
هَلْ قَامَ الحُسَيْنُ(ع) بالثَّوْرَةِ مِنْ أَجْلِ طَلَبِ المُلْك؟
ما أجرأ بعض الناس على زرع الشكوك وإلقاء التُهم وتزوير الحقائق وإن كان ذلك يؤدي إلى محق دين بكامله ومحو أمة برمتها، وما أكثر تلك النوافذ التي يتسللون من خلالها إلى عقول الناس ليفصلوا بينهم وبين الحق.
وما أكثر هذه النماذج في التاريخ، بل وما أجهلهم بما يصفون، فهل سمعتم بأن شخصاً يقتل نفسه بيده ويقضي على دينه بسبب حقده على بعض الأشخاص من دون أن يكون هناك من داع لذلك سوى التعصب الأعمى؟
كثير عبر التاريخ فعلوا ذلك، ولم تنته تلك الأزمة بعد، بل كثر هذا النوع من البشر في هذا الزمن المميز بالتطور والتقنيات العالية التي يرسلون من خلالها سمومهم إلى قلوب الناس.
ولا ينبغي لأصحاب الضمائر الحية والنفوس الأبية أن يتأثروا بتلك الدعايات الكاذبة التي روّجها يزيد قبلهم، فالحق بيّن والباطل بيّن، وما علينا سوى التمييز بينهما والسير في طريق الحق مهما كان الظرف مراً.
وإن هذه الحقائق لم تصل إلينا من دون ثمن، بل كانت أثمانها باهظة على مر العصور، إن من إخواننا المؤمنين السابقين من دفع روحه وأرواح أولاده وأخوته وغيرهم ثمناً لإثبات الحق والدفاع عن نهجه، كما صنه سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وميثم التمار وحجر بن عدي الكندي والكثيرون من أهل الإيمان وأصحاب المواقف الجريئة.
لقد نُفي أبو ذر لأنه قال الحقيقة، وقُتل والدا عمار بن ياسر لأنهما آثرا الإيمان على الكفر، وأُعدم حجر بن عدي وولده لأنه رفض شتم أمير المؤمنين علي(ع) والتبرئ منه.
واستمرت تلك الممارسات جيلاً بعد جيل فلم تتوقف يوماً حتى ضجت الأرض لمدى الظلم الذي حلّ بالمؤمنين خصوصاً في العهد الأموي والعهد المرواني والعهد العباسي، تلك الدول الظالمة التي قامت على ظلم نهج الحق وأهله.
وما زالت تلك الروحية معمولاً بها حتى يومنا الحاضر، ونحن نؤمن يقيناً بأن الذين يروّجون للدعايات الكاذبة ويصرفون الأموال الطائلة في سبيل نشرها هم في قرارة أنفسهم يعتقدون عكس ما يدّعون، غير أن مصالحهم قامت على زرع الفتن والشكوك بين الناس وحالت بينهم وبين قول الحق حيث لا دولة لهم ولا نهج ولا عقيدة ينتمون إليها، فلم يجدوا أمام استمرارهم سوى التخريب وبث الفرقة في صفوف المسلمين ليكونوا حَكَماً بين الناس وهم المجرمون حقاً.
هؤلاء لم يقفوا عند حدود الجريمة التي ارتكبوها في حق أهل البيت بل في حق الإسلام عندما أجهزوا على الإمام الحسين ومن كان معه، بل راحوا يمثّلون بتلك الأجساد الطاهرة تعبيراً منهم عن مدى الحقد الدفين في صدورهم، هذا الحق الذي ليس له سوى معنى واحد، وهو التعصب الأعمى.
لقد نهاهم نبيهم عن الظلم والقتل والمثلة بالجثث فلم يراعوا حرمة لا لله ولا لرسول الله ولا للإنسان بما هو إنسان فتجاوزا كل الحدود الأخلاقية وأقدموا على ارتكاب جريمة فريدة من نوعها بنحو من الأنحاء.
ورغم ذلك كله، بل رغم التشفي بالقتل والتمثيل بالجثث بعد قتل أصحابها راحوا يتذرعون بأعذار هي أقبح من الذنوب حيث أن أعذارهم لم تكن بأقل من إزهاق الأرواح وسفك الدماء.
راحوا يبثون في أوساط المجتمع الإسلامي أفكاراً عارية عن الصحة ولا يقبل بها أي عقل سليم فادعوا بأن الحسين(ع) هو الذي جلب القتل لنفسه وأولاده وأصحابه وهو الذي شرّد الهاشميين وأثكل النساء وأيتم الأطفال لأنه رفض النزول عند رغبة الخليفة يزيد فلم يبايعه ولم يداهنه، فلقد أراد يزيد وأعوانه من الحسين(ع) أن يصبح واحداً منهم، أي أن يتجرد من دينه ومسؤولياته وأخلاقياته وجميع صفات الخير التي كان عليها.
فالسبب في مجزرة كربلاء عندهم هو الحسين الذي كان بإمكانه أن يبقى على قيد الحياة لو أطاع يزيداً وبايعه، وهذا كلام الذين باعوا نفوسهم للشيطان ووهبوا كراماتهم للسلاطين ولم يعد لديهم أي معنى أو أية قيمة للمبدأ والعقيدة والإسلام الذي به ارتقوا على سائر الأمم وانتقلوا به من مرحلة البهيمية إلى أرقى مستويات الكرامة.
لقد ادعى هؤلاء بأن الحسين يستحق ما نزل به بجدارة لأنه خرج على إمام زمانه، وقد تغافل هؤلاء عن أن إمام الزمان يجب أن يكون إماماً شرعياً حتى تجب طاعته لا أن يكون غاصباً للحكم من أهله.
صحيح أن الخارج على إمام زمانه عقابه سيئ، ولكن بقي لنا أن نحدد إمام الزمان، فهل صفاته مجتمعة في يزيد أم في الحسين بن علي(ع)؟
وعقيب مجزرة كربلاء جُنّد المئات من الأشخاص لبث الدعايات الكاذبة بين الناس حتى لا ينتفضوا عليهم فراحوا يذكرون فضائل يزيد الوهمية وأن الحسين أراد أن يُحدث الفرقة في صفوف المسلمين، وبسبب غيرة يزيد على الإسلام والمسلمين وبسبب فرط حبه للأمة فعل ما فعل بالحسين ليكون ذلك عبرة لكل من يجرؤ على التخريب على حد زعمهم وبحسب تعبيرهم.
والجدير بالذكر ها هنا أن هناك قبائل حتى اليوم يعتقدون بصحة ما ورد على ألسنة الأجهزة اليزيدية الحاقدة وأن الحسين كان محقوقاً يستحق ما نزل به، وهم اليوم يتباهون بأن أجدادهم طحنوا عظام صدر الحسين في كربلاء.
وأنا شخصياً لا أصدق بأن هؤلاء متأثرون بدعايات يزيد وأعوانه لأن الحسين(ع) قد قام بحملة مضادة لتلك الدعايات الكاذبة ففضح أمرهم وأبرز نواياهم وما يهدفون إلى تحقيقه عبر ارتداء ثوب الدين والتربع على كرسي الخلافة، فلقد فرضوا التعتيم على تفاصيل تلك المعركة أو قل تلك المجزرة، ولكن الحسين(ع) كان أسرع منهم عندما فضح أمرهم على رؤوس الأشهاد.
وكالعادة في أسلوبنا وقبل الإجابة على السؤال المطروح في بدء البحث تستوقفنا مجموعة من العناوين ذات الصلة بالكشف عن الجواب، وهي عناوين كثيرة سوف نركز البحث على أهمها.
هَلْ كانَ النَّاسُ بَعِيْدِيْنَ عَنْ نَوَايَا يَزِيْد
إن من العوامل المساعدة على إدراك الحقيقة وفهم المطلوب هو دراسة الأوضاع التي كانت عليها الأمة في تلك المرحلة، فلا يمكن الحكم على الجميع بأنهم قصّروا في واجباتهم لأن هناك موانع كانت تحول بين الحقيقة وبعض الناس، فلا يجوز أن نظلم أحداً عبر إلقاء الإتهامات يميناً وشمالاً، كما لا يجوز أن نبرئ الجميع في وقت واحد لأن العمل على تبرئة الجميع فيه ظلم للحسين وأصحابه ونهجه المبارك وقضيته العالية.
ولأجل ذلك لزم تصنيف الأمة في ذلك العهد إلى عدة أصناف أو طبقات:
الطبقة الأولى: وهي التي اطلعت على سير الوضع القائم فعرفوا كل ما يدور في الأوساط اليزيدية والأوساط الحسينية والأوساط المحايدة.
الطبقة الثانية: وهي الطبقة التي كانت على اطلاع واسع لأوضاع الوسط اليزيدي فقط، وما كان يدور في داخل قصور الأمراء والعمّال والحكام.
الطبقة الثالثة: وهي طبقة عرفت كل شيء إلا أنها وقفت موقف المتفرج الذي لا يعنيه كل ما يحدث على الساحة، ومنها من أشبه أبا هريرة في النظر إلى النتائج والحكم أو اتخاذ القرار على أساس النتيجة، وهؤلاء أحد المعنيين بقوله تعالى(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
الطبقة الرابعة: وهي التي لا علم لها بكل ما يجري على أرض الواقع.
الطبقة الخامسة: وهي التي عرفت الحقيقة وأنكرتها خوفاً على النفس والمعيشة.
الطبقة السادسة: وهي التي عرفت الحقيقة واتبعتها وضحت في سبيلها.
الطبقة السابعة: وهي التي مالت بالقلب إلى الحسين دون أن تقدم النصرة له ولثورته المباركة.
الطبقة الثامنة: وهي التي مالت بالقلب والعمل إلى النهج اليزيدي وكان لها دور بارز على الساحة وربما كان لها دور مباشر في ارتكاب مجزرة كربلاء.
أما الطبقة الأولى: فهم أناس غلب عليهم الهوى وامتنعوا عن مناصرة الحق إما خوفاً من عقاب يزيد أو خوفاً على تجاراتهم وممتلكاتهم، وربما كان الدافع عندهم خوفهم على ذويهم، وأياً كان السبب فإن هؤلاء مشتركون في تلك الجريمة لأنهم سمعوا نداء الخليفة الحق ولم يلبوه فعصوا الله عز وجل في ذلك.
وأما الطبقة الثانية: فلا شك بأنهم ميزوا بين المظلوم والظالم لأن نفس اطلاعهم على أخبار الوسط اليزيدي سوف يجعلهم عالمين بالنوايا الحاقدة التي يريد يزيد أن ينفذها، وبناءاً على ذلك يكون حكم هذه الطبقة حكم الطبقة الأولى.
وأما الطبقة الثالثة: وهم مجموعة جبناء استحبوا الفاني على الباقي وآثروا العيش الذليل على الموت العزيز وفضّلوا أن يعيشوا بلا دين وبلا كرامة على أن يحملوا السيف ويجاهدوا في سبيل الله عز وجل، فهؤلاء أهل الدنيا الذين يتمركزون على الجبال وفي داخل الحصون فمن كان النصر حليفه ادعوا أنهم معه، وحالتهم تشبه أحوال جهات كثيرة في زماننا الحاضر، حيث أسسوا مؤسسات وجمعيات وأحزاب دون أن يبذلوا شيئاً للوطن.
وأما الطبقة الرابعة: فهؤلاء معذورون أثناء الجهل فقط، فمن عرف الحق بعد ارتكاب تلك المجزرة ولم يقف في وجه الظالم كان حكمه كحكم غيره من الطبقات المذكورة.
وأما الطبقة الخامسة: وهو مجموعة أيقنوا بأن الحسين على حق وأن يزيداً ظلمه ولكنهم تقاعصوا عن نصرة دينهم وإمامهم فكانوا من الهالكين، ولا فرق بينهم وبين من حز الرأس الشريف من الوريد إلى الوريد لأن الراضي بفعل قوم شريك لهم.
وأما الطبقة السادسة: وهم الذين خرجوا مع الإمام الحسين من المدينة بدافع الجهاد والنصرة، ومنهم الذين التحقوا به في الطريق، ومنهم كذلك الذين لحقوا بالإمام إلى كربلاء بدافع النصرة، وهؤلاء الذين لحقوا بالإمام منهم من أدركه على قيد الحياة وقام بالواجب ومنهم من وصل إلى كربلاء بعد انقضاء الأمر، ولكنهم لم يجعلوا من ذلك ذريعة لأنفسهم حيث أنهم عملوا على نصرة النهج الذي رسمه الإمام(ع) بثورته المجيدة.
وأما الطبقة السابعة: فإن أجمل تعبير في وصفهم هو أن قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه، وهؤلاء شركاء في تلك الجريمة البشعة لأن الدين لا يحتاج إلى قول فارغ بل هو بحاجة إلى من يقول ويفعل بل إلى من يفعل قبل أن يقول.
وأما الطبقة الثامنة: وهم قتلة الإمام الحسين، ويكفي في بيان قبحهم أنهم أجهزوا على إمام زمانهم وقتلوه.
هَلْ أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ على قَتْلِ الإِمَام(ع)
بعد أن صنفنا أفراد الأمة إلى تلك الطبقات المذكورة صار بإمكاننا القول بأنه كان هناك شبه إجماع على قتل الإمام(ع) من قِبل الأمة لأن حكم المقصّر عن النصرة كحكم الذي حمل السيف في ساحة كربلاء لمصلحة النهج اليزيدي الحاقد.
وإلا فإن مئات الآلاف من المسلمين كانوا على معرفة دقيقة بكل ما يجري على الساحة، وقد عرفوا بأن الإمام الحسين(ع) قد خرج من المدينة بدافع الثورة والإنتفاض ضد الظلم الذي كان يمثّله يزيد، ورغم ذلك فضّلوا البقاء في البيوت بحجة أنهم لا علاقة لهم بما يجري بين السلاطين.
كان باستطاعة أي واحد منهم أن يكون كالذين خرجوا مع الإمام واستشهدوا بين يديه، وإلا فلماذا كان هناك نسوة يحثثن أولادهن على نصرة الحسين(ع) وهن يدركن مصير أبنائهن؟ فلقد كان بإمكان باقي النسوة أن يفعلن ما فعلته أم البنين ووالدة سعيد بن مرّة.
فلو تحلى المسلمون بالجرأة وشعروا بالمسؤولية لتغيرت معادلات كثيرة على أرض الواقع ومنعوا يزيد من ارتكاب تلك المجزرة أو حتى من المس بكرامة أحد المؤمنين، ومن جملة هؤلاء الذين تقاعصوا عن النصرة رغم كثرتهم وقوتهم أهل الكوفة الذين كثر كلامهم ووعودهم وقلّت أعمالهم وتطبيقهم، وبناءاً على آلاف الكتب التي أرسلوها للإمام(ع) فقد أرسل لهم ابن عمه مسلم ابن عقيل الذي خذلوه وقتلوه، وقد كانت الكوفة آنذاك مركزاً إسلامياً مهماً وكان عدد سكانها كبيراً للغاية بحيث كانوا قادرين على تغيير معادلات كثيرة، ولكن ماذا نفعل بأناس استحوذ الشيطان على قلوبهم فأنساهم ذكر ربهم.



