
بقلم: الشيخ علي فقيه
سَلامَةُ الدِّيْن
أَثْمَنُ كَنْزٍ فِيْ الوُجُوْد
من صفات أهل الإيمان التي أشار إليها القرآن أنهم يسترخصون النفس في سبيل الثبات على العقيدة الحقّة، وأنهم بذلك يعقدون مع ربهم سبحانه تجارة لا يُخشى كَسادُها، ومن ذلك قوله تعالى(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)
أي أنّ منهم مَن يبيع نفسه لله عز وجل ابتغاءاً لمرضاته، ولا يُمكن أن ينال المرء مرضاة ربه إلا بالحفاظ على دينه وصيانته بكل ما أمكن.
ومن كلام أهل العصمة(ع) وسلوكهم نُدرك أهمية الدين ونعرف سُبل الحفاظ عليه مهما كان البذل في سبيله كبيراً لأنه أكبرُ من أي بذل.
فلقد تعلّمنا من الأنبياء والأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين أنّ سلامة الدين والعقيدة هي من الأولويات في حياة الإنسان المؤمن، وقد أدركنا أهمية الأمر من حجم البذل الذي قدّموه بُغية الحفاظ على الدين مما دلّنا على كونه أغلى من الروح والولد والمال وأي شيء آخر في هذه الحياة.
فكم من نبيٍّ دفع روحه ثمناً لبقاء رسالة السماء، وكم من إمامٍ معصوم قدّم الغالي والرخيص في ذات السبيل، وكم من مؤمن ومؤمنة سلكوا نفس النهج في البذل.
فهذا خليل الله إبراهيم(ع) الذي خضع لأشد امتحان في الوجود، وهو ذبح ولده بيده، ولا شك بأنه جرى صراح في داخله بين مشاعر الأبوّة من جهة ومرضاة الله من جهة أخرى فآثر المحافظة على دينه وامتثل لأمر ربه وهمّ بذبح ولده، وفي اللحظات الأخيرة عندما أثبت مدى حبه لله تعالى جاء العفو الإلهي رحمةً له وتكريماً لعظمة إيمانه ومدى إخلاصه وصدقه.
ورسول الله محمد(ص) بذل كل شيء في سبيل الدين، وتحمّل الأذى المادي والمعنوي لتبقى رسالة الله مستمرة، وقد وصل الحد عنده أنه عبّر عن مدى الأذى الذي لحق به بقوله: ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت: وقد تعلّم المسلمون من نبيهم هذا المنطق الإيماني السامي، وأول مَن من بذل روحه في سبيل الإسلام وسلامة الدين ياسر وسمية والدا الصحابي عمار، واللذان كانا أولَ شهيدَين في الإسلام، فلقد رفضا التخلي عن دينهما فعُذّبا بأشد أنواع العذاب ولم يضعُفا ولم يرَكنا إلى الذين ظلموا.
وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) قدّم روحه مطمئناً عندما بات على فراش رسول الله(ص) ليلة الهجرة، وقد سأل النبي بقوله: أوتسلم يا رسول الله؟: قال: نعم: فانكبّ على الفراش فرِحاً مسروراً متحملاً تبعات الأمر في سبيل سلامة الرسول التي تعني سلامة الدين.
ومن الشواهد الكبرى على موضوعنا ما قام به الإمام أبو عبد الله الحسين(ع) في العاشر من شهر محرم سنة إحدى وستين للهجرة حيث قدّم في سبيل الدين ما لم يقدمه غيره، فالشهداء من أهل بيته تجاوز عددهم الخمسة عشر، والشهداء من أصحابه تجاوزوا السبعين، هذا بالإضافة إلى الظمأ القاتل وترويع النساء والأطفال ومشقة السفر من المدينة إلى كربلاء رغم الخطر الذي كان محدقاً بهم، فلقد قدّم الحسين(ع) كل ذلك وروحه الشريفة معهم في سبيل بقاء الإسلام الحنيف، وقد أطلق في كربلاء كلمة حول فحوى هذا الأمر يجب أن تُكتب بماء الذهب وبحروف من نور حيث قال: هَوَّن ما نزا بي أنه بعين الله: وهذه قمة الإيمان والبذل في سبيل الله عز وجل.
فالماضون دفعوا الثمن غالياً من أجل الدين حتى وصل إلينا على طبقٍ من ذهب، وفينا أشخاص غير مستعدين لتقديم قشة في سبيل الدين مع أنّ جباههم سوداء من كثرة السجود.
وكثيرٌ منا يتمنون لو كانوا مع أهل البيت(ع): يا ليتنا كنا معكم: ففي اليوم الواحد نقرأ هذه الكلمة أو نسمعها أكثر من مرة.
ماذا كنتَ ستصنع لو كنتَ معهم في زمانهم؟
سؤال أضعه برسم الجميع.
نحن نستطيع أن نكون معهم الآن وبعد مضي أكثر من أربعة عشر قرناً، وبكل سهولة.
نكون معهم عندما نحذو حذوهم، ونسلك سبيلهم، ونفعل ما كانوا يفعلون، ونقول كما كانوا يقولون.
كان(عليهم السلام) همهم الإسلام والمسلمين، يقومون بتقديم الخدمات لهم، وقضاء حوائجهم مهما كانت كبيرة.
كانوا يضعون الطعام أمام أبواب الفقراء ليلاً دون أن يعرف الفقير هوية المتبرع، فلم يُدرك الناس في زمن أمير المؤمنين هوية الشخص الذي كان يأتيهم في جوف الليل إلا بعد استشهاده(ع) حيث انقطعت عنهم المعونات.
أما في زماننا فكثير من المسلمين يموتون على أبواب المستشفيات بسبب عدم وجود المال الكافي لتسديد الفواتير، وكثيرٌ منهم يتضورون من الجوع، وقسمٌ كبير لا يقدرون على شراء الدواء أو دفع فاتورة الكهرباء والماء والمدارس.
للحديث تتمة، وسوف تكون أكثر تفصيلاً بإذن الله، حيث لم يعد السكوت عن الباطل يُجدي أي نفع، فمن كان يرى الخطأ في كلامي فليناقشني فإنَّ عندي الكثير من الشواهد والأدلة.
ترجموا حبكم لله ورسوله والدين عملياً، ثم افعلوا ما شئتم من المباحات.



