في فجر اليوم الحادي عشر من شهر محرم لذلك العام غادر الموكب أرض كربلاء متوجهاً كمرحلة أولى إلى قصر الإمارة في الكوفة حيث الطاغية عبيد الله بن زياد ينتظرهم للإحتفال بهذا النصر الموهوم والمزعوم، وأقول ذلك لأن هذا الإحتفال في الكوفة وبعده الإحتفال في الشام لم يكن سوى بداية لدمارهم وسقوطهم بفضل الله أولاً وفضل أهل الإيمان ثانياً الذين تابعوا الثورة واقتلعوا الطغاة من جذورهم.
فبعد أن أرعبوا النساء والأطفال وأحرقوا الخيام وهتكوا حرمة النساء وعاملوهن بقسوة وغلظة حملوهن على الجمال والنياق سبايا كما كانت تسبى نساء الأتراك والروم.
وقبل مغادرة أرض الطف طلبت النسوة من عمر ابن سعد وأعوانه ان يمروا بهن على مصارع الشهداء حتى يودعن تلك الأجساد الطاهرة التي صنع أصحابها تاريخاً مشرقاً للأمة الإسلامية عبر الزمن.
لقد وافق عمر ابن سعد على طلبهن، ولكن السؤال هنا: هل نبعت الموافقة من الإنسانية أو من أمر آخر؟
إن للموافقة على طلب النساء ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:يحتمل أن تكون الموافقة على هذا الطلب بداعي الشفقة عليهن لأن ما صنعوه بهن كان كافياً للتشفي والإنتقام.
الوجه الثاني: ربما كانت الموافقة على طلبهن بهدف زيادة الأذى لهن من خلال النظر إلى الأحباب وهم جثث مقطعة وأشلاء متناثرة.
الوجه الثالث: قد تكون الموافقة على طلبهن ليست من باب الشفقة ولا من باب التشفي، وإنما استسلاماً للأمر الواقع ومراعاة لظروف أعوانهم.
وعندما مروا بهن على مصارع الشهداء أخذت يصحن ويبكين ويضربن على وجوههن حزناً على قتلاهن.
وبدأ السير باتجاه الكوفة حيث رايات النصر الموهوم مرفوعة، والناس مهيؤون للإحتفال بانتصار يزيد على الإسلام، لقد غادر الموكب أرض الطف مخلفاً وراءه ما يقرب من مئة جثة، وهي جثث الحسين وأهل بيته وأصحابه، ولم يكن في ركب الحسين(ع) ما يمكن أن يغنمه القوم سوى بعض السيوف المتواضعة، فلم يكن معهم عتاد ولا مال ولا أمتعة، فضلاً عن أنهم لم يكن لديهم طعام أو شراب، ففي معركة كربلاء لم تكن الغنائم مالاً وأسلحة، وإنما كانت رؤوس الشهداء التي تقاتل أفراد الجيش على اغتنامها لأن في إيصالها إلى ابن زياد ويزيد جوائز قيمة.
نساءُ ثكلى وأرامل، وبناتٌ يتيمات، وأولاد أيتام، وإمام مربوط ببطن الناقة في ظل الخوف والعطش والحزن والسب والشتم والضرب وغير ذلك من أشكال العنف التي واجهها أهل الموكب الزينبي يأتي الأمر بالخروج فيسير الموكب مودعاً شهداء كربلاء فتنظر زينب(ع) إلى جثة أخيها الإمام الحسين(ع) مطروحة على رمضاء كربلاء محزوزة الرأس من القفا، فهذه تبكي أباها، وتلك تندب أخاها، وهذه تودع أولادها، ورمال مجبولة بالدماء، وأرض احتوت الأشلاء، وصراخ ورعبٌ وضياع لبعض الأولاد وكان عدد الأولاد معهم ما يزيد على الثمانين وليس معهم رجل يحميهم ويراعي شؤونهن، كيف يا تُرى سيكون الحال؟ لا شك بأنه أسوأ مرحلة تمر بها مجموعة من الناس.
وهم على تلك الحال غادر الموكب أرض كربلاء تاركاً فيها الذكريات الأليمة التي لا يمكن أن تُنسى أبداً.
ومهما حاولنا أن نصوّر تلك الحالة فلن نستطيع بيان الواقع إلا إذا تخيّلنا بأننا كنا معهم أو كنا أحد أفراد ذلك الموكب، ولهذا فلننظر إلى الموكب وكأننا معهم وسوف ندرك الحالة النفسية التي كان عليها النساء والأطفال.
وأبلغ تعبير لهذا الوضع مني هو أن أسكت عن بيان تلك الحالة مراعاة مني لمشاعر بعض القراء.
قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين)
إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات
جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين
الشيخ علي فقيه