أوضاع الأمة بعد استشهاد الإمام الحسن(ع)

أوضاع الأمة بعد استشهاد الإمام الحسن(ع)
الشيخ علي فقيه
بعد أن وقعت الخيانة من قائد جيش الحسن الذي اشتراه معاوية بألف ألف درهم فسلّم إليه جيش الإمام الذي عُد بعشرات الآلاف آنذاك حاول معاوية أن يُجبر الإمام الحسن على المبايعة فكان الرفض من قِبل الإمام هو الجواب الدائم لأن الموت ألف مرة أهون على الإمام الحسن من مبايعة معاوية، وكان الإمام يعلم بثمن ذلك الرفض وهو موته ولكنه كان يرى بأن موته أهون من موت الدين والأمة، وهذا ما حصل تماماً مع الإمام الحسين الذي كان جوابه ليزيد كجواب أخيه لمعاوية لأن مبايعة أمثال معاوية ويزيد وكل من اغتصب الخلافة هو العار بعينه، وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين(ع) عندما طُلب منه أن يبايع يزيداً فقال مرة:الموت أولى من ركوب العار: وقال مرة أخرى: ومثلي لا يبايع مثله: ونلاحظ بأن ردود الإمام الحسين على يزيد هي نفسها ردود الإمام الحسن على معاوية لأن النهج واحد في الطرفين فنهج الحق هو الحق مهما تغيرت الأزمان وتبدلت الظروف، ونهج الباطل على حاله لا يتغير فيه سوى زوال فئة وحلول فئة أخرى.
فبعد أن حصلت تلك الخيانة العظمى من قبيل عبيد الله ابن العباس قائد جيش الحسن(ع) لم يعد هناك فرصة للقضاء على معاوية عسكرياً فراح الإمام يخطط للقضاء عليه بطريقة أخرى فرأى أن أفضل طريقة هي إجراء صلح معه يضمن به بقاء الدين والمسلمين، وبالفعل هذا ما حصل ولم يكن موقف الإمام في الصلح ضعيفاً بل راح يمحو ما يشاء ويثبت من بنود الصلح ولم يكن أمام معاوية سوى أن يوافق على جميع شروط الإمام الحسن لأنه كان يخطط للقضاء عليه بطريقة تبعده عن الشبهة.
وقد تم الصلح كما أراد الطرفان وبدأ العمل بالإتفاق ولكن معاوية هو معاوية الذي كان من أدهى الناس وأخدعهم.
بعد انهيار جيش الإمام الحسن كان باستطاعة معاوية أن يعتقله ويقتله علناً ولكنه كان يخاف على سمعته ولهذا راح يخطط للقضاء عليه ويخرج من المطالبة بدمه لأنه كان يعلم بأن هناك محبين كثر لأهل البيت(ع) لن يسكتوا وه بالغنى عن غضبهم لأنه كان دائماً يخاف على ملكه وعرشه.
والإمام(ع) بعد انهيار جيشه لم يقعد في بيته وإنما راح يجد العمل من أجل تأسيس جيش جديد ولكن السم حال بينه وبين تأسيس جيش آخر.
لقد استطاع معاوية أن يتصل بجعدة وراح يعرض عليها الإغراءات المادية ويحدثها عن الأموال الطائلة والضياع والثروة التي سيعطيها إيّاها والتي بلغت عشرة آلاف دينار وإقطاع عشرة ضياع ووعدها أيضاً بتزويجها من ابنه يزيد… ولكن بشرط أن تدس السم إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم تطل التفكير في الأمر بل أعطت موافقة فورية.
وفي اليوم المحدد جاءت جعدة بالطعام المسموم وقدمته إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فلمّا وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين وأمي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.
وما إن رفعت جعدة المائدة من تحت الإمام حتى بدأ السم ينتشر داخل جسمه ويقطع أمعاءه فجاء إليه أخوه الإمام الحسين (عليه السلام) فلمّا رأى حاله بكى، فقال له الحسن (عليه السلام): ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي على ما أراك فيه. فقال له الحسن (عليه السلام): لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدّعون أنهم من أمة جدنا، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك وانتهاك وسبي ذراريك ونسائك فعندها تحلّ ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار)
وظل الإمام الحسن يكابد الألم وقد سيطر السّم على كل أنحاء جسمه حتى أنه شكا لأخيه الحسين قائلاً: يا أخي سقيت السّم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي.
فدنا الإمام الحسين من أخيه الحسن فوجد أن وجهه يميل إلى الاخضرار فقال الإمام الحسين: مالي أرى لونك إلى الخضرة؟ فبكى الحسن؟ وقال: يا أخي لقد صحّ حديث جدي فيّ وفيك.
ثم تعانقا طويلاً وتعابرا ثم بكيا كثيراً فسأل الإمام الحسين أخاه الحسن عن حديث رسول الله (ص) فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (أخبرني جدّي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، على منازل أهل الإيمان رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرائيل لمن هذان القصران فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين (عليهما السلام). فقلت: يا جبرائيل فلم لا يكونان على لونٍ واحد؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت لم لا تتكلم؟ قال: حياءً منك. فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم.
ثم سكت الإمام الحسن (عليه السلام) وقال كلمته الأخيرة عليكم السلام يا ملائكة ربي ورحمة الله وبركاته وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها
فتولى الإمام الحسين (ع) مهمة تغسيل الجسد الطاهر وتكفينه ولفّه وبعدها حملت جنازة الإمام الحسن (ع) إلى مسجد رسول الله (ص) ولمّا وصلوا المسجد اعترض مروان طريق الجنازة للحيلولة دون الدخول بها إلى المسجد، ثم مضى إلى عائشة يحرضها على منع دفن الإمام الحسن عند جده، فجاءت عائشة على بغلة لتمنع دفن الإمام، فدنا عبد الله بن عباس منها وزجرها وقال لها: يوم على الجمل ويوم على البغل، فلم تنتهر، بل قامت بتهييج بني أمية، فأقدموا على رشق جنازة الإمام بالسهام، فجرد بنو هاشم السيوف لمواجهة سهام بني أمية، لولا تدخل الإمام الحسين الذي التزم بوصية أخيه الإمام الحسن، ثم أمر الحسين (ع) بأن تحمل الجنازة إلى البقيع، فمالوا بالجنازة نحو البقيع. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحداً من الزحام وقد بكاه الرجال والنساء وقبل أو يوارى الجثمان الطاهر دنا منه أخوه محمد بن الحنفية ونعاه قائلاً: رحمك الله يا أبا محمد، فوالله لئن عزّت حياتك لقد هدّت وفاتك، ونعم الرّوح، روح عمّر به بدنك ونعم البدن، بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، ورابع أصحاب الكساء، غذتك كفّ الحق، وربيت في حجر الإسلام، وأرضعتك ثديا الإيمان، فطب حيّاً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ولا شاكّة في الخيار لك.
ثم دفنوا الجسد الطاهر في مقبرة البقيع ورجعوا إلى مواجهة المصير.
لقد كانت المسؤولية موزعة على الإمامين الحسن والحسين، والآن لم يبق سوى الحسين الذي عاش حياة صعبة جداً في ظل حكم معاوية الذي لم يدم طويلاً بعد قتله الإمام الحسن، ولكن ماذا يفعل الإمام الحسين فلقد هلك لعين وحل محله من هو ألعن حيث حوّل حياة المسلمين إلى جحيم بكل ما للكلمة من معنى.
وهنا يأتي من يطرح السؤال التالي: لماذا لم يقم الإمام الحسين بثورة ضد معاوية؟
هناك أشخاص يتحدثون عن المعصومين(ع) وكأنهم يتحدثون عن أشخاص عاديين، أهل البيت ليسوا أشخاصاً عاديين فهناك ما يشبه الشيفرا بينهم وبين الله تعالى ولهذا فإنهم لا يقومون بشيء إلا في وقته المحدد.
أنا شخصياً إذا طُرح علي مثل هذا السؤال أقول: لم يقم الحسين بثورة ضد معاوية لأن الله تعالى لا يريده أن يقوم بالثورة في ذلك الزمان لأن القيام بها في وقتها أنفع وأثمر.
ولكننا لو أردنا أن نجيب بشكل علمي ومنطقي بغض النظر عن كون أهل البيت(ع) لا يقومون بشيء إلا بعلمٍ خاص وأتمنى أن ندرك هنا معنى العلم الخاص، إنني أقصد به أنهم يعرفون الأمور بطرق خاصة غير الطرق التي نعرف بها نحن الأشياء.
في عهد معاوية قام الحسن بثورة كادت تقضي على جبروت معاوية لولا تلك الخيانة من قائد جيش الحسن فسكت الحسن وأمر الحسين بالسكوت لأن فرصة القيام بالثورة لم تعد موجودة فلا بد من التخطيط والتحضير واستغلال الفرصة المناسبة، هذه الفرصة المناسبة لم تأت مرة أخرى في زمن معاوية بل أتت في زمن يزيد رغم قلة جيش الإمام الحسين، وكذلك لا نريد أن نسأل لماذا قام الحسين بمعركة قبل أن يجند الآلاف وإلا أصبحنا نتدخل فيما لا يعنينا فلعل جمع الجنود المؤلفة في معركة كربلاء سوف ينعكس سلباً عليها ويحول دون تحقيق أهدافها.
إن هذا الأمر مدروس جيداً من قبل الإمام الحسين الذي يحركه النور الإلهي.
ولكن لا بأس بأن نلقي نظرة على الموانع الطبيعية للقيام بالثورة في زمن معاوية.
لقد كانت مبررات الثورة وبعض مقدماتها متوفرة للإمام الحسين(ع) في عهد معاوية ولعل العدد الذي كان معه في عهد معاوية تجاوز العدد الذي كان معه في عهد يزيد، ومع ذلك لم يقم بالثورة ضد معاوية، لماذا؟
أعود وأؤكد بأن الإمام الحسين(ع) هو أعرف بالمصالح والمفاسد من غيره ولا شك بأن هناك حكمة من وراء عدم قيامه بالثورة في عهد معاوية، قد نعرفها وقد نجهلها ولكن يجب أن نثق بالإمام الحسين(ع) الذي يتحرك بالنور الإلهي والإلهام الإلهي، ولا شك بأن كثيراً من الماضين ممن عاصروا الإمام وممن أتوا من بعده قد طرحوا مثل هذا السؤال، ولا شك بأن أهل المعرفة والحكمة قد أجابوا عليه بما يناسب المقام.
لقد كان المجتمع في عهد الحسن والحسين بالخصوص مجتمعاً متردداً في اتخاذ القرارات وقد عايش الإمامان أوضاع الناس مع أبيهما علي(ع) الذي ملؤوا قلبه قيحاً هذا الإمام الذي كان إذا دعاهم إلى الحرب في الصيف شكوا شدة الحر، وإذا دعاهم إليه في البرد شكوا قساوة القلب، وقد صرّح الإمام علي(ع) بتلك الحالة النفسية التي كانت مسيطرة على مجتمع العراق آنذاك حيث قال: فَيَا عَجَباً! عَجَباًـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتَِماعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرمَى: يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْرُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْن! فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِم فِي أَيَّامِ الحَرِّ قُلْتُمْ: هذِهِ حَمَارَّةُ القَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هذِهِ صَبَارَّةُ القُرِّ، أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا البَرْدُ، كُلُّ هذا فِرَاراً مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الحَرِّ وَالقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ:
هذا مع العلم بأن أوضاع المسلمين في زمن علي كان أحسن حالاً من أوضاعهم في زمن الحسن والحسين(ع).
ولقد تأجج هذا الشعور عندهم خصوصاً بعدما شاركوا في حرب الجمل وصفين والنهروان فلم يعودوا يطيقون حمل السيف وإن كان ذلك على حساب دينهم وكراماتهم.
إن الذي جرّأ معاوية على سفك دم الإمام هو تقاعص المسلمين عن حمل السيف والجهاد في سبيل الله وقد كان معاوية يتكل على تقصير هؤلاء في واجباتهم.
وقد ازدادت هذه الجرأة كثيراً في عهد الإمام الحسين بعدما بيع جيشه الجرار لمعاوية مقابل حفنة من الدراهم ولم يبق معه سوى الخلّص من أصحابه وكان عددهم قليلاً جداً لا يستقرون ساعة في أي حرب قد تنشب عليهم من قبل جيش معاوية.
والذي جرأ معاوية على قتل الإمام الحسن هو استهتار الأمة بالدين والقيم والمبادئ وحق الخليفة الشرعي عليهم.
قتل معاوية علياً ولم يحرك المسلمون ساكناً، ثم قتل الإمام الحسن فكان ما كان في عهد أبيه ولا شك بأن ما حصل لهما سوف يحصل للإمام الحسين(ع) عند أي تحرك يقوم به حتى وإن كان هذا التحرك سلمياً لأن هدف معاوية آنذاك كان لجم أهل البيت والفصل بينهم وبين أحبائهم.
ولعل الإمام الحسين(ع) ومن بقي معه من المخلصين كانوا تحت رقابة مشددة من قبل معاوية بل كانوا يعيشون تحت رحمة الإقامة الجبرية التي فرضها عليهم معاوية مستعملاً نفوذه الكبير في الأمة.
فلو دعاهم الإمام آنذاك للقيام بالثورة لتخاذلوا وسلموه إلى معاوية فرأى بأن أفضل عمل يقوم به في ذلك الوقت هو الصبر والتأسيس للقيام بثورة فعالة في وقتها فلم يكن الوقت آنذاك ملائماً لأية ثورة حتى ولو كانت سلمية أو عقائدية أو حتى فكرية لأن أي تحرك من قبل أهل البيت(ع) سوف يعتبره معاوية تحدياً له.
لقد قلت قبل قليل إن المقدمات لم تكن متوفرة للقيام بأية ثورة فلربما جاء أحد وقال لنا كيف تقولون ذلك مع أن أهل العراق كتبوا إلى الإمام الحسين في عهد معاوية يسألونه القيام بثورة ضده، فأجيبهم بأن هؤلاء هم الذين كتبوا إليه أن يأتيهم إلى الكوفة ثم خذلوه في كربلاء، وقد كان الإمام(ع) يعي تلك المسألة تماماً ويعرف تلك الطريقة التي كان يتعاطى بها أهل العراق معهم ولذا قال لهم: وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك فالصقوا رحمكم الله بالأرض واكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً:
هذا يعني أن الإمام الحسين(ع) كان يعرف واقع الأمر حق المعرفة وكان يدرك بأن الثورة لن تنجح ما دام معاوية على قيد الحياة لأنه كان داهية يعرف كيف يتصرف فلقد حصّن نفسه في المجتمع الإسلامي بحيث قطع الطريق على أعدائه وذلك عبر خطة محكمة وضعها لتلك الغاية.
فلو دعا الإمام الحسين المسلمين إلى القيام بالثورة في ذلك الوقت لما أجابه إليها أحد، وإن أجابوه فلن تؤتي أكلها ولن تحقق أهدافه فالأمر يحتاج إلى صبر وتأمل وتخطيط.
كلام الحسين لم يزرع اليأس في نفوسهم بل على العكس زرع فيهم الأمل بالخلاص والحسين لم يتوانى يوماً عن القيام بالواجب فإنه من يوم استشهاد أخيه الحسن راح يخطط للثورة ضد الحكم الأموي والنهج الأموي وليس ضد رجل من بني أمية فلعله(ع) رأى بأن الثورة في عهد معاوية وإن نجحت فسوف تذهب بشخص من بني أمية ويبقى نهجهم قائماً ولكنه صبر وخطط إلى أن قام بثورة قضت على نهج بني أمية عبر طرق ذكية وأساليب كانت خفية على كثير من الناس ولا يستطيع أحد أن ينكر بأن ثورة كربلاء قضت على دولة بني أمية التي كان يخطط لها لتستمر قروناً من الزمن.
ففي زمن معاوية وبعد إجراء الصلح بينه وبين الإمام الحسن(ع) كان أي خروج عسكري عليه يُعتبر نقضاً للميثاق، وهذا ما اتكل عليه معاوية الذي عرف صدق أهل البيت(ع) وحرصهم على عدم نقض العهود، بينما كان معاوية يتخلص من منافسيه بأقل خسارة بعيداً عن الضجيج حيث كان يغتالهم بالسم كما صنع مع الإمام الحسن وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وغيرهم ممن كان يخشى نفوذهم، ولا شك بأنه كان سيستعمل نفس الطريقة مع الإمام الحسين(ع) وهذا يعني الحيلولة بينه وبين القيام بالثورة التي نعبّر عنها بحلم الأنبياء والصلحاء والمظلومين عبر الزمن فلهذا سكت الحسين وصبر حتى يأتي الوقت المناسب، ولم يكن الوقت مناسباً للثورة في عهد معاوية الذي كان يفرض نفسه بطريقة ذكية.
وقد أشار الإمام الحسين(ع) إلى جزء من خطته عندما جاءه سليمان بن صرد الخزاعي يفاوضه في شأن الثورة فقال له الإمام(ع): فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم: فقد روى الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السير، قالوا: “لما مات الحسن بن علي عليه السلام تحركت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً، ولا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك.
لقد حصّن معاوية نفسه من كل المعارضين لحكمه بحيث لم يستطع أحد بعد الإمام الحسن أن ينتفض ضده وهذا ما حال بين الحسين والثورة، وقد تابع معاوية حكمه الظالم لسنوات بعد شهادة الإمام الحسن وكان يهيأ ولده يزيداً للخلافة وهو يثق بأن ولده ليس أهلاً للحكم ولكنه كره أن يخرج الحكم عن بني أمية، ولا يخفى أنه كان هناك كثيرون يطمعون بالحكم بعد معاوية ولكنه سبقهم وعيّن ابنه يزيداً خليفة على المسلمين.
لقد أصابه مرض شديد ولم ينفع معه أي علاج وكان يتحسر على ملكه وسلطانه فأوصى ولده يزيداً بوصايا حرفها بعض المسلمين ليجعلوا منه إنساناً عظيماً فلقد أوصاه بالتحريض على أهل البيت وأتباعهم، وقد هلك في الشام وكان ولده يزيد بعيداً عنه مشغولاً بالصيد واللهو وقد كان تعيين يزيد خليفة بمثابة صاعقة نزلت على الأمة الإسلامية حيث شوه بالدين وغيّر معالمه وأطاع الشيطان وعصى الرحمن.



