
قِصةُ سَفِيْنَةِ نُوْحٍ(ع)
(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)
إنه أولُ أنبياء العزم الذين أُرسلوا للناس كافّة، وهو أطول الناس عمُراً، وكان طول عمره آيةً من آيات ربه الذي يصنع في خلقه ما يشاء، إنه نبيُّ الله نوحٌ(ع) الذي لبِثَ في قومه ما يناهز الألف سنة يدعوهم فيها إلى نَبْذ الأوثان وعبادة الرحمن(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) فواجهوا إحسانه إليهم بالإساءة له، واتهموه بالكذب والجنون فصبر على أذاهم، فلم يصدر منه خطأ تجاه أحدهم رغم كل ما كانوا يفعلونه به، وكان صبره عليهم بحجم المعجزة لو كانوا يعقلون.
هذه المدة التي ذكرها القرآن هي المدة التي دعا فيها قومه إلى الإيمان، وليست كل عمره المبارك، فقد ورد أنه عاش أكثر من ذلك.
والعجيب في الأمر هو أنّ زوجته كان تُعين الوثنيين عليه، وكان بعض أولاده على غير دينه، يعني أنّ البلاء قد دخل إلى بيته وتعشعش في أسرته التي كان يجب أن تكون عوناً له كالمعتاد، وهذا ما أعان عليه الكفار الذين تذرّعوا بكفر زوجته، بمعنى لو كان نوح صادقاً فيما يدعو إليه لصدّقته زوجته قبل غيرها، وقد أُمر بالصبر عليها ليكون سلوكه معها عبرةً للناس عبر الزمن، وبالفعل جعل الله امرأته وامرأة لوط درساً للرجال والنساء على مرّ الزمن، وقد ذكر لنا تلك العبرة في كتابه العزيز حيث قال فيهما(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)
ويستفاد من هذه الآية درسٌ كبير، وهو أنه لا يوجد عند الله تعالى محسوبيات ولا تجاوزات، بل عنده الحق فقط وفقط.
لقد كان تكذيب زوجته له آلمَ على قلبه من تكذيب جميع قومه لأنّ ظلمَ ذوي القربى أشد من ظلم الآخرين.
فليس من العيب أن يكون المرء مؤمناً وأحد أفراد عائلته غير ذلك، ولا يجوز أن نعيب عليه ذلك، نعم.. يعاب عليه إن قصّر في وعظهم وإرشادهم ونصحهم.
ولكي نعي تماماً تلك الحالة التي كان عليها نبي الله نوح فلنتخيّل أنفسنا أننا بين مجموعة من الناس نحدثهم بالخير والمنطق وندعوهم إلى الإيمان ونحثّهم على العمل الصاله وهم يسخرون منا ويستهزؤون بكلامنا، وهذه حالةٌ نعيشها يومياً في مجتمعنا المتمدّن والمتحضّر، فإنه إن حصل ذلك فلن نصبر عليهم ساعةً واحدة، بل سوف نترك مجلسهم ونملّ منهم، وربما لن نكلمهم بعد ذلك، هذا والمؤمنون كثرٌ حولنا وهم منتشرون في كل مكان على عكس الحالة التي كان عليها نوح وغيره من الأنبياء(ع).
لقد عاش نوح(ع) هذه الحالة القاسية والمؤلمة مراتٍ ومرات لفترة طويلة من الزمن، ولم يسكت ولم يمل ولم يتوانى عن تبليغ الدعوة، بل استمر في دعوته لهم رغم استهزائهم به وتهديداتهم له.
لقد عاش نبي الله نوح(ع) تلك الحالة أكثر من تسعة قرون بين قومٍ اشتُهر عنهم السخرية والإستهزاء واللؤم والخبث حيث منعوا الطعام عن نوح والمؤمنين به انتقاماً من الحق وأهله كعملية ضغط عليهم حتى يتركوا نوحاً لثبتوا ضعفه وينقضوا عليه متى شاؤوا.
ولو علِم نوحٌ بأنه يقدر على إقناعهم لَصَبر عليهم أكثر من تلك المدة، ولكنه عندما أيقن بأنه لن يُفلحوا أبداً ولن يؤمنوا بالله لحظة توجّه إلى الله تعالى بالدعاء عليهم(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)
فبعدما يئس نوح(ع) من قومه دعا عليهم بالهلاك حين أيقن أنهم سوف يضلون كل من يأتي بعدهم من الأجيال، ولن يخرج من أصلابهم مؤمن، فاستجاب الله دعاءه وأمره ببناء تلك السفينة التي أُطلق عليها اسم(سفينة النجاة)
والله يعلم كم استغرق من الوقت في بنائها حيث ورد أنه زرع بذور النخل وانتظرها حتى تنمو وتكبر، ومن المعلوم أن النخل لا ينبت بسرعة، وقيل إنّه قد بنى السفينة من خشب النخل الذي زرعه.
هذا والذين معه من المؤمنين لا يعرفون عن الأمر شيئاً، فقد ظنوا بأنه أمرهم بزرع النخل ليأكلوا ففعلوا وأكلوا، ولكنهم تفاجأوا بقراره عندما أمرهم بقطع أشجار النخل فامتثلوا الأمر وقطعوها بأشكال هندسية كان قد رسمها لهم، والحيرة تملأ قلوبهم، ولعل بعضهم ظنّ بأنه مجنون كما اتهمه الوثنيون، وبعضهم أنكر عليه هذا القرار، كيف نقطع أشجاراً انتظرنا نموّها لسنوات، ولكنه تابع في مهمته وألح عليهم تنفيذ القرار لأنه يعلم من ربه ما لا يعلمون.
وقد استغلّ الكفار تلك الحادثة فراحوا يؤكدون للناس جنون نوح حيث لا يفعل ذلك إلا مجنون، ومن الطبيعي أن يتهموه بذلك لأنهم لا يعرفون شيئاً، وقد اتهموه بالجنون قبل زرع النخيل وقطعه، وليس من الصعب عليهم أن يكرروا هذا الإتهام في حقه.
وكان الوثنيون يراقبون جميع تحركاته وهم يستهزؤون به في كل مرة، ولعلهم كانوا يأتون إليه في كل يوم للنيل منه عبر الإستهزاء والضحك، فعندما زرع النخيل قالوا لقد ترك النبوّة واشتغل مزارعاً، وعندما قطع شجر النخيل قالوا اشتغل نجاراً، والسخرية الكبرى منهم صدرت عندما بدأت ملامح السفينة تظهر، وهناك راحوا يؤكدون لبعضهم أنه مجنون، فهل من عاقلٍ يصنع سفينة في الصحراء(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)
عما قريب سوف يسخر منهم نوح(ع) ولكن ليس بطريقتهم، ولعل المراد بالسخرية هنا هو العذاب الذي سوف ينزل بهم والله أعلم.
ورغم كل ذلك لم يتوقف نوح عن دعوتهم إلى الحق، بل بقي صابراً على أذاهم لأنه يعلم ما سوف يحل بهم، وأنهم سوف يندمون حيث لا ينفع الندم(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) واستمر في دعوتهم إلى أن حمل الماء السفينة وتمت كلمة الله تعالى.
واكتملت السفينة وأصبحت جاهزة للإبحار وكانت سفينةً ضخمة للغاية لم يروا مثلها من قبل، فلماذا يبني سفينة عظيمة وهو لا يحتاج إلا لمركب صغير لأن المؤمنين به قلةٌ قليلة.
وهناك أوحى الله إليه وكلّفه بمهمة صعبة للغاية، ولكن الله تعالى أعانه عليها، فقد أمره أن يجمع زوجين من كل صنف حيوان، وهي تُعد بالآلاف(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
لم يدخل تلك السفينة إلا أسرة نوح باستثناء زوجته وولده العاصي، وكذلك دخلها الذين آمنوا به وكان عددهم قليلاً.
لقد بحث كثيراً وسار طويلاً في الجبال والأودية والغابات يجمع أصناف الحيوانات ويُدخلها إلى السفينة حتى لم يبق نوعٌ منها إلا وأصبح في داخلها، ولا ندري إن كان هناك حيواناتٌ قد انقرضت بفعل الطوفان بأمر الله تعالى فإن الأمر مسكوتٌ عنه.
ثم بدأت مهمة جديدة وهي جمع الطعام لجميع الحيوانات فلقد علّمه الله تعالى ماذا يأكل كل نوع من تلك الحيوانات فجمع كمية كبيرة تكفيهم لأسابيع على متن تلك السفينة.
إنّ الكلام سهلٌ للغاية، وسَرْدُ القصة أسهل، ولكن الفعل كان أصعب مما نتصور حيث جمع بيديه الأطنان من الطعام وأدخلها إلى تلك السفينة، وفيها بعد بداية الطوفان راح يرعى شؤون الناس والحيوانات في آنٍ واحد في ظل تلك الظروف الصعبة والأحوال القاسية حيث كان كل شيء حولهم ماءاً.
لقد لبّى نوحٌ(ع) أمر الله تعالى ببناء السفينة وجمع أصناف الحيوانات من كلٍ زوجين اثنين، فأمره أن يدخل إليها ويُغلق أبوابها بإحكام، وذلك بعد أن فار التنور الذي كان فورانه علامة على بدء الطوفان(وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
الشيخ علي فقيه

