محاضرات

هَلْ شَعَرَ الإِمَامُ(ع) بِالخَوْفِ فِيْ المَدِيْنَةِ أَوْ لَدَى خُرُوْجِهِ مِنْهَا؟

بقلم: الشيخ علي فقيه

 

هَلْ شَعَرَ الإِمَامُ(ع) بِالخَوْفِ فِيْ المَدِيْنَةِ أَوْ لَدَى خُرُوْجِهِ مِنْهَا؟

 

هناك مجموعات من الناس فقدوا السيطرة على أنفسهم ولم يبق عندهم شيء من قوة التماسك أو ضبط النفس حول بعض القضايا الحساسة التي لا يجدر التعاطي معها بهذا الأسلوب لأنها في الحقيقة قضايا مصيرية ومسؤوليات شرعية تجب فيها مراعاة الأحكام والأصول.
أصبح الواحد منا – بغض النظر عن كونه موالي أو معادي – يطرح بعض التساؤلات حول أمور كانت واضحة المعالم إلا أنها أصبحت غامضة بسبب كثير من العوامل والأسباب.
واللافت للأنظار هنا هو أن بعض المؤمنين بنهج الإمام الحسين(ع) هم الذين يروجون تلك الأفكار ليَبرزوا وكأنهم أصحاب عقول واعية وآفاق واسعة وغفلوا عن كونهم يتسببون بكوارث عقائدية نحن بالغنى عنها في هذا الزمان وفي غيره.
لقد اهتم علماؤنا الأعلام عبر قرون من الزمن بجميع ما اختص بالثورة الحسينية ووضعوا النقاط على الحروف وكشفوا الحقيقة كما يجب حتى استطاعوا أن يقنعوا بكلامهم العذب وعقولهم النيرة الفذة كثيراً من المعاندين عبر تلك البحوث والمناظرات والمجالس التي كانت تُعقد في أزمان وظروف ومناسبات عديدة.
ونحن اليوم نضرب كلامهم بعرض الحائط ونتجاوز الحقيقة التي كانت واضحة ونبدأ من نقطة الصفر ونستغني عن تجاربهم وسهرهم وألمهم وجهدهم الذي بذلوه في سبيل إيضاح هذه القضية وذلك عندما نتقدّم بأفكار من شأنها أن تزلزل الحقيقة وتغيّر الواقع، كل ذلك من أجل أن نبرز في محيطنا على أننا أصحاب فكر واسع ونحن في الواقع رؤوس الجهل وأجهل الجهلاء.
قرأنا وقرأتم وسمعنا وسمعتم كلاماً غريباً غير مدروس قد نُسب إلى الإمام الحسين(ع) وهو بريء مما نسبوه إليه، وقد لا يكون لتلك الطروحات خلفية سيئة سوى الجهل بالواقع وعدم إدراك العاقبة التي قد تنشأ بسبب تلك اللأفكار الغير مدروسة، والساحة الحسينية أو الفكر الحسيني الكربلائي بالغنى عن تلك الطروحات التي كان ضررها أكبر من نفعها إن قلنا بوجود منفعة لها في أحد الجوانب، ولكننا نعتقد بأنها عديمة المنفعة، ولولا تلك الطروحات المشؤومة لكنا بالغنى عن عقد مثل هذه البحوث التي نصرف فيها الكثير من الوقت والجهد والتأمل والدراسة والبحث والتحليل والمقارنة والمراجعة وغير ذلك من المقدمات المطلوبة للوصول إلى الحقيقة.
وهذه الكارثة الفكرية والتاريخية والعقائدية لم تنحصر في فئة معيَّنة لا على مستوى الإنتماء المذهبي ولا على مستوى المعرفة حيث انغمس فيها بعض رجال الدين وكثير من المؤمنين ونظمها الشعراء وتغنوا بها على أنها مكرمة وجهلوا بأنها مفسدة ومشئمة على الدين وأهله بل على التاريخ الذي رسمه أهل البيت(ع) عبر قرون من الزمن.
كثير منا يقولون افتراءاً وجهلاً ويتحركون بعصبية عمياء، تلك العصبية التي رفضها من نتعصب لأجلهم وجعلوها من صفات الجاهلية التي أرادوا أن ينزهونا عنها.
كيف يمكن لك أيها الإنسان أن تتقرب إلى شخص بشيء هو يكرهه وينهى عنه؟ وكيف تتجرأ على نسب غير الواقع إلى الواقع؟ أولستَ إنساناً مكلَّفاً ومسؤولاً ولك وقفة يوم القيامة بين يدي الله عز وجل؟ فإذا كنت لا تعلم فالأجدر بك أن تبقى ساكتاً لأن الإنسان يُكتب من المحسنين ما دام ساكتاً، وفي مثل هذه الأحوال يجب أن تعمل بالحديث القائل: إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب: وبالحديث القائل: لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك: وبالحديث القائل: إختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك:
ومن جملة تلك الأفكار الهدامة ما قاله البعض وما نظمه الشعراء وهو أن الإمام الحسين(ع) خامس أصحاب الكساء وثالث أئمة الهدى والبطل الشجاع المقدام قد خرج من المدينة المنورة لخوفه من يزيد والعياذ بالله تعالى.

عَامِلُ الخَوْفِ لَدَى البَشَر

عندما خلق الله عز وجل بني آدم جعل فيهم كثيراً من القوى والمشاعر والأحاسيس التي يرتبط جُلّها بعوامل خارجية وأحداث طارئة.
فالحب سببه الإعجاب والإحسان من الطرف الآخر الذي تسبب إحسانه أو بعض سلوكياته الفعلية أو التَرْكية بتحريك مشاعر الحب لدى الطرف الثاني.
والبغض سببه التنافر من بعض الأفعال القبيحة والسلوكيات السيئة التي قد تطرأ من أحدهم، فالأفعال الخارجية من شأنها أن تتصرف في المشاعر المودعة في روح الإنسان وعقله وقلبه.
ومن الطبائع الأساسية في الكائن البشري هو الخوف، وهذا الخوف نوعان:
النوع الأول: وهو الخوف من شيء:
بغض النظر عن السبب، فبعض تلك المخاوف محمود، وبعضها الآخر مذموم، فالخوف مما يخيف عادة هو أمر طبيعي في الإنسان كخوفه من الأخطار الطبيعية والمصطنَعة، أو بمعنى أوضح كخوف الإنسان من الكوارث الطبيعية أو من اعتداءات بعض الناس عليه وتهديدهم له أو لمن يهتم بشأنه.
أما الخوف مما ليس من شأنه أن يزرع تلك النبتة في النفس فهو صفة نقص في الإنسان، وهو الذي نعبّر عنه بالخوف المذموم، ومنه الخوف من البشر في مقابل الخوف من الله تعالى.
والخوف من الله سبحانه هو أجمل وأرقى وأعلى مراتب الخوف المحمود لأن عاقبته السعادة الدائمة التي هي مراد العقلاء من أهل الإيمان، ومن شأن الخوف من الله عز وجل أن يزرع الجرأة في قلب الخائف منه فيصبح نتيجة خوفه من الله عز وجل أشجع الشجعان.
فالخوف من شيء تارة يكون خوفاً جميلاً نظراً للفائدة الناجمة عنه، وأخرى يكون عكس ذلك نتيجة للنتائج السلبية التي تنتج عنه.
وبناءاً عليه يكون الخوف من شيء خوفين: خوف من الله تعالى، وخوف من المخلوق، والخوف من المخلوق أنواع: فتارة يكون خوفاً من العقلاء، وهو خوفان: خوف بسبب وخوف من دون سبب، أما الخوف بسبب فقد يكون له مخرج في الموازين الإلهية، وأما الخوف بلا سبب فهو الذي ينزل بمستوى الإنسان إلى ما لا يليق به ويجلب له المتاعب والويلات وهو بالغنى عن تلك الآثار، وتارة يكون خوفاً من غير العقلاء، وغير العقلاء إما حيوانات وإما جمادات وما يُلحق بها من النباتات، وهذا النوع من الخوف يشبه الخوف من المخلوق العاقل، فإذا كانت نتائجه على الإنسان وخيمة كان من الخوف المذموم، وأما إذا لم تكن كذلك فلم يكن الخوف هذا كذلك.
هناك مخاوف تسيطر على قلب الإنسان فتجعله يتخلى عن أجمل وأثمن شيء له في الوجود كمن تخلى عن دينه وعقيدته وعشيرته بسبب بعض المخاوف، وكما حصل لكثير من المسلمين في عهد الإمام الحسين حيث آثروا قتل إمامهم وعقيدتهم على أن يقفوا موقفاً مشرّفاً في وجوه الطغاة.
هذا بالنسبة إلى الناس العاديين، وأما بالنسبة للمعصوم(ع) فهنا بحث دقيق للغاية فإذا لم نتأمل فيه ملياً فلن نخرج بنتيجة واضحة تساعدنا على فهم الجواب المطلوب في هذا البحث، وهو: هل شعر الإمام الحسين(ع) بالخوف؟
هناك مشاعر وأحاسيس يشترك فيها المعصوم مع غيره لأنه بالتالي بشر مثلنا، فلو قلنا غير ذلك لأخرجناه عن دائرة البشرية، وهذا مخالف لظواهر القرآن الكريم الذي حدثنا عن خاتم الأنبياء محمد(ص) بقوله تعالى(قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) وقوله تعالى(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فالمعصوم بشر مثلنا يخضع للقوانين الطبيعية والأنظمة التكوينية التي كان عليها جميع المخلوقين من حزن وبكاء وفرح ونوم ويقظة وألم ومرض وبعض الحاجات المادية.
فلقد حزن الرسول على أمه وجده وعمه وكل من كان يتصل به، وحزنت الزهراء على أبيها وبعلها وبنيها وكذا علي وكذا جميع الأئمة(ع).
فالمعصوم يأكل ويشرب ويتطهر ويفعل ما يفعل غيره من الناس، ولا فرق بينه وبينهم سوى بالعصمة التي تعني القدرة المميزة في العديد من المجالات، فالمعصوم له قدرة واسعة على عدم الوقوع في الخطأ أياً كان نوع الخطأ.
والفرق بين المعصوم وغيره من البشر هو أن كثيراً من البشر العاديين يخرجون عن الحدود ويتجاوزون بعض الضوابط لدى حدوث أمرٍ معيّن، أما المعصوم فلا يتأثر بأي حدث أو نازلة ولا يخرج عن الحدود المرسومة له مهما كانت الظروف صعبة.
وقبل بيان النتيجة تجدر الإشارة إلى النوع الثاني من نوعي الخوف.
النوع الثاني: وهو الخوف على شيء:
وهو النوع الذي يتعاطى به المعصوم في الغالب، فهو يخاف من شيء، وخوفه من شيء نوعان:
خوفه من الله تعالى: وهو الخوف الملازم للمعصوم طيلة حياته فلا يغفل عنه لحظة واحدة.
وخوفه من غير الله تعالى على شيء: فهو يخاف من الظالمين على المظلومين، ويخاف من الخطر أن يقع على الناس لأنه يشعر بهم ومعهم وتتماشى روحه مع أحوالهم في كل زمان ومكان، فمن لم يخف على الناس فليس منهم.
أما القول بأن المعصوم يخاف من أحد على نفسه أو أنه يخاف من نزول البلاء والمصيبة والخطر عليه فهو الذي يتنافى مع جوهر العصمة، وهو النوع الذي نرفضه لمعصومينا من أساسه.
فالمعصوم قد يخاف على أولاده وأقاربه وأمته، أما أنه يخاف من البشر على نفسه فهو يتنافى مع مسألة الخوف من الله عز وجل وخصوصاً فيما يتعلق بالأمور الدينية والظروف المصيرية التي تعني الأمة كلها، فالمعصوم(ع) يصغر في نفسه كل شيء أمام مصلحة الدين والأمة وهو مستعد لأن يُقتل بالسيف ألف مرة دون أن يفرّط بحق واحد من حقوق الأمة، وهذا ما صنعه الإمام(ع) عندما بذل روحه وأرواح أولاده وأصحابه في سبيل بقاء الإسلام.
فلو كان الإمام خائفاً من يزيد لما واجهه بعدد قليل ولما واجه ألم السيوف والرماح، فلقد كان باستطاعة الإمام أن يعيش عيشة الملوك، ولا يكلفه الأمر سوى كلمة واحدة ليزيد، فلو خاف على نفسه لما قرّر أن يواجه الحكم اليزيدي عسكرياً، وعدم مواجهة النظام اليزيدي تُعتبر تقصيراً في الواجب وفراراً من الزحف وهو من كبائر المحرمات.
والخلاصة أنه قد يشترك هذان النوعان في شيء واحد وهو الخوف من أحد على شيء أو على أحد، ولكن مرد هذا الخوف إلى النوع الثاني وهو الخوف على شيء، ولا يمكن أن يكون هناك خوف على شيء إلا إذا كان هناك شيء مخيف، ومن دون ذلك يكون الخوف لغواً ووهماً.
وقد يشعر المعصوم بالخوف من شيء ولكنه لا يطبق عليه الأثر، بل ليس له أثر على أساس العصمة، بمعنى أنه على فرض شعر بالخوف فلا يخرج عن كونه معصوماً إذا كانت الظروف المحيطة من شأنها أن تزرع الخوف بداخله، وقد استدركت هذه الناحية حيث رد في التاريخ أن بعض الأنبياء(ع) قد خافوا على أنفسهم، وهذا ما جعلني أفصل بين معصوم ومعصوم، وهنا يمتاز أهل البيت(ع) عن غيرهم من المعصومين.
وليس في هذا الكلام أي استنقاص من شأن المعصوم بل هو حقيقة ثابتة، والكل يؤمن بأن بعض المعصومين أعظم من غيرهم ممن هم معصومون أيضاً.
فالنبي محمد(ص) معصوم، وموسى الكليم(ع) معصوم، ولا شك بأن النبي محمداً(ص) أعظم من موسى وغيره من الأنبياء.

خُرُوْجُ الإِمَامِ الحُسَيْنِ(ع) مِنَ المَدِيْنَة خائِفاً

بعد تلك المقدمة الطويلة التي ذكرناها آن الأوان لأن ندرك حقيقة ما قام به الإمام الحسين(ع) عندما خرج من المدينة سواء خرج سراً أو علانية.
وما ذكرته عبر صفحات كان تقديماً لفهم الجواب على السؤال المطروح، وهو: هل خاف الإمام الحسين من يزيد في المدينة أو خارجها؟
هناك أشخاص ساعدوا على هدم الحقيقة بشكل عفوي غير متعمَّد، وهو قصور وليس تقصيراً، أما إذا عرفوا الحقيقة وأنكروها فسوف يكون ذلك تقصيراً لا قصوراً.
كان بعضهم وما يزالون يتغنون بقصيدة لأحد الشعراء جاء فيها:
خرج الحسين من المدينة خائفاً كخروج موسى خائفاً يتكتم
وأنا مع احترامي الكامل لكثير من الشعراء والخطباء الذين انتهجوا بعض أفكار الشعراء أقول لهم: إن هناك مغالطات يجب أن تتراجعوا عنها كيلا تكونوا أدوات محو للدين ومعالمه، وبدل أن تكون يداً على اهل بيت النبوة لأن المفروض هو أن تكونوا يداً لهم وليس يداً عليهم، وهذا ما يفرضه علينا الواجب الشرعي بل الواجب العقائدي.
إن بعض قراء العزاء كان الهم الأكبر عندهم هو تحريك المشاعر وتصوير مدى الخطر الذي كان محيطاً بالإمام الحسين(ع) فراحوا ينقلون كلاماً ظاهره جميل ولكن باطنه خطير للغاية، كقول هذا الشاعر ما لم نعمل على بيان المعنى الأساسي لهذه العبارة، وأنا هنا لا أتهم هذا الشاعر بشيء لأنه قد يخضع لبعض الأوزان والقوافي مما يجعله مُقللاً للكلام، وهنا لا بد من العمل على قاعدة: المعنى في قلب الشاعر:
فلو قال هذا الشاعر: خرج الحسين من المدينة خائفاً : من دون أن يشبّه خروجه بخروج موسى(ع) لكان الوضع أسهل، ولكن بما أنه شبّه خروج الحسين بخروج موسى فقد نشأت عندنا مشكلة عقائدية كبيرة لأن ظروف موسى(ع) كانت تختلف كثيراً عن ظروم الإمام الحسين(ع).
فموسى(ع) خاف من الموت وخرج من موطنه وذهب إلى مكان آخر، ولم يتنافى هذا الأمر مع كونه معصوماً، أما الإمام الحسين(ع) فلم يخرج من المدينة خائفاً من الموت لأنه ذهب إليه برجليه، ولكنه خرج خائفاً على شيء، وهو الإسلام الذي عمل يزيد على دثر معالمه وطمس أحكامه ودفن تعاليمه، فالذي جعل الحسين خائفاً هو خوفه على الدين والأمة وليس على نفسه التي قدمها قرباناً لله تعالى بملئ إرادته.
والجواب: نعم: خاف الحسين(ع) على شيء، ولم يخف على نفسه، وهذا ما أثبتته جميع مواقفه بعد خروجه من المدينة إلى آخر رمق له في هذه الحياة.
ومن أراد أن يمدح الحسين ويتغنى بمواقفه فليمدحه بمدح منطقي ليس في باطنه ذم ولا نقص.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى