كتُب

النَّهْجُ القَوِيْمُ فِيْ تَفْسِيْرِ القُرْآن الكَرِيْم

الفاتحة والبقرة

 

النَّهْجُ القَوِيْمُ فِيْ تَفْسِيْرِ القُرْآن الكَرِيْم

 

الفَاتِحَةُ وَالبَقَرَةُ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد بن عبد الله وآله الطاهرين وصحبه الكرام المنتجبين، وبعد:
لقد أطلقت على هذا الكتاب إسم(النهج القويم) لأن القرآن الكريم هو النهج القويم الذي لا اعوجاج فيه ولا خلل ولا نقص ولا أي عيب آخر، ولا أعني بإطلاق هذا الإسم أن غيره من التفاسير لا يحمل المعنى ذاته، بل إن جميع تفاسير مفسري الإسلام الكرام هي نهج قويم للدين والحياة، وعليه يكون إطلاق هذا الإسم حصل من باب تمييز الكتاب عن غيره ليس أكثر.
وقد اعتمدت في هذا التفسير أوضح أسلوب وأسرع طريقة لفهم معاني الآيات الكريمة معتمداً الإختصار مع الحفاظ على المضمون، والسبب هو أن أكثر التفاسير الموجودة بين أيدينا لا تصلح إلا لفئة معيّنة من الناس، والمطلوب هو إيصال معاني القرآن الكريم إلى الجميع من دون استثناء.
وعليه فإن كل مفسر يلعب دوراً خاصاً في مجال البيان، فمنهم من استعمل الطريقة الفلسفية القديمة، ومنهم من استعمل الطريقة الفلسفية الحديثة، ومنهم من أطال الشرح، ومنهم من اعتمد الإختصار، وكان لكل واحد منهم أسلوبه الخاص في طريقة البيان والشرح، ولا شك بأن الناس تحتاج إلى جميع تلك الطرق، ولهذا لم يكن من المنطقي استعمال طريقة واحدة في تفسيره، وهذا التنوع في طرق التفسير أعان على إيصال المراد إلى أذهان الجميع كلٌ بحسب فهمه، فلم يُحرم طالب المعرفة من التعرف على كل ما يريد معرفته، ولم يُظلم الناس العاديون الذين لا يطيقون الإطالة ولا يفهمون تلك الطرق الفلسفية المعقدة والأساليب المعمقة.
والنتيجة هي أنه لا يمكن إنكار فضل أي مفسر للقرآن مهما كانت طريقته خاصة، ولا شك بأن ليد القدرة مدخلية في هذا التنوع لأنه يعين على إلقاء الحجة على الجميع، ويبيّن لنا عظمة القرآن الكريم الذي كان وما زال وسيبقى أعظم معجزة في هذا الوجود.
وبعد اطلاعي على مجموعة كبيرة من التفاسير رأيت أنه من المناسب أن أفسر القرآن الكريم بطريقة واضحة جداً وسهلة للغاية لتكون الحجة أبلغ، ونكون قد قمنا بالواجب المطلوب منا كما يرضى الله ورسوله، وأسأل الله العلي القدير أن يثبّت قلمي وفكري وأن ينير عقلي كيلا أقع في فخ التقصير وشباك الإبهام فيكون سعيي ناقصاً وعملي كمن ينقل الماء بالغربال إنه سميع مجيب.

علي فقيه
2012

 

القُرْآنُ الكَرِيْمُ

 

يتألف القرآن المجيد من مئة وأربعة عشرة سورة، منها ما نزل على النبي(ص) في مكة، ومنها ما نزل عليه في المدينة، ولهذا صُنّفت سوره وآياته إلى مكية ومدنية.
وقد اعتنى المسلمون بأدق تفاصيله فأحصوا عدد آياته وكلماته وحروفه، وقد اختلفوا في عدد آياته لأسباب لا مكان لذكرها هنا.
فكان عدد آياته 6204 وقيل 6236، وعدد كلماته 77.439، وعدد حروفه 320.015.
وأما أجزاؤه فثلاثون، وأحزابه ستون، وفيه المحكَم والمتشابَه، والناسخ والمنسوخ، وفيه من العجائب والأسرار ما لا يُعد ولا يُحصى.
وهو الكتاب الذي ختم الله تعالى به شرائعه السماوية، والمنزَل على قلب خاتم الأنبياء(ص) في ليلةٍ مبارَكة فيها يُفرق كل أمرٍ حكيم، وهو المعجزة الكبرى التي اتسمت بالدوام، وما زال مفعولها قائماً وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة.
وهو المعجزة بعمومياته وخصوصياته وتراكيبه ومعانيه وجميع حيثياته.
وهو الكتاب الذي فيه نبأ مَن كان قبلنا وخبر ما يكون بعدنا، وهو الدستور السماوي الذي امتاز عن باقي الكتب السماوية قبله بمميزات لو أردنا بيانها لاحتجنا إلى العديد من المجلدات بسبب كثرتها.
ولكننا مهما اجتهدنا في وصفه وبيان فضله والإفصاح عن علو شأنه نبقى قاصرين عن بلوغ المرام، ولذا ينبغي الإكتفاء بوصف الله لكتابه وحديث النبي وآله عنه.
فلقد وصفه رب العالمين بأوصاف كثيرة، منها: قوله سبحانه(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
ومنها:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)
ومنها:( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)
وهناك عشرات الآية الواصفة للقرآن الكريم.
وأما الكلام الذي وصف به النبي(ص) كتاب ربه فكثير أيضاً، منه قوله:
عَنِ الْحَارِثِ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ ، قَالَ : فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَمَا تَرَى النَّاسَ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ ؟ قَالَ : فَقَالَ : فَقَدْ فَعَلُوهَا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص) يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ
وقوله(ص):وكتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل الذِى ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى فِى غيره أضله الله تعالى ، وهو حبل الله المتين , وهو الذكر الحكيم , وهو الصراط المستقيم , وهو الذِى لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضِى عجائبه:
وفي صفة القرآن قال أمير المؤمنين علي(ع): وَتَعَلَّمُوا الْقرْآن فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ:
وقال(ع): وَإِنَّ الْقُرآنَ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لاَ تَفْنَى عَجَائِبُهُ، وَلاَتَنْقَضِي غَرَائِبُهُ، وَلاَ تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إلاَّ بِهِ:

سُوْرَةُ الفَاتِحَة

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(3) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(7)

هي سورة الفاتحة، وتسمى الحمد، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وهي عِدل القرآن الكريم الذي دل على هذه الحقيقة بقوله(وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) وهي التي تجب قراءتها في الصلاة دون غيرها، وهي التي قيل فيها: لو تُليت على ميت وولجته الروح لما كان ذلك عجباً: وهي التي جاء الحديث القدسي مبيناً فضلها حيث قال الله سبحانه: : لقد قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي:
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1)
البسملة آية من كل سورة إلا سورة التوبة لعدم مناسبة مطلعها مع الرحمانية والرحيمية، ومعناها أن قائلها يبدأ فعله أو قوله أو أي شيء بإسم الله تبارك وتعالى الذي وصف نفسه فيها بصفتين عظيمتين هما الرحمن والرحيم، ولفظ الجلالة إسم دال على الذات الإلهية ولا يشاركه في هذا الإسم غيره.
والرحمن إسم خاص بصفة عامة، والرحيم إسم عام بصفة خاصة، والرحمن للدنيا والآخرة، والرحيم للآخرة فقط، والرحمن بالمخلوقين كلهم، والرحيم بأهل الإيمان دون غيرهم، والله سبحانه يعطي الجميع في الحياة الدنيا ويرزقهم ويتحنن عليهم، أما في يوم القيامة فلن يرحم سوى من رحم نفسه في دار الدنيا وأطاع ربه حق الطاعة.
الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)
الحمد نوع من الثناء، بل هو أعم من الشكر والثناء، والمؤمن يحمد ربه الذي هو رب العالمين أجمعين، فيثني عليه ويشكره بأكثر من عبارة.
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(3)
ثم أكد الله تعالى على كونه رحماناً رحيماً حيث كرر ذكرهما في الآية الثانية من هذه السورة.
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)
الله تعالى مالك(ومَلِك) يوم القيامة الذي عبّر عنه بيوم الدين، بل هو سبحانه المالك الحقيقي لكل موجود.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
يعلمنا الله سبحانه كيف نعترف له بالعبودية، وكيف يجب أن تكون محصورة به وحده، فمن أشرك بعبادته أحداً غيره فهو مشرك بالله مستحق للعذاب الخالد، وكذا الإستعانة التي يجب أن تكون بالله دون غيره، وتقديم المفعول به على الفعل في هذه الآية دال على الحصر.
اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ(6)
بما أنك يا رب أنت الرحمن الرحيم وأنت مالك يوم الدين وكل شيء فنسألك أن ترشدنا إلى الطريق الصحيح المستقيم الذي ينتهي بالفوز والرحمة والرضوان.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(7)
نسألك أن تهدينا سبيل المؤمنين الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان بك وبصفاتك وجنتك ونارك وأنبيائك ورسلك وملائكتك، ولا تهدنا سبيل من غضبت عليهم وأضللتهم من اليهود والنصارى.

 

سُوْرَةُ البَقَرَة

هي سورو مدنية، وهي أطول سورة في القرآن الكريم حيث بلغ عدد آياتها مئتين وستة وثمانين آية، وقد انتُزع اسمها من حدَثٍ بارز ذُكر فيها، وهو حادثة بقرة بني إسرائيل الشهيرة.
وقد اشتملت سورة البقرة على العديد من الأصول والفروع والمفاهيم الكبرى والقضايا الهامة على مستوى العقيدة والفقه والتاريخ.

ألم{البقرة/1}
بهذه الحروف المقطَّعة تبدأ سورة البقرة، وهي من الآيات المتشابهة التي حملت أكثر من وجه للتفسير، وقد افتُتحتْ بمثلها ما يزيد على خمس وعشرين سورة، وكان للمفسرين آراء مختلفة حول معانيها.
فمنهم مَن ذهب إلى كونها أسماءاً للسور، ومنهم من قال إنها من أسماء الله تعالى، ومنهم مَن ردَّ الأمر فيها إلى الله ورسوله، وآخرون قالوا إن لها صلة بموضوع التحدي بالقرآن الذي عجز بلغاء العرب وفصحاؤهم عن مواجهته وتكذيبه، وكأن الله تعالى يريد أن يقول لهم: إن هذا القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بسورة واحدة من مثل سوره إنما هو كلام عربي مركَّب من الحروف التي تركّبون منها كلامكم كالألف واللام والميم والكاف والهاء والياء وغيرها من حروف الهجاء.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{البقرة/2}
على صعيد التلاوة يمكن لنا أن نقرأها بطريقتين: الأولى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ) (فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) والثانية: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ورغم اختلاف تلاوتها بحسب القراءات القرآنية يبقى المعنى منها وفيها مستقيماً.
والكتاب: هو القرآن الكريم الذي لا شك فيه، ولا شك في كونه كلام الله سبحانه وتعالى، والذي فيه طرق الهداية لمن يريد أن يقي نفسه عذاب الله في يوم القيامة، ولم يرِد ذكر المتقين على سبيل حصر نزوله لهم، بل هو للجميع من دون استثناء، ولكن المتقين هم الذين يسيرون بأنواره.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{البقرة/3}
في هذه الآية الكريمة ذكر الله سبحانه ثلاث صفات من صفات أهل التقوى.
الصفة الأولى: هي الإيمان بالغيب: وموارد الغيب كثيرة، منها الملائكة والبرزخ والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وكل ما ينطبق عليه أنه من الغيب الذي يجب الإيمان به.
الصفة الثانية: إقامة الصلاة: ونحن تارة نقول: فلانٌ صلى: وتارة نقول: فلان أقام الصلاة: والعبارة الثانية أدق من العبارة الأولى لأنها تدل على الصلاة التامة والحقيقية والجامعة لكل شرائطها، والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر، أما العبارة الأولى فهي تشمل معنى العبارة الثانية وزيادة لأنها تنطبق على كل صلاة وإن لم تكن جامعة للشرائط، وقد ركّز القرآن الكريم على مؤدى قيام الصلاة، ففي سورة البقرة قال تعالى(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) وفي سورة الأعراف(وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) وفي سورة إبراهيم(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي)
الصفة الثالثة: الإنفاق من الرزق الحلال: فإن الإنفاق من غير الحلال لا يترتب عليه ثواباً بل عقاب، وأهل التقوى ينفقون في سبيل ربهم على نحو الوجوب وعلى نحو الإستحباب، فلا يكتفون من النفقة فيما فُرض عليهم فقط، بل يتبرعون ويتطوعون قدر الإمكان، وقد جعل الله سبحانه هذا السلوك الإيماني الإجتماعي علامة أساسية لأهل الإيمان حيث قال في سورة الذاريات(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) وفي سورة المعارج(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{البقرة/4}
ومن صفات المتقين أنهم يؤمنون بما أُنزل على خاتم النبيين محمد(ص)، وقوله تعالى(بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) حصره بعض المفسرين في النبوّة، ولكنه من المناسب أن تكون العبارة أشمل من ذلك، فهي تشمل القرآن المجيد وجميع ما أوحى الله إلى رسوله من تعاليم وأحكام، فالإيمان بالقرآن دون النبوة لا يكون إيماناً، وكذا العكس، والإيمان بهما مع إنكار غيرهما مما نزل على قلب الرسول مناقض للإيمان بهما.
وكذا يجب الإيمان بما أُنزل من قِبل الله تعالى على الأنبياء(ع) مما أخبرنا به خاتم الأنبياء(ص) وإلا فلا يجب الإيمان بما لم يخبرنا به خاتم النبيين، ولعل الإيمان بما أُنزل من قبل النبي الخاتم مرتبط بما أُنزل إليه لأن إنكار ما أُنزل إليه يعني ضمنياً إنكار ما أُنزل من قبله إذ كيف تؤمن بما أخبرك وتكفر بمن أخبرك، إلا إذا حصرنا المعنى هنا في النبوة فتكون العبارة الأولى(والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) منفصلة عن العبارة الثانية(وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) فهناك مَن يؤمنون بنبوة محمد دون نبوة من سبقه من الأنبياء، وهناك أيضاً من يؤمنون بنبوة من سبقه دون الإيمان بنبوته، والمعنى هو أنه يجب الإيمان بنبوة محمد(ص) ونبوة جميع الأنبياء(ع) الذين أخبرنا النبي الأعظم بنبوتهم، وكذا يجب الإيمان بالقرآن المنزل على قلب محمد، والإيمان بالكتب السماوية الأخرى لأن القرآن أخبرنا عنها.
ومن صفات أهل التقوى أنهم يؤمنون بالآخرة إيماناً كاملاً لا يدخل الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{البقرة/5}
هي إشارة إلى مَن تحلّى بالخصال المذكورة، فهم المهتدون حقاً لأنه لا هدى إلا هدى الله عز وجل، ومن هداه ربه فقد أفلح وفاز فوزاً عظيماً، ولا شك بأن تكرار لفظة(أُوْلَئِكَ) فيها تأكيد على ما يذكره القرآن عنهم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{البقرة/6}
بعد أن ذكر الله صفات المتقين وعاقبتهم أشار إلى ما يدور في خاطر أهل الكفر الذين لا يريدون أن يؤمنوا به وبأنبيائه سواء أنذرهم الرسول وحذّرهم من العذاب أم لم يصنع ذلك فإن النتيجة واحدة وهي أنهم لا يريدون أن يؤمنوا بالله عز وجل مهما بيّن لهم النبي الآيات وأراهم المعجزات لأن بهم داء العناد الذي لا علاج له.

خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ{البقرة/7}
الذين يريدون الهداية هداهم الله ووعدهم الحسنى، أما الذين كفروا فقد ختم الله على قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم لأنهم وضعوا عليها غشاوة بأيديهم ووأظلموها بسبب كفرهم وعنادهم، ولأجل هذا واعدهم ربهم العذاب العظيم بعد أن أنذرهم الأنبياء مراراً ووبخوهم أشد توبيخ، ومن توبيخ الله لهم قوله في سورة الأعراف(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ{البقرة/8}
في البداية ذكر الله المؤمنين وبيّن صفاتهم وأشار إلى عاقبتهم، ثم ثنى بالكلام عن الكفار الذين أعلنوا كفرهم، ثم ثلّث الكلام عن مجموعة من الناس هم أشد خطراً من الكفار العلنيين، وهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر، فلقد ادعى هؤلاء بأنهم مؤمنون بالله وبيوم القيامة، ولكن الله تعالى أظهر لنا نواياهم عندما سلب صفة الإيمان عنهم.

يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ{البقرة/9}
لقد ظن المنافقون بأنهم قادرون على مخادعة الله الذي يعلم السر وأخفى، وعملوا على خداع المؤمنين الذين حذرهم الله من أهل النفاق بعد أن فضح أمرهم، ثم أخبرنا رب العالمين بأن الذي يريد أن يخدع الله عز وجل إنما هو يخدع نفسه وليس الله الذي لا يُخدع، وهؤلاء المنافقون لا يشعرون بسوء العاقبة التي كتبها الله لهم، ورغم ذلك فقد أمر الله رسوله بأن يعاملهم معاملة المسلمين لأنهم مسلمون في الدنيا وكافرون في الآخرة.

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{البقرة/10}
إن أخطر مرض يمكن أن يصيب قلب الإنسان إنما هو الكفر والعناد والحسد وكل ما ليس من الحق والأخلاق، وهؤلاء المنافقون كانوا يحسدون رسول الله(ص) على عظمة شأنه وعلو مقامه، فزاده الله رفعة، وزادهم حسداً فوق حسدهم وأعد لهم عذاباً أليماً لأنهم كانوا يكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم وعلى ربهم، ومن الطبيعي أن تكون نهايتهم عذاباً أليماً.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ{البقرة/11}
كان المنافقون يتجسسون على المسلمين ويفشون أسرارهم عند الأعداء، وكان إذا نهاهم أحد عن تلك الممارسات الضالة كانوا يردون عليه بأنهم أهل إيمان وأهل صلاح.

أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ{البقرة/12}
مهما ادعى المنافقون أنهم أهل صلاح، ومهما حاولوا أن يُبعدوا تهمة الإفساد عن أنفسهم فإنهم هم المفسدون بعينهم وإن لم يشعروا بذلك، وإن عدم شعورهم بأنهم مفسدون لا يشفع لهم عند الله ولا يقدّم لهم عذراً في يوم الحساب، والله تعالى في هذه الآية لا يبرّئهم، بل يوبخهم ويواعدهم العذاب لأنهم في قرارة أنفسهم موقنون بفسادهم ولكنهم لا يقرون بذلك.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ{البقرة/13}
كان بعض العقلاء ينصحون المنافقين بتغيير سياساتهم وتصحيح توجهاتهم وإصلاح نواياهم تجاه الدين وأهله، وكانوا يحثونهم على الإيمان بالله كما آمن به الصلحاء، ولكن المنافقين كانوا يتهمون المؤمنين الحقيقيين بالسفه وقلة العقل، فأخبرنا الله تعالى بأنه لا يوجد سفه أكبر من فساد العقيدة، وبمعنى آخر: لا يوجد خفة عقل كالنفاق، وهؤلاء المنافقون وإن اتهموا المؤمنين الحقيقيين بالسفه فإن اتهامهم هذا لن يغيّر من واقع الأمر شيئاً لا في موازين الدنيا ولا في موازين الآخرة.

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ{البقرة/14}
من السلوكيات القبيحة التي كان يزاولها أهل النفاق أنهم إذا اجتمعوا بالمؤمنين ادعوا أنهم معهم على الإيمان ونصرة الدين، ولكنهم عندما كانوا يختلون برؤسائهم قادة المنافقين كانوا يقولون لهم إننا معكم على كره محمد، ولكننا نستهزئ بالمسلمين ونخدعهم.

اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{البقرة/15}
استهزاء المخلوق غير استهزاء الخالق فإن استهزاء الخالق يعني الإذلال في الدنيا والعذاب في الآخرة، والمنافقون بممارساتهم تلك كانوا يستهزؤون بالنبي وبالمسلمين فأخبرهم الله تعالى بأنهم سوف يستهزئ بهم ولكن بغير أساليبهم بل سوف يلقيهم في العذاب بعد أن يُلبسهم ثوب المذلة في الحياة الدنيا عقاياً لهم على ما قدمت أيديهم من سوء.

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ{البقرة/16}
السبب في خسران المنافقين هو أنهم آثروا الضلال على الهدى والكفر على الإيمان والجهل على المعرفة، فأفسدوا تجارتهم بأيديهم، ولم يقتصر الأمر عندهم على خسارة الربح، بل إنهم خسروا الربح ورأس المال أيضاً، فلقد خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة.

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ{البقرة/17}
يريد الله سبحانه وتعالى أن يكشف لنا عن حقيقة المنافقين أكثر فضرب لنا مثلاً توضيحاً لواقعهم الأسود، فشبّه حالهم بمن يُشعل ناراً ليستضيء بها فتخمد تلك النار ولا ضوء آخر يستنيرون به فيبقون في ظلام دامس لا يرون حولهم شيئاً.

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ{البقرة/18}
من شأن هذا الظلام القلبي أن يجعلهم صماً لا يسمعون شيئاً، وبكماً لا يستطيعون التعبير عن شيء، وعمياً لا يرون الأشياء على حقيقتها، وسوف يبقى المنافقون كذلك، ولن يرجعوا إلى الطبيعة السليمة لأنهم هم الذين اختاروا هذا المصير لأنفسهم.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ{البقرة/19}
ثم ضرب الله عز وجل مثلاً آخر ليوضح لنا واقع النفاق أكثر فشبّههم بالصيِّب، وهو مطر ينزل من السماء فيه ظلام دامس ورعد قاصف وبرق خاطف، والمنافق يضع يده على أذنه خوفاً من الموت نتيجة ذلك الرعد الشديد والبرق القوي، وبمعنى آخر: إن المنافق يعيش في قلق دائم خشية أن يُكشف أمره، ولا ملجأ آمن له.

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/20}
يوجد هنا كناية عن شدة خوف المنافق من شدة البرق الذي قد يذهب بالبصر، فإذا أضاء البرق طريقهم مشوا خطوة أو خطوتين، وإذا أظلم عليهم وقفوا متحيرين لا يعرفون ماذا يفعلون، ولو أراد الله تعالى أن يشدد البرق عليهم لفعل وأظلم عيونهم، وقوّى الرعد وأذهب أسماعهم، فهو على كل شيء قدير، ولكنه تعالى يؤخرهم ليوم الحشر حيث العذاب الأليم.
ومما يكشف لنا واقع أهل النفاق كلام أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة حيث وصفهم بقوله:
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ, الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ، وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ, يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ، قُلوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ، وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُوا الْبَلاَءِ، وَمُقْنِطُوا الرَّجَاءِ، لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ، وَإلى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ، وَلِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ، يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ، إِنْ سَأَلُوا ألْحَفُوا، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا، قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً، وَلِكُلِّ قَائِمٍُ مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً، يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَيُنَفِّقُوا بِهِ أَعْلاَقَهُمْ، يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ، وَيَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ، قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ، وَأَضْلَعُوا الْمَضِيقَ، فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ، وَحُمَةُ النِّيرَانِ (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/21}
بعد أن ذكر الله سبحانه أحوال المؤمنين والكافرين والمنافقين أمر الناس جميعاً بعبادته كما يريد أن يُعبد، وأن تكون عبادة صادقة بعيدة عن الكفر والنفاق لأنه هو ربنا وخالقنا وخالق كل شيء، وهو من له حق الطاعة دون سواه، ويجب أن يعبدوا الله حق عبادته علهم يتقون العذاب بعد الوقاية من العصيان في دار الدنيا، ولعله طلب منهم أن يعبدوه من دون طلب الإيمان هو أن الجميع مؤمنون بوجوده، والدلائل على ذلك لا عداد لها.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاءاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءاً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/22}
بعد أن أمر الناس بعبادته وحده بيّن لهم بعض صفاته وأفعاله لتكون الحجة بالغة عليهم، فلقد بيّن لهم أنه جعل الأرض محلاً للعيش بعد أن مهدها، وخلق فوق الأرض سماءاً جعلها بناءاً من طبقات، وأنزل من جهة العلو ماءاً للشرب والزرع إذ لولا الماء من السماء لما أخرجت الأرض خيراتها، ثم بعد ذلك نهانا عن اتخاذ الأنداد أي الشركاء، وأنتم تعلمون أنه لا يوجد مخلوق من غير خالق.

وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/23}
لقد أنزل الله سبحانه النبوة على عبده محمد(ص)، وأنزل عليه القرآن، فإن كنتم تشكون في نبوة محمد أو في كون القرآن من عند الله فليأت أحدكم أو مجموعكم بسورة من مثل سوره من حيث تراكيبه وأسلوبه إن كنتم صادقين في عدائكم للرسول واتهاماتكم له، أما إن عجزتم عن ذلك فأنتم الكاذبون المفترون وهو الصادق الأمين كما تعرفونه.

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{البقرة/24}
لقد تحداهم القرآن قبل التجربة، وبيّن للرأي العام عجزهم وكذبهم وافتراءهم على الدين وصاحبه، فإن لم تقدروا على الإتيان بمثل القرآن أو بمثل عشر سور أو بمثل سورة واحدة فما عليكم سوى التراجع والإستغفار واتقاء النار التي تتقد بالناس أمثالكم وبالحجارة وبغير ذلك مما سيكون حطباً لجهنم.

وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/25}
بعد أن واعد الله المفترين نار جهنم وجّه خطابه للمؤمنين حيث بشّرهم بأن لهم جنات لا يمكن لأحد أن يصف نعيمها أو يتخيل شكلها، وقد بيّن لنا غحدى الحقائق الخاصة بذلك المكان العظيم وهي أن الله تعالى سوف يطعمهم بطعام يشبه لونه لون ثمار الأرض ولكنه يختلف عنها بالطعم فطعمه في الجنة لا يوصف، وكذلك فإن الله تعالى سوف يمن على المؤمنين في الجنة بأزواج مطهرة من كل عيب ودنس في الجسم والروح، وهذه بعض النعم الإلهية التي لا تُعد ولا تُحصى في مكان كان للإنسان فيه ما تشتهي نفسه مهما كان ما يشتهيه عظيماً.

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ{البقرة/26}
هذا ردٌ على الكفار الذين نفوا ضرب الله تعالى للأمثال الصغيرة، وهم يحاولون من خلال ذلك اتهام محمد(ص) بالكذب، وأن ما أتى به من القرآن إنما هو كلامه، فردّ الله عليهم بأنه يضرب من الأمثال أصغرها، ولا فرق بي بيان المراد بين أن يأتي بالحديث عن الصغير أو عن الكبير، وليس في ضرب الأمثال الصغيرة نقص في القدرة، أما المؤمنون فيرون أنه لا يوجد مشكلة في ضرب مثل هذه الأمثال ولا هي تتنافى مع جلال الله تعالى وعظمته، وأما الكافرون فيستهزئون بالأمر ويتساءلون عن مراد الله تعالى في ضرب تلك الأمثال التي يضل بها كثيراً ويهدي بها كثيراً، ثم أخبرنا تعالى بأنه يهدي بها من أراد الهداية، ويضل بها من اختاروا الظلام على النور وآثروا الباطل على الحق.

الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{البقرة/27}
لعل هذه الآية توضح المراد من الفاسقين، فلقد ذكر الله تعالى بعض صفاتهم هنا، فهم ينقضون العهود والمواثيق مع الله تعالى، وكانوا من قبل قد قد شهدوا لله بالربوبية،(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) وكذلك كانوا يعطون الأنبياء المواثيق المغلظة ثم ينقضونها كعادتهم، وكذا فإن الفاسقين يقطعون صلة الأرحام وغيرها من أعمال البر ليعم الفساد في الأرض، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أنهم هم الخاسرون من جراء تلك الممارسات الضالة.

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{البقرة/28}
يتعجب الله سبحانه من الذين يرون آيات المقدرة بأعينهم ويلمسون دلائل القدرة بأيديهم كيف أنهم يصرون على الكفر رغم وضوح الإيمان ورغم علمهم لسوء المصير مع الإصرار على الكفر، فيا أيها الناس كيف تكفرون بالله وقد كنتم أمواتاً عندما كنتم نطفاً في أصلاب آبائكم، وكيف تكفرون به وهو أحياكم بعد أن كنتم أمواتاً، وكيف تصرون على الكفر وهو الذي يميتكم بعد أن تعيشوا فترة في الحياة الدنيا، وكيف تنكرون الحق وسوف يحييكم الله بعد الموت للحساب.

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{البقرة/29}
يتابع الله عز وجل بيانه لقدرته الباهرة فيخبر الناس بأنه هو الخالق لجميع الأشياء في هذه الأرض، وهو الذي توجهت إرادته نحو السماء فجعلهن سبع سموات كما تقتضي حكمته، وهو يعلم السر والغيب وما هو أخفى ويعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، فلا يبقى بعد هذا البيان أي مبرر للكفر أو التقصير تجاه هذا الخالق العظيم.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/30}
لا تُقاس آيات القرآن بقلة الألفاظ أو كثرتها، بل بما تشتمل عليه الآية من تعاليم ومفاهيم وقضايا وأحداث، وهذه الآية الكريمة هي من ضمن الآيات التي امتازت بقلة ألفاظها وكثرة أحداثها وغزارة معانيها، ومنها تبدأ حكاية خلق الإنسان وقصية البشرية حيث أخبر الله سبحانه ملائكته بخلق مخلوق يستخلفه في الأرض ويكون بمستوى هذا الإستخلاف وأهلاً لحمل الأمانات الإلهية.
فعندما أخبر الله ملائكته بذلك أخذتهم الدهشة واستولت عليهم الحيرة فاستفسروا عن حقيقة هذا الخليفة الجديد هل أنه سوف يُفسد في الأرض ويسفك الدماء ويعيث فيها الفساد؟ ولعلهم قالوا ذلك نتيجة عهد سابق عندهم من مخلوقين سبقونا إلى الحياة على الأرض، فردّ عليهم رب العالمين بأنه يعلم ما لا يعلمون فاستسلموا لأمر الله كالعادة، وقد ثبت لهم بعد ذلك ما يخالف نظرتهم الأولية لهذا الخليفة الجديد آدم(ع) الذي كان سلوكه ملائكياً وأخلاقه رسالية.

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/31}
لقد منّ الله على خليفته آدم بمعرفة أسماء الأشياء ماضيها وحاضرها ومستقبلها وكبيرها وصغيرها وعامّها وخاصّها، حتى أن الإمام الصادق(ع) عندما سُئل عن تلك الأسماء كان جالساً على بساط فأومأ بيده إليه وقال:حتى هذا البساط: ومعنى ذلك أن آدم(ع) كرّمه ربه بمعرفة كل المسميات.
والأسماء التي تعلّمها آدم شيء، وما عرضه الله تعالى على الملائكة شيء آخر، فالذي عُرض على الملائكة إنما هو صور أشباح لم تتعرف الملائكة عليها، فإن كنتم أيها الملائكة صادقين في نظرتكم الأولية لهذا الخليفة الجديد فأنبؤوني بأسماء أصحاب تلك الصور، فلم يعرفوها.

قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{البقرة/32}
وهنا أقروا بالإستسلام لأمر الله تعالى الذي يمنّ بالمعرفة على من يشاء من عباده، وفيها دلالة واضحة على عدم علم الملائكة للغيب.

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{البقرة/33}
عندما اعترفت الملائكة بجهلها لأصحاب تلك الصور أراد الله سبحانه أن يُثبت لهم ولجميع خلقه أنه يعلم ما لا يعلم خلقه، وأنه على كل مخلوق أن لا يستعجل الأمور فتوَجَّه الأمر الإلهي لآدم بأن ينبئ الملائكة عن أسماء أصحاب تلك الصور ليثبت فعلاً أن الله تعالى قد علّمه الأسماء كلها كما أخبرنا في محكم كتابه العزيز، فراح آدم عندها يذكر لهم الإسم تلو الآخر، وكان أصحاب تلك الصور النورانية محمداً وآله(ص) الذين خلقهم الله أنواراً مشرقة في جنب عرشه قبل أن يخلق جميع مخلوقاته.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ{البقرة/34}
بعد أن أظهر الله قدرته في خليفته الجديد وجّه أمراً خاصاً إلى صنفين من خلقه، إلى الملائكة من دون استثناء، وإلى إبليس الذي كان من الجن المؤمنين، وقد وصف الإمام علي(ع) وضع إبليس في تلك المرحلة حيث قال: فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ، لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ:
فعندما أمرهم الله تعالى بالسجود لخليفته لبوا هذا الأمر فوراً وسجد جميع الملائكة على اختلاف مراتبهم ووظائفهم وأماكن تواجدهم إلا إبليس تكبر ولم يسجد، ولم يكن من الملائكة كما توهّم البعض وإن صح إطلاق لفظ الملك عليه من باب النظر إلى عظمة العبادة التي كان يقوم بها قبل تلك المعصية، وقد بيّن الله تعالى هذه الحقيقة بقوله في سورة الكهف(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) وهناك بدأت العداوة الحقيقية بين آدم وإبليس وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر وستبقى إلى يوم القيامة.

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ{البقرة/35}
بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء المعهودة، وبعد أن سجد الملائكة له إلا إبليس أباح الله تعالى جنته الواسعة لآدم وحواء –بغض النظر عن كونها جنة الخلد أم لا- عاشا فيها حياة رغيدة وطيبة من دون أي عناء وتعب وإرهاق وخوف، والله وحده يعلم تلك المدة التي عاش فيها آدم في الجنة قبل الهبوط إلى الأرض، وكان تعالى قد اشترط عليهما عدم الإقتراب من شجرة في الجنة وعدم الأكل منها، وقد كان ذلك امتحاناً لآدم وحواء، ولم يكن تكليفاً مولوياً بل مجرد إرشاد، فإذا اقتربتما من تلك الشجرة وذقتما من ثمرها فسوف تكونان ظالمَين لأنفسكما.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{البقرة/36}
رأى إبليس في هذا الإمتحان فرصة ذهبية له للإنتقام من آدم الذي كان سبب إخراجه وطرده من الرحمة حسب زعمه فراح يتحيّل الفرص حتى استطاع بعد فترة ومن خلال الوسوسة لحواء أن يستدرجهما إلى تلك الشجرة المنهي عنها فذاقا ثمرها فأهبطهما الله تعالى مع إبليس إلى هذه الحياة لتبدأ مرحلة جديدة من الإمتحان الإلهي فيها، ولن تكون الحياة على الأرض كالحياة في الجنة فإن الإختلاف بينهما كبير من جميع النواحي.

فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/37}
هبط آدم إلى هذه الأرض وهو نادم على تلك المخالفة الإرشادية التي انتهت بهبوطه إلى حياة التعب والقلق والخوف، وقد بكى طويلاً مستحيياً من ربه العظيم إلى أن تاب الله عليه وهوّن الأمر عليه حين علّمه كلمات يتوسل بها إليه ويقبل بها توبته، وقد ورد عن أهل البيت(ع) أن تلك الكلمات هي أسماء أصحاب الكساء(ع) وهذا ما فعله نبي الله نوح(ع) الذي كتب تلك الأسماء على لوحة ووضعها في مقدمة سفينة النجاة التي أنجاها الله وأهلها ببركة أصحاب تلك الأسماء الشريفة.

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/38}
كرر الله سبحانه لفظ الهبوط للتأكيد، وأخبرنا أنه سوف يأتينا منه تعالى هدى عبر كتاب منزَل أو نبي مرسَل، وهذا ما حصل بالفعل عبر تاريخنا في الأرض، فالذي يتواضع لربه ويؤمن به وبرسله وكتبه ويتبع الهدى الذي أرسله فهو من المؤمنين الفائزين الذين لا خوف عليهم من العقاب ولا هم يحزنون لفوات الثواب.

وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/39}
بعد أن ذكر لنا عاقبة المهتدين بهديه بيّن لنا مصير الكفار والمكذبين بآياته وشرائعه، وهي الخلود في عذاب النار التي نسأله الإجارة من لهبها بل والمرور بجنبها أو حتى سماع زفيرها وشهيقها.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ{البقرة/40}
إسرائيل هو لقب نبي الله يعقوب(ع) والله تعالى في هذه الآية يبيّن لهم نعمه التي أنعم بها على أسلافهم الذين أرسل لهم الكثير من الأنبياء ليهدوهم إلى الصراط المستقيم فقتلوا كثيراً منهم وكذّبوا كثيراً كما أخبرنا بقوله(أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) ثم أمرهم بأن يفوا بعهودهم معه من الإيمان والطاعة والصدق والإخلاص، فإن أفوا بعهودهم تلك وفى معه بعهده لهم وهو النجاة من العذاب، ثم واعدهم على المخالفة وأمرهم برهبته والخشية منه.

وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ{البقرة/41}
أمرهم الله عز وجل بالإيمان بما أنزل على خاتم أنبيائه محمد(ص) الذي أتى بالقرآن المصدِّق للتوراة، ونهاهم عن أن يكونوا أول الكافرين بمحمد وأن لا يستهزؤوا بآياته ورسله ودين الحق، وقد أمرهم بالتقوى التي هي باب النجاح ومفتاح الفلاح.

وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/42}
الله سبحانه يعلم بما يدور في صدور اليهود، ومن هنا ورد لهم التأكيد تلو التأكيد وأتاهم التحذير بعد الآخر لأنه تعالى يعلم بحقيقة نفوسهم المنحطة ونواياهم المخبأة التي تهدف إلى الطعن والتكذيب والتشكيك بهدف الحفاظ على الزعامة والتمسك بالسلطة، فلقد نهاهم عن خلط الحق بالباطل وكتم الحق الذي جاء في التوراة والذي ينص على نبوة محمد بن عبد الله(ص)، فهم صنعوا ذلك وهم يعلمون بأنهم يكتمون الحق، وقد صنعوا ذلك تماشياً منهم مع مصالحهم الشخصية كما هم عليه اليوم من الظلم والإحتلال والقتل والتشريد.

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ{البقرة/43}
أمرهم بأن يصلوا صلاة حقيقية تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وأن يركعوا مع المسلمين لأن صلاة اليهود لا ركوع فيها، كما وأنه تعالى أمرهم بإخراج الزكاة لأنهم كانوا أحرص الناس على جميع الثروات حتى بطرق الحرام.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{البقرة/44}
يذكر لنا التاريخ أنّ مجموعة من اليهود كانوا يأمرون بعض أقاربهم باتباع محمد(ص) وكانوا هم لا يتبعونه وهم يتلون التوراة ويعرفون الحق كما يعرفون أنفسهم وأبناءهم، ولهذا وبّخهم الله تعالى، أفلا تعقلون قبح العمل الذي تقومون به؟ ألا تدركون سوء المصير من وراء سلوكياتكم الوضيعة؟

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ{البقرة/45}
إذا أردتم أن تشعروا بالقوة والعزة وأن تواجهوا سطوات الشيطان وإغراءات الحياة فعليكم بالصبر الذي هو جزء من الإيمان، وبالصلاة التي كانت ثقيلة على غير المؤمن وخفيفة على الخاشعين لله تعالى الذين يتوقعون عليها الأجر الكبير والثواب العظيم.

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{البقرة/46}
في هذه الآية يكشف الله تعالى عن بعض مزايا الخاشعين له حيث وصفهم بأنهم مؤمنون موقنون بلقائه وأنهم سوف يرون ما وعدهم ربهم به من الثواب في الجنة التي أعدها لعباده المؤمنين، وأنه لا مكان للشك في قلوبهم لأن الشك من صفات المنافق.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ{البقرة/47}
يخاطب الله تعالى بني إسرائيل مبيناً لهم فضله عليهم حيث حررهم من العبودية لفرعون ومن تلك الأغلال التي كان محيطة بأعناقهم، وأنه فضلهم على العالمين بكثرة الأنبياء الذين أرسلهم إليهم.

وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/48}
يحذرهم رب العالمين من عاقبة الكفر والعناد في يوم القيامة الذي لن يدافع فيه أحد عنهم ولن يشفع لهم فيه آباؤهم لأن اليهود كانوا يقولون:شفعاؤنا آباؤنا: وفي سورة لقمان أوضح الله المعنى حيث قال(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) ثم أخبرهم الله بأنه في يوم القيامة لا يُقبل عدل من أحد، أي لا يُقبل منه أية فدية، ولن ينصرهم على العذاب شيء.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ{البقرة/49}
يبيّن الله سبحانه بعض مننه على بني إسرائيل في زمن فرعون الذي ملك البلاد وظلم العباد وأفسد في الأرض، فلقد نجاهم الله تبارك وتعالى من ظلم فرعون وزبانيته بعد أن كانوا يجبرونهم على عبادته وعلى العمل الشاق وكانوا يذبحون أبناءهم ويُبقون نساءهم للخدمة وبعض المآرب، وقد كان ذلك بلاءاً عظيماً قد نجاكم الله منه، فلماذا لا تشكرونه على هذه المنّة التي طالما تمنيتم من يمنّ عليكم بها.

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{البقرة/50}
لقد منّ الله سبحانه على بني إسرائيل بكليمه موسى الذي تحدى فرعون وسحرته وتغلب عليهم يوم الزينة الذي أشعل نار الغضب في قلب فرعون عليهم فأجبرهم على الرجوع إلى عهدته، فرفضوا ذلك، فهددهم بالقتل بعد قتل أولادهم واستحياء نسائهم، فهربوا منه، فظهر البحر أمامهم، وكان فرعون وراءهم، فظنوا أنهم أحيط بهم، فألقى موسى عصاه في البحر بأمر من الله جل ذِكْره، ففرق الله البحر، وظهرت اليابسة من بين جبلين من الماء، فمر به المؤمنون بالله، وعندما أصبح فرعون وجنوده في الوسط تجلت قدرة الله للبحر فابتلعهم بأجمعهم، وأنقذ الله بني إسرائيل من ظلم دام لقرون من الزمن، وخلع عنهم ثوب الذل، وطوى لهم صفحة سوداء كانوا يتمنون الموت حينها.

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ{البقرة/51}
بعد أن أنعم الله على بني إسرائيل بهلاك فرعون الظالم أراد أن يُنعم عليهم مرة أخرى، ولكن هذه المرة بالتوراة التي فيها أنوار الهداية لهم، فواعد كليمه ثلاثين ليلة ثم زادها عشراً ليختبر بذلك إيمان قومه قبل أن ينزل عليه التوراة، فأمره بالذهاب إلى جبل الطور فذهب موسى إلى حيث أمره ربه ثم رجع بعد تلك المدة ومعه التوراة فوجد قومه منكبين على عبادة العجل، وقد ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل إلهً أو وسيلة لعبادة الله تعالى، وكان السامري قد استغل فرصة غياب موسى فجمع ما تبقة من حلي وجواهر الفراعنة فصنع منها مجسم عجل يُصدر صوتاً خاصاً وأمر اليهود بعبادته دون الله عز وجل.

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{البقرة/52}
عندما رجع موسى(ع) ورأى ما يعبد قومه من دون الله أقام الدنيا عليهم ووبخهم على ذلك مبيناً لهم فضل ربهم عليهم، وكان قد عاتب أخاه هارون كيف سمح لهم بذلك، وإلى هذه الحادثة أشار الله بقوله في سورة طه(قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) ثم بعد أن سمعوا كلام كليم الله رجعوا عن ارتدادهم وتابوا إلى الله تعالى فتاب عليهم وعفا عنهم لعلهم يشكرون الله قولاً وفعلاً.

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{البقرة/53}
ومن نِعم الله سبحانه على بني إسرائيل أنه آتى كليمه موسى التوراة الذي يفرّق بين الحق والباطل والحلال والحرام علهم يهتدون بأنوار هذا الكتاب السماوي الذي فيه سبل الهداية والصلاح.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/54}
يكرر القرآن الكريم ذكر هذا الحدث ليشير من خلاله إلى مسألة هامة حصلت في ذلك الزمان، فلقد اشترط الله عليهم القيام بعمل شاق جداً حتى يقبل منهم التوبة لأن الذنب الذي ارتكبوه كان عظيماً، والفترة القصيرة التي ارتدوا بها عن الإيمان أظهرت أنهم قوم لا ينفع معهم سوى القساوة، فأمر الله تعالى بأن يقتل المذنبون بعضهم بعضاً وإلا فلن يتوب عليهم، وجاء في الأخبار أن موسى أمر في ليلة ظلماء كل الجانحين إلى عبادة العجل، أن يغتسلوا ويرتدوا الأكفان ويعملوا السيف بعضهم في البعض الآخر: وبالفعل كانت توبة لا نظير لها في طريقتها وشدتها.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{البقرة/55}
طلب سبعون رجلاً من بني إسرائيل كانوا برفقة موسى(ع) أن يُريهم الله بأم العين، وقد جعلوا ذلك شرطاً للإيمان، وينم هذا الطلب عن جهلهم تارة وعن لجاجهم تارة أخرى، فتحير موسى عند هذا الطلب الذي لا يمكن أن يتحقق، فأصبح موسى في تلك المرحلة كمبتلع الموس، وعند ذلك شاء الله سبحانه أن يُريَ هؤلاء ظاهرة لا يطيقون رؤيتها ليدركوا أن هذه العين لا تطيق رؤية كثير من المخلوقات، فكيف يمكن لها أن تطيق رؤية ما لا يُرى؟ وفي تلك الأثناء نزلت صاعقة كبيرة على جبل قريب منهم مصطحبة معها برقاً شديداً ورعداً مخيفاً وزلزالاً مروعاً جعلت الرجال السبعين صرعى ممددين على الأرض.

ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{البقرة/56}
اغتم موسى(ع) لهلاك سبعين رجلاً من بني قومه، واحتار في إجابة الباقين على الأسئلة التي سوف يطرحونها عليه إثر عودته دونهم، فتضرّع إلى الله عز وجل أن يخلصه من هذه الورطة الكبيرة فاستجاب الله له دعاءه ثم أحياهم من بعد موتهم علهم يشكرون الله على تلك النعمة، وفي نفس الوقت فإن ما حدث لهم كان أكبر آية على صدق ما أتاهم به نبيهم.

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{البقرة/57}
بعد أن أنجاهم الله من شر فرعون أمرهم بالتوجه إلى أرض فلسطين لمواجهة العمالقة فعصوا هذا الأمر الإلهي الذي ذكره الله في سورة المائدة حيث قال(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) رفضوا الذهاب مع نبيهم وطلبوا منه أن يواجه القوم وحده، فتألم موسى من كلامهم فدعا الله أن يعينه فغضب الله على بني إسرائيل وعّبهم بالتَّيه في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة، ثم عفا عنهم وأظلهم بغمام خاص في تلك الصحراء كانوا بأمس الحاجة إليه، وأنزل عليهم طعاماً طيباً هو المن والسلوى، والمن نوع من الطلّ يكون على الشجر له طعم رائع، وأما السلوى فالأشهر أنه نوع من الطيور.

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ{البقرة/58}
بعد أن عفا الله عنهم مرة أخرى أمرهم بأن يدخلوا القرية(بيت المقدس) وأباح لهم الأكل من طيباتها وخيراتها ليستمروا بالحياة الطبيعية، وقد أمرهم بأن يقولوا حطّة، ومعناها اللهم حُطّ عنا ذنوبنا، وهي لفظ يشير إلى الإستغفار، ولعله لأجل هذا أُطلق على أحد أبواب بيت المقدس(باب حطة) ويُستدل على كونها تحط الذنوب قوله تعالى(نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{البقرة/59}
كالعادة هناك مجموعات ضالة مستهزئة بالدين والأنبياء، فلقد أمرهم الله تعالى بأن يرددوا كلمة(حطة) ولكن مجموعة منهم غيّروا تلك العبارة بعبارة أخرى يراد بها الإستهزاء، وقد ورد أنهم استبدلوها بكلمة(حنطة) فأنزل الله عليهم رجزاً من السماء، والرجز كما قيل هو الإضطراب، وأياً يكن المعنى فإن الله سبحانه قد عاقبهم على فسقهم ذاك واستهزائهم بأوامره ونواهيه.

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ{البقرة/60}
تذكّروا يا بني إسرائيل نِعم الله عليكم والتي كان منها تفجير عيون الماء في الصحراء عندما كانوا بأمس الحاجة إليه، فدعا موسى ربه أن يفجر لهم عيون ماء فأمره الله أن يضرب الحجر بعصاه ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بعدد قبائلهم، وقد كانت كل قبيلة تعرف مشربها(عينها) بجريان مائها من أمامهم، وقد قيل بدأ تدفق الماء بشكل هادئ ثم ازداد تدفقه ليسقيهم ومواشيهم جميعاً، وقد استُدل على ذلك من خلال استعمال القرآن لفظين للدلالة على هذا الحدث، اللفظ الأول: كلمة(انفجرت) واللفظ الثاني: كلمة(انبجس) فالأول يشير إلى التدفق القوي، والثاني إلى السيلان الخفيف، ومن الطبيعة في الماء أن يتدفق بقوة ويجري بهدوء.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{البقرة/61}
بقي اليهود مدة من الزمن يأكلون المن والسلوى في الصحراء، فطلبوا من نبيهم أن يدعو الله بأن يخرج لهم من أرض الصحراء طعاماً غير المن والسلوى، ولم تكن أرض الصحراء محلاً لذلك، وإن كان الله تعالى قادراً على فعل أي شيء، ولقد كانوا يعيشون في الصحراء بعزة وكرامة في ظل نعم الله عليهم، ولكنهم آثروا العيش بذل في ظل أصناف الطعام وأكل فتات الفراعنة على العيش في الصحراء والصبر على الطعام الذي أنزله الله إليهم، فقال لهم موسى: إذا أردتم هذه الأصناف فاهبطوا مصراً، ومصر ليست دولة مصر المعروفة في هذه الأيام حيث كان يُطلق هذا اللفظ على كل المدن، هذا بالإضافة إلى أن اليهود لم يرجعوا إلى مصر الفراعنة من يوم تركهم لها، وهذا ما يؤيد المعنى العام لكلمة(مصر)، ولأجل هذا ضرب الله عليهم ثوب الذلة والمسكنة بعد أن غضب عليهم بسبب طمعهم وجشعهم وخروجهم عن التوحيد وقتلهم الأنبياء.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/62}
بعد أن عرض لنا القرآن جزءاً من ممارسات اليهود مع أنبياء الله وكيف أنهم كانوا يزلزلون إيمانهم بشكهم وانحرافهم وأطماعهم طرحت هذه الآية الكريمة مبدءاً عاماً في تقييم الناس وفق المعايير الإلهية، وينص هذا المبدأ على كون الإيمان والعمل الصالح هما اللذان يقيمان الإنسان في الموازين الربانية وليس شيئاً آخر، فلقد فخر اليهود والنصارى بدينهم واعتبروا أنهم أفضل من غيرهم، وأن الله سبحانه خلق الجنة لهم دون سواهم، فالذين آمنوا بألسنتهم، والذين هادوا(اليهود) والنصارى والصابؤون(مجموعة عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة والنجوم) فالذي يعدل من تلك الفئات عن كفره إلى الإيمان والعمل الصالح فهؤلاء لهم أجرهم عند الله جل شأنه ولا خوف عليهم من أي شر، ولا هم يحزنون على فوات الثواب المقرر من قِبل الله عز وجل.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/63}
رجع القرآن بالحديث عن اليهود وعن فضائل ربهم عليهم، فلقد أخذ الله سبحانه مواثيق على بني إسرائيل بشأن العمل بالتوراة، وبشأن أن يعبدوه وحده ويلتزموا بأوامره ونواهيه ويؤمنوا بما يجب الإيمان به، ويكفروا بما ينبغي الكفر به، ولكنهم كالعادة نقضوا مواثيقهم معه رغم أنه تعالى قد أكد عليهم الإلتزام بما في التوراة بشكل قوي، أما مسألة رفع الطور(الجبل) فوقهم، فلقد ذكر الطبرسي أن هذا الأمر حدث عندما رجع موسى(ع) إليهم ومعه الألواح التي عليها التوراة، فرفضوا الأخذ بها، فأرسل الله تعالى ملائكة رفعوا الجبل فوقهم، فقال لهم موسى(ع):إن قبلتم ما آتيتكم به وإلاّ أرسَلوا الجبل عليكم، فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين الجبل (أي وهم ينظرون إلى الجبل من طرف خفي)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ{البقرة/64}
ديدن اليهود هو الكذب والإفتراء والمراوغة، وهذا ما تسبب بنزول اللعنة عليهم في الدنيا قبل الآخرة، فإنهم رغم رؤيتهم لآيات الله وقدرته تولوا عن الإيمان وعدلوا إلى الكفر مرة أخرى، ولكن فضل الله كان عليهم كبيراً حيث فتح لهم فرصة جديدة علهم يتوبون حقاً، ولكن ممارساتهم التي ذُكرت لا تبشّر بالخير ولا تُنبئ عن كونهم سوف يعقلون.

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ{البقرة/65}
لعل الخطاب هنا موجّه إلى اليهود بدليل قوله تعالى(اعْتَدَواْ مِنكُمْ) وقصة يوم السبت شهيرة عبر التاريخ، فلقد أمر الله سبحانه اليهود أن يُسبتوا(ينقطعوا عن العمل يوم السبت) وقد شمل هذا الأمر مجموعة منهم كانت تقطن قرب البحر وتعيش على صيد الأسماك، فشاء الله سبحانه أن يختبر إيمانهم، فكانت الأسماء تكثر في يوم السبت ويندر وجودها في غيره من أيام الأسبوع، فأخذهم الطمع وراحوا يصطادون في اليوم المنهي عن الصيد فيه(السبت) فعاقبهم الله عز وجل بشكل فوري حيث مسخهم قردة وخنازير بغضّ النظر عن حقيقة هذا المسخ، هل كان للأجساد أم للأرواح والنفوس.

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ{البقرة/66}
لقد جعل الله تعالى تلك الحادثة عبرة لمن حضرها أو شاهدها أو علم بها في ذلك الزمان، وكذا لجميع الأمم التي أتت بعدهم، وقد ورد عن الإمامين الباقر والصادق(ع) في تفسير هذه الآية قالا:(فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: لِمَا مَعَهَا يُنْظَرُ إِلَيْهَا مِنَ الْقُرَى في زمان تلك الأمة،(وَمَا خَلْفَهَا) نحن المسلمون، ولنا فيها موعظة.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{البقرة/67}
بسبب ذِكر هذه الآية وست آيات تلتها سمّيتْ هذه السورة بسورة البقرة، والسبب في أمر موسى لهم بذبح بقرة هو حَدَثٌ حَدَثَ في ذلك الزمان، فلقد قُتل شخص بطريقة غامضة، وكانت كل قبيلة تتهم القبيلة الأخرى بقتله، فتقاضوا عند كليم الله موسى(ع) ليحكم بينهم، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، فظنوا أنه يستهزئ بهم، فاستعاذ بالله من أن يكون من الجاهلين المستهزئين، ولو أنهم صنعوا ما أمرهم به لانتهت مشكلتهم بأقل خسارة، ولكنهم اتهموه بالإستهزاء فوقعوا فيما اتهموه به.

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ{البقرة/68}
إن ما يلفت النظر في هذه الآية وفي غيرها من الآيات المشابهة لنا في فحوى الخطاب هو عبارة(ربك) فهم دائماً يستعملون هذه العبارة من باب إساءة الأدب مع موسى وربه، وكأن ربه غير ربهم.
فبعد أن طلب منهم أن يذبحوا بقرة بدأوا بتوجيه الأسئلة الإستهزائية، وأول ما طلبوا هو بيان حقيقة تلك البقرة، فقال لهم: هي بقرة لا فارضٌ(كبيرة) ولا بكر(صغيرة) بل هي بينهما من حيث الكبر والصغر، ثم أكد عليهم الإئتمار بالذبح قبل أن يصعب الحال ويصبح وجود البقرة التي ينبغي ذبحها أمراً شاقاً عليهم، ولهذا قال لهم على إثر هذا السؤال(فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ)

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ{البقرة/69}
لم يعملوا بنصيحة نبيهم بل راحوا يُكثرون من الأسئلة لأنهم قومٌ من نوع خاص وكأنهم مجبولون بماءٍ شيطاني أسود قبيح اللون وكريه الرائحة، ولأجل هذا ورد في الحديث أنهم تشددوا فشدّد الله عليهم: وهم قومٌ مشهورون باللجاج عبر التاريخ.
لقد سألوا موسى(ع) هذه المرة عن لون البقرة، فقال هي صفراء شديدة الصفرة لا يوجد فيها لونٌ آخر، فإن أتيتم ببقرة فيها غير الصفات المطلوبة لما أحيا الله الميت.

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{البقرة/70}
ثم لجوا مرة جديدة وزادوا الحرج على أنفسهم وجلبوا المشقة لها بأيديهم بعد أن كان الأمر سهلاً للغاية، فلقد زاد الأمر غموضاً عندهم بعد أن تشابه عليهم أمر البقر، أيها يذبحون.

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ{البقرة/71}
ما زال الأمر يزداد تعقيداً وهم يبالغون في طرح الأسئلة، فقال لهم إنها بقرة غير مذللة لحرث الأرض ولا للسقي، ولا يوجد فيها أدنى عيب، ولا يدخل في صفرتها أي لون غيره، وعندها اعترفوا بأنه قد جاءهم بالحق فأتوا بتلك البقرة النادرة وذبحوها على غير رغبة منهم لأنهم لم يكونوا واثقين من كلام نبيهم وقد رأوا على يديه من الآيات ما لا يُعد ولا يُحصى.

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{البقرة/72}
لقد قتلتم يا بني إسرائيل شخصاً منكم، واختلفتم في معرفة هوية القاتل، ولكن الله سبحانه وتعالى سوف يفضح أمر القاتل بعد أن يحيي المقتول ليخبركم بهوية قاتله.

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{البقرة/73}
وضع الله تعالى لبني إسرائيل شرطين كي يحيي المقتول على يد كليمه موسى(ع) وهو وحده يعلم الغاية من وراء ذلك، الشرط الأول هو ذبح بقرة عادية، ولكن عندما حاول اليهود أن يستهزؤوا بنبيهم شدد الله عليهم فطلب منهم أن يأتوا ببقرة لا يوجد غيرها في الأرض وقد دفعوا ثمنها وزنها ذهباً كما ورد في الأخبار، والشرط الثاني كان ضرب المقتول بشيء من لحمها، ففعلوا ذلك فعادت الحياة إلى المقتول فأخبرهم عن قاتله وربما عن تفاصيل كانوا يجهلونها، وقد أثبت لهم نبيهم الحق مرة جديدة، وقد عادوا إلى ما كانوا عليه من الضلال والإنحراف.

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/74}
إنه خير تشبيه لقلوب بني إسرائيل أصحاب القلوب التي طغت قساوتها على قساوة الحجارة، فإن من الحجارة ما يتفجر منها الماء، وإن منها ما يسقط من خشية الله تعالى، أما قلوب بني إسرائيل فلا يتفجر منها خشية من الله ولا يخرج منها حب أو عطف لأحد، ولكن يا بني إسرائيل إن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وهو يراكم ويسمعكم ويعلم سركم وسوف يعاقبكم على سوء فعلكم هذا.

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{البقرة/75}
بعد أن سرد القرآن بعض المواقف اليهودية وجّه خطابه إلينا نحن المسلمين مبيناً لنا واقع اليهود وكاشفاً لنا عن سلوكهم العنادي الخاص بهم، فنصحنا بأن لا ننتظر منهم الإيمان لأنهم ورثوا العناد عن آبائهم، وقد أخبرنا الله سبحانه بأن مجموعة منهم كانوا يسمعون كلام الله ويحرفونه، ويرون المعجزات وينكرونها، والمجموعة التي أنكرت عشرات المعجزات في الماضي ليس من الصعب عليها أن تنكر القرآن الكريم.

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{البقرة/76}
كان هناك مجموعات من اليهود إذا اجتمعوا بالمسلمين حدثوهم بحديث التوراة عن خاتم الأنبياء محمد(ص) فكان رؤساؤهم ينهونهم عن ذلك كيلا يكون للمسلمين حجة على اليهود، وقد روي عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ لَيْسُوا مِنَ الْمُعَانِدِينَ الْمُتَوطِئِينَ، إِذَا لَقُوا الْمُسْلِمِينَ حَدَّثُوهُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مَنْ صِفَةِ محمّد، فَنَهَاهُمْ كُبَراؤُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لاَ تُخْبِرُوهُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ صَفَةِ محمّد فَيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَنَزَلَتْ هذِهِ الآية:

أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ{البقرة/77}
لقد ظن اليهود الحمقى بأنهم إذا أخفوا الأمر عن المسلمين فسوف يخفى على الله أيضاً، ولكن الله سبحانه يعلم سرهم كما يعلم جهرهم.

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ{البقرة/78}
من اليهود مَن كانوا أميين لا يعرفون القراءة ولا يُحسنون الكتابة، ولا يعرفون من التوراة إلا ما يشبه الأمنية والوهم، ولعل هذه الآية الكريمة تشير إلى الإمتيازات الموهومة التي كان ينسبها اليهود لأنفسهم، والتي أشار إليها القرآن الكريم في أكثر من موضع، مثل قوله سبحانه(نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وقوله عنهم(لَنْ تَمَسَّنا النَّارُ إلاّ أَيَّاماً مَعدُودَات)
ومن الممكن أن يكون المراد بالأماني هو تلك الآيات المحرَّفة التي كان علماء اليهود يبثونها بين الأميين من الناس، وما أمانيهم سوى ظن، وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً.

فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ{البقرة/79}
صُنِّف اليهود مجموعتين: إحداهما تلك المجموعة الأمّية، والثانية: مجموعة المتعلمين التي كانت تحرّف التوراة ويدّعون بأنها من عند الله عز وجل، فواعدهم ربهم عذاباً أليماً بما كذبوا عليه، ثم إن الآية الكريمة تشير إلى هدف وضيع من خلال تحريف التوراة على أيديهم، وهو الكسب، وأبواب الكسب كثيرة ومتنوعة الوجوه.

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/80}
تشير هذه الآية إلى حالة الغرور التي كان يعيشها اليهود الذين زعموا أنهم شعب الله المختار، فلقد ادعوا بأن النار التي واعدهم بها الأنبياء لن تمسهم سوى أيام معدودة، ولعل الأيام المعدودة هي الأيام التي عبدوا فيها العجل لدى غياب موسى(ع) عنهم عندما ذهب إلى جبل الطور ليأتي بالتوراة، وهذا ادعاء فارغ لا ينسجم مع الموازين التشريعية الإلهية المتصفة بالعدالة، تلك الموازين التي لا تفرق بين شعب وشعب ولا بين فرد وفرد آخر في الثواب والعقاب، ونلاحظ بأن القرآن الكريم قد رد عليهم رداً قوياً وهو مساءلتهم بأنهم هل أعطاهم ربهم عهداً بذلك وهو لن يُخلف عهده معهم؟ أم أنهم يقولون بغير علم كعادتهم في ادعاء الأماني؟

بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/81}
هناك قانون عام وعادل لا يفرق بين شخص وآخر، وهو أن المذنب يجب أن يأخذ جزاءه من أي الفِرق كان، ولا يخرج عن دائرة هذا القانون أحد، لا اليهود ولا غير اليهود.

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/82}
ومَن يؤمن بالله تعالى ويطيعه في الحلال والحرام فإن قانونه العادل يقضي بمجازاته كما يقتضي الحال، بالخير خيراً وبالشر شراً، وهو عملٌ بمقتضى القاعدة العامة(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ {الزلزلة/7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ{البقرة/83}
في آية سابقة أشار الله تعالى إلى أنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل، وكانت إشارة عامة، ولكنه عز وجل هنا يوضح لنا بنود هذا الميثاق، وهي: توحيد الله عز وجل، والبر بالوالدين والإحسان إلى الأقارب والأيتام والفقراء، والقول الحسن، وإقامة الصلاة بشروطها تامة، وإخراج مال الزكاة، ولكن اليهود لم يلتزموا بتلك المواثيق باستثناء مجموعة صغيرة منهم.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{البقرة/84}
ومن بنود الميثاق المأخوذ عليهم حرمة سفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم، والمشهور عند اليهود حالياً هو قتل الناس بأبشع الطرق واحتلال أراضي الغير، فعندما أخذ الله عليكم هذا الميثاق أقررتم بوجوبه وأشهدتم عليه أنفسكم.

ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/85}
بعد أن قبلوا بذلك وأقروا بالميثاق نقضوه كالعادة، فراح القوي منهم يقتل الضعيف ويُخرج البعض من ديارهم عنوة ليستولي على بيته وممتلكاته بعد أن يهدده بالتنكيل والتعذيب، وقد كان اليهودي القوي لا يرى بأساً في ظلم الضعيف، أما عندما كان يُؤسر يهودي على يد غير اليهود كان الغني من اليهود يفدي اليهودي الأسير لفك أسره، فكيف تكفرون ببعض الكتاب وتقتلون منكم فريقاً وتخرجونهم من بيوتهم وديارهم، وتؤمنون ببعض الكتاب فتدفعون فدية الأسير منكم لفك أسره، أليس ذلك إيماناً ببعض الكتاب وكفراً ببعضه؟ ثم أخبرهم الله تعالى بعاقبة هذا السلوك، وهو الخزي والذل في دار الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/86}
يصف الله تعالى مَن يفعل ذلك بأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، ولهذا فلن يخفف الله عنهم العذاب، ولن يكون لأيام معدودة كما ادعوا، بل سيكون عذاباً خالداً، ولا يجدون يوم القيامة من ينقذهم من العذاب وخصوصاً بعد أن يتبرأ الواحد منهم من الآخر.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ{البقرة/87}
تزيدنا هذه الآية تعريفاً بسلوك اليهود الذين كانوا وما زالوا شر خلق الله على الإطلاق حيث أطلعنا رب العالمين على ما كان اليهود يصنعونه بأنبياء الله(ع) فلقد أرسل إليهم كليمه موسى وأنزل عليه التوراة نوراً لهم، وتابع بإرسال الأنبياء من بعد موسى كداود وسليمان ويوشع ويحيى وزكريا، ثم أشار تعالى إلى بعث عيسى بن مريم(ع) الذي أيده ربه بروح القدس، وقد اختلف المفسرون في روح القدس، فمنهم من قال إنه جبريل(ع)، ومنهم من قال هو القوة الغيبية التي سددت عيسى، وآخرون قالوا الإنجيل.
ومن الطبيعي أن لا يأتيهم نبي بما تهوى أنفسهم الوضيعة، فكانوا يكذّبون البعض كعيسى ومحمد(ص) ويقتلون البعض الآخر كيحيى وزكريا(ع)، كانوا إن عجزوا عن قتل شخية النبي عمدوا إلى قتل شخصه، وكان هذا ديدنهم في التعامل مع أنبياء الله(ع).

وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ{البقرة/88}
إن قلوب اليهود مغلّّفة لا ينفذ النور إليها، وقد تغلفت بسبب تكبرهم وأوهامهم التي جرفتهم نحو الهاوية، فهم كافرون، وقد لعنهم الله تعالى بسبب كفرهم، وقليل منهم من آمن بالله ورسله.

وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ{البقرة/89}
عندما بعث الله خاتم أنبيائه وأنزل معه القرآن الذي كان مصدِّقاً لما مع اليهود من التوراة، وكان اليهود قبل مبعث النبي الخاتم(ص) يستبصرون بمحمد ويؤكدون للمشركين صحة ما ورد في توراتهم حيث كانوا يقولون لهم:غداً يأتي محمد وسوف ترون بأننا على حق: فعندما أتاهم رسول الله محمد وجاءهم ما كانوا يعرفون من الحق كفروا بالنبي حسداً له وحاربوه وحاولوا قتله مراراً، ولأجل ذلك لعنهم الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ{البقرة/90}
يذمهم رب العالمين على كفرهم بما كانوا مؤمنين به من قبل، وهو محمد(ص) الذي بغوا عليه، مع أن الله تعالى هو الذي يجتبي من عباده من يشاء، وهو الذي يجعل رسالته أين يشاء، ولكن بسبب هذا الكفر أصبح اليهود جديرين بغضب الله الذي أعد لهم عذاباً مهيناً عظيماً.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{البقرة/91}
قيل لليهود: آمنوا بما أنزل الله، وهو القرآن وغيره، فرفضوا الإيمان بالقرآن وتمسكوا-بحسب زعمهم- بالتوراة الذي أنزل إليهم، ويكفرون بالقرآن وهو الحق الذي أتى مصدقاً لتوراتهم، ويردّ عليهم الله بقوله(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) يعني إذا كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فهل التوراة تبيح لكم قتل الأنبياء؟ وبهذه الإدانة كشف الله عن زيف ادعاءاتهم وعن عنصريتهم في التعاطي مع الأديان والأشخاص، تلك العنصرية التي ترفضها كل قوانين السماء، فاليهود كفروا بكل شيء إلا بأوهامهم وأكاذيبهم وتلك الخرافات التي أشاعوها بين الناس.

وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ{البقرة/92}
هذه إدانة أخرى لليهود، فإن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تقولون فلماذا استغللتم غياب موسى عنكم وعبدتم العجل الذي صنعه السامري؟ وأنتم تعرفون يقيناً أنكم ظلمتم أنفسكم بهذا الإنحراف عن الحق.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ{البقرة/93}
وهنا إدانة أخرى لهم، وهي حادثة رفع الطور فوقهم عندما عاهدوا الله أن يعبدوه بحق وإخلاص، وقد عصوا الله ونسوه بعد تلك الحادثة عندما أصغوا لتمثال العجل الذهبي الذي شربت حبه قلوبهم، قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ: بئس هذا الإيمان الذي يأمر بقتل الأنبياء ويدعو إلى عبادة العجل ونقض المواثيق.

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/94}
إذا كانت الجنة لكم وحدكم كما تدعون، وإذا كنتم أبناء الله وأحباءه كما تزعمون، فهل يكره الحبيب لقاء حبيبه؟ وإذا كان كما تقولون: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى: فما هو سبب حبكم للدنيا الزائلة وتمسككم بالحياة الفانية؟ أليس هذا هو الكذب بعينه؟ وإذا كانت الآخرة لكم وحدكم فتمنوا الموت واعملوا له إن كنتم صادقين.

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ{البقرة/95}
وهنا يخبرنا الله سبحانه بأن اليهود أصحاب مزاعم واهية وادعاءات فارغة، وإنهم لن يتمنوا الموت أبداً بل هم ممن يحبون الحياة حباً جماً، فلن يتمنوا الموت بسبب ما قدمته أيديهم من تحريف وقتل وظلم، ولا يحسبن هؤلاء بأن الله غافل عما يفعلون، فهو عليم بالظالمين.

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ{البقرة/96}
لقد تجاوز حرص اليهود على الدنيا حرص المشركين عليها، وإن الواحد من اليهود يتمنى لو يعيش في الدنيا ألف سنة أو أكثر ليجمع المزيد من متاع الدنيا أو ليؤخَّر عنه العذاب لأنه في قرارة نفسه يعلم بأن مصيره إلى العذاب الأليم، وهذا التمني وإن حصل فإنه لن يزحزحه عن العذاب بل سوف يزيده سوءاً فوق سوئه، والله تعالى يحصي عليهم سيئاتهم ليعاقبهم بها في يوم الحساب.

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{البقرة/97}
يخاطب الله تعالى خاتم أنبيائه(ص) بمعنى أنه قل لمن عادى جبرائيل بأنه نزّل القرآن على قلبك مصدقاً للتوراة والإنجيل، وفي القرآن الكريم هداية للناس وبشرى للمؤمنين بثواب ربهم وعطائه، وقد روي أن ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك، لما قدم النّبي(ص) المدينة، سألوه أسئلة، وكان رسول الله يجيبهم وهم يصدّقون جوابه، من ذلك أنهم قالوا له: يا محمّد كيف نومك؟ فقد اُخبرنا عن نوم النّبي الذي يأتي في أواخر الزمان، فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان. قالوا: صدقت يا محمّد، ثم قال له ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أيّ ملك يأتيك بما يُنزل الله عليك؟ قال: جبريل، قال ابن صوريا: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك.

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ{البقرة/98}
تشير هذه الآية إلى عملية الإرتباط بين الله تعالى وملائكته، بمعنى أنه من عادى واحداً فقد عادى الجميع، وإذا كان هناك اختلاف في مهمات الملائكة فإن ذلك لا يبعث على التناقض أو معادات أحدهم، فما الملائكة سوى رسل الله تعالى الذي وزّع عليهم الأدوار وكلفهم بالمهام المتنوعة، فدعوى أن جبريل ينزل بالعذاب، وميكال باليسر والرحمة هو كلام فارغ، ويشبهه مهمة مالك وخازن فإن أحدهما مسؤول عن النار والآخر عن الجنان.

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ{البقرة/99}
مهما حاول اليهود أو غيرهم أن يتهموا الرسول بالكذب فإن ذلك يصدر عنهم بدافع الحسد والعناد لأن الله تعالى أنزل إلى النبي آيات بينات لا يمكن إنكارها، ولكن المنكرين لها هم الفاسقون الذين يدّعون عكس ما يعرفون ويفترون على الله الكذب، قال ابن عباس: إن ابن صوريا ـ وهو من أحبار اليهود ـ قال لرسول الله(ص): يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها، فأنزل الله هذه الآية:

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{البقرة/100}
يتطرق القرآن هنا إلى ذكر صفة تلازم أكثر فرق اليهود، وهي صفة نقض العهود، فلقد أخذ الله عليهم الميثاق يوم رفع الطور فوقهم فنقضوه، وأخذ عليهم الميثاق في العمل بالتوراة فلم يعملوا بها، وأعطوه المواثيق بأن يؤمنوا بالنبي الخاتم فكفروا به، وقد تُرجم هذا النقض للعهود والمواثيق على بني النضير وبني قريظة اليهوديين عندما عقدوا ميثاقاً مع رسول الله محمد(ص) يقضي بعدم التواطؤ مع أعدائه لمحاربته فتعاونوا مع مشركي مكة في حرب الأحزاب ضد المسلمين.

وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ{البقرة/101}
إن تكرار القضايا ينبئ عن أهميتها وضرورة التعرف عليها لما تحمله من منفعة وحصانة في ذات الوقت، فلقد كان أحبار اليهود يبشرون الناس بالرسول الموعود قبل بعثته وربما قبل ولادته، وكانوا يذكرون صفاته ويبينون علاماته وذلك من باب التأكيد على معرفتهم المتينة به، فلما بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق أعرض اليهود عما آمنوا به من قبل وبشروا الناس به لأحقاب من الزمن وكأنهم لم يعرفوا عنه شيئاً، وهذا هو عين النفاق، بل هو أثر طبيعي لداء الحسد القاتل.

وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ{البقرة/102}
هذه من الآيات التي حملت عشرات وجوه التفسير، ولكننا سوف نكتفي هنا بالمعنى العام لها.
كان هناك مجموعة في زمن نبي الله سليمان(ع) تمارس السحر، فأمر سليمان بجمع أوراقهم وكتاباتهم واحتفظ بها، وبعد وفاة سليمان(ع) استعادوا تلك الأوراق وبدأوا ينشرون السخر بين الناس، وقد أشاعوا بأن سليمان كان ساحراً ولم يكن نبياً، فأتت هذه الآية لتؤكد نبوته وتنفي السحر عنه(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمـَانَ) والضمير في قوله(واتبعوا) إما عائد لمن عاصروا سليمان، أو للمعاصرين لخاتم الأنبياء، أو لكليهما، وأما المراد بلفظ(الشياطين) فهو إما الطغاة من الناس أو من الجن أو من كليهما، ثم تؤكد هذه الآية على استقامة سليمان وعدم كفره(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمـَانُ) وتؤكد على أن الشياطين هم الذين كفروا دونه عندما عمدوا إلى تعليم الناس السحر ليفرقوا به بين الناس ويُحدثوا الخلافات بينهم والفتن والعداوة والبغضاء.
واليهود لم يستغلوا ما تعلّموه من سحر الشياطين فحسب بل اتهموا هاروت وماروت به أيضاً، وهما ملكان إلهيان أتيا إلى الناس في وقت راج فيه السحر، وكان هدفهما إبطال السحر وليس السحر كما زعم اليهود.
لقد عمد هذان الملكان إلى تعليم الناس ما يحبطون به السحر، وكانا يحذران الناس من الوقوع في الفتنة والإشتباه، ويحذرانهم من الكفر، ولكن اليهود أسقطوا أنفسهم في الفتنة، فبدل أن يتعلموا منهما ما يحبطون به السحر راحوا يتعلمون منهما ما يفرقون به بين الناس عبر استعمال بعض الخرافات كالنفث في العُقد، فتعلموا منهما ما يضرهم دون تعلُّم ما ينفعهم وهم يعلمون بأن ممارسة الشعوذة أمرٌ قبيح(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنْ خَلاَق) كانوا يعلمون أن ممارسات تلك الأمور تذهب بخير الآخرة، ورغم ذلك آثروا الشر على الخير والباطل على الحق.

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ{البقرة/103}
لو آمن اليهود بالنبي الأعظم محمد(ص) لكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى(لو كانوا يعلمون) في توهين وتحقير للعالم التارك للعمل بعلمه، واليهود كانوا يعرفون الحق كما يعرفون أنفسهم ولكنهم لم يتبعوا الحق فاستحقوا اللعن والغضب والعذاب بجدارة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ{البقرة/104}
إن التأمل بهذه الآية يكشف لنا عن مدى قبح اليهود من يوم ظهورهم، ففي هذه الآية الكريمة نهى الله المؤمنين عن استعمال كلمة(راعنا) لما فيها من دلالات استهزاء وسخرية عند اليهود، وأمرهم أن يستبدلوها بكلمة(انظرنا)، ويذهب بعض المفسرين إلى أن كلمة(راعنا) هي سبّة عند اليهود يراد بها تحقير المخاطَب.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إن الصحابة كانوا يطلبون من رسول الله(ص)لدى تلاوته الآيات وبيانه الأحكام الإِلهية أن يتمهّل في حديثه حتى يستوعبوا ما يقوله، وحتى يعرضوا عليه أسئلتهم، وكانوا يستعملون لذلك عبارة: «راعنا» أي أمهلنا، واليهود حوّروا معنى هذه الكلمة لتكون من «الرعونة» فتكون راعنا بمعنى اجعلنا رعناء، واتخذوا ذلك وسيلة للسخرية من النّبي والمسلمين.

مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{البقرة/105}
تكشف هذه الآية عما يكنه اليهود وغيرهم من المشركين من عداء للمؤمنين، فهم يتمنون أن لا ينزل الله رحمة على المؤمنين، ولكن هذه الأهواء لن تغير من الواقع شيئاً لأن إرادة الله عز وجل ثابتة، فهو يختص برحمته من يشاء من عباده وليس من يشاؤه غيره.

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/106}

إن نسخ آية أو محو حفظها من القلوب هو أمرٌ لا محذر شرعي فيه، ولا مانع عقلي يعترضه، والمصلحة العامة قد تفرض ذلك أحياناً، وهذا مرتهن بالظروف المحيطة، وقد يكون نسخ الآية طريقة لمحاربة الفساد ومقارعة التشكيك المفتعل، فبعد هجرة النبي(ص) صلى والمسلمين ستة عشر شهراً وهم يتوجهون نحو بيت المقدس، فراح اليهود يشيعون بين الناس أن الدين هو دين اليهود، وأن القبلة قبلتهم، فأمر الله رسوله بتغيير جهة القبلة، فتمادى اليهود حينها بحملتهم التشكيكية ضد الرسول والرسالة، وراحوا يقولون للناس: لو كانت القبلة الأولى هي الصحيحة فلماذا غيرتم وجهتها؟ وإذا كانت الثانية هي الصحيحة فإن جميع أعمالكم الماضية باطلة، فرد القرآن الكريم على تلك المزاعم بالآية المذكورة.

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{البقرة/107}
ليس تغيير الآية أو محوها بالأمر العسير على الله الذي له ملك السموات والأرض، فهو يفعل في خلقه ما يشاء، ولا يحق لأحد أن يعترض على حكم الخالق سبحانه أو يغيّر ذرة من إرادته، فلو بدّل الله جهة القبلة مئة مرة لكان ذلك من أجل المصلحة العامة، فهو سبحانه يعلم ما لا يعلمه خلقه، وهو أعرف بما يصلحهم وما يفسدهم.

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{البقرة/108}
في هذه الآية نوع من التوبيخ لمن شابهت أسئلتهم لخاتم الأنبياء(ص) أسئلة اليهود لموسى(ع) ولا شك بأن هذه الأسئلة صدرت بدافع التشكيك، وقد اختلفت آراء المفسرين في سبب نزول هذه الآية، فقد نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء وهب بن زيد، ورافع بن حرملة إلى رسول الله(ص) وقالا: إئتِ لنا بكتاب من الله مرسل إلينا نقرأه لكي نؤمن بك، أو إجر الانهار لنا حتى نتبعك.
وقال بعضهم: إنّ جماعة من الاعراب جاءوا إلى رسول الله(ص) وطلبوا منه ما طلب بنو إسرائيل من موسى، فقالوا: أرنا الله جهرة.
وقال آخرون: إنهم طلبوا من رسول الله أن يجعل لهم صنماً من شجرة خاصة ليعبدوه كما قال بنو إسرائيل لموسى: (إجعل لَنا إلهاً كَمَا لَهُم آلهة)

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/109}
كثير من أهل الكتاب وخاصة اليهود لم يقنعوا بعدائهم للإسلام فحسب وإنما كانوا يودون أن يرتد المسلمون عن دينهم أيضاً وذلك بدافع الحسد الذي كان يتملكهم، وأمام هذا السلوك السيء اتخذ الإسلام منحى آخر في التعاطي معه، وهو قائم على أساس العفو والصفح، وكان من الضروري للمسلمين في تلك الآونة خصوصاً أن يتعاملوا بطريقة الصفح ويصبروا حتى يأتي الله بأمره إما عن طريق الجهاد وإما عن طريق آخر.

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{البقرة/110}
ثم أمر الله المسلمين بأمرين هامين، أحدهما الصلاة التي تربط الإنسان بربه، وثانيهما إيتاء الزكاة وهو رمزٌ للتكافل بين أفراد الأمة، وقد أخبرهم رب العالمين بأن كل إحسان يقومون به في هذه الحياة سوف يجزيهم بأحسن منه لأنه لا يضيع عنده أجر عامل.

وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/111}
ويتابع القرآن ذكر أماني اليهود وغيرهم من المشركين، فلقد زعم هؤلاء بأنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهم، أي أن الجنة حكر على اليهود والنصارى، فيرد عليهم القرآن بما رد عليهم في السابق، ويعبّر عن هذا الزعم بالأماني المزعومة العارية عن الصحة، ثم يأمر خاتم أنبيائه بأن يطلب منهم البرهان على زعمهم، ولكن لا يوجد برهان على ذلك لأنهم الكاذبون الحقيقيون المحترفون في التحريف والتزوير واختلاق الأكاذيب وافتعال الأضاليل.

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/112}
فبعد أن ردّ القرآن على زعمهم الفارغ بيّن المعيار الأساسي لدخول الجنة، وهو الإسلام والإحسان الذي يترجمه ما يطلق عليه القرآن الكريم مصطلح العمل الصالح، فمن اتصف بذلك فهو من أهل الجنة، وليس هناك من خوف على مصير الإنسان المحسن.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{البقرة/113}
لم يقف النزاع عند حدودٍ معيَّنة، ولم يكن الإسلام وحده محارَباً من قبل المشركين حيث كانوا يواجهون كل ما يعترض طريقهم ويحول بينهم وبين تنفيذ رغباتهم، وهذه المرة وقع خلاف حاد بين رجل من اليهود اتهم النصارى بأنه لا دين لهم، وبين رجل نصراني اتهم اليهود بما اتُّهم به، والحقيقة هي أن الإثنين لا دين لهم، وفي بيان سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس أنه لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله(ص)آتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله(ص)، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شَيء، وجحد بنبوّة عيسى وكفر بالإِنجيل، فقال رجل من أهل نجران: ليست اليهود على شيء، وجحد بنبوّة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله هذه الآية: فلقد اتهموا بعضهم بذلك وهم أهل علم بالكتاب، فاليهود يعلمون التوراة، والنصارى يعلمون الإنجيل، فذمهم رب العالمين بأن شبّههم بمن لا يعلمون شيئاً لأن الذي يعلم ولا يعمل هو أقبح من الجاهل التارك للعمل، وذلك على قاعدة: وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظم:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ{البقرة/114}
لا يمكن حصر معنى هذه الآية في شخص واحد أو مجموعة بعينها لأن ما ورد فيها ينطبق على العديد من الأشخاص والكثير من الأحداث، وقد اختُلف في سبب نزول هذه الآية، فقال بن عباس: إنها نزلت في شخص يُدعى(فطلوس الرومي) ومجموعة من النصارى حاربوا بني إسرائيل وأحرقوا التوراة وهدموا بيت المقدس.
وعنه أيضاً أنها نزلت في الروم الذين غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه حتى أظهر الله تعالى المسلمين عليهم وحاربوهم.
وعن الإمام الصادق(ع) أنها نزلت في قريش عندما أرادوا منع رسول الله(ص) من دخول مكة والمسجد الحرام.
وقيل: إنها نزلت في مشركي مكة الذين هدموا الأماكن التي صلى فيها المسلمون قبل هجرتهم منها.
ولا مانع من أن تكون جميع تلك الأحداث سبباً لنزول الآية الكريمة لأن اليهود بوسوستهم في مسألة تغيير القبلة أرادوا أن يحطوا من شأن الكعبة، ومشركي مكة بمنعهم النبي والمسلمين من زيارتها سعوا في هدم هذا البناء الإلهي العظيم، وباستيلاء النصارى على بيت المقدس سعوا في خرابه أيضاً، ولأجل هذا وصف القرآن هذا السلوك بأنه ظلم كبير.

وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{البقرة/115}
إن منع الناس من دخول المساجد لا يحول بين المؤمن وربه، فإن باستطاعة المؤمن أن يتصل بربه أنّى شاء زمانياً ومكانياً، ومما لا شك فيه هو أن مسألة تغيير القبلة في ذلك الزمان أحدثت بلبلة كبرى في جميع الأوساط، وذلك بسبب التشكيك الذي كان يشيعه اليهود بين الناس، وقد ذُكر لسبب نزول هذه الآية أكثر من أمر، فقد روي عن ابن عباس أنه عندما تغيرت قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة بدأ اليهود يشككون قائلين: وهل من الممكن أن تتغير الكعبة؟ فنزلت الآية ترد عليهم وتقول إن المشرق والمغرب لله.
وروي أيضاً: أَنَّ الاية نَزَلْتْ فِي الصَّلاَةِ الْمُسْتَحبَّةِ حيث يَسْتَطِيعُ الاِْنْسَانُ أَنْ يُؤَدِّيهَا عَلى رَاحِلَتِهِ أَيْنَمـَا اتَّجَهَتِ الرَّاحِلَةُ، دُونَ اشْتِرَاطِ الاِْتِّجَاهِ نَحوَ الْقِبْلَةِ.

وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ{البقرة/116}
من جملة المعتقدات النحرفة لدى اليهود والنصارى أن الله عز وجل اتخذ ولداً، وهذا ما من شأنه أن يجعل الخالق كالمخلوق، فليس الله بحاجة إلى ولد حتى يستمر نسله، ولا بحاجة إلى مساعدة من أحد، ولذا ردّ عليهم الله بتنزيه نفسه حيث قال(سبحانه) هذا بالإضافة إلى أن السموات والأرض ومن فيهما وما فيها كلهم خاضعون له، فلا تثيروا هذا المعتقَد الواهن لأنه لن ينفعكم في شيء بل إنه سوف يضر بعقائدكم وبالتالي سوف تستوجبون عليه دخول جهنم.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ{البقرة/117}
كيف تدّعون ذلك والله بديع السموات والأرض، أي أنها خلقهما من العدم، ألم تعلموا أنه إذا أراد شيئاً فلا بد وأن يكون هذا الشيء من دون إحداث أية حركة، ولذا قال أمير المؤمنين(ع): أَنْشَأَ الخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا، وَلاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلاَهَمَامَةِ نَفْسٍ اظْطَرَبَ فِيهَا:

وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{البقرة/118}
يبدو أن الآية هنا تتحدث عن مشركي العرب الذين كانوا يضعون العراقيل في وجه الرسول ليعرقلوا بها تبليغ الدعوة، فلو طلبوا من النبي أمرين لا يمكن تحققهما، الأول: وهو أن يكلمهم الله عز وجل مباشرة، والثاني: أن تنزل آية لكل فرد منهم على حده، وهذا يخالف قوانين الشريعة التي ما خضعت يوماً لإرادة فرد شاذ ومنحرف، فلقد شابه سلوك مشركي العرب سلوك اليهود من قبلهم عندما طلبوا من نبيهم أن يريهم الله بالعين المجردة.
إن مسؤولية الرسول هي تبليغ رسالة السماء والإتيان بالمعجزة كما يقتضي الحال، وقد أتاهم خاتم الأنبياء(ص) بالقرآن الكريم الذي اعترف القاصي والداني بإعجازه، وجاءهم بالعديد من المعجزات الأخرى، وما على الرسول إلا البلاغ، وليس من واجب الرسول أن يستجيب لطلب كل فرد على حده فإن ذلك يتناقض مع المبادئ العامة والعقائد الثابتة، وعلى كل حال فقد قام الرسول بواجبه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وليتحمل كل فرد من الناس مسؤولية اعتقاده وسلوكه.

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ{البقرة/119}
في هذه الآية تطمين لخاتم الأنبياء(ص) الذي لم يُطلب منه أكثر مما قام به، فلقد أخبره الله سبحانه بأن مسؤوليتك محصورة في تبشير المؤمنين بالثواب، وإنذار العاصين من العقاب، ولست مسؤولاً عن انحرافهم بعد أن بلّغتَهم رسالة ربك.

وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{البقرة/120}
لقد أخبر الله رسوله بما يدور في صدور اليهود والنصارى تجاهه وتجاه رسالته، ولعل عدم الرضا منهم عن الرسول تفاعل وخرج إلى الظهور والعلن بعد مسألة تغيير القبلة التي أزعجت الفئتين المذكورتين، وانزعج منها بعض المسلمين نتيجة قصور التفكير عندهم، ولكنه لو نزل النبي عند رغبتهم وأعاد القبلة إلى بيت المقدس فإنهم لن يرضوا عنه أيضاً لأنهم من الأساس لا يريدون الإعتراف بنبوته ولا تصديق دعوته، وإنما يحاولون وضع العراقيل في طريقه وبث الشكوك في قلوب الناس بهدف التغلب عليه والقضاء على الإسلام، وتعبير القرآن عن سلوكهم بالأهواء يكشف عن نواياهم الخسيسة من وراء كل ما يطلبونه من رسول الله، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يأملون أن تكون قبلة المسلمين موافقة دائماً لقبلتهم، فلمّا تغيّرت قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة يئسوا من نبي الإِسلام: كما وأن الآية تشير إلى ما هو أكثر من ذلك حيث لم يقف التعبير عند مسألة الرجوع عن تغيير القبلة بل ذكرت أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم أي جميع ما يعتقدون به رغم وضوح فساده.
وقد ورد كلام آخر في سبب نزول هذه الآية وهو أن النبي(ص) أصر على إرضائهم طمعاً في قبولهم الإسلام فنزلت هذه الآية لتؤكد للنبي أن رضى اليهود والنصارى غاية لا تُدرك، وفي بيان مراوغة تلك الجماعة قال سبحانه في سورة الإسراء(وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً)

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{البقرة/121}
لعل الآية هذه ناظرة إلى اليهود والنصارى الذين أسلموا وأحسنوا إسلامهم أمثال عبد الله بن سلام وسعيد بن عمرو، وتمام بن يهودا، ولعلها نزلت في جعفر بن عبد المطلب حين رجع من الحبشة وكان برقته أربعون شخصاً، إثنان وثلاثون من أهل الحبشة، وثمانية رهبان منهم بحيرا الراهب المعروف، وعلى أي حال فإن الآية تمدح الذين آمنوا وتلوا الكتاب من دون تحريف، وتذم الذين يفعلون عكس ذلك وتواعدهم الخسران الذي لا خسران يضاهيه.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ{البقرة/122}
مرة أخرى يرجع الخطاب الإلهي إلى الحديث عن فضل الله تعالى على بني إسرائيل، فلقد ذكّرهم بتفضيله لهم على العالمين، ويُراد بالعالمين هنا تلك الأمم التي عاصرتهم في الماضي، وفي الآيات السابقة ظهر لنا موارد تفضيلهم حيث فتح لهم مجالت كثيرة للتوبة فأغلقوها بعنادهم وكفرهم حتى استحقوا غضب الله العظيم.

وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/123}
إن الدعوة إلى تقوى الله تعالى بعد ذكر التفضيل فيه إشارة إلى كون الفضل يأتي على مستوى التقوى، ويدل عليه قوله تعالى في سورة الحجرات(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ثم حذرهم رب العالمين من شدة يوم لا تنفع فيه الشفاعة ولا الفدية ولا الندم ولا البكاء إلا العمل الصالح.

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ {البقرة/124}
وهنا تبدأ قصة جديدة من قصص القرآن الكريم وهي تحمل معها الكثير من العبر والفوائد للبشرية في كل مكان وزمان لأن فوائد القرآن لا تنحصر في فئة دون أخرى لأن فضله عام وشامل.
وإبراهيم(ع) هو خليل الله تعالى، وهو شيخ الأنبياء، وثاني أولي العزم من الرسل، وهو بطل التوحيد، وهو الذي نال مدحاً كثيراً وثناءاً جميلاً من رب العالمين، وقد أشير إلى ذلك في مختلف سوره المباركة وآياته الكريمة.
وهذه الآية وما يليها، وعددها ثمانية عشرة آية تختصر لنا تاريخاً طويلاً وتشير إلى أحداث توزعت على عشرات السنين في بقعٍ عديدة من هذه الأرض، وقبل البدء بشرح تلك الآيات يمكن لنا استخلاص ثلاثة عناوين أساسية تتمحور حولها:
العنوان الأول: مسألة الكعبة التي بناها إبراهيم والتي لوثها المشركون بأصنامهم، وأن هذا التلويث لا يحط من شأنها شيئاً.
العنوان الثاني: فضح ادعاءات اليهود والنصارى حول موضوع انتسابهم لخليل الله إبراهيم(ع).
العنوان الثالث: إثبات بُعد مشركي العرب عن نهج إبراهيم الذي هو نهج الحق والتوحيد.
والآية المذكورة تخبرنا أن الله تعالى امتحن خليله إبراهيم بكلمات، أي ببعض الأوامر والنواهي، وقد نجح إبراهيم في تلك الإختبارات، وكان عبرة لمن أتى بعده حيث كانت ابتلاءاته صعبة ومريرة، ورغم ذلك فقد اجتازها بنجاح باهر، وهو معنى قوله سبحانه(فَأَتَمَّهُنَّ) ولأنه(ع) أتمهن فقد رفع الله شأنه وجعله إماماً للناس، وهو منصبٌ رفيع المستوى وعالي الشأن.
وقد تمنى إبراهيم أن يستمر نهج الإمامة وخطها فيمن يأتي بعده لا أن يبقى محصوراً بشخصه، فأجابه ربه سبحانه بأن عهدي أو أن الإمامة لا تصيب من كان عاصياً، وهذا يدل على عصمة الإمام، ولقد حقق الله تعالى طلب خليله بأن استمرت الإمامة في ذريته الأطهار وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا بشخص قائم آل محمد الإمام المهدي المنتظَر(عج).

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ{البقرة/125}
بعد أن بيّن لنا الله سبحانه مكانة خليله إبراهيم بطل التوحيد خاطبنا بشأن الكعبة فقال(وَإِذْ جَعَلْنَا) أي اذكروا أيها الناس موضوع جعل الكعبة المطهرة مثابة للناس، والمثابة من الثوب، أو عودة الشيء إلى حالته الأولى، وقد كانت الكعبة مركزاً يتجه إليه الموحدون كل سنة، وهي محلٌّ لعودة روحية التوحيد إلى مكانها الطبيعي، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، ولهذا نلاحظ بأن الذي يزور الكعبة المشرّفة يشعر بأن هناك قوة غيبية تشده نحو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، وهذه الحالة هي من خصوصيات ومميزات ذلك البيت المعظَّم.
ويتضمَّن لفظ المثابة أيضاً معنى الراحة والإستقرار، فبيت الإنسان هو محل عودته ومقر راحته، وما يشعر به الإنسان من راحة في بيته يشعر به كل الناس لدى زيارتهم للكعبة الشريفة، فهي بيتٌ للعالمين من دون استثناء، حتى أنه لو أُذن لغير المسلم بزيارة هذا البيت المعظّم لشعر بما يشعر به المسلمون.
وأما قوله سبحانه(وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فقد اختلف المفسرون في تحديد مقام إبراهيم، فذهب بعضهم إلى أنه عرفة والمشعر الحرام، وذهب آخرون إلى أنه الجمار الثلاث، وقيل إنه حرم مكة، والأقرب هو ذلك المكان المجاور للكعبة الشريفة، ولأجل هذا فإن الحجاج يصلّون خلفه، ولهذا سمّي(مصلّى).
ثم ألقى الله سبحانه مسؤولية تطهر بيته على عاتق إبراهيم وإسماعيل(ع)، وقد اختلفوا في المراد من التطهير في الآية، ولكن الأنسب هو أنه المراد كل ما يصدق عليه أنه تطهير سواء كان تطهيراً مادياً كتطهيره من النجاسات التي كانت فيه كدماء الذبائح، أو تطهيراً معنوياً كإخلاص النبية فيه من كل من يقصده.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{البقرة/126}
الآية السابقة تشير إلى أن الله تعالى جعله بيته الحرام بلداً آمناً لقاصديه وقاطنيه، وهذه الآية تحكي عن أن إبراهيم(ع) دعا الله عز وجل بدعاءين هما: الأمن والرزق من الثمرات: وقد خص الدعاء بمن آمن من الناس فقط لأنه علم قبل ذلك أن من ذريته من سوف يشرك بالله عز وجل، ولأجل هذا خصّ المؤمنين منهم بالدعاء، وقد كان للمفسرين أكثر من رأي حول معنى(الثَّمَرَاتِ) ولكن ما يبدو هو أن معناها واسع فهي تشمل النعم المادية والنعم المعنوية، وقد ورد عن إمامنا الصادق(ع) قوله: هِيَ ثَمَرَاتُ الْقُلُوبِ: تلك القلوب التي تهوي إلى ذلك المكان وترتبط به روحياً، ولكننا عندما نتأمل قوله تعالى في سورة إبراهيم(رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) نجد بأن الدعاء يشمل أمرين متغايرَين هما:إهواء القلوب إليهم: و:الرزق من الثمرات: ولكن ما يؤكد قول مَن ذهب إلى أن المراد بالثمرات ثمرات القلوب هو قول أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة: تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ: ثم اشترط الله تعالى بأنه لن يرزق ولن يرحم المنحرفين عن الدين بل سوف يمتعهم في الدنيا قليلاً ثم في يوم القيامة سيعذبهم عذاباً أليماً.

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{البقرة/127}
تشير هذه الآية بوضوح أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم(ع) وأن إبراهيم وإسماعيل قد رفعا قواعده التي كانت موجودة منذ زمن بعيد جداً، فرفعا تلك القواعد كما أمرهما ربهما سبحانه ودعا ربهما بأن يتقبّل منها هذا العمل الإيماني الجميل، وقد أشار أمير المؤمنين علي(ع) إلى كون البيت كان موجوداً قبل رفع قواعده حيث قال في نهج البلاغة: ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً) ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ، وَرِمَالٍ دَمِثَةٍ، وَعُيُونٍ وَشِلَةٍ، وَقُرىً مُنْقَطِعَةٍ، لا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْفٌ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ، تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ:

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/128}
يتابع إبراهيم وإسماعيل دعاءهما لله فيطلبان منه أن يجعلهما مسلمَين له، والسر في فحوى هذا الدعاء تنطوي تحت مسألة كونهما أبوي المسلمين، وإذا كانا كذلك فلماذا دعوا ربهما بذلك؟ الجواب أن هذه الطريقة هي ديدن الصلحاء في مخاطبة الخالق سبحانه وهو يُنبئ عن التواضع في العبادة، ثم طلبا من ربهما أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة، وهذا أفضل ما يمكن أن يدعو به الإنسان لغيره لأن الإسلام روح الوجود ونور الحياة وسبب النجاة بعد الممات، ثم طلبا من ربهما أن يفهّمهما طرق العبادة التي عُبّر عنها في الآية بالمناسك، ثم كان الطلب الأخير في هذه الآية وهو طلب التوبة التي كانت وما تزال أحد أكبر أبواب الرحمة الإلهية الواسعة.

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ{البقرة/129}
إنه دعاء لنا نحن أمة خاتم الأنبياء(ص) فلقد توجه إبراهيم وولده بالدعاء إلى الله عز وجل في بعث رسول للأمة المسلمة يتلو عليهم آيات القرآن الكريم، ويعلّمهم الحكمة(الشريعة) ويزكيهم ويطهرهم من دنس الفساد والشرك والإلحاد، ولذا جاء في الحديث عن النبي الأعظم(ص) أنه قال:أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى:

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ{البقرة/130}
لا يتخلى عن دين إبراهيم إلا الإنسان السفيه، ولا يرغب عن تلك المدرسة النورانية التوحيدية إلا المشرك والمعاند والظالم لنفسه لأن إبراهيم باب رحمة للعباد ورمز من رموز الرشاد، وقد أخبرنا الله تعالى أنه اصطفاه في هذه الحياة ليكون قدوة للبشر وأسوة لهم، وأخبرنا بأنه في يوم القيامة سوف يكون له وضعٌ خاص عند رب العالمين.

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{البقرة/131}
في هذه الآية يوجد مدحٌ وثناء عل خليله إبراهيم الذي أسرع إلى التوحيد وهو يعيش في محيط الوثنية وعبّاد النجوم والكواكب، فأعرض عن تلك الأوهام متوجهاً نحو القدر اللامتناهية، وهذا ما أشار إليه القرآن بوضوح حيث قال(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لأجل هذا كانت ملته ملة الحق، وكان الراغبون عن ملته ظالمين.

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{البقرة/132}
لقد أوصى خليل الله إبراهيم أبناءه بوصية الإسلام، وحذّرهم من أن يموتوا على غير هذا الدين الذي مَن مات على غيره هلك، ونفس هذه الوصية وصّى بها يعقوب(ع) بنيه، ولعل اختصاص يعقوب هنا بهذه الوصية دون ذكر غيره من الأنبياء فيه ردٌ على اليهود الذين ينتسبون إليه، وكأنه تعالى يريد أن يقول لهم إن الذي تنتسبون إليه كان مسلماً وقد أوصى بنيه بهذه الوصية، وأنتم لم تعملوا بوصيته، فلا قيمة لانتسابكم إليه حيث لا تغني الأنساب شيئاً في يوم الحساب.

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{البقرة/133}
إدعى اليهود أن يعقوب(ع) عندما حضرته المنيّة جمع أولاده وأوصاهم باعتناق اليهودية، فردّ عليهم ربهم هل كنتم حاضرين يوم تلك الوصية؟ إن يعقوب لم يوصهم باليهودية بل بالإسلام، وقد أوضح لهم الأمر أكثر فقال(إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ولم يقف عند ذكر دين الآباء فقط كيلا يزعم اليهود بأن دينهم كان اليهودية، وإنما أكد على كونه كان الإسلام حيث ختم الآية بقوله(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ{البقرة/134}
الخطاب هنا موجّه لليهود وغيرهم، فإن الأنبياء(ع) أمة قد خلت وقد كتب الله أعمالهم عنده، وسوف يكتب أعمالنا نحن، فلا يغني الوالد عن ولده شيئاً، وتلك قاعدة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فمهما تباهوا في كونهم أبناء نبي فإن ذلك لن يشفع لهم عند الله ما لم يسلكوا سبيل النبي.

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{البقرة/135}
أكتفي هنا بذكر سبب نزول هذه الآية لأنه يفي بالغرض المطلوب، فلقد ورد عن ابن عباس أن جماعة من علماء اليهود ونصارى أهل نجران خاصموا أهل الإِسلام، كل فرقة تقول إنها أحق بدين الله من غيرها، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وقالت النصارى: عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإِنجيل أفضل الكتب، وكل فريق منهما قال للمؤمنين: كونوا على ديننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية:

قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{البقرة/136}
يأمرنا الله تعالى بأن نؤمن بما أُنزل إلينا وما أنزل إلى الأنبياء قبلنا فإن كل ما نزل إليهم كان من مصدر واحد ولهدف واحد وهو هداية البشر وتحريك مفاعيل الفطرة المودعة فيهم والتي ترشد الإنسان إلى روح التوحيد، فيجب أن نؤمن بكل ما وجب الإيمان به مما أنزل إلينا وإلى الأنبياء قبلنا وإلى الأسباط، ولا يجوز أن نفرّق بينهم لأن رسالاتهم واحدة وقد قام كل نبي بالوظيفة المطلوبة منه في زمن معيّن، والأسباط هم قبائل من بني إسرائيل، وقيل إنهم أبناء يعقوب.

فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{البقرة/137}
لو آمن المشركون بجميع الأنبياء وبما أنزل الله على رسله لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة، وإذا لم يفعلوا ما فعل المؤمنون فهم في انحراف وضلال وشقاق، ومن الشقاق الحرب، ولكن مهما تربّصوا الشر بالمؤمنين فسوف يكفي الله المؤمنين شرور أعدائهم، وقد طمأنت هذه الآية قلوب المسلمين في ذلك الزمان، وكذا في كل زمان بعده.

صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ{البقرة/138}
بعد أن أخبرنا القرآن بأن الذين يؤمنوا حقاً فسوف يهتدون أوضح لنا وجوب انتهاج صبغة الله(دين الله) فهي أحسن صبغة للإنسان في حياته وبعد مماته، ولن تنفعنا صبغة الآباء التي صبغونا عليها إن كانت غير صبغة الله وغير ملة خليله إبراهيم(ع)، وهل يوجد أفضل من دين الله الذي نحن به ملتزمون وله تعالى عابدون، وقد ذكر المفسرون بأن النصارى كانوا يغسلون أولادهم عند الولادة بماء أصفر اللون لاعتقادهم بأنهم يطهرونه من الذنب الموروث من آدم(ع) وهو ما يسمونه(التعميد)، ولهذا ردّ عليهم القرآن فأمرهم باستبدال ذلك الصبغ بصبغة الله، وهو من التعابير القرآنية الرائعة، فبدل أن تصبغوا جسم المولود بماء ملوّن، إصبغوا روحه بالتوحيد فإن ذلك هو الصراط المستقيم، وبمعنى آخر: عليكم أن تغذوا المولود على الإيمان وتشجعوه على العمل منذ الصغر، لا أن تعودوه على الخرافات من صغر سنّه، وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) قوله: صبغة الله هي الإسلام:

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ{البقرة/139}
كان اليهود وغيرهم من المشركين يحاجّون المسلمين في العديد من الأمور التي كان منها قولهم:إن جميع الأنبياء مبعوثون منّا، وإن ديننا أقدم الأديان: فرد عليهم القرآن بالآية المذكورة مبيناً لهم سبب التفاضل بين الناس، وهو العمل الذي جعله الله تعالى ميزان الحساب في يوم القيامة، إن لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ولكن هناك فارق أساسي بيننا وبينكم، وهو أننا مخلصون في العبادة لله وحده دونكم.

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/140}
هل برأيكم أن الأنبياء السابقين كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وأسباط يعقوب كانوا من اليهود أو من النصارى كما تزعمون؟ إنه زعمٌ فارغ، والتاريخ يشهد على ذلك، وهل أنتم أعلم من الله في ذلك، ولقد أخبرنا الله مراراً بأن الأنبياء كانوا على دين الإسلام كما في قوله سبحانه(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) وقوله(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ثم إنكم أيها المشركون تكتمون الحق الذي تعرفونه تماماً حول الأنبياء ورسالاتهم، وهل تظنون بأن الله غافل عن ظلمكم هذا؟ إنه سوف يعاقبكم على ذلك أشد عقاب.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{البقرة/141}
إفرضوا أنكم أيها المشركون على حق فيما تزعمون وأن ادعاءاتكم تلك صحيحة، فإن ذلك لن يعود عليكم بالمنفعة، ولن يسألكم الله عما كان يعمل السابقون، فلهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم، ثم إن ميزان المفاخرة هو الإيمان والعمل وليس ذكريات الآباء والأجداد.
سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{البقرة/142}
صلى رسول الله محمد(ص) ثلاثة عشر عاماً وهو يتجه في صلاته صوب بيت المقدس، ثم تغيّرت القبلة بعد الهجرة فأمر الله رسوله بأن يتجه في الصلاة نحو الكعبة، وكان قد صلى نحو بيت المقدس بعد الهجرة مدة تتراوح بين سبعة أشهر وسبعة عشر شهراً حيث اختلف المفسرون والمؤرخون في ذلك، وكان اليهود يقرّعون المسلمين وهم يتجهون في صلاتهم نحو بيت المقدس، وكان هذا التقريع يسبب ألماً في نفس الرسول ونفوس المسلمين، وقد عبّر القرآن عن اليهود بالسفهاء لأنهم كذلك فعلاً، وقد قاموا بحملة تشكيكية كبرى بعد تغيير جهة القبلة، وقد أشرنا إلى حقيقة هذا التشكيك فيما سبق، ولكن الله تعالى يرد عليهم بأن المشرق والمغرب وما بينهما هو ملكٌ له، وليست العبرة في التوجه إلى هنا أو إلى هناك، وإنما العبرة هي في الإلتزام بأوامر الله عز وجل، ولم يفعل الرسول والمسلمون سوى ما أمرهم به ربهم.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ{البقرة/143}
يشار في هذه الآية إلى جانب من أسباب تغيير القبلة، ومعنى الأمة الوسط هو التالي:
منهم مَن قال: لأن الأمة الإسلامية أمة معتدلة ليس فيها إفراط ولا تفريط، وقد ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) قولهم: «نَحْنُ الاُمّة الْوُسْطى، وَنَحْنُ شُهَدَاءُ اللهِ عَلى خَلْقِهِ وَجُجَجُهُ فِي أَرْضِهِ … نَحْنُ الشُّهَداءُ عَلَى النَّاسِ:
ومنهم من قال: هذا نسبةٌ لتوسط قبل المسلمين بين ما كان يتوجه إليه اليهود والنصارى: حيث كان النصارى الذين يقطنون غرب الأرض يتوجهون نحو الشرق الذي فيه بيت المقدس، وكان اليهود الذين تواجدوا في بابل والشامات يتوجهون نحو الغرب لدى توجههم نحو بيت المقدس، وكانت القبلة خط وسط بين المشرق والمغرب.
والقرآن الكريم يؤكد أن الإسلام قائم على التوازن والإعتدال في جميع أحكامه وقوانينه، وقد جعل الله الرسول والمسلمين شهداء على الناس، أي أنه جعلهم قدوة للناس وأسوة، أما موضوع تغيير القبلة فلم يحصل إلا من أجل اختبار الناس ليتميز بذلك المؤمن عن غيره، ويعلم الله(وهو العالم) من يفوّض أمره إليه ممن ينقلب على عقبيه ويتراجع عن الإيمان.
وأمر القبلة الجديدة كبير في نفوس المسلمين الذين ينظرون إليها بعين الإجلال والإحترام والقداسة دون غيرهم ممن لا يرون فيها أية قداسة، كاليهود.

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ{البقرة/144}
كان بيت المقدس قبلة مؤقتة للمسلمي، وفي ذلك حكمة من رب العالمين سبحانه، وكان اليهود يستغلون هذا العمل ليؤكدوا للناس أنهم على حق دون المسلمين الذين كانوا يتوجهون في صلاتهم نحو قبلة اليهود، ولا شك بأن كلام اليهود كان يؤذي رسول الله والمسلمين، ولعل بقاءهم الطويل في التوجه نحة بيت المقدس كان ابتلاءاً لهم واختباراً لصبرهم، وقد نجحوا في ذلك الإختبار، وكان النبي(ص) ينتظر الأمر الإلهي ذاك بفارغ الصبر، وبينما كان يؤم المسلمين لصلاة الظهر فيما يسمى اليوم بمسجد القبلتين، وإذ بجبرائيل(ع) ينزل ويأخذ بذراع النبي ويديره نحو المسجد الحرام، وعلى إثر ذلك تبعه المسلمون في الإلتفات نحوه، وهناك أنزل الله أمراً بالتوجه في الصلاة شطر المسجد الحرام أينما كنا في بقاع الأرض، والشطر هو الجهة أو الجانب، ثم يخبرنا القرآن بأن المشركين كانوا يعلمون بأن هذا النبي الخاتم(ص) سوف بصلي إلى القبلتين، ولهذا قال سبحانه(وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ)

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ{البقرة/145}
لا تُتعب نفسك يا رسول الله في إقناع أهل الكتاب باتباع قبلتك(المسجد الحرام) فإنك مهما حاولت فلن يتبعوك وإن أعطيتهم كل دليل قاطع، وفي ذات الوقت فأنت لن تتبع قبلتهم وتتخلى عن قبلتك مهما ضايقوك في صلاتك أنت والمسلمين لأن المسجد الحرام هو القبلة النهائية للمسلمين إلى يوم القيامة، ولهذا صبر النبي والمسلمون على كل أنواع الأذى الذي سبّبه لهم المشركون لدى توجههم في صلاتهم نحو الكعبة الشريفة، ثم أخبرتنا الآية الكريمة بحقيقة أخرى وهي أن أهل الكتاب لن يتبعوا قبلة المسلمين فقط بل إن اليهود لن يتبعوا قبلة النصارى، ولا النصارى سوف يتبعون قبلة اليهود، ثم تأتي الفقرة الأخيرة من الآية من باب:إياك أعني واسمعي يا جارة: فتقول(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) إن أي مسلم يتبع قبلة غير المسلمين عبر الزمن فقد ظلم نفسه وخرج عن الإسلام.

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{البقرة/146}
تخبرنا الآية أن أمل الكتاب كانوا يعرفون رسول الله محمداً(ص) ودلائله وعلاماته التي وردت في كتبهم، ولكن مجموعة منهم كانت تخفي تلك الحقائق حسداً وعناداً، بينما كان هناك مَن آمن برسول الله بسبب معرفته به كعبد الله بن سلام الذي صرّح بأنه كان يعرف رسول الله أكثر من معرفته بابنه، ولعل الآية هنا ناظرة إلى هذا المعنى.

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ{البقرة/147}
تؤكد الآية هنا بأن الحق هو ما يصدر عن الله تعالى وتنهى عن التردد، فلا تكن من المترددين، ولا بد أن يكون هذا الخطاب للناس أجمعين حيث أن النبي(ص) لم يشك يوماً ولم يتردد عن القيام بواجبه لحظة.

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/148}
يتعلق ما ورد في هذه الآية بموضوع تغيير القبلة حيث أخذ من الجدل عند اليهود أكثر من حجمه، وكأنه تعالى يريد أن يقول لهم كان للأنبياء على مر التاريخ وجهات مختلفة يتوجهون إليها، وليس المعيار في الميزان الإلهي هو الوجهة بل إن المعيار هو عمل الإنسان، وقد صرّح القرآن بهذه الحقيقة في قوله تعالى(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيّينَ)
ثم تشير الآية إلى لهجة قاسية تحمل وعيداً لليهود وأمثالهم على تلك الإفتراءات التي كانوا يتسلحون بها، فلقد واعدهم الله بأنه سوف يجمعهم جميعاً ولا شك بأن سوف يأتي بالجميع للحساب في يوم الحساب.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/149}
يأمر الله رسوله بأن يتوجه في صلاته إلى جهة المسجد الحرام في أية منطقة كان، ثم يؤكد على أن هذا هو الحق منه، ويكرر تهديده للمتآمرين على الرسول والرسالة ويخبرهم بأنه ليس غافلاً عن ممارساتهم، وهذا يعني أنه سوف يعاقبهم عليها.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{البقرة/150}
في الآية السابقة وُجّه الخطاب إلى عامة المسلمين عبر رسول الله(ص) وهنا يتكرر الخطاب مع إيضاح أكثر وهو بيان عموم الحكم وشموله للجميع، وقد عالجت هذه الآية فكرة هامة حيث أشارت إلى الحكمة من وراء الأمر بتغيير القبلة في الوقت الذي تغيّرت فيه، وهو أن اليهود قبل تغيير القبلة كانوا يعيّرون المسلمين بأن النبي الذي ذُكر في كتابهم يصلي على قبلتين، ونبيكم لم يصل إلى على قبلة واحدة، فأنزل الله هذا الأمر كيلا يكون لليهود وغيرهم حجة على المسلمين، لكن الذين ظلموا منهم(اليهود ومن سلك مسلكهم) رغم تلك الحجة فسيبقون معارضين ولجوجين، ثم أمر الله المسلمين بأن لا يخشوا أحداً من أولئك الظالمين، بل يجب أن يخشوه وحده لأن خشيته هي باب الفوز، ثم أشارت الآية الكريمة إلى مسألة إتمام النعمة، وكثير منا يعرفون بأن نعمة الدين هي أعظم نعمة يمن بها الخالق على المخلوق، وقد أتم الله نعمته على المسلمين في ذلك الزمان عندما أثبت لليهود أن رسوله يصلي على قبلتين، وأن المسلمين لا يتوجهون إلى قبلة اليهود الذين اعتبروا ذلك فضلاً لهم، وأن البيت الحرام نعمة بكل ما للكلمة من معنى.

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ{البقرة/151}
كما كان تغيير القبلة إتماماً للنعمة عليكم، فكذا كان إرسال رسول منكم إليهم من قبل الله عز وجل، فلقد أرسل الله رسوله إليكم ليعلمكم القرآن والأحكام، وأما قوله تعالى(وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) فيه إشارة إلى أن الأنبياء لم يعلّموا الناس الكتاب والحكمة فقط، وإنما علموهم الكثير من التعاليم الهامة في هذه الحياة، ولعل ذلك ما يكمن خلف المهن التي كان بعض الأنبياء(ع) يزاولونها كتعليم الخياطة والنجارة والحدادة وما شاكل ذلك مما أشير إليه في القرآن الكريم والتاريخ الصحيح.

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ{البقرة/152}
على الإنسان أن يذكر ربه عبر الإيمان به والطاعة التامة له، فإن فَعَل الإنسان ذلك ذَكَرَه الله تعالى برحمته في الدنيا والآخرة، كما وأنه يجب أن يكون شكرنا لله تعالى أبعد من حدود الشكر اللفظي، فإن ترجمة الإيمان عملياً هي الشكر الحقيقي لله عز وجل.
وقد كان للمفسرين آراء كثيرة حول معنى الذكر في الآية، فمنهم من قال: أذكروني بالطاعة: ومنهم قال:بالدعاء: وآخرون:بالثناء: وبعضهم: في الخلوات، وفي الصعاب، وفي العبادة، وفي الجهاد، وهناك عشرات الآراء حول ذلك يجمعها الطاعة لرب العالمين سبحانه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{البقرة/153}
وجّه الله تعالى أمراً لنا فحواه الإستعانة بالصبر والصلاة لأن الإستعانة بهاتين العبادتين لها أثر كبير على ثبات الإنسان ومقاومته للأهواء ومواجهته للصعاب، والصبر جزء من الإيمان لا ينفك عنه، وينبغي أن يشمل الصبر موارده الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر على المعصية، والصبر على المصيبة، فإن كان الإنسان صابراً كان الله معه في الدنيا والآخرة.

وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ{البقرة/154}
تنهى الآية عن وصف الشهداء بالأموات، وهو من أنواع النهي الإرشادي(والله أعلم) ولا عقاب في مخالفة هذا النوع من النهي، وقد ورد عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في شهداء بدر الذين كان عددهم أربعة عشر شهيداً، ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وبعد انتهاء المعركة وصف بعض المسلمين الشهداء بالأموات فنهاهم الله تعالى عن مثل هذا التعبير تنزيهاً لمقام الشهادة في سبيله، وربما للفصل بين من يُقتل في سبيل الله وبين من يُقتل في غير هذه الجهة، وصورها كثيرة لا داعي لذكر تفصيلها هنا، وقد عبّرت الآية عن الشهداء بالأحياء، وهذا من المفاهيم الواسعة في عقيدتنا سوف نشير إليه لاحقاً.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{البقرة/155}
بعد حديث الآيات السابقة عن الصبر وضرورة الإستعانة به لكونه وسيلة مقاومة كبرى أخبرنا الله تعالى بأنه سوف يمتحننا في دنيانا ببعض أنواع البلاء كالخوف من العدو وغيره، والفقر والشح والقحط والموت، ولكن الرابح هو الذي يصبر على بلاء ربه، وإن أفضل وسيلة لمواجهة البلاء هي الصبر دون غيره، لأن غير الصبر يجعل أثر المصيبة يتفاقم على الإنسان، أما الصبر فإنه يحد من رقعة انتشارها، ثم أمر الله رسوله بأن يبشّر الصابرين.

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{البقرة/156}
بعد أن أمر الله رسوله بأن يبشر الصابرين بيّنت لنا هذه الآية بعض صفاتهم وهي أنهم عند نزول البلاء يرجعون إلى الله عز وجل لإيمانهم به وثقتهم به وتوكلهم عليه وأنه وحده القادر على أن يفرّج عنهم، ثم إن الصابرين يقرون بعقيدة كبرى يعتقدون بها ولا ينحرفون عنها، وهي أننا عبيد لله وأننا إليه راجعون، وأن جميع أمورنا بيده، وهذا جوهر التفويض لأمر الله تعالى والتسليم لحكمه وغرادته.

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{البقرة/157}
بما أن الصابرين يفوضون أمورهم كلها لله وحده فسوف تكون عاقبة أعمالهم الحسنى، وقد أشارت هذه الآية إلى جوانب من تلك البشارة، وهي أن الله تعالى يصلي عليهم، وصلاة الله على الإنسان يعني رحمته له، وهذه الصلوات من شأنها أن تنير عقل الإنسان وتفتح بصيرة قلبه على الكثير من القضايا، وبهذا يتميز المؤمن الصابر عن غيره من الناس، وهذه هي الهداية التي يجب أن تتوفر في العباد، وقد وصف الله تعالى أصحاب هذا السلوك الكريم بأنهم مهتدون.
فقد روي «أَنَّ أُمَّ عَقِيل كَانَتْ امْرَأةً فِي الْبَادِيَةِ فَنَزَلَ عَلَيْهَا ضَيْفَانِ وَكَانَ وَلَدُهَا عَقِيلٌ مَعَ الاِْبِل فَأُخْبِرَتْ بِأَنَّهُ ازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ الاِْبِلُ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْبِئْرِ فَهَلَكَ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلنّاعي انْزِلْ وَاقْضِ ذِمَامَ الْقَوْمِ وَدَفَعَتْ إِلَيْهِ كَبْشاً فَذَبَحَهُ وَأَصْلَحَهُ وَقَرَّبَ إِلَى الْقَوْمِ الطَّعَامَ فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ صَبْرِهَا (قَال الرّاوي) فَلَمّا فَرِغْنَا خَرَجَتْ إِلَيْنَا وَقَالَتْ يَا قَوْمِ هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَحْسُنَ مِنْ كِتَابِ اللهِ شَيْئَاً؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَاقْرَأ عَلَيَّ آيات أَتَعَزَّى بِهَا عَنْ وَلَدِي فَقَرَأْتُ: «وَبَشِّرِ الصّابِرينَ الَّذِينَ إِذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلَيّهِ رَاجِعُونَ إِلى قَوْلِهِ الْمُهْتَدُونَ: فَقَالَتْ الْسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ صَفَّتْ قَدَمَيْهَا وَصَلَّتْ رَكَعَات ثُمَّ قَالَتْ: اللّهُمَّ إِنّي فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَني فَانْجزْ لي مَا وَعَدْتِنِي:

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ{البقرة/158}
كان المشركون في الجاهلية يأتون إلى مكة المكرمة ويؤدون مناسك الحج بطريقة منحرفة تماماً عن المنهج الإبراهيمي الحنيف، وكانت المناسك عندهم الوقوف في عرفات والأضحية والطواف والسعي بين الصفا والمروة ولكن بطريقة خاصة، فلقد وضعوا على الصفا صنفاً أسموه(أساف) وعلى المرة صنفاً أسموه(نائلة) وكانوا يتبركون بهما عند السعي بينهما إلى أن جاء الإسلام وصحّح تلك المناسك.
وبناءاً على تلك الخرافات التي كان يأتي بها المشركون توهَّم بعض المسلمين أن السعي بين الصفا والمروة عمل غير صحيح فنزلت هذه الآية لتخبرنا بأن الصفا والمروة من أعمال الحج ولا يكتمل بدونهما، فمن ذهب للحج أو للعمرة فلا جناح عليه أن يسعى بينهما.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ{البقرة/159}
في بيان سبب نزولها روي عن ابن عباس أن جماعة من المسلمين سألوا أحبار اليهود عن علامات خاصة بالنبي الخاتم(ص) فكتموا ما جاء عندهم في التوراة، فنزلت هذه الآية مشيرة إلى قبح هذا الكتمان الذي سوف يستحقون عليه اللعنة من الله سبحانه وتعالى، واللاعنون هم الملائكة والصلحاء وكل من أحب الحق وكره الباطل.

إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/160}
الذين يتوبون من مثل هذا الذنب وغيره توبة صادقة فسوف يتوب الله عليهم ويرحمهم بعد أن كانوا موضعاً للعنه ولعن الصالحين لهم، ولم يكتف الله تعالى بإخبارنا أنه سوف يتوب عليهم، بل أكد على أنه التواب الرحيم، ونحن نفهم من ذلك أن الله يتوب على المذنب أكثر من مرة فيما لو كرر العبد الذنب، إلى أن يُبرم الذنب عليه فلا توبة له بعد ذلك، وقد أشار القرآن الكريم في غير هذا الموضع إلى حدود التوبة.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{البقرة/161}
يرتبط معنى هذه الآية بالآية السابقة وما قبلها، فلقد أخبرنا الله عز وجل عن وزر كتمان الحق الذي يستحق عليه فاعله اللعن من الله واللاعنين، ثم أخبرنا بأنه يتوب على التائبين، وفي هذه الآية يخبرنا عن مصير الذين أصروا على كتمان الحق وماتوا وهم معاندون فسوف يجري عليهم الحكم الأولي، وهو لعن الله لهم ولعن اللاعنين، ولعل الآية هنا أفصحت عن المراد باللاعنين، فهناك ورد لفظ اللاعنين مجملاً، أما في هذه الآية فقد صُرّح به في قوله(وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)

خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ{البقرة/162}
تؤكد لنا هذه الآية خلود كاتمي الحق في العذاب الذي لن يخرجوا منه ولن يُخفف عنهم، ولن يعطيهم الله تعالى فرصة أخرى للتوبة.

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{البقرة/163}
لعله تعالى في هذه الآية يبيّن لنا وسيلة الخلاص من العذاب، وهي التوحيد الذي كان وما زال مصدر الخير للإنسان في الدنيا والآخرة، ثم كرر الله تعالى ذكر الصفتين اللتين ذُكرتا في سورة الحمد، وهما: الرحمانية والرحيمية.

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{البقرة/164}
لاحظنا أن الله سبحانه ختم الموضوع السابق بآية تشير إلى التوحيد، وفي هذه الآية يعطينا الدلائل على قدرته ووحدانيته وإحاطته بالأمور، وفي نفس الوقت فإنه تعالى يدعونا إلى التأمل في بعض العلامات:
منها: التأمل في القدرة التي ابتدعت السموات والأرض وما فيهما من مخلوقات كبيرة وصغيرة وذات ألوان مختلفة ووظائف متفاوتة.
ومنها: عملية انفلاق النهار من الليل، وذهاب الليل بعد حلول النهار عبر شروق الشمس وغروبها، وهذا ما كان يحاجج به الأنبياء كثيراً من العتاة كما صنع إبراهيم الخليل(ع) مع الحاكم نمرود عندما قصم له ظهره بقوله(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
ومنها: التأمل في السفن التي تعبر المحيطات وعباب البحار ناقلة البضائع من قارة إلى قارة، وهذا ما زاد في ازدهار الحياة والإقتصاد، وقد أشار سبحانه في غير هذه السورة إلى أخذ العبرة من تلك السفن التي تُبحر بإذنه حيث قال(وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ)
ومنها: النظر إلى الماء النازل من السماء، والذي لولاه لما كان في الأرض حياة، وإلى هذا المعنى يشير تعالى في موضع آخر بقوله(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ)
ومنها: النظر إلى تلك الدواب الكبيرة والصغيرة والتي ارتبطت حياتها بحياة الأرض، فمن الذي يدبّر أمرها ويحركها نحو السعي من أجل استمرار الحياة؟
ومنها: التأمل في الرياح التي لم يقتصر عملها على جرّ السفن فقط بل إن لها وظائف كثيرة أخرى، وقد أثبت العلم الحديث أهمية الرياح وعدّد أشكال وظائفها الأساسية.
ومنها: التأمل في تلك الغيوم التي تحمل مليارات الأطنان من الماء خلافاً لقانون الجاذبية، والتي ليس في مرورها فوقنا أدنى خطر على حياتنا.
إن التأمل في تلك الأنظمة من شأنه أن يدل الإنسان على خالقه، ومن يقول إنها وُجدت بلا موجد فقد قال ذلك افتراءاً وصرّح بخلاف ما هو مرتكز بداخله.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ{البقرة/165}
لم يكتف الذين أعرضوا عن التوحيد باتخاذ أنداد لله من الآلهة المزيفة فقط، بل كانوا يحبون تلك الأصنام حباً كبيراً لا يليق إلا لله عز جل.
وإن حب المؤمنين بالله لله تعالى أشد من حب المشركين لأصنامهم لأن حبهم لأصنامهم قائم على ركائز متزلزلة، أما حب المؤمن لربه فإنه قائم على الإيمان الذي لا تعصف به الرياح العاتية.
ثم يتوجه الله تعالى بالتهديد والوعيد لهؤلاء الذين اتخذوا أنداداً لله تعالى مبيناً لنا أنهم سوف يندمون على فعلتهم عندما يرون العذاب في يوم الحساب حين لا ملجأ لهم إلا الله عز وجل، وهناك سيعلمون أن القوة والغلبة لله وحده، وأن تلك الآلهة المزيفة لن تنفعهم في شيء، وكذا الآلهة البشرية.

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ{البقرة/166}
يتابع الله سبحانه بيان وعيده للكفار فيُخبرنا عن تدهور حالتهم النفسية وتَفكُّك الروابط بينهم وبين الذين آثروهم على الله في دار الدنيا، فيُخبرنا بأن الذين اتُّبعوا سوف يتبرأون هناك من الذين اتبعوهم في الدنيا لأنهم هم أحوج منهم للشفاعة إن كانوا من آلهة البشر كفرعون، وهذا ما أخبرنا الله عنه لدى حديثه عن تبرُّأ إبليس من متّبعيه حيث يقول(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)
فإن كانت المتَّبَع صنماً أو مخلوقاً غير عاقل فهو متبرئ منهم حكماً، وإن كان من أهل الإدراك فسوف يُعلن براءته منهم صريحة، ولكن الواضح أنهم من البشر لأن البراءة الحقيقية لا تصدر إلا عن العاقل، وكذا يمكن الإستدلال على هذا من الآية التالية.

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ{البقرة/167}
إنها أمنية لا يمكن أن تتحقق، فلقد تمنى المتَّبِعون لو يرجعون إلى الحياة الدنيا حتى يتبرؤوا من الذين كانوا قد اتبعوهم فيها، ولكن الحسرة سوف تقتلهم والنار سوف تحرقهم، ولن يخرجوا من النار أبداً لأنه كان بإمكانهم قبل الموت أن يتوبوا، ولكنهم أصروا على الكفر فكانت عاقبتهم وخيمة.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ{البقرة/168}
بعض قبائل العرب كخزاعة وثقيف حرّموا على أنفسهم بعض المأكولات ونسبوا هذا التحريم إلى الله عز وجل، فردّ عليهم ربهم بأن هذا السلوك هو عملٌ شيطاني، وقد نهاهم عن اتباع خطوات الشيطان الذي يريد أن يوقع بهم في العذاب، ثم أكدت الآية على مدى عداوة الشيطان لنا وخطورته علينا.

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/169}
بعدما بيّن لنا الله تعالى أن الشيطان عدو للإنسان أخبرنا أنه يأمرنا بفعل السيئات وبكل ما هو فحش، وهو الذي يسوّل لنا أن نقول على الله عز وجل ما ليس لنا به علم، فالذين نسبوا هذا التحريم إلى الله تعالى إنما قالوا ذلك بأمرٍ من الشيطان الرجيم.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ{البقرة/170}
قيل للذين حرّموا ما أحل الله: اتبعوا ما أنزل الله، ولا تتبعوا ما يمليه عليكم الشيطان: فتذرّع هؤلاء بالتقليد الأعمى الذي يرفضه العقل السليم والشرع الحنيف، فألقوا بالمسؤولية على الآباء والأجداد حيث أخذوا عنهم تلك الأحكام، وهنا آثروا ما كان عليه الآباء من الضلال على تعاليم الله سبحانه، ويفحمهم رب العالمين بقوله(أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) هل تعملون بكلام آبائكم حتى ولو كان أباؤكم جهلة وضالين؟ وهؤلاء يعرفون يقيناً أن آباءهم كانوا على باطل، ولكنهم يبحثون عن ذريعة يتذرعون بها حتى ولو كانت ذريعة ضعيفة من أجل عدم الخضوع لله ورسوله.

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ{البقرة/171}
إن كلامك مع هؤلاء لن ينفعهم في شيء لأن مثلهم كمثل الذي يصيح بمخلوق لا يفهم معنى الكلام، وذلك كراعٍ يصيح في قطيع من الغنم ليُبعدهم عن الخطر فلا يفهمون من صياحه شيئاً، ولهذا وصفهم بأن لهم عيوناً لا ترى الحقيقة، وآذاناً لا تسمعها، وألسنة لا تقولها، وقلوباً لا تعيها، ولهذا وصفهم في غير هذه الآية بقوله(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ{البقرة/172}
كان الخطاب قبل هذه الآية للجميع، وهنا اختص بالذين آمنوا، وقد أمرهم بالأكل مما أحل لهم على أن يشكروا الله شكراً حقيقياً، فإن شكروه حقاً كانوا عابدين له حقاً، وإلا فليسوا من المؤمنين.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/173}
بعدما أباح لهم ربهم الأكل من طيبات ما رزقهم، وواعد الذين حرّموا ما أحل الله عذاباً إن أصروا على الكفر بيّن الله لهم بعض ما حرّم عليهم، فلقد حرّم الله أكل الميتة أكل لحم الخنزير وأكل الدم وما ذُبح على غير اسمه عز وجل، ثم استثنى من هذا الحكم من كان مضطراً لأكلها فيأكل بمقدار ما يزيل به الإضطرار.
لقد كانت هذه الأنواع الثلاثة من اللحوم المحرمة هي الأكثر انتشاراً في ذلك الزمان، وقد استعمل القرآن لفظ(إنما) ليس على سبيل الحصر بل هو ما يسمى بالحصر الإضافي، لأن اللحوم المحرمة أكثر من ثلاثة، ولا شك بأن هناك سبباً لتخصيص هذه الثلاثة، ولعله كثرة استعمال هذه الأنواع دون غيرها من الأنواع المحرمة، ويمكن أن يكون المراد باستعمال لفظ الحصر هو الرد عليهم عندما حرّموا بعض المأكولات المحللة.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{البقرة/174}
نزلت هذه الآية الكريمة في علماء اليهود الذين كانوا قبل مبعث النبي(ص) يبشرون الناس به ويذكرون لهم علاماته ويبينون صفاته، ولكنه بعد أن بعثه الله عز وجل خافوا على مصالحهم فراحوا يكتمون تلك التعاليم التي كانوا يتباهون بنشرها من قبل، والقرآن يؤكد بالتكرار على هذه المسألة نظراً لأهميتها ولأنها تأسيس لنظريات كثيرة وعقائد متعددة وغير ذلك مما كان فيه المنفعة للبشر، ونحن على ثقة بأن الله عز وجل لا يكرر ذكر شيء إلا لوجود مصلحة كبرى من وراء هذا التكرار.
والخطاب هنا وإن وُجّه إلى اليهود إلا أنه يعني غيرهم عبر الزمن حيث لا يمكن حصر الآيات بأسباب نزولها فقط، بل هي وسيلة لبيان الأحكام العامة.
لقد كان أحبار اليهود يستفيدون مالاً كثيراً من خلال طمس الحقائق، وذلك عبر الهدايا التي كانت تقدَّم إليهم، وإن ما يأكلونه بهذه الطريقة المنحطة هو النار التي سوف يصلونها في يوم الحساب.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ{البقرة/175}
آثروا عبادة الشيطان على طاعة الرحمن، وقدّموا العذاب على الغفران، فتعجّب الله تعالى لسلوكهم هذا حيث عبّر عنه بقوله(فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) ولا شك بأن هذه الفقرة تحمل معها شيئاً من الوعيد والتهديد، وكأن الله تعالى يخبرنا بهذه الطريقة التعجبية عن المصير الذي سيؤول إليه أمرهم في نهاية المطاف، وهو عذاب النار.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ{البقرة/176}
هنا يبيّن الله السبب في استحقاقهم لعذاب النار، وهو أنه عز وجل أنزل عليهم آياته وبيّن لهم الحق عن طريق الدلائل التي لا يمكن إنكارها، ولعل التعبير هنا بالشقاق جاء للكشف عن الإختلاف الذي كان قائماً بينهم، وعن النوايا التي كانوا عليها، فلقد كان كل واحد منهم يعمل من أجل مصلحته الخاصة، فهم لا يجمعهم كتاب ولا توحدهم عقيدة حيث لا عقيدة لهم سوى التخريف والكذب الذي قامت عليه ثرواتهم وبنيت عليه عروشهم.
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{البقرة/177}
يعاود القرآن الكريم تذكيرنا بالموضوع الحساس الذي أثار ضجة كبيرة في الوسطين اليهودي والنصراني وذلك عندما أمر الله رسوله بالتوجه إلى المسجد الحرام بدل التوجه إلى بيت المقدس حيث كان يعتبر اليهود والنصارى بأن توجّه المسلمين في صلاتهم نحو قبلتهم هو فخرٌ لهم، وكأن الله تعالى يريد أن يقول لهم ليس المعيار في الإيمان والتدين هو التوجه إلى هذه الجهة أو تلك، بل المعيار في ذلك هو قضايا كبرى ومعتقدات يجب انتحالها من قبل الإنسان حتى يحسن سلوكه وسيره في هذه الحياة، فليس الدين محصوراً في مسألة التوجه إلى جهة المشرق(موطن اليهود) أو إلى جهة المغرب(موطن النصارى) حيث كان النصارى الذين يقطنون غرب الأرض يتوجهون نحو الشرق الذي فيه بيت المقدس، وكان اليهود الذين تواجدوا في بابل والشامات يتوجهون نحو الغرب لدى توجههم نحو بيت المقدس، فليس هذا هو كمال الدين، بل إن الدين يكتمل عندما عندما يؤمن الإنسان بالله والملائكة والأنبياء والكتب السماوية وبيوم القيامة، وينفق من ماله في سبيل الله عز وجل، ويفي بعهوده ووعوده، ويصبر على الحروب والجوع والمرض وكل المصائب، ويأتي بكل ما فُرض عليه من قِبل ربه، فهناك يكون عمله براً حقيقياً، فإذا قام الإنسان بتلك الأفعال ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى فعند ذلك يكون من الصادقين ومن المتقين الذين أعد الله لهم أجراً عظيماً وثواباً كريماً.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ{البقرة/178}
فيما مضى لم يكن للقصاص حدود عند بعض القبائل، فلقد كان يُقتل بالرجل رجال ممن لهم ذنب وممن هم بريئون، وكان هناك خلاف بين طرق أهل القبائل إذ كان بعضهم يُفرط في عملية القصاص، والبعض الآخر كان يؤمن بالدية، فجاء الإسلام الحنيف ووضع أحكاماً ربانية عادلة لا يختلف فيها أحد، وليس من الحكمة أن يمنع الدين القصاص لأن مساوئ منعه كثيرة، أبرزها عموم الفوضى في المجتمعات كلها.
فلقد عبّر القرآن عن وجوب القصاص بنفس اللفظ الذي عبّر به عن وجوب الصوم، وهو (الكَتْب) حيث قال(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) كما قال(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ولفظ(الكَتب) يوحي بمدى أهمية الأمر وجديته، ولا بد في القصاص أن يكون مماثلاً للجناية بشكل عام، ولبعض تفاصيلها بشكل خاص، ولهذا أوضحت الآية الكريمة شيئاً من ذلك عندما أمرت بقتل الحر في مقابل الحر، والعبد في مقابل العبد، ولهذه الأحكام تفاصيل كثيرة وصور عديدة سوف تمر معنا لاحقاً، ولكن الآية هنا تعطي ولي الأمر حق الإقتصاص وحق العفو، فله أن يختار بينهما، ثم يدعو الله تعالى إلى العفو من جهة الولي، وعدم المماطلة في دفع الدية من جهة الجاني، وبهذا يكون سبحانه قد خفّف من العقوبة على الجاني، فإن عفا الولي وقبِل الجاني بدفع الدية فلا يجوز لأحدهما بعد ذلك أن يعتدي على الآخر.

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/179}
لقد اختصرت هذه الآية مسافات طويلة حيث حددت الغاية وأظهرت الهدف من وراء القصاص لتبيّن لنا أنه ليس انتقاماً بل هو حدٌّ لرقعة انتشار الفساد، إذ لولا القصاص لتمادى المجرمون في ارتكاب الجرائم، فلا يمكن للحياة أن تستقيم من دون قصاص، وإلا فلن تكون حياة، ولهذا عبّر القرآن عن القصاص بالحياة وإن اقتضى القصاص فقدان حياة الجاني.

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ{البقرة/180}
الآية السابقة أظهرت لنا تشريع القصاص في الإسلام، وهذه الآية تبيّن مشروعية الوصية لما فيها من فوائد جمة على المجتمع بشكل عام، وعلى أسرة الموصي بشكل خاص، ونلاحظ أيضاً بأن هذا التشريع افتُتح بلفظ(الكَتْب) كما في القصاص والصوم، ولكن ثمة فارق بين هنا وهناك، فهناك دل الكَتب على الوجوب، بينما دلّ هنا على الإستحباب، وذلك مرتبط بالقرائن، وقد استُدل هنا على استحبابها من خلال تعبير القرآن بقوله(حَقّاً عَلَى الْـمُتَّقِينَ) فلو كانت واجبة لقال(حَقّاً عَلَى الْمُؤْمِنينَ) وللمفسرين أقوال في المقام:
منها: أن الآية نزلت قبل نزول أحكام الإرث ففرض الله الوصية ليفض بها النزاعات بين الورثة.
ومنها: أن تكون واجبة فيما لو كان المراد منها موارد الضرورة كما لو كان عليه دَين لأحد.
وقد عبّرت الآية عن المال بلفظ(الخير) لأنه خيرٌ إن جُمع من مصادر محللة، وليس بالضرورة أن ينتظر الموصي حضور الأجل حتى يكتب وصيته، فله أن يكتبها قبل ذلك، وهو أمرٌ مستحسَن.

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{البقرة/181}
ولا يجوز للوصي ولا لأحد غيره أن يتلاعب بالوصية فإن أي تبديل من قِبله فيها سوف يستحق عليه العذاب، ولا يظنن أحد بأن الله تعالى غافل عن تلاعبهم بالوصية.

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/182}
قد يوصي الإنسان بالخطأ(جنفاً) أو بالإثم(عمداً) كما لو أوصى بتركته لعمل محرم أو بعض مراكز الفساد، أو أوصى بما يتعارض مع قوانين الشرع، ففي مثل هذه الحالة يجوز للموصي أن يعدّل بالوصية بالقدر المسموح به شرعاً، فإن فعل الوصي ذلك فلا إثم عليه، وقد وردت هذه الآية الكريمة لتستثني هذه الحالة بعد أن طرحت الآية السابقة حكم حرمة التبديل في الوصية، وكثير من الأحكام في الشريعة يوجد فيها استثناءات كما تلاحظون.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/183}
إن أجمل ما في الحياة هو أن يسمع المؤمن نداء ربه له، وفي هذه الآية يخاطبنا رب العالمين تبارك وتعالى ويأمرنا بفريضة خاصة جداً، وهي فريضة الصيام التي اختص الله به مجموعات خاصة من الناس قبل مبعث خاتم الأنبياء(ص)، والكَتب هنا دال على الوجوب، وذلك بسبب القرائن التي تصرف الذهن إليه، ولا بد أن يقع الصوم تاماً، وأعني بالتمام أن يصوم المرء مع صوم بطنه عن جميع ما حرّم الله عليه ليس في شهر رمضان فحسب بل طيلة العمر، وامتناع الإنسان عن تناول المفطرات فترة من السنة يقوي عنده الإرادة ويزيد في تماسكه.

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/184}
بعد أن فرض الله الصيام أشار إلى كونه في أيام معدودات من أيام السنة، وليس طيلة السنة، ثم استثنى من هذا الأمر من كان على مرض أو في سفر، وقوله تعالى(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) يدل على وجوب القضاء في غير الأيام المعدودات، أما المريض الذي يمنعه مرضه من القيام بهذه الفريضة فتجب عليه الفدية، والفدية هي إطعام مسكين، ثم حبّب الله إلينا التطوع في الإطعام، فمن كان قادراً على إطعام أكثر من مسكين مقابل اليوم الواحد فإن في ذلك خيراً له عند الله عز وجل، وأما الفقرة الأخيرة من هذه الآية(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) فليس المراد منها(والله أعلم) أن صوم المريض خير من إفطاره، وأن صوم المسافر خير له، بل المراد منها هو شيء آخر، لعل هذه الفقرة لا علاقة لها بصوم المريض والمسافر، فهي تشير إلى حقيقة الصوم لمن كان قادراً عليه، فإن الصوم وإن كان فيه شيء من المشقة لغير المريض والمسافر إلا أنه خير للصائمين في الدنيا والآخرة، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الصوم في الماضي كان واجباً تخييرياً، بمعنى أن الإنسان كان مخيّراً بين الصوم والفدية فأشارت الآية إلى أن الصوم أفضل من الفدية.

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{البقرة/185}
بعد بيان وجوب الصوم في أيام معدودات صرّح القرآن بالمراد بتلك الأيام التي هي أيام شهر رمضان الذي جعله الله تعالى أفضل الشهور على الإطلاق، وقد كشف لنا في هذه الآية عن حقيقة عظيمة، وهي نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، والقرآن كتابٌ سماوي فيه آيات بينات وفيه أبواب الهدياية للبشر على مر العصور، وهو فرقانٌ يفرق بين الحق والباطل، ثم أمرنا الله بالصوم في أيام الحضر بعد أن استثنى المسافر في الآية الماضية(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي من كان في أيام شهر رمضان حاضراً في وطنه وجب عليه الصوم إلا أن يكون مريضاً أو مسافراً، وفي التكرار هنا بيانٌ لأهمية هذا الحكم وضرورة العمل بهذا الترخيص الإلهي حيث يحب الله تعالى أن يُعمل برُخَصه كما يحب العمل بعزائمه، وهذا هو عين اليسر والرحمة والعدالة والدقة في تنظيم أمور العباد، فيجب أن يبقى هذا الحكم سائراً حتى إتمام عدة شهر رمضان، وفي يوم العيد على المؤمنين أن يذكروا الله تعالى ويكبروه على ما هداهم من نعمة الصيام والقيام في أيام وليالي شهره الأعظم.

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ{البقرة/186}
في بيان سبب نزول هذه الآية ورد أن رجلاً سأل رسول الله محمداً(ص) عن الله، أهو قريب حتى أناجيه بصوت خفيف أم أنه بعيد لأناجيه بصوت مرتفع؟ فأنزل الله هذه الآية التي تحمل من الدلالات ما لا يتوقعه الإنسان في هذه الألفاظ القليلة التي أشارت إلى الذات الإلهية سبع مرات، وإلى العباد سبع مرات، والله تعالى يسمع ويرى وهو أسمع السامعين، فهو يسمع الدعاء ويستجيب لمن يدعوه حقاً وبالشروط المطلوبة، فلا يستجيب الله دعاء من لم يؤمن به، فإن شرط استجابة الدعاء هو الإيمان بمن تدعوه.
والدعاء أمرٌ عظيم وخَطبٌ جليل، وهو سلاح أهل الإيمان ومفتاح الخير لهم، فقد ورد عن الإِمام الصادق(عليه السلام) قال: «الدُّعَاءُ يَرُدُّ الْقَضَاءَ بَعْدَ مَا أُبْرِمَ إِبْرَاماً فَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ رَحْمَة وَنَجَاحُ كُلِّ حَاجَة وَلاَ يُنَالُ مَا عِنْدَ اللهِ عزَّ وَجَلَّ إِلاَّ بِالدُّعَاءِ وَإِنَّهُ لَيسَ بَابٌ يُكْثَرُ قُرْعُهُ إِلاَّ يُوشَكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبهِ:
ولعل الإشارة إلى مفهوم الدعاء ضمن آيات تتحدث عن الصوم وشهر رمضان فيها إشارة واضحة إلى كون شهر رمضان شهر الدعاء، كما كان شهر القرآن.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{البقرة/187}
لم تنزل آيات الكتاب العزيز إلا تِبَعاً للوقائع، ومن هنا كانت أسباب نزول الآيات.
لقد رُوي أن النكاح كان محرماً طيلة شهر رمضان، وأن الأكل في الليل بعد النوم كان محرماً أيضاً، وقد قيل: إن رجلاً كبير السن كان صائماً فصادف أنه نام وجاء وقت الإفطار ولم يتناول الطعام، وبعد أن استيقظ في الليل قبل الفجر أتت له زوجته بالطعام فرفض أن يأكل بسبب حرمة ذلك، وبقي من دون طعام حتى اليوم التالي فوقع على الأرض مغماً عليه بسبب الجوع، وكان هناك من الشباب من يجامع زوجته في ليالي هذا الشهر، فأنزل الله عز وجل هذا الحكم على خاتم أنبيتئه(ص)(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) فاللباس يقي الإنسان الحر والبرد ويستر له عورته، وفيه العديد من الفوائد الأخرى كالزينة، وقد شبّه الله تعالى الرجال باللباس للنساء وكذا العكس لأن في الزواج فوائد نفسية ومادية كبرى لكلا الطرفين(عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) ولا تحسبن اللع غافلاً عما كنتم تفعلون من الحرام في ليالي شهر رمضان فهو يعلم السر وما هو أخفى من السر، ولكنه تعالى تواب رحيم، وقد تاب عليكم وعفا عنكم وخفف عنكم فأحل لكم الرفث إلى نسائكم في كل زمان ومكان(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ) وبعد أن بيّن الله لكم هذا الحكم أصبح بإمكانكم إتيانهم في الوقت الذي تشاؤون(وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) قد يتوهم البعض بأن هذه الفقرة من الآية قد فصلت بين الفقرات الحاكية عن الزوجين، ولكن الحقيقة هي أن هذه الفقرة ترتبط بما قبلها لأنها تنص على حكم شرعي خاص بشهر رمضان، أما ما بعدها فلا يختص بشهر رمضان فقط لأن الإعتكاف يحصل في أي وقت، وعلى كل حال فبعد أن أحل الله الأكل في الليل بعد أن كان ممنوعاً بحسب ما رود في سبب نزول الآية بيّن الله تعالى تلك المساحة الزمنية التي يجوز تناول الأكل فيها، وهي فترة ما بين الغروب والفجر، وقد عبّرت الآية عن الفجر بالخيط الأبيض، وعن الليل بالخيط الأسود، ثم قال تعالى(وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وهذا حكمٌ شرعي واضح.

وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/188}
هذا نهيٌ واضح عن أكل الأموال بطرق غير مشروعة، ولعل الآية الكريمة ذكرت بعض جوانب تبادل الأموال بطرق محرمة، وهي استغلالها في الرشاوى للقضاة والحكام من أجل التلاعب بالحكم وأكل حقوق الناس بما لم يُنزل الله عز وجل.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{البقرة/189}
لعل استعمال المضارع في بداية هذه الآية فيه إشارة إلى كونهم كرروا هذا السؤال على رسول الله(ص) وقد ورد في بيان سبب نزولها أن أحدهم قال للنبي(ص) إن اليهود يُكثرون علينا الأسئلة عن الأهلة، وورد أيضاً أن اليهود أنفسهم سألوه ذلك فنزلت هذه الآية لتبين لهم بعض فوائدها، ولعل محور السؤال كان حول زيادة الهلال ونقصانه، والأهلة جمع(هلال) وهو القمر في أول ليلتين من الشهر، وقيل أول ثلاث ليال منه، وقال بعض المفسرين، ومنهم الطبرسي في مجمع البيان: إن كلمة هلال مشتقة من استهلال الصبي: أي من بكائه عند تولّده.
وعلى أي حال فإن الله تعالى أمر خاتم أنبيائه بأن يخبرهم بأن هذا النظام التكويني له كثير من الفوائد التي كان منها ما يتفق عليه الناس من العقود كالإيجارات وما شاكلها مما يحتاج إلى الحساب، والتي منها أيضاً معرفة حلول وقت بعض العبادات كالحج.
ثم تعرّض القرآن الكريم لذكر مسألة هامة يجب أن يفهمها الجميع، وهي أن الرجل الجاهلي كان إذا أحرم ناسكاً لا يدخل إلى بيته من الباب، بل كان يحفر في الخلف ويدخل، فنهى الله عن ذلك السلوك الجاهلي مبيناً أن البر يكمن خلف الطاعة الحقيقية والإيمان التام الذي تترجمه الأعمال، ولهذا أكد القرآن على التزام التقوى التي هي الخير كله.

وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ{البقرة/190}
ذكر المفسرون سببين لنزول هذه الآية:
الأول: أنها أول آية نزلت في الجهاد، وبعدها شرع النبي(ص) في قتال الكفار إلا الذين لم يعلنوا الحرب على المسلمين.
الثاني: أنها نزلت في صلح الحديبية بعدما خرج النبي وأصحابه للعمرة فصدهم المشركون ثم اتفقوا معه على أن يأتي في العام القادم فرجع إلى المدينة، وفي العام القادم تجهز لعمرة القضاء فخاف المسلمون أن تُخلف قريش معهم فيحصل قتال بين الطرفين، وقد كره النبي القتال في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى هذه الآية التي تبيح قتال المشركين إن بدؤوا هم القتال.
وقد نهاهم الله عن الإعتداء لأنه سلوك غاشم لا يتفق مع واقع الدين الحنيف.

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ{البقرة/191}
لم يكتف الله تعالى ببيان حلية قتال المشركين إذا اعتدوا على المسلمين في تلك الرحلة، بل أمرهم بمقاتلتهم أينما وجدوهم لأن المشركين اعتدوا على المسلمين عندما أخرجوهم من مكة وعذّبوهم أشد تعذيب، فعليكم أن تقاتلوهم كما قاتلوكم وأن تُخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أي أن الضلال الذي كان عليه المشركون من عبادة الأوثان والإعتداء والنوايا الفاسدة هي شرٌّ من القتل وأكبر، ولكن إذا وجدتموهم داخل المسجد الحرام فلا تبدأوهم بالقتال حتى يبدأوا هم، فإن بدأوا فقاتلوهم، وهذا جزاء عادل لهم، وفي الآية بيان لعظمة وقدسية المسجد الحرام.

فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/192}
إذا تخلوا عن الشرك والفساد فلا تقتلوهم، بل عاملوهم معاملة حسنة، ولا تأخذوا منهم ما يؤخذ من المجرم، فإن الله تعالى غفور رحيم، أما إذا أصروا على ما هم عليه فلا يلومن أحد منهم إلا نفسه.

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ{البقرة/193}
تشير هذه الآية إلى الهدف الأساسي من قتال المشركين، وهو القضاء على الفتنة، والقضاء على الشرك والوثنية وكل أنواع الظلم والعدوان، فإن انتهوا عن ذلك كله فلا تقاتلوهم، وإلا فإن الحكم ساري المفعول.

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{البقرة/194}
الأشهر الحُرُم أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ورجب: وكان المشركون يعلمون بأن المسلمين لا يقاتلون في تلك الأشهر، وبالأخص في البيت الحرام، وكان هذا المنع سارياً قبل الإسلام وقد عمل به النبي(ص)، فقرر المشركون شن هجوم مباغت على المسلمين لظنهم بأن المسلمين ممنوعون عن القتال حتى في حالات الدفاع عن النفس فنزلت هذه الآية لتشرّع مسألة الدفاع عن النفس حتى في الأشهر الحرم، وحتى داخل المسجد الحرام فوضعت معادلة عادلة هي: أن القتال في الشهر الحرام يواجه بالقتال دفاعاً وليس ابتداءاً، ومن ينتهك حرمات الله تعالى فيجب أن يعاقب، ودافعوا عن أنفسكم دون أن تعتدوا إن منّ الله عليكم بالنصر، وعليكم أيها المسلمون أن تتقوا الله عز وجل وتعلموا أن الله مع الذين اتقوه.

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{البقرة/195}
يدعونا الله عز وجل إلى الإنفاق في سبيله، وباب النفقة في سبيل واسع النطاق ومتعدد الوجوه، ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق هنا خاصاً بموضوع الجهاد(والله أعلم) لأن المحارب يحتاج إلى السلاح والطعام مما يحتاج إلى مال، ولكن الإنفاق في سبيل الله بأي وجه من الوجوه كان فهو أمر عظيم، ثم نهانا الله تعالى عن إلقاء أنفسنا في التهلكة سواء كنا في الحرب أم في غير الحرب لأنها قاعدة عامة، فلا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه للخطر من دون مسوّغ شرعي في أي مجال من المجالات، أما المراد بقوله(وَأَحْسِنُوَاْ) فقد كان للمفسرين أكثر من رأي فيه، ولا شك بأن جميع آرائهم تتمحور حول نقطة واحدة مختلفة الوجوه وهي الإحسان بجميع وجوهه.
منهم مَن قال: هو حسن الظن بالله تعالى، بمعنى أن الإنفاق في سبيل الله لن يُحدث خللاً في معيشتكم، وأن الله تعالى سوف يبارك لكم فيما تنفقون.
ومنهم من قال: إن المراد بالإحسان هنا هو الإعتدال في النفقة.
وآخرون قالوا: هو دمج حسن الخلق عندما يُعطى المحتاج بأن تعطيه وأنت مبتسم له ومهتم به لا أن تصنع كما يصنع بعض الذين يظنون بأنهم يحسنون في العطاء.

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{البقرة/196}
فيما سبق تحدث القرآن الكريم عن العديد من العبادات كالصوم والجهاد، وهنا تشير الآية إلى أحكام تتعلق بفريضة الحج، وفي البداية يأمرنا الله سبحانه بإتمام الحج والعمرة، والإتمام هو عدم دخول نوايا أخرى تفسد نية الحج أو العمرة، وبمعنى آخر لا ينبغي للحاج أو المعتمر أن يُبقي في قلبه مكاناً لوسوسات الشيطان الرجيم.
أما قوله سبحانه(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فهو حكمٌ للذين أحرموا ولم يُوفقوا لأداء المناسك بسبب مرض أو خوف وما شاكلهما من الموانع، فحكمهم أن يخرجوا من إحرامهخم ويذبحوا ما تيسر لهم من الهدي، ويقول الطبرسي-رحمه الله- ذهب علمائنا إلى أنّ المحصور إذا كان بسبب المرض فيجب عليه ذبح الأضحية في الحرم، وإذا كان بسبب منع الأعداء فيجب الذبح في نفس ذلك المكان الّذي مُنع به.
وأما قوله تعالى(وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) هل هو حكمٌ خاص بالمحصورين أم أنه يشمل جميع الحجاج؟
ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بمحل الهدي(الأضحية) هو الحرم، وقال بعضهم: هو المكان الذي حدث فيه المانع من إتمام الحج أو العمرة وإن لم يكن من الحرم كما فعل رسول الله(ص) في الحديبية عندما منعه المشركون من دخول الحرم فذبح الأضحية في المكان الذي اعترضه فيه المشركون(الحديبية).
وذهب البعض إلى أن الفقرة ناظرة إلى جميع الحجاج فلا يحق لأحد منهم حلق الرأس والخروج من الإحرام إلا بعد أن يذبح الهدي في محله.
(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فمَن مُنع من الحلق لمرض أو أذى معيّن فهو مخيَّر بين ثلاثة أمور: إما أن يصوم، وإما أن يُطعم مساكين أو يذبح شاة، وهي ما عُبِّر عنها في الآية بالنُسك.
(فَإِذَا أَمِنتُمْ) يعني إذا لم يحصل لكم أي مانع من الإكمال (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) هنا إشارة إلى وجوب الذبح في حج التمتع، وهو الذي يأتي المكلف بالعمرة قبله، فيذبح من الإبل أو البقر أو الضأن دون أن يخرج من الإحرام.
(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) أما الذين يعجزون عن الذبح فيجب عليهم التعويض بصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وهي اليوم السابع والثامن والتاسع من ذي الحج، وهي الأيام التي يجوز فيها الصوم للمسافر، ثم يصوم سبعة أيام بعد العودة إلى الوطن.
(ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) يجري هذا الحكم على غير أهل مكة، وقد أفتى الفقهاء بوجوب حج التمتع على مَن ابتعد مسكنه مسافة ثمانية وأربعين ميلاً عن عن مكة، أما من كان وطنه أقرب من ذلك فوظيفته حج الإفراد الذي تكون عمرته بعد الإتيان بمراسم الحج.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ{البقرة/197}
تتابع الآية ذكر أحكام الحج، والأشهر المعلومات لدى أكثر الناس هي:شوال وذو القعدة وذو الحجة: وقد سمّيَتْ أشهر الحج لأن قسماً من أعمال الحج لا تحصل إلا فيها، فإذا أحرم المسلم للقيام بفريضة الحج فلا يجوز له الرفث، وهو مقاربة النساء، ولا الفسوق، وهو الكذب والفحش والمحرمات بشكل عام، ولا الجدال الذي فيه نزاع وتصرّف غير لائق، وبذلك يأمرنا الله تعالى بأن تكون جميع تصرفاتنا لائقة في ذلك الزمان والمكان الشريفين، فإذا التزمتم بما أمركم به ربكم فهو يعلمه ويجازي عليه ولا يضيع عنده أجر عامل منكم، ثم أمرنا بالتقوى واصفاً إياها بأنها خير زاد للإنسان في الدنيا والآخرة.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ{البقرة/198}
كان الجاهليون يعتقدون بأن اقتران الحج بأي عمل اقتصادي يبطل الحج، فجاء الإسلام الحنيف وصحّح المعتقدات الخاصة في مجال الحج وغيره أيضاً، ولذا نجد القرآن هنا يشرّع العمل الإقتصادي في موسم الحج، ثم يأمرنا بالتوجه إلى منى بعد الخروج من عرفات بعد الوقوف فيه من ظهر اليوم التاسع من ذي الحجة وإلى غروب نفس اليوم، بمعنى إذا خرجتم من عرفات فتوجهوا نحو أرض منى بعد الوقوف في المشعر الحرم(مزدلفة) والخلاصة: إن الآية هذه تشير إلى ثلاثة مواقف في الحج: عرفات، ومزدلفة، ومنى، ففي عرفات يقف الحجاج من ظهر اليوم التاسع إلى غروبه، وفي المزدلفة يقضون ليلة العيد إلى طلوع الفجر، وفي منى يذبحون الأضاحي، ثم يأمرنا الله تعالى بذكره لأنه هدانا إلى دين الحق بعد أن كنا جاهلين بكيفية عبادته.
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/199}
بعد الإفاضة(الخروج) من عرفات تجب الإفاضة من المشعر الحرام(المزدلفة) إلى أرض منى، ويأمرنا الله تعالى هنا بالإستغفار، وهو أمرٌ مطلوب في كل زمان ومكان، ولكن يتأكد في ذلك المكان المقدس وفي ذلك الزمان المبارك لأن الإجابة فيه أسرع، وهذا من خصوصيات ذلك المكان المقدس عند خالقه سبحانه.

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ{البقرة/200}
في بيان سبب نزولها ورد عن الإمام الصادق(ع) أن الجاهليين كانوا بعد الإنتهاء من المناسك يجلسون ويحدثون الناس بمفاخرهم ومفاخر أسلافهم ويقضون أوقاتهم في مثل تلك الأوهام، ولهذا أمرنا الله تعالى أن نستبدل تلك العادات الجاهلية بما يبقى لنا وبما ينفعنا في دنيانا وآخرتنا، وهذا أفضل من ذكر مفاخر الآباء التي لا تجدي نفعاً، وبعد ذلك وبّخ الله مجموعة من الناس تطلب المزيد من الدنيا للدنيا، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيب.

وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ{البقرة201/202}
في مقابل تلك المجموعة التي تطلب الخير للدنيا يوجد فئة مؤمنة تطلب ما عند الله تعالى من ثواب الآخرة ومن خير الدنيا التي لا ينبغي أن ننسى فيها نصيبنا، فهي تطلب الرزق الحسن في الدنيا، والجنة في الآخرة، ولهذا فقد وعدهم الله تعالى ما تمنوه وما سعوا إلى تحقيقه، فلقد اكتسب هؤلاء في الدنيا أعمالهم الحسنة، وسوف يعطيهم رب العالمين نصيبهم مما كسبوه من الحسنات، ولا يؤخر الله الجزاء في يوم الحساب لأنه أسرع الحاسبين.
وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ{البقرة/203}
هناك أيام معلومات، وأيام معدودات، أما المعلومات فهي الأيام العشرة من بداية شهر ذي الحجة، وأما المعدودات فهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وهي أيام التشريق التي تُشرق فيها الروح بما أنعم الله عليها من نعمة الإيمان والإلتزام بالفرائض والمناسك، وقيل إن ذكر الله في الآية هو التكبيرات التي تأتي في خمس عشرة صلاة، والتي تبدأ من ظهر يوم العيد وتنتهي في صباح اليوم الثالث عشر، والمؤمن مخيَّر هناك بين الذِكر في يومين أو في ثلاثة أيام، ثم يدعونا رب العالمين كالعادة إلى تقواه التي هي طريق السعادة، ويخبرنا بأننا سوف نُحشر إليه في يوم القيامة.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ{البقرة/204}
إن الحكم في هذه الآية عام، فهي تنطبق على كل من اجتمعت فيه هذه الأمور، ولكن الآية نزلت في حدثٍ محدد، وقد ذكر المفسرون لسبب نزولها أن شخصاً يُدعى(الأخنس بن شريف) تظاهر بحب النبي(ص) وكان صاحب بيان عذب ومنطق حلو، وكان النبي(ص) يبادله باللطف، ولكن هذا الشخص كان من المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وقد جرى نزاع بينه وبين بعض المسلمين فهجم عليهم وقتل أحشامهم وأباد زرعهم، وقد فضح الله أمر هذا المنافق كيلا يخدع المسلمين.

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ{البقرة/205}
في هذه الآية الكريمة يكشف الله تعالى عن نوايا المنافقين الذين إذا حكموا في الأرض وكانوا قادرين على الأذى لفعلوا ذلك من دون أي تردد، وفي هذه الآية توضيح لما مر في الآية السابقة.

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ{البقرة/206}
إذا حاول أحد من الناس أن يذكّره بالله تعالى وينهاه عن النفاق فإنه كان يتجبّر ويتكبّر ويغرق في الآثام، ولهذا واعده رب العالمين عذاب النار واصفاً إياها ببئس المهاد والمكان والقرار والجزاء والمنتهى وما شئت فعبّر.

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ{البقرة/207}
روى الثعلبي(وهو من كبار مفسري أهل السنّة) أن النبي(ص) عندما قرر أن يهاجر من مكة إلى المدينة ترك فيها علي ابن أبي طالب(ع) ليؤدي الآمانات إلى أهلها، وأمره أن يبيت على فراشه وأن يرتدي رداءه ففعل ذلك، فمدحه الله عز وجل بأن أن في حقه هذه الآية التي تشير إلى أن علياً(ع) قد باع نفسه لله تعالى وأن الله عز وجل سوف يحفظه من كيد الأعداء، وقد ورد أن الله تعالى أوحى إلى جبرئيل وميكائيل إنّي آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة انزلا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل يُنادي بخّ بخّ مَن مثلك يا علي يُباهي الله تبارك وتعالى بك الملائكة.

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ{البقرة/208}
إن هذه الآية الكريمة تدعو جميع المؤمنين إلى الدخول في الصلح والسلم، وهذا يبيّن للجميع أن دين الإسلام هو دين الحياة الكريمة ودين الصلح والسلام، وأن المسلمين لا يخونون الآخرين لأن الله تعالى أمرهم باحترام الآخرين، وقد نهت الآية عن اتباع خطوات الشيطان التي يوسوس بها للإنسان مبينةً أنه عدو واضح وخطير.

فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{البقرة/209}
إذا انحرفتم عن طريق الحق بعدما تبيّن لكم فعليكم أن تتحملوا تبعات زللكم وأخطائكم، فلقد ألقى الله الحجة عليكم وحذّركم من وسوسات الشيطان الرجيم.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ{البقرة/210}
إن مدلولات هذه الآية الكريمة كثيرة حيث كان للمفسرين أكثر من رأي فيها، فقد ذهب الطبرسي إلى أن الآية ناظرة إلى انتهاء حساب البشر عندما يُحكم على الناس بالثواب أو العقاب، وذهب غيره إلى أن الآية ناظرة إلى العقاب الدنيوي لأنها أتت عقب آيات تتحدث عن هذه الحياة الدنيا، وذهب آخرون إلى أن المعنى ينسجم مع كون المراد هو الدنيا أو الآخرة، والخلاصة هي أن للآية هذه ثلاثة تفاسير:
التفسير الأول: وهو أن الله تعالى قد أتم الحجة فلا ينبغي للمعاندين أن يتوقعوا مجيء الملائكة بتلك الصفات الواردة في الآية، وهو أمرٌ محال.
التفسير الثاني: وهو أن هؤلاء رغم عنادهم فهل ينتظرون الأمر الإلهي بإنزال العذاب عليهم حتى يهلكهم الله عن آخرهم.
التفسير الثالث: هو أنه هل ينتظر هؤلاء قيام الساعة ليصدر الله تعالى أمره إلى الملائكة بتعذيبهم.
وعلى أي حال فإن الأمر يرجع إلى الله تعالى فهو العالم بمراده.
والغمام في الآية هو نوع من السحاب يصطحب معه العذاب.

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{البقرة/211}
تشير الآية هنا إلى أحد مصاديق الآيات السابقة، وهم بنوا إسرائيل، وفي الآية هنا نوع من الوعيد لتلك الفرقة الضالة التي آتاهم الله تعالى كثيراً من الآيات والدلائل فأنكروا الحق بدل أن يؤمنوا ويثبّتوا إيمانهم، فلقد منّ الله عليهم بنعم كثيرة فاستعملوا تلك الطاقات فيما لا ينبغي.
فدل أن يستعملوها في مجال الإيمان راحوا يستعملونها في مجال الكفر والعناد والوقوف في وجوه الرسالات السماوية، فسل يا محمد بني إسرائيل كم أنعم الله عليهم فبدّلوا تلك النعم وبادروها بالكفر بدل أن يبادروها بالإيمان، وما عليهم سوى أن يتحملوا نتيجة كفرهم بالله ونعمه وإنكار آياته.

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ{البقرة/212}
قيل: إنها نزلت في رؤساء قريش، ولا مانع من أن تكون مكملّة للآية السابقة، فلقد كان رؤساء قريش يسخرون من المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار، فقد زيّن لهم الشيطان حب الدنيا فراحوا يسخرون من المؤمنين الذين سيكونون فوق المستهزئين يوم القيامة، وهذا هو الحكم الإلهي العادل فإن المؤمن في هذه الدنيا يصبر على أنواع الأذى حتى يجزيه الله سبحانه جزاءاً حسناً في يوم الجزاء.

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{البقرة/213}
إنتهى الكلام عن الكفار والمنافقين، وبدأ القرآن بذكر بعض المراحل التي مرّ بها الإيمان.
ففي البداية وقبل انفتاح الإنسان على الثقافات الإجتماعية كان الناس مجموعة واحدة في عبادة الله من خلال الفطرة التي فطرهم عليها فكانوا يعبدونه بطريقة غير منظمة نوعاً ما، وبعد فترة من الزمن اتخذت حياة الإنسان منحاً آخر حيث لا يمكن له أن يعيش وحده وفي ظل ثقافة خاصة به، ثم راح الثقافات تتعدد وراحت شرائح كبرى من الناس تنحرف عن مسار فطرتها مما أدى إلى نشوؤ العقائد الفاسدة، وأما هذا الواقع أرسل الله أنبياءه ورسله ليعلموا الناس دين الحق ويرشدوهم إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها، وفي ذلك قال أمير المؤمنين علي(ع):وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ:
لقد اختلف الناس في أمر الحق فأرسل الله إليهم أنبياءه ليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه وأنزل معهم الآيات، ثم تشير الآية إلى انقسام الناس إلى قسمين:قسم اتبعوا الحق بعدما حركوا فطرتهم التي فطرهم الله عليها، وقسم: اتبعوا خطوات الشيطان وآثروا الباطل على الحق، ومن الطبيعي أن يهدي الله سبحانه من يريد اتباع الحق ويجزي كل إنسان على عمله.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ{البقرة/214}
في سبب نزول هذه الآية قولان:
الأول: أنها نزلت عندما حوصِر المسلمون واشتدّ الخوف والفزع بهم في غزوة الأحزاب، فجاءت الآية لتثبّت على قلوبهم.
الثاني: أنّ عبدالله بن أُبي قال للمسلمين عند فشلهم في غزوة أُحد: إلى متى تتعرّضون للقتل ولو كان محمّد نبيّاً لما واجهتم الأسر والتقتيل.
ومعنى الآية أنه يجب على المسلمين أن يفهموا أن للجنة ثمناً، وأن الله تعالى يريد أن يمتحنهم، وأن النصر لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل وبالإخلاص وباتباع الرسول ونبذ الشك من الصدور، والله أعلم.
وعلى ايّة حال فإنّ الآية تحكي أحد السنن الالهيّة في البشريّة ، وتنذر المؤمنين في جميع الأزمنة أن يتقبّلوا الصّعوبات حتى يدركوا النصر.

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ{البقرة/215}
قيل إنه سأل أحد الأثرياء رسول الله(ص) عن النفقة ومستحقيها فنزلت هذه الآية التي عبّرت عن العطاء بالخير وخصصت الأقربين، وبالأخص الوالدين قبل أي قريب آخر ثم لليتامى ثم للمساكين ثم لأي محتاج، وذلك بغض النظر عن كونها نفقة واجبة أو مستحبة فإن كليهما خيرٌ للإنسان، ويمكن لنا أن نستفيد من الفقرة الأخيرة درساً إيمانياً هاماً وهو أن يتم العطاء لهم عن طريق السر فإنه أنفع للإنسان، وليس بالضرورة أن يعرف القاصي والداني بتلك الصدقة.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/216}
ذكرت الآية السابقة موضوع التضحية بالمال، وهذه الآية تكر مسألة التضحية بالنفس، والقتال أمرٌ حتميٌ على الناس لأن الحياة في كثير من الأحيان لا تستقيم بدونه، ومن طبيعة الناس أنهم يكرهون القتال لأنه يذهب بالمال والدماء ويمنع الناس عن كثير من الأشياء، فقد يحب الناس عدم القتال، وفي عدمه مذلة وفقر ومضرة، وهم يكرهون القتال وفي الغالب يعود عليهم بالمنفعة، وهنا يريد الله سبحانه أن يبين لنا أمراً وهو عدم التسرع في إصدار الحكم على شيء قبل التحقق من آثاره وعواقبه فهو تعالى يعلم ما لا يعلمه العباد، وقد علم الله أن في القتال منفعة للناس في أكثر الأحيان، بينما يرى الناس بأن القتال أمرٌ غير مرغوب به.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {البقرة/217}

قيل في سبب نزولها إن رسول الله(ص) بعث سرية إلى منطقة بين مكة والطائف فوجد المسلمون فيها عمرو بن الحضرمي في قافلة لقريش في آخر يوم من جمادى فوثبوا عليه بعد أن شكوا في كون يومهم من جمادى أو رجب وهو من الأشهر الحرم فراح المشركون يعيّرون المسلمين بأنهم أحلوا سفك الدماء في الأشهر الحرم.
والأشهر الحرم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم: وقد كان الإسلام يحرّم القتال في تلك الأشهر، وقد كان تحريم القتال فيها سنّة متبعة عند الجاهليين، ولكن الآية الكريمة هنا بعد أن اعتبرت أن القتال فيها محرّم كبير ذكرت استثناءات لهذا الحكم، فإنه رغم كون القتال فيها محرّماً إلا أن هتك البيت الحرام وإخراج أهله والكفر بالله تعالى أكبر عند الله من القتال في تلك الأشهر التي كان المشركون يستغلون الحكم فيها بالإعتداء على المسلمين لظنهم بأن المسلمين لن يحركوا ساكناً في تلك الأشهر مهما حدث لهم.
ولا ينبغي للمسلمين أن تتجاذبهم وساوس المشركين فإن الفتنة التي يحدثونها في صفوف المسلمين هي أعظم من القتال في تلك الأشهر، فلا ينبغي أن يبقى المسلمون مكتوفي الأيدي أمام الممارسات الضالة التي يمارسها المشركون الذين يجب صدهم بأية طريقة وإن أدى الأمر إلى سفك الدماء في تلك الأشهر.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/218}
سأل عبد الله بن جحش وأصحابه الذين كانوا معه في السرية المذكورة ما إذا كان لهم بخروجهم هذا أجر المجاهدين لأنهم سفكوا دم إنسان مشرك في شهر رجب فنزلت هذه الآية لتؤكد لهم وجود الأجر فيما صنعوا إذا كان خروجهم في سبيل الله، فإن كان خروجهم لله فقد وقع أجرهم على الله.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ{البقرة/219}
قيل في سبب نزولها إن جماعة سألوا النبي(ص) عن الخمر والميسر فنزلت هذه الآية الكريمة.
والخمر في اللغة هو ما يخفي شبئاً وراءه كالخمار الذي يغطي الرأس بالنسبة للمرأة، والخمر يغطي العقل بالإسكار ويسلبه قدرة التمييز بين الحسن والقبيح.
والميسر هو القمار، وهو لفظ مشتق من اليُسر لأن المقامر يهدف إلى الربح من دون عناء، وقد حرّم الإسلام الخمر والميسر بشكل تدريجي لأن الجاهليين كانوا غارقين في هذين الأمرين، ولهذا قال تعالى(فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) وصحيح أن فيهما منافع للناس مادية، ولكن الضرر الذي يتولد عنهما أكبر من نفعهما، فهو ضرر أخلاقي ونفسي واجتماعي وصحي.
ثم يسأل المسلمون نبيهم(ص) ماذا ينفقون؟ هل يفقون كل أموالهم؟ فأتى الجواب(قُلِ الْعَفْوَ) وقيل في معنى العفو: هو الحد الوسط بين شيئين: وقيل: هو المقدار الإضافي للشيئ: وقيل: هو أفضل جزء من الثروة: وقيل: هو الصفح عن الناس: وقد ورد أن أفضل أنواع العفو هو الصفح عن الخطأ، ولكن يوجد روايات تشير إلى أن معناه(الوسط) وورد أن معناه(هو ما يفضل عن قوت السنة).

فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{البقرة/220}
قيل في نزولها: كما في تفسير القمي ومجمع البيان أنه لما نزل قوله تعالى(وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقوله سبحانه(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) تخلى الناس عن اليتامى وأخرجوهم من البيوت ليتخلصوا من أكل مالهم فنزلت الآية الكريمة التي تدعو إلى مخالطة الأيتام وإصلاح أمورهم العطف عليهم، والله تعالى يميز بين من يعتني باليتيم ليكسب الثواب، وبين من يعتني به ليأكل ماله، ولو شاء الله لأعنتكم، أي لضيّق عليكم في أمر اليتامى، ولكنه سبحانه وسّع علينا في الأمر.

وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{البقرة/221}
إستأذن مرثد الغنوي من رسول الله(ص) أن يتزوج من امرأة مشركة كان يعرفها في الجاهلية فنزلت هذه الآية تنهى عن زواج المسلم من المشركة، والمشرك من المسلمة، ثم حبّب الله إلينا الزواج من المؤمنات وإن كنا غير جميلات المظهر فإن الجمال جمال القلب والإيمان، وكذا بالنسبة للرجل فإن العبد المؤمن المملوك أفضل من المشرك الغني وصاحب النفوذ لأن المؤمن بسلوكه النابع من قلبه يدعو إلى الرحمة، أما المشركون والمشركات فإنهم بشركهم يدعون إلى النار، فالأمة المؤمنة خير من الحرة المشركة وإن كانت حسناء، وكذا العبد المؤمن خير من الحر وإن كان جميلاً وغنياً لأن الزواج ليس مجرد لذة جنسية بل هو رابط إلهي بين فردين يريدان تكوين أسرة، ولا شك بأن اختلاف عقائد الأبوين سوف تنعكس سلباً على تربية الأولاد مهما حرصا على تربيتهم وعدم إغراقهم في متاهات المذهبية.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{البقرة/222}
كان اليهود يحرّمون الجلوس مع المرأة الحائض، والجلوس معها في نفس الغرفة، وكانوا يحكمون بنجاسة ثياب الرجل إذا جلس مع الحائض في نفس الغرفة، وبنجاسة بدنه إذا نام بالقرب منها، وكان النصارى لا يفرقون بين كونها حائضاً أو غير حائض حتى في الحيض، وقد تأثر مشركوا العرب بالنظرة اليهودية، وهذا ما دفع بعض المسلمن لأن يسألوا رسول الله(ص) عن ذلك فنزلت الآية الكريمة التي تنهى عن مجامعة الحائض وليس عن الجلوس معها أو النوم بقربها، وأحكام الإسلام الخاصة بالحائض واضحة.
ولفظ(الحيض) مشتق من سائل أحمر كان يخرج من شجرة تسمى(سمُرة) كما في معجم مقاييس اللغة، وأما الفخر الرازي فيعتبر أن الحيض هو السيل، وجاء في بعض كتب اللغة أن لفظ الحيض وُضع في الأساس للدلالة على دم المرأة ثم استُعمل في غير ذلك.
وقد اعتبرت الآية الكريمة أن الحيض أذى، ولكن هل هو أذى للمرأة أم أن مقاربة النساء في المحيض فيه أذى وضرر؟
في الحقيقة ليس في الحيض أذى للمرأة بل الأذى ينجم عن مجامعة الرجل لها أثناء الحيض، وقد أثبت الطب الحديث وجود الضرر في ذلك.
لقد حرّم الإسلام مقاربة(مجامعة) النساء أثناء الحيض وأجازه عندما يطهرهن، أي عندما ينتهين من العادة وإن لم يغتسلن غسل الحيض، أما قوله تعالى(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) فلا يدل على وجوب مقاربتهن لأن الأمر عقيب الحظر ليس ظاهراً في الوجوب.
ثم إن العلاقة بين الطهارة والتوبة هو أن التوبة طهارة نفسية وقلبية، فكما يحب الله تعالى الطهارة البدنية فكذا إنه يحب الطهارة النفسية فهي الأولى وهي الأساس إذ قد يُعفى عن نجاسة الجسد، ولكنه لا يمكن أن يُعفى عن نجاسة الروح.

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ{البقرة/223}
في هذه الآية إشارة لطيفة إلى وظيفة المرأة التي لا يعتبرها الإسلام مجرد مصدر لإطفاء الشهوة، بل هي عنصر أساسي في المجتمع البشري، وقد شبّهها بالمزرعة لأنها هي التي تنتج ثمار الأسرة، وليس في هذا التعبير أية منقصة للنسوة بل هو في الحقيقة مدحٌ لهن عبر بيان دورهن الكبير في استقامة واستمرار المجتمع البشري.
أما قوله تعالى(أَنَّى شِئْتُمْ) فإنه إن كانت(أنّى) زمانية فإنه يجوز إتيان النساء في أي وقت من الأوقات سواء في الليل أو في النهار إلا في زمان الحيض، وأما إن قلنا بأن(أنّى) مكانية فهذا يعني أنه تجوز معاشرة النساء في أي مكان وليس في أمكنة محددة.
وأما قوله(وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ) فهذا يعني أن العملية الجنسية غير محصورة في اللذة بل هناك هدف راقٍ منها وهو التربية الصالحة وتكوين الأسر المؤمنة.

وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{البقرة/224}
حدث خلاف بين صهر عبدالله بن رواحة وابنته، حيث أقسم أن لا يتدخّل في الإصلاح بين الزّوجين، فنزلت الآية تنهى عن هذا اللّون من القسم وتلغي آثاره.
والأيمان جميع يمين، والعُرضة هو كالبضاعة التي تُعرض أمام الناس، والقسم بالله تعالى خصوصاً في الأمور الصغيرة ليس أمراً محبوباً فلا ينلغي للإنسان أن يعرض القسم بالله كما يعرض بضاعته لهم، وقد وردت روايات تنهى عن الحلف بالله تعالى صدقاً أو كذباً، فبدل أن تحلف بالله أن لا تتدخل في الإصلاح كان الأجدر بك أن تصلح لأن إصلاح ذات البيت أمرٌ عظيم وفيه من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله.

لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ{البقرة/225}
هنا يكمل الله تعالى الموضوع المطروح في الآية السابقة فإنه تعالى لا يؤاخذ الناس ببا سبق إليه اللسان من الحلف الذي تحوّل إلى عادة في زماننا، ولكن يحاسب على ما في القلوب التي إما أن تضم الخير أو الشر.
لقد أشار سبحانه إلى نوعين من القسم:
الأول: هو القسم الَّلغَوي الذي يردده الناس على ألسنتهم عادة مثل قولهم(بالله ولا والله)، وهذا النوع من القسم لا يؤاخذ الإنسان عليه.
الثاني: القَسَم الصادر عن عزم وإرادة، وهو ما يجب الإلتزام به وما تترتب الكفارة على مخالفته.

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{البقرة/226}
الذين يقسمون على ترك وطء نسائهم، ويسمى في الفقه(الإيلاء) وهو عادة كان يستعملها العرب في الجاهلية حيث كان الرجل يقسم أن لا يجامع زوجته، فلا يطلقها حتى تتزوج بغيره، ولا هو يرجع عن قسمه وتبقى كالمعلّقة، إلى أن جاء الإسلام الحنيف وشرع الطلاق.
لقد أعطى الإسلام فرصة للرجل خلال مدة أقصاها أربعة أشهر حتى يتخذ القرار المناسب بشأن زوجته فإما أن يطلقها أو يعاشرها،(فإن فاءوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ) أي أنه إن رجع عن قسمه هذا فإن الله يغفر له وإن كانت عليه الكفارة فإنه يجوز أن يخالف مثل هذا القسم.

وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{البقرة/227}
إذا لم يتفاهما ولم يُرد الرجوع إليها فله أن يطلقها وقد شرع الله تعالى الطلاق لأنه الوسيلة لمتابعة الحياة في مكان آخر، والله تعالى يسمع ويعلم كل ما يجري، فإذا لم يطلقها ولم يتراجع عن قسمه ضيّق عليه الحاكم الشرعي وسجنه حتى يختار أحد الأمرين.

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ{البقرة/228}
في الآية السابقة حدثنا القرآن عن مشروعية الطلاق، وفي هذه الآية يبيّن لنا بعض الأحكام المتعلقة به.
والقروء: جمع(قرء) وهو يُطلق على الحيض أو على النقاء منه، وقال بعض أهل اللغة إن القرء حالة انتقالية، وعدة المطلقة ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر لمن لا تستقيم عادتها الشهرية، ولا يجوز للمرأة أن تكتم حملها أو عادتها بل يجب عليها التصريح، وقد ذهب بعض المفسرين إلى كون المراد من قوله تعالى(وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) هو الحمل، بينما قال آخرون هو يشمل الحمل والحيض لأن المرأة تُصدَّق في فرجها لما ورد عن الإمام الصادق(ع): قد فوّض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطّهر والحمل:
ويحق للرجال إرجاع المطلقات في أثناء العدة، وهو حقٌ لهم، وللنساء حقوقٌ كما للرجال، ولكن للرجال على النساء درجة، ولعل ذلك هو مسألة تفويض أمر الطلاق للرجل دون المرأة.

الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{البقرة/229}
كان الرجال في الجاهلية يطلقون النسوة كثيراً ثم يرجعونهن، وكان يحق للرجال فعل ذلك عشرات المرات إلى أن نزلت هذه الآية وحدت من عملية الطلاق المتكرر، فللرجل أن يطلق زوجته مرتين، ويجوز له بعد الطلاق الثاني إرجاعها، أما إذا طلقها مرة ثالثة فلا يجوز له أن يُرجعها إلا بعد الزواج من آخر، ولعل التسريح بإحسان هو إعطاء المرأة حقها بعد الطلاق الثالث، وقد ذهب بعضهم إلى أن التسريح بإحسان هو الطلاق الثالث، ولا يجوز للرجل أن يأخذ شيئاً من مهرها، وقال البعض: لا يجوز له أن يأخذ منها ما أعطاها إياه غير المهر، ولكن إذا كانت هي التي تطلب الطلاق فله أن يأخذ منها المهر، ولا يجوز أخذ شيء بغير رضا.

فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{البقرة/230}
إذا حصل الطلاق الثالث فلا يجوز إرجاعها إلا بعد أن يتزوجها رجل آخر يجامعها ثم يطلقها ثم تعتد منه ثم تعود إلى زوجها الأول بعقد جديد، وذلك بعد أن تعتد عدة الطلاق من زوجها الأول حيث لا يجوز لها أن تتزوج غيره قبل خروجها من العدة، وهذه هي حدود الله تعالى في هذا المجال، ولا يجوز للعبد أن يتعدى تلك الحدود.

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{البقرة/231}
إذا طلق الرجل زوجته فله أن يعيدها قبل انتهاء عدتها بنوع من التسامح والمعروف، وله أن ينتظر حتى تخرج من عدتها في جوٍ من التسامح والعطف أيضاً، ولا ينبغي أن يفعل الرجل المسلم بزوجته كما كان يفعل الجاهليون بزوجاتهم حيث كانوا يرجعوهن بعد الطلاق بدافع الإنتقام والإضرار، فمن أرجع زوجته إلى عهدته بدافع الإنتقام فقد ظلم نفسه، ثم تحذرنا الآية من أن نلعب ونستهزئ بالزواج والطلاق كما كانوا يفعلون في الجاهلية فإن الزواج أمرٌ مقدس، وكذا الطلاق، ولا يجوز الإستهزتء بأحكام الله عز وجل الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام الذي أخرجنا به من الظلمات إلى النور، وهنا يعظنا الله ويذكّرنا ببعض نعمه علينا علنا نتعظ ونتقي ونخشى الله تبارك وتعالى.

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{البقرة/232}
قيل في سبب نزول الآية أنّ معقل بن يسار عارض على زواج أخته من زوجها السابق، وقيل إنها نزلت في جابر بن عبد الله الذي منع ابنة عمه من الرجوع إلى زوجها، وقد كان أهل الجاهلية يعطون الأقارب حق التدخل في مصير البنات.
وربما يكون المخاطَب بالآية أولياء الزوجات أو الزوج الأول، ولكن الإسلام لا يقبل بتضييق الخناق على الناس، ولا يسمح بالتدخل في شؤون الزوجين فهما الركنان الأساسيان في هذه الحلبة.
وبناءاً عليه يكون معنى الآية: لا تمنعوا زوجاتكم السابقات من الزواج برجال آخرين: وهذا النهي يقع على كل من يتدخل في شأنها سواء كان زوجها السابق أو أحد أقربائها.
والمراد ببلوغ الأجل هنا غير المراد ببلوغ الأجل في الآية السابقة، فهناك كان المعنى بلوغ أواخر أيام العدة، أما هنا فمعناه انتهاء العدة، ويتبين من هذه الآية أنّ الثيّبات إذا شئن الزّواج ثانية فلا يلزمهنّ موافقة أوليائهنّ.
وهنا يوجد توجيه ووعظ للناس من قِبل الله عز وجل، ولا يتعظ إلا من أراد أن يفهم ويتقي.

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{البقرة/233}
قد يراد من الوالدات في الآية المطلَّقات، وقد يكون المراد مطلقاً، وتبيّن الآية هنا أن للأم حق الحضانة في المدة المذكورة(سنتين) ولا يجوز حرمانها من ولدها أو حرمان ولدها منها، ولعل في قوله تعالى(أَوْلاَدَهُنَّ) إشارة وتنبيه إلى كون هؤلاء الأولاد هم أولاد الأمهات كما كانوا أولاد الرجال، وصحيح أن الولد يُلحق بأبيه وهذا لا يعني حرمان الأم من هذا الحق التكويني التشريعي، كما أن الآية لا تعني وجوب إرضاع الولد لسنتين، فلها أن تقلل منها بحسب الحالة الصحية، فتصبح مدة الرضاعة واحداً وعشرين شهراً لأن حمله وفصاله ثلاثون شهراً،(وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب الذي يجب عليه الإنفاق على الزوجة بما لا يضر بحاله حيث لا يجوز تكليفه بما هو خارج عن طاقته، ولا يجوز للأبوين أو أحدهما أن يتخذ من مسألة إرضاع الولد وسيلة للضغط على الآخر أو الإضرار به، وإذا مات والد الرضيع فإن أجرة رضاعته تخرج من سهمه سواء كان الأجر لأمه أو لمرضعة أخرى،(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) لا إشكال في اتفاقهما على فطام الطفل قبل الحولين إذا لم يضر به وإلا فلا يجوز فطمه قبل انقضاء الحولين، وللآباء أن يستأجروا مرضعات أجنبيات لأولادهم في حين امتناع الأم عن إرضاعه، وذلك مع حفظ حق الأم في الفترة التي أرضعت فيها ولدها، ثم تدعو الآية كالعادة إلى تقوى الله عز وجل الذي يرى ويسمع ويثيب ويعاقب.

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{البقرة/234}
كيلا تُجرح مشاعر روح الزوج المتوفى أو مشاعر أهله، ولسبب يعلمه الله تعالى فقد فرض العدة على المتوفى زوجها وهي أكثر من عدة الطلاق حيث بلغت مئة وخمسين يوماً، فإذا انقضت هذه العدة فللزوجة أن تتزوج بمن تشاء، وقد وضع الإسلام الحنيف هذه القواعد ليرفع الظلم عن كاهل النساء اللواتي طالما ظُلمن في الماضي وما زالت بعض القبائل تظلم النساء حتى يومنا الحاضر، فمن عادات وطقوس بعض القبائل أن تُحرق المرأة بعد موت زوجها أو تُدفن حيةً معه في قبره.

وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ{البقرة/235}
لا حرمة في التفكير بالزواج من المرأة في عدة الوفاة، فلا حرمة عليها ولا على ناوي خطبتها، ولكن لا يجوز أن يخطبها بشكل علني أو يصارحها علناً بأنه راغب بالزواج منها، أما إذا دلت الأفعال على رغبته بالزواج منها في عدة الوفاة من دون أي تصريح علني فلا بأس به، وأولاً وأخيراً فإن الله سبحانه يعلم ما تكنه صدورنا فيجب أن نخشى الله عز وجل في السر والعلن.

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ{البقرة/236}
تشير هذه الآية الكريمة إلى جواز طلاق المرأة حتى لو لم يمسها الزوج، ولكن من الأفضل أن يقدّم لها هدية تتناسب مع أوضاعه المالية من حيث الفقر والإقتدار فيما إذا لم يحدد لها مهراً، وقد ذهب بعضهم إلى عدم استحقاقها المهر ما لم يدخل بها، وذهب آخرون إلى غير ذلك.

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{البقرة/237}
إذا حدد لها مهراً وطلقها قبل أن يدخل بها وجب عليه دفع نصف المهر، فإن أعفته من النصف فهو خيرٌ، وإن كان الزوج قد دفع لها تمام المهر ثم طلقها من قبل أن يدخل بها فمن الأفضل أن يسامحها بالنصف، المهم هو المحافظة على الروابط واحترام الزوج للزوجة في جميع الأحوال، وأما الذي بيده عقدة النكاح فهو ولي الصغير والسفيه، وفي ولايته كلامٌ يأتي في محله.

حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ{البقرة/238}
عندما كان رسول الله(ص) يؤم الصلاة جماعة كان بعض المنافقين يتذرعون بحرارة الشمس، وكان الهدف من تذرعهم ذاك هو إحداث تفرقة في صفوف المسلمين، فهدد الرسول جماعة المنافقين ونزلت هذه الآية لتؤكد على أهمية الصلاة الوسطى(صلاة الظهر) لأنها تأتي عندما تتوسط الشمس السماء، ولعل التأكيد عليها هو كونها كانت مستهدَفة من قِبل المنافقين، وللمفسرين أقوال في الصلاة الوسطى حتى أورد بعضهم ثلاثة عشرة قولاً حولها.

فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ{البقرة/239}

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى