات لتكون حجة على المعاندين.
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يُقطع الطريق أمام المغرضين المستفيدين من بقاء الناس على الضلال والمستفيدين أيضاً من انحراف المؤمنين عن الحق فأجرى الله تعالى على أيدي أنبيائه معجزات فاقت أرقى فنون عصورها بحيث لم يكن لأحد أن ينكر صحة الأمر أو يواجهه مهما كان ذال مال وجاه وسلطة لأن المعجزة تشكل قوة غير عادية فلا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة.
ففي زمن كليم الله موسى(ع) اشتهر السحر الذي كان يعتبر الفن الأرقى والسلاح الأقوى في وجه أي خطر يهددهم، ولهذا السبب استعان فرعون بالسحرة رغم كثرة جنوده وقوته العسكرية، فأجرى الله تعالى على يد كليمه معجزة أشبهت السحر بظاهرها، ولكنها في الواقع تباينه وتغايره، فهي شيء، والسحر شيء آخر، ولذا فقد خضع السحرة لموسى بعد أن رأوا معجزته التي لم تكن سحراً، إذ لو كانت كذلك لما سجدوا لموسى وهم أعلم أهل زمانهم بهذا الفن.
وفي زمن روح الله عيسى(ع) اشتهر الطب فأجرى الله سبحانه على يديه معجزات فاقت أرقى مستويات هذا العلم مما كشف للناس عن حقيقة ما جاء به لأن الطب عاجز عن القيام بذلك.
وفي زمن حبيب الله محمد(ص) اشتهرت البلاغة والفصاحة فأتاهم بالقرآن الكريم الذي أعجز أهل البلاغة ببلاغته وأخرس ألسنة الفصاحة بفصاحته وقهر أهل الفكر بعمق معانيه.
ولقد كان لمشابهة المعجزة فنون عصرها أثر كبير على قلوب الناس الذين آمن منهم كثير لما رأوا ما عجز أعظمهم عن القيام بمثله.
ولا نعني بذلك ضرورة مشابهة المعجزة لفنون عصرها إذ قد تكون أجنبية عن ذلك كشق البحر وإخراج الناقة من الجبل، وهذه مصلحة يحددها الله تعالى.
الهَدَفُ مِنْ إِنْكَارِ المُعْجِزَات
لا يوجد هدف منطقي يدعو إلى رفض المعجزة وإنكارها، وإنما يوجد خلفيات سيئة نشأت بسبب أطماع أهل الكفر والعناد الذين جعلوا لكل قائم مائلاً ولكل حق باطلا.
ولا نعني بتلك الخلفيات ما هو خاص بالمعجزات فقط لأنه يوجد خلف كل إنكار للحق خلفية مثلها، وإنما خصصنا ذكر المعجزة هنا لكونها موضع كلامنا.
ولو تركنا الحكم هنا لأهل العقول المجردة عن كل عقيدة لحكموا على هؤلاء المنكرين بالخطأ والعقاب، وذلك لعدم وجود مبرر عقلي لهذا الإنكار الذي دلت القرائن والتصاريح على حقيقة خلفياته السيئة التي لا يراد منها سوى العناد الغير مبرَّر.
ولم تكن تلك الخلفيات موجودة في مجموعة دون أخرى أو في أمة دون أمة، بل كانت مسألة عامة لدى جميع الأمم عبر الزمن لأن سبب إنكار معجزات إبراهيم(ع) هو نفسه سبب إنكار معجزات موسى وعيسى وجميع الأنبياء قبلهم وبعدهم.
والقاسم المشترك بين جميع المنكرين هو الحفاظ على مواقعهم عند أقوامهم.
وإننا نعني بتلك المواقع المواقع السياسية والعسكرية والإقتصادية التي قام أكثرها على كفر الناس وانحرافهم.
فليس من مصلحة بائع الأوثان أن يؤمن الناس بإله واحد لأن هذا يعني وقف تجاراته القائمة على ثبات العقائد الباطلة واستمرارها، وهم على علم بعدم استحقاق الأوثان للعبادة، ولكن ليس من مصلحتهم أن يستغنوا عن تلك المعتقدات.
فمَنْ منّا يجزم بأن آزر كان مقتعاً بربوبية الأصنام؟ إن الشيء الذي اقتنع به هذا الرجل وأمثاله هو التجارة وكسب المال مهما كان طريق كسبه لأنهم لاحظوا النتيجة ولم يلاحظوا الوسيلة.
وليس من مصلحة بائع الخمر أن يَصدر حكم بتحريم شربه، وكذا الحال عند جميع أصحاب التجارات القائمة على الإنحراف.
ويمكن القول بأن أحداً لم يكن مقتنعاً اقتناعاً تاماً بربوبية الأصنام لأن العقل البشري لو خلي ونفسه لأدرك تلك الحقيقة التي لا يمكن أن تنكر بوجه من الوجوه.
وقد يكون سبب الرفض أمراً آخر، ولكن لا يمكن القول بأن نوعاً من الإنكار قد قام على أسس واضحة ومقبولة.
وهذا هو السبب الذي جعل بعض الناس يقتنعون بما جاء به الأنبياء بشكل سريع، ولعلهم كانوا ينتظرون الظرف المناسب لإعلان البراءة من الأوثان.
وبهذا تظهر لنا خلفيات إنكار المعجزات.
وقد ينكر الإنسان قولاً أو رأياً أو أمراً من الأمور الطبيعية، أما أنه ينكر أمراً خارقاً لنواميس الطبيعة فهذا ما لا يقبل به عقل سليم ولا يؤيده رأي سديد.
كيف نزل القرآن الكريم
قبل الحديث عن كيفية نزول القرآن الكريم تجدر الإشارة إلى نوعين من الآيات المخبرة عن كيفية نزوله:
النوع الأول: وهي الآيات الواردة بلفظ الإنزال، والإنزال يعني النزول الدفعي، وهناك العديد من الآيات الكريمة التي أوحت بهذا المعنى كقوله تعالى في سورة الأنعام(وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) وفي سورة يوسف(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي سورة إبراهيم(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وفي سورة الإسراء(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وهناك الكثير من الآيات التي تتحدث عن نزول القرآن الكريم بالشكل الدفعي، أي أنه نزل مرة واحدة.
النوع الثاني: وهي الآيات الواردة بلفظ التنزيل، أي أنه نزل بالتدريج مثل قوله تعالى في سورة الإسراء(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) وفي سورة الإنسان(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا)
والمشهور هو أن القرآن الكريم نزل في غضون ثلاثة وعشرين عاماً، وهذا يعني أنه نزل تبعاً للحوادث والوقائع، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نجمع بين النوعين المذكورين؟
وقبل أن آتي إلى الخلاصة أذكر لكم ما أورده العلامة الطبرسي حول كيفية نزول القرآن الكريم
أ ـ إن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك نجوما وهو رأي ابن عباس .
ب ـ إنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة
ج ـ إنه كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ، ثم نزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام وهو رأي إبن عباس
ويمكن لنا أن نستفيد من النوعين المذكورين أن للقرآن الكريم نزولين: أحدهما دفعي على قلب الرسول(ص) وقد تم ذلك في شهر رمضان المبارك في ليلة القدر، وثانيهما تدريجي في خلال ثلاثة وعشرين عاماً حتى يتمكن الناس من فهمه وحفظه وحتى يتناسب مع كونه معجزة، واللافت في الأمر أن بعض الكفار قد اعترضوا على عملية التنزيل طالبين النزول، وها هو القرآن قد نزل مرة واحدة تارة ومرات كثيرة تارة أخرى، والآيات والروايات واضحة الدلالة في هذا المعنى، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الإعتراض من الكفار حيث قال تعالى راداً عليهم(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) وهنا أشار الله تعالى إلى حكمةٍ من عملية التنزيل وهي تسهيل حفظه وفهمه.
وهناك دليل قرآني واضح على كون القرآن الكريم كان موجوداً في صدر النبي(ص) وعقله حيث يقول تعالى(وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) وهذا يعني أن القرآن كان موجوداً كله في قلب النبي(ص) وأنه كان يأتيه الوحي ويأمره بإخراج وإظهار آية أو أكثر بما يتناسب مع الحاجة والواقعة، وقد أكد إبن عباس هذا المعنى بقوله : « إنه أنزل في رمضان ، وفي ليلة القدر ، وفي ليلة مباركة ، جملة واحدة ، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام.
ونتيجة هذا التدرج في النزول هو استيعاب نزول القرآن الكريم لحياة النبي(ص) في الرسالة ، وكانت رسالته قد اتخذت مرحلتين : مرحلة الفترة المكية قبل الهجرة ، ومرحلة الفترة المدنية بعد الهجرة ؛ وفي هذا الضوء اقتضى أن ينقسم القرآن الكريم الى مرحلتين تبعا لمرحلتي الرسالة ، لاستمراره بالنزول فيهما ، وهما المرحلة المكية ، والمرحلة المدنية ، وهو تقسيم روعي فيه النظر إلى الزمان والمكان ، وللباحثين فيه ثلاثة إصطلاحات :
1 ـ أن المكي ما نزل بمكة ، والمدني ما نزل المدينة .
2 ـ أن المكي ما نزل قبل الهجرة ، والمدني ما نزل بعد الهجرة .
3 ـ أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة ، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة (1) .
ولكل من هذه الاصطلاحات مبررها التأريخي ، فالقول الأول ينظر إلى مكان النزول دون الالتفات إلى حدث الهجرة ، فالمكي ما نزل في مكة وإن كان بعد الهجرة ، والمدني ما نزل بالمدينة لا خارج حدودها ، فالمكان جزء من التأريخ في عملية التحديد .
والقول الثاني ، وهو المشهور ، ينظر إلى الزمان من خلال حدث الهجرة ، والزمان جزء من التاريخ ، وإن لم يكن التأريخ بعينه ، فما نزل قبل الهجرة فمكي ، وما نزل بعد الهجرة فمدني .
والقول الثالث ، ينظر إلى الأشخاص ، فما وقع خطابا لأهل مكة فهو مكي بحكم من نزل بين ظهرانيهم ، وما وقع خطابا لأهل المدينة فهو مدني بلمح من نزل فيهم ، والأشخاص عنصر التأريخ ومادته الأولى .
إلا أن المشهور بين العلماء والمفسرين ، وهو الرأي الثاني لاعتبار الهجرة هي الحدث الفصل في تأريخ الرسالة الإسلامية ، فالمكي ما نزل قبلها ، وإن خوطب به أهل المدينة ، وإن نزل حواليها كالمنزل بمنى وعرفات والجحفة مثلا ، أو خارجها كالمنزل في الطائف أو بيت المقدس ، بل وإن كان حكمه مدنيا.
والمدني ما نزل بعد الهجرة ، وإن خوطب به أهل مكة ، وإن نزل حواليها كالمنزل ببدر وأحد وسلع مثلا ، أو خارجها كالمنزل في الحديبية أو في مكة في حجة الوداع ، بل وإن كان حكمه مكيا .
والحق أن علمائنا القدامى قد عنوا في هذا الجانب عناية فائقة ، تتناسب مع جلال القرآن وعظمته ، واعتبروا علم نزول القرآن زمانيا ومكانيا من أشرف علوم القرآن ، حتى ذهبوا إلى أن من لم يعرف مواطن النزول وأماكنه وأزمنته ، ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله .
قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري ( ت : 406 هـ ) :
« من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء ، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك ، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني ، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي ، وما نزل بمكة من أهل المدينة ، وما نزل بالمدينة من أهل مكة ، ثم ما يشبه نزول المكي في المدني ، وما يشبه نزول المدني في المكي ، ما ثم ما نزل بالجحفة ، وما نزل ببيت المقدس ، وما نزل بالطائف ، وما نزل بالحديبية ، ثم ما نزل ليلا ، وما نزل نهارا ، وما نزل مشيعا ، وما نزل مفردا ، ثم الآيات المدنيات في السور المكية ، والآيات المكية في السور المدنية ، ثم ما حمل من مكة إلى المدينة ، وما حمل من المدينة إلى مكة ، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة ، ثم ما نزل مفسرا ، وما نزل مرموزا ، ثم ما اختلفوا فيه:
وقد استأنس العلماء والمحققون بعلائم وإمارات وخصائص ، تتميز بها كل من السور المكية والمدنية ، ففرقوا بينها على أساس هذا الفهم ، والنظر في ذلك كضوابط قابلة للانطباق في أكثر تجاربها ، إلا أنها ليست حتمية ، ولكنها إمارات غالبة ، لتوافر استثناءات في بعضها .
فمن ضوابط معرفة السور المكية أوردوا ما يلي :
1 ـ كل سورة فيها لفظ ( كلا ) فهي مكية .
2 ـ كل سورة فيها « يا أيها الناس » فهي مكية ، والقاعدة ليست عامة ، فهناك عدة سور مدنية فيها « يا أيها الناس » .
3 ـ كل سورة فيها سجدة فهي مكية .
4 ـ كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية فهي مكية سوى البقرة .
5 ـ كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة .
6 ـ كل سورة فيها حروف التهجي فهي مكية ، إلا البقرة وآل عمران ، وفي الرعد خلاف.
ومن ضوابط السور المدنية أوردوا ما يلي :
1 ـ كل سورة فيها « يا أيها الذين آمنوا » فهي مدنية ، وهناك استثناء لسورة الحج .
2 ـ كل سورة فيها تفاصيل الفرائض والسنن والحدود والأحكام والقوانين فهي مدنية .
3 ـ كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ، سوى العنكبوت .
4 ـ كل سورة فيها إذن بالجهاد ، أو ذكر له ، وبيان لأحكامه ، فهي مدنية .
5 ـ كل سورة فيها محاججة لأهل الكتاب ، ومجادلة لهم ، فهي مدنية.
والحق أن هذه الضوابط يمكن اعتبارها ضوابط استقرائية للأعم الأغلب فيما وقف عليه العلماء من كتاب الله ، وقد يضاف إليها بعض الضوابط الأخرى ناظرة في الأسلوب أو العرض أو الموضوع ، أو القصر أو الطول ، أو الشدة أو اللين ، يستضاء بها ويسترشد إلى تمييز المكي من المدني وبالعكس .
قال الزركشي:
« أول ما نزل من القرآن بمكة : ( إقرأ باسم ربك ) ، ثم ( ن والقلم ) ، ثم ( يا أيها المزمل ) ، ثم ( يا أيها المدثر ) ، ثم ( تبت يدا أبي لهب ) ثم ( إذا الشمس كورت ) ، ثم ( سبح إسم ربك الأعلى ) ، ثم ( والليل إذا يغشى ) ، ثم ( والفجر ) ، ثم ( والضحى ) ، ثم ( ألم نشرح ) ، ثم ( والعصر ) ، ثم ( والعاديات ) ، ثم ( إنا أعطيناك الكوثر ) ، ثم ( ألهاكم التكاثر ) ، ثم ( أرأيت الذي ) ، ثم ( قل يا أيها الكافرون ) ، ثم ( سورة الفيل ) ، ثم ( الفلق ) ، ثم ( الناس ) ، ثم ( قل هو الله أحد ) ، ثم ( والنجم إذا هوى ) ، ثم ( عبس وتولى ) ، ثم ( إنا أنزلناه ) ، ثم ( والشمس وضحاها ) ، ثم ( والسماء ذات البروج ) ، ثم ( والتين والزيتون ) ، ثم ( لإيلاف قريش ) ، ثم ( القارعة ) ، ثم ( لا اقسم بيوم القيامة ) ، ثم ( الهمزة ) ، ثم ( المرسلات ) ، ثم ( ق والقرآن ) ، ثم ( لا أقسم بهذا البلد ) ، ثم ( الطارق ) ، ثم ( اقتربت الساعة ) ، ثم ( ص والقرآن ) ، ثم ( الأعراف ) ، ثم ( الجن ) ، ثم ( يس ) ، ثم ( الفرقان ) ، ثم ( الملائكة ) ، ثم ( مريم ) ، ثم ( طه ) ، ثم ( الواقعة ) ، ثم ( الشعراء ) ، ثم ( النمل ) ، ثم ( القصص ) ، ثم ( بني إسرائيل ) ، ثم ( يونس ) ، ثم ( هود ) ، ثم ( يوسف ) ، ثم ( الحجر ) ، ثم ( الأنعام) ، ثم ( الصافات ) ثم ( لقمان ) ، ثم ( سبأ ) ، ثم ( الزمر ) ، ثم ( حم . المؤمن ) ، ثم ( حم . السجدة ) ، ثم ( حم . عسق ) ، ثم ( حم . الزخرف ) ، ثم ( حم . الدخان ) ، ثم ( حم . الجاثية ) ، ثم ( حم . الأحقاف ) ، ثم ( الذاريات ) ، ثم ( الغاشية ) ، ثم ( الكهف ) ، ثم ( النحل ) ، ثم ( نوح ) ، ثم ( إبراهيم ) ، ثم ( الأنبياء ) ، ثم ( الانبياء ) ، ثم ( المؤمنون ) ، ثم ( آلم . تنزيل ) ، ثم ( والطور ) ، ثم ( الملك ) ، ثم ( سأل سائل ) ، ثم ( عم يتساءلون ) ، ثم ( والنازعات ) ، ثم ( إذا السماء انفطرت ) ، ثم ( إذا السماء انشقت ) ، ثم الروم .
واختلفوا في آخر ما نزل بمكة ، فقال ابن عباس : ( العنكبوت ) . وقال الضحاك وعطاء : ( المؤمنون ) ، وقال مجاهد ( ويل للمطففين ) .
فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة ، وعليه استقرت الرواية من الثقات ، وهي خمس وثمانون سورة .
ثم ذكر ترتيب ما نزل بالمدينة ، وهو تسع وعشرون سورة :
فأول ما نزل فيها : سورة ( البقرة ) ، ثم ( الأنفال ) ، ثم ( آل عمران ) ، ثم ( الأحزاب ) ، ثم ( الممتحنة ) ، ثم ( النساء ) ، ثم ( وإذا زلزلت ) ، ثم ( الحديد ) ، ثم ( محمد ) ، ثم ( الرعد ) ، ثم ( الرحمن ) ، ثم ( هل أتى ) ، ثم ( الطلاق ) ، ثم ( لم يكن ) ، ثم ( الحشر ) ، ثم ( إذا جاء نصر الله ) ، ثم ( النور ) ، ثم ( الحج ) ، ثم ( المنافقون ) ، ثم ( المجادلة ) ، ثم ( الحجرات ) ، ثم ( يا أيها النبي لم تحرم ) ، ثم ( الصف ) ، ثم ( الجمعة ) ، ثم ( التغابن ) ، ثم ( الفتح ) ، ثم ( التوبة ) ، ثم ( المائدة ) .
ومنهم من يقدم المائدة على التوبة .
فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة . وأما ما اختلفوا فيه : ففاتحة الكتاب ، فقال ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء إنها مكية ، وقال مجاهد أنها مدنية .
واختلفوا في ( ويل للمطففين ) فقال ابن عباس : مدنية ، وقال عطاء : هي آخر ما نزل بمكة .
فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة ، وجميع ما نزل بالمدينة تسع وعشرون سورة على اختلاف الروايات.
أسباب نزول الآيات
تنقسم الآيات القرآنية – من حيث سبب النزول – إلى قسمين :
القسم الأول: وهو ما نزل ابتداءً من غير سبق سبب نزول خاص:
القسم الثاني: وهو ما نزل مرتبطاً بسبب من الأسباب الخاصة التي نزلت الآية من أجله:
وسبب النزول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبيّنة لحكمه أيام وقوعه .
توضيح ذلك: أنه اذا وقعت حادثة ما أو وُجِّهَ سؤال الى النبي صلى الله عليه واله وسلم، فينزل الوحي بتبيان ما يتصل بهذه الحادثة أو بجواب هذا السؤال مثال ذلك: حادثة (خولة بنت ثعلبة) التي ظاهر منها زوجها (أوس بن الصامت) فنزلت بسببها آيات الظهار في سورة المجادلة
وما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل عقبها قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكـُمْ بَعْـدَ إِيمَانِـكُمْ كَافِرِينَ )
طريق معرفة سبب النزول
لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلاّ النقل الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل البيت عليهم السلام أو الصحابة الذين شاهدوا قرائن الأصول وتتبعوا مسيرة الوحي من بدايته إلى نهايته ولا مجال للعقل فيه إلاّ بالتمحيص والترجيح، قال الواحدي في كتاب أسباب النزول :لا يحل القول في أسباب نزول القرآن إلاّ بالرواية والسماع، ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطلب
ولمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة، منها :
أولاً : الاستعانة على فهم الآية، وإزالة الاشكال عنها:
ثانياً : إنها تعين على فهم الحكمة التي يشتمل عليها التشريع:
ثالثاً : معرفة اسم من نزلت فيه الآية، وتعيين المبهم فيها:
رابعاً : تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فعند هؤلاء ما لم يعرف السبب لا يمكن معرفة المقصود بالحكم فتبقى الآية معطلةخالية من الفائدة .
خامساً : تثبيت الوحي، وتيسير الحفظ والفهم، وتأكيد الحكم في ذهن من يسمع الآية إذا عرف سببها:
جمع القرآن الكريم
لقد اختلف المسلمون في مسألة جمع القرآن الكريم على غرار خلافاتهم في بعض المسائل الهامة وغير الهامة، وقد ثبت بالدليل أن مسألة جمع القرآن لا تكون بيد البشر أو بحسب أذواقهم إذ لا يُعقل أن يرجئ الله تعالى أمر معجزته الخالدة إلى البشر الخطّائين.
إن مسألة جمع القرآن الكريم قد تمّت بوحي من الله تعالى بدءاً من تسمية السور ووصولاً إلى ترتيبها وتركيب آياتها، فلقد كان الوحي ينقل الآيات إلى الرسول(ص)(سواء كانت تنزل عليه نجوماً أو كان يُخرجها من صدره الذي حوى القرآن منذ مبعثه) وكان النبي(ص) بدوره يأمر علي بن أبي طالب(ع) بأن يضع هذه الآية أو تلك في سورة كذا وفي سطر كذا.
أما الأقاويل حول أنّ جمع القرآن تم على يد الخليفة الثاني أو الثالث فهذا أمرٌ غير ثابت إذ ما كان لبشرٍ أن يتدخّل في مثل هذا الأمر الإعجازي الذي اعتبره الله تعالى من أهم المعجزات التي أجراها على أيدي أنبيائه عبر التاريخ.
والحقيقة التاريخية الثابتة هي أنّ الخليفة الثاني جمع ما استطاع من الكلام، ولا أقول من القرآن، من صدور الرجال وجمعه من دون تدقيق ومراقبة فدخل من خلاله الخلط والهرج والمرج على كتاب الله تعالى إلى أتى الثالث فأحرقها جميعاً، وأُمر بأن ينسخ المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) على أيدي المؤمنين الثقات ووُزّعت تلك النسخ على عدة من المدن الكبرى.
إلى هنا وتنتهي هذه النبذة اليسيرة حول بضع مفاهيم، بل حول غيض من فيض هذه المعجزة الدائمة، بيد أن كل عنوان طرحناه يحتاج إلى بحثٍ مطول لنفيه جزءاً من حقه.
والحمد لله رب العالمين



