
قِصةُ حِوَارِ إِبْرَاهيْمَ(ع) مَعْ عمه آزَر
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)
ترِد كلمة الأب في لغة العرب للدلالة على معنى الوالد، ويمكن استعمالها في معنى العم كما هو حال استعمالها في الآية المذكورة لأن آزر في الحقيقة هو عمُّ إبراهيم وليس أباه.
ويمكن أن يكون استعمال لفظ الأب هنا نسبةً للمربي حيث تربى إبراهيم(ع) في كنف عمه، وقد أراد إبراهيم أن يبادل عمه الخير، وكان عمه من صانعي التماثيل وتجارها، وكان مرموقاً في قومه، فأراد أن ينصحه ويعظه خوفاً عليه من عذاب الله في يوم القيامة، وبالتالي فإن آمن عمه فسوف يكون خير عَون له في الدعوة إلى التوحيد، ولكنه تفاجأ بقساوة قلبه وشدة كفره.
لعل إبراهيم استغل جلوس عنه معه وهو في مزاج جيد فسأله لماذا تعبد تماثيل لا تسمع ولا تُبصر ولا تنفعك بشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة.
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)
لقد جاءه عِلمٌ من السماء فيه من الخير ما ينفع المرء في الدنيا والآخرة، فإذا سمعتني وأخذت بنصحي أهدك إلى طريق الحق الذي ينتهي بك إلى السعادة الأبدية.
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)
لقد نهاه عن عبادة الشيطان وهو كناية عن طاعته دون طاعة الله، فمن أصغى إلى الشيطان ونفّذ له أمره فكأنه عبده، ثم بيّن له أن الشيطان عاصٍ لربه وإذا اتبعتَه فسوف يأخذك معه إلى العذاب.
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)
لقد بيّن إبراهيم لآزر مدى حبه له، وهو الحب الحقيقي لأنه يخاف عليه من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تمنى إبراهيم أن يؤمن عمه بالله ليكون جاره في الجنة، فهو يخاف عليه أن يمسه عذابٌ من الله نتيجةً لكفره وإنكاره، فإن بقيت على ما أنت عليه من عبادة الأوثان فسوف تكون من أولياء الشيطان، والشيطان يسوق أولياءه إلى جهنم.
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)
لقد كانت جلسة مصارحة بينهما، وفيها كشف إبراهيم لأبيه آزر عما ينوي فعله، وهو تبليغ رسالة السماء فتفاجأ آزر من كلام ابن أخيه وسأله أراغب أنت عن آلهتي؟ أي أنك لا تريد أن تعبدها، فإما أن تكف عن دعوتك هذه التي تضر بتجارتي ورزقي، وإما أن أرجمك، أما الآن فاغرب عن وجهي قليلاً ودعني غارقاً في دهشتي من كلامك.
(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)
يمكن أن يكون هذا السلام فضّاً للنزاع بينهما، أو كلمة يستفاد منها التوديع، ولعظيم خُلق إبراهيم فقد وعد عمّه بطلب الغفران له من الله تعالى، ولعله بذلك أراد أن يبيّن له أخلاق أهل الإيمان، فقد أغلظ آزر القول وواعده بالرجم، أما إبراهيم فقد واجه تلك الإساءة بكلام إيماني لطيف ينمّ عن أدبه وأخلاقه واحترامه لصاحب الفضل عليه حيث لقي الرعاية منذ الصغر في بيت عمه، ولا يريد أن يغلظ عليه بالقول، لأنه ما هكذا يكون رد الجميل.
فقد نقع هنا في إشكال ويجب أن نوضح الأمر لإزاحة الشبهة.
إبراهيم يعلم تماماً بأن عمه من المشركين، ولا يجوز للمسلم أن يستغفر للمشرك وإن كان ذا قربى معه، وقول الله تعالى واضح في هذا المجال إذ قال(كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
إبراهيم لم يستغفر لآزر، بل وعده بالإستغفار، وكان بذلك يحاول أن يبيّن له عظمة الإيمان ليرق قلبه ويؤمن، ولكنه لم يستغفر له بعد أن أصر على الكفر، وبعد أن فشلت كل محاولات إبراهيم معه بدليل قوله تعالى(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ)
الشيخ علي فقيه

