محاضرات

مَوْعِظَةٌ من القلب عسى أن تدخل القلوب

بقلم: الشيخ علي فقيه

موعظة حول الموت وسكراته

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

قال تعالى(وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)
من بديع صنع الله في خلقه أنه ميز الإنسان عن باقي مخلوقاته فأودع فيه قوة عاقلة يميز بها بين الخير والشر والحق والباطل.
ومن بديع صنعه تعالى خلق تلك المشاعر فينا والقوى التي تربطنا به وتشدنا إليه وهي قوى قادرة على اختراق كل الحجب التي يزرعها الشيطان في طريق مسيرتنا الإلهية، وقد جعل الله لأرواحنا غذاءاً لا جوع بعده فلقد غذى أرواحنا بثمار الإيمان وجعل سقياها موعظة تجعل منا ملائكة على هيئة بشر حيث أن الموعظة من شأنها أن ترتقي بالروح إلى عالم ملكوتي صاف وطاهر ونقي لا يمكن أن تلوثه الشهوات أو تعكر صفوه الملذات الزائلة في الدنيا الفانية.
الوعظ: هو الدعوة إلى الخير بطريقة مميزة وأسلوب مؤثّر، وهو ذو طرقٍ كثيرة، فإن لكل واعظ أسلوباً خاصاً في إلقاء الموعظة وكيفية إدخالها إلى القلوب وطريقة استقرارها في الداخل لكي تحمي صاحبها من شرور الشيطان الذي يعمل دائماً على إطفاء مشعل الموعظة التي كانت السلاح الأقوى الذي يهابه ويخشاه.
والموعظة: هي نور للقلوب، وإنعاش للنفوس التي ماتت بغفلتها واستسلمت لهفواتها، ونزلت عند رغبة نزواتها وإشباع شهواتها، وهي الأسلوب الرائع في البيان، والطريق النافع للإخوان، وهي الوسيلة الأنجح لإعادة المرء إلى صوابه، وإرجاعه إلى أصول فطرته.
وهي النافذة المؤدية إلى القلوب والموصلة إلى العقول، وهي الجاذبية التي تسيطر بطريقة خفية على أصول الآذان ومسامع الأفئدة.
وهي الوتيرة التي طالما عزف عليها الأنبياء، وترنّم بها الأولياء، وهي القوّة التي ضاهت المعجزة في التأثير، وهي المنبع الذي يصدر منه صدى صوت التذكير، وهي الكهف الحصين والحصن المنيع من سطوات الشياطين سبب كل بليّة، ومصدر كل رزيّة ظاهرة أو خفية.
وهي الأداة التي تحفظ روح الإنسان، وتحافظ على نفسه من مهالك الدهر ومساوئ الغفلة وأخطار الزمان في كل زمان ومكان، وهي باب الخلاص من رواسب الذنوب وتبعات العيوب والنكت السوداء داخل القلوب.
إن العديد من الوُعّاظ يعظون، وكثير من الناس يسمعون أو يستمعون، ولكن القلة منهم تنتفع، وإلى العمل تندفع، الذي بسببه يرتفع الإنسان في هذه الحياة، وينجو من المهالك بعد الممات.
إن أنواع المواعظ كثيرة، وأعدادها أكثر، منها ما له أثر ظاهر، ومنها ما كانت آثارها خفية، ويعود السبب في ذلك إلى أمرٍ لا علاقة له بجمال الكلام وروعة سبكه وانتقاء ألفاظه، بل إلى المصدر الذي تخرج منه الموعظة، فهناك علاقة قوية قائمة بين الموعظة والواعظ والمتعظ، فإذا خرجت الموعظة من القلب فلا بد أن تدخل إليه، ولا يمكن أن تخرج من قلبه إلا إذا كان الواعظ عاملاً بالموعظة قبل بيانها.
فإذا لم تؤثر الموعظة في الحاضرين، فعليهم وعلى الواعظ أن يفتشوا عن السبب المانع إما فيهم أو في الواعظ، إذ لا يمكن الإستفادة منها إلا بتوجه الطرفين إليها معاً، فلسان متكلم من دون قلب واع لا فائدة منه، ولسان ضليع في البيان مع إهمال العمل له نفس الأثر السابق، فلا بد من قلب واعظ، وقلب متّعظ حتى تنفع الموعظة وتؤتي أكلها.
لطالما حثنا القرآن الكريم على اكتساب المواعظ وأخذ العبر، ولطالما أكد النبي وآله(ص) على هذه العملية التي توطد العلاقة بين العبد وربه، ولطالما حذرونا من الوصول إلى زمن تقل فيه المواعظ ويندر فيه العمل بشيء منها، ويمكننا القول إننا قد وصلنا إلى هذا الزمن الخطير الذي أصبح ملكاً للشيطان الغوي ومسرحاً واسعاً لتمرير خططه وتحقيق مراده وتنفيذ مؤامراته ضد ابن آدم.
لقد وصلنا إلى زمن جاف وقاس قد أحيينا فيه سنن الجاهلة وقوانين الأمم المتحجرة التي وقفت في طريق الأنبياء وعرقلت عملية انتشار الرسالات السماوية حيث قلّت فينا الموعظة وندر وجود الواعظين الذين منهم من وعظ بلسانه دون قلبه، ومنهم من وعظ دون أن يعمل بمقتضى موعظته، ومنهم من توانى عن القيام بهذه المهمة وهي أساس مسؤوليته وعين وظيفته وأول ما يجب عليه القيام به.
فما أحوجنا في هذه الأيام الحرجة إلى الإلتزام بطريق الموعظة ونشر الفضائل ومواجهة الرذائل التي سيطرت علينا وأعمت قلوبنا وأصمّت آذاننا ووضعت حائلاً بيننا وبين الحق، وفتحت أبواب الشر حتى صرنا أحد مصاديق قول الله تعالى(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)
هل أعدّ أحدنا جواباً مقنعاً حيال هذا التقصير الواضح والإستهتار بالواجب المفروض علينا من قِبل خالقنا سبحانه وتعالى؟ ما هو السبب الذي فصل بيننا وبين الله عز وجل؟ كيف سمحنا للشيطان الرجيم بأن يفرق بيننا وبين الرحمة الإلهية وينتزعنا من طريق الخير ويجبرنا على السير في طريقه التي تنتهي بالشقاء؟
الشيطان ليس بأقوى من الإنسان، بل العكس هو الصحيح حيث أودع الله فينا قوى قادرة على مواجهة وسوسات الشيطان مهما كانت مغرية، ومهما كانت ظروفنا قاسية وأوضاعنا صعبة.
إن باب الخلاص من فتنة الشيطان وكيده وسطوته ووسوسته هو التحلي بالموعظة والعمل بها بعد تحريكها داخل النفوس وبعد التفكر بها والتأمل بمؤداها.
لا عذر لأحد إذا قصّر لأن القرآن مليئ بالمواعظ ومكتظ بالعبر، وكلام المعصومين في هذا المجال أكثر من أن يُحصر.
إننا بأمس الحاجة إلى موعظة مؤثرة تبعدنا عن الشيطان الرجيم، وتدنينا من الصراط المستقيم، وتحثنا على العمل الذي ينتهي بالسعادة.
إننا بأمس الحاجة إلى سماع ما يقربنا من الله سبحانه وما يشجعنا على العمل الصالح وما يقوي فينا مشاعل الخشية ويلغي من داخلنا أثر طول الأمل الذي به يبطل العمل.
ما أحوجنا في هذه الأيام الصعبة والظروف الحرجة إلى موعظة تنتقل بأرواحنا وقلوبنا إلى جو من الطهارة وعالم يملؤه الصفاء ويغمره النقاء قبل أن يتمنى الفرد منا لو أنه لم يُخلق في هذه الدنيا لشدة ما سوف يرى عند الموت وبعد الموت، ولو لم يكن إلا الموت لكفى فكيف وما بعد الموت أعظم وأدهى.
علينا أن نعظ أنفسنا قبل فوات الأوان قبل أن يقول الإنسان يا ليت ما كان ما كان.
هناك تقصير واضح من الجميع من دون استثناء لأنه إذا قصّر المعني بوعظنا في وعظنا فلا ينبغي أن نقصر نحن في وعظ أنفسنا، إذ لا عذر ينفع ولا مجادلة، ولا حجة تدفع عنا المساءلة.
إن حجة الكثيرين منا في تقصيرهم تجاه ربهم هي الأوضاع الإقتصادية والسياسية والأمنية المتدهورة وهو برأيي عذرٌ أقبح من ذنب لأن الحاجة إلى اللجوء لله تعالى تشتد في مثل تلك الظروف القاسية.
وإذا كان من يجب عليه الوعظ قد قصّر في وعظ الناس أو لم يعمل بمقتضى موعظته فها هو القرآن الكريم مليء بالمواعظ والدروس والعبر، ومن تلك المواعظ قوله سبحانه(وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ولطالما تغافل الإنسان عن ربه ونسي آخرته حتى أصبح رهين سكرات الموت وما أدراكم ما سكرات الموت، إنها أشد اللحظات التي يمر بها ابن آدم في مسيرة وجوده إنها اللحظات التي تأتي فيها ملائكة الله لقبض روح الإنسان الذي يعلم بمصيره هناك فإنه إن أتت الملائكة بصورة تطمينية فهو من أهل النجاة وإلا فإلى الله المشتكى.
والقرآن صور لنا كلتا الحالتي حيث قال في إحداهما(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) وفي الأخرى(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
ومهما كان كلام الخطيب بليغاً وجميلاً فإنه ليس بأجمل ولا أبلغ من كلام أئمتنا المعصومين(ع) الذين وصفوا لنا حال الإنسان في جميع مراحله، وها هو أمير المؤمنين علي(ع) يصف لنا الإنسان وهو تحت تأثير سكرات الموت فيقول:
وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَأَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْن غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَيَسْمَعُ بَأُذُن غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَوَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَلِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَحَيْثُما أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلاَيَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَلاَ رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةًٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ. وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيَما كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ: يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ:
ثم وصف الإمام حالة أهل القبور فقال:
حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً، وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ، وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَلاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً، إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا، جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ، مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ، حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ، وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ، لاَ يُخْشَى فَجْعُهُمْ ، وَلاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً:
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ:
أتاك الموت الذي كنتَ تعلم بقدومه والذي غفلتَ عنه في أيام عمرك فأدرت مسامع قلبك إلى ما يريده الشيطان ووضعت الحجب بينك وبين الرحمن فكنتَ خاسراً على كل حال لأنك لم تستغل أيام الدنيا في العمل الصالح وقد كان باب التوبة مفتوحاً إلى حين قدوم الملائكة لقبض روحك، فلا ينبغي أن تكون واحداً من مصاديق قول الله عز وجل(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)
إن أكبر موعظة لنا في هذه الحياة هو الموت الذي يقع باستمرار على من حولنا ممن نعرف وممن لا نعرف، وتلك الجنائز المحمولة هي رسل الله إلينا كما قال جبرائيل(ع) لنبي الله سليمان(ع).
إن نزول الموت بغيرك هو إنذار لك مضمونه أن الذي نزل بهذا اليوم فإنه سوف ينزل بك غداً فأسرع بالتوبة وأكثر من العمل قبل أن يأتي يوم لا تُقبل فيه توبة ولا يُرفع فيه عمل.
وجاءت سكرة الموت بالحق: نحن لم نمت بعد ولم نرى سكرات الموت بأعيننا ولكننا سوف نراها حتماً، ولكن لا بد من رؤيتها بالبصيرة قبل أن يراها البصر فرؤياا البصيرة لها يخفف عنا آثارها عندما يدركها بصرنا.
الموت أمرٌ عظيم وخطبٌ جليل ووقعٌ كبير، وهو في الواقع مخيف ولكن يمكن لنا أن ندرأ الخوف عن أنفسنا في جميع المراحل التي سنمر بها عند الموت وبعده وذلك في أن نجهد لأن نكون من أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
هذا الموت إما أن يكون بحد ذاته عذاباً وإما أن يكون راحة، والأمر رهن إشارة الإنسان الذي يستطيع أن يجعل من الموت راحة لنفسه من خلال طاعة الله عز وجل.
هذا الموت إما أن يكون عذاباً أو باباً نعبر منه إلى الجنة، وقد وصف لنا النبي وآله(ص) كلا هذين النوعين من الموت، فقد قال رسول الله محمد(ص)::الموت الموت ألا ولا بد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالرَّوح والراحة والكرّة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه بالشقوة والندامة وبالكَرّة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم:
وقد قيل للإمام الصادق(ع) صف لنا الموت؟ فقال: للمؤمن كأطيب ريح يشمه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب أو أشد:
وقيل لأمير المؤمنين عليٍّ(ع) صف لنا الموت؟ فقال(ع) : على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه، إما بشارة بنعيم الأبد وإما بشارة بعذاب الأبد وإما تحزين وتهويل وأمر مبهم لا يُدرى من أي الفِرَق هو:
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ
إننا لم نذكر عن الموت سوى الغيض اليسير فهو أمر يصعب علينا وصفه بسبب شدته على الإنسان، وإذا كان الموت عظيماً إلى هذه الدرجة فما هو سوى مدخل إلى عالَم الآخرة الذي كان الموت أهون مراحله.
كيف سيكون حالنا عندما يُنفخ في الصور ونخرج من القبور ونقف بين يدي العزيز الجبار للحساب، هل نحن مستعدون للجواب عندما يسألنا الله تعالى عن أعمارنا فيما قضيناها وأموالنا فيما أنفقناها وعن الواجبات التي ضيعناها، كيف سيكون حالنا وقد عرفنا بأننا من أهل العذاب في حين نحن نسمع شهيق جهنم وزفيرها وقد أنذرنا الله كثيراً عذاب جهنم عبر عشرات الآيات وعلى ألسنة الأنبياء والأوصياء ولكننا لم نكن نسمع بآذان صحيحة.
ألم نسمع قول الله تعالى(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ) وهناك العشرات من الآيات المشابهة بالمعنى لهذه الآيات الكريمة.
إن يوم القيامة يوم عظيم وطويل وشاق، وقد وصفه الله تعالى بأوصاف تبين لنا واقعه، ولكن الهدف الأساسي من وصف يوم القيامة هو وعظنا وزجرُنا قبل أن يحل ذلك اليوم الذي قال الله فيه(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) وقال سبحانه(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)
يمكن لنا أن نزيل الخوف ونقضي على الخطر فيما إذا التزمنا نهج الحق في هذه الدنيا وراقبنا الله في كل كبيرة وصغيرة لأن كل كبيرة وصغيرة سوف نُسأل عنها عندما يلقى إلينا كتاب موجود فيه كل أعمالنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
نحن نستطيع أن نكتسب الموعظة بألف طريق وطريق، نستطيع أن نكتسبها من احتكاك حجر بحجر، نستطيع أن نكتسبها من خروج الأرواح من الأبدان ومن الجثمان المسجى بين الأحباب وحمل النعش على الأكتاف ومن الأجساد التي أصبحت رهائن القبور بعد أن سكنت الدور والقصور.
أريد هنا أن أنصح نفسي وأعظها والخطاب هنا لي ولكم، إذا صليتم مرة على جنازة فتخيلوا بأنكم أنتم من يصلى عليهم وأنه بعد قليل سوف تكونون رهائن القبور، وإذا دخلتم بالجنازة على المقبرة فتخيلوا بأنكم أنتم المحمولون حتى يردعكم هذا التفكر عن ارتكاب المعاصي.
أيها الأحبة: اليوم نؤبن موتانا وغداً يؤبننا أحياؤنا، اليوم نصلي على جنائز الأحباب والأصحاب وندعو لهم بالغفران وغداً يأتي دورنا للصلاة علينا ونسأل الله أن يأتي من يدعو لنا بقلب صاف ونية صادقة حتى يرحمنا الله بفضل دعائه.
وإن كل ما قلته هنا ما هو سوى موعظة من مواعظ لا يحصى لها عدد وهي حجة علينا.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى