قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 44)

قِصةُ قَارُوْنَ الغَني البَخيْل

 

 

قِصةُ قَارُوْنَ الغَني البَخيْل

 

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)

مهما كان نوع العطاء وحجمه وشكله، وأياً كانت أسباب الحصول عليه فإنّ مَرَدَّه إلى الله مالك كل شيء، وقد أخبرنا سبحانه بأنه أعطى قارون الكثير من الكنوز ولكن ليس من باب التكريم له، بل من باب الإمتحان الذي لم ينجح فيه قارون في نهاية المَطاف.

فالخلق يملكون، والخالق يملك، وفرقٌ كبير بين الملكين، فهذا ملكٌ حقيقي، والآخر استئمان واستيداع واستخلاف بدليل قوله سبحانه(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)

وقد جرت بحوثٌ مطوَّلة حول لفظ(مالك ومُلك ومِلك) تجدونها في الكتب المختصة وأنا أنصحكم بالمراجعة، ولم أذكر الفرق بينها هنا حتى لا ننحرف عن البحث المطلوب.

وعلى أي حال فإنَّ الله سبحانه يمتحن عباده بأنواع كثيرة من ضُروب البلاء، فقد يمتحن المرء بنفسه أو بولده أو بمحيطه أو بماله، والعاقبة للمتقين الصابرين الذين يتمسكون بإيمانهم أكثر مهما اشتد عليهم البلاء وعظُم الإمتحان.

وبين أيدينا هنا عنوانٌ هام، هو قصة أحد الأغنياء الذين بغوا في الأرض فأهلكه الله بذنوبه حيث أنه كفر بَدَلَ أن يشكر فجعل الله من عقابه عبرةً لكل مَن تسوّل له نفسه حذوَ حذوِ قارون.

وقارون هذا من قوم نبي الله موسى(ع) كان فقيراً مُعدماً يعمل أجيراً عند أحد البنّائين، وكان صاحب حيلة ودهاء، فلا إيمان يردعه، ولا قانون يمنعه، وقد استطاع بدهائه وعدم خوفه من ربه بالإضافة إلى بخله أن يبلغ من الثراء مبلغاً لم يصل إليه أحد غيره من بعده، وقد خصّصتُ القول بمن بعده حيث أشار القرآن الكريم إلى أنه كان قبل قارون مَن هم أغنى منه وقد أهلكهم بذنوبهم حيث قال سبحانه(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) وقد تعمدتُ الإشارة إلى هذه النقطة من أجل أن أرفع وهماً مستقراً في عقول بعض الناس ممن يظنون بأن قارون هو الأوحد في هذا الثراء.

لقد لعب هذا المحتال بعقول الناس وضحك عليهم واستولى على أراضيهم ومواشيهم عن طريق الخداع والدهاء متغطّياً بدنوّه من عرش فرعون وصحبته لهامان.

وهو يشبه إلى حدٍ كبير أولئك الذين يسيرون بسيرته في أيامنا الحالية ولكنهم أقل منه جمعاً وأكثر منه دهاءاً، فإذا كان قوم موسى قد ابتُلوا بقارون واحد فلقد ابتلانا ربنا بالمئات مثله.

لقد تلاعب بلقمة عيشهم واحتكر المواد الأولية عندهم ورفع أسعار السلع، وتحكّم بالأسواق على مزاجه، ولم يكن هناك من يوقفه عند حده أو ينافسه على الأقل، فاستضعفهم وبغى عليهم، وكسب ثقة الحاكم الظالم الذي غطى له عيوبه مقابل نسبة من أرباحه كما يفعل الكثيرون في عصرنا الحالي.

وقد ذكّرني ما حدث في عهده بما يحدث عندنا اليوم من احتكار وغلاء وتلاعب بلقمة عيش المواطن، ولكن الفرق بين عهدنا وعهدهم هو أنّه كان في عهدهم موسى، ولا موسى في عهدنا يقف في وجه قارون ويُهلكه.

وكان المؤمنون من قوم موسى يعظونه ويُذكّرونه بالآخرة ويحثونه على إطعام الفقراء، فكان يسخر منهم، وكان الفقراء يقصدون قصره فيطردهم حيث أعمى حب المال بصره وبصيرته.

لقد بنى الغرف الكبيرة والحصينة لوضع الذهب والكنوز فيها، ولعلها كانت تُعد بالمئات، وكان يحمل مفاتيح أقفال تلك الغرف عشرات الرجال الأشداء بسبب كثرتها، فلو حمل كل رجل عشرة مفاتيح وكان يمشي معه أكثر من مئة رجل، فهذا يقرّب لنا عدد تلك الغرف، وقد شكى رجاله من ثقل تلك المفاتيح لأنها كانت حديدية فأمر الصنّاع بصنع مفاتيح من مواد خفيفة حتى يسهل على الرجال حملها.

وهذه النقطة لوحدها كفيلة ببيان مدى حجم ثروته التي لم يكن بالإمكان حصرها، فلو أنه عاش في الدنيا ألف ألف عام لما استطاع أن ينفق جزءاً صغيراً من تلك الثروة التي لم ينتفع بها ولم ينتفع غيره بها، وقد كان أبرز مثل لما قاله الإمام علي(ع) في نهج البلاغة: وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا:

وبعبارة أخرى، لم يرثها، ولم يوّرثها، بل جمعها وأتعب فكره وقلبه في السهر عليها، ثم حُرم منها ولم يبق لها وله في الوجود إلا الذكر السيء.

ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عن قارون وما جرى معه وله فيقول(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)

هذا ما قاله المؤمنون بالله تعالى لقارون المفسد، فقد نصحوه وبالغوا في نصحه فلم ينتصح، حيث أعمى الذهب قلبه وأنسته الثروة الخشية من ربه والعطف على الفقراء.

إنّ الله سبحانه لا يريد أن يحرمك من أن تتمتع بمالك، ولكن بشرط أن تكسبه بطرق الحلال وتنفق منه ما أوجبه عليه لأن لك نصيباً منه في الدنيا لا ينبغي نسيانه.

ولعله استعمل جزءاً من ماله في إضرار الناس ومحاربة موسى(ع) ورسالته حيث ورد في بعض الأخبار أنه هو الذي دفع المال للسحرة بأمرٍ من فرعون حتى يهزموا موسى.

لقد أخبروه بقدرته على بلوغ الآخرة من خلال ثروته إن هو أخذها عن طريق الحلال وصرفها في مكانها الطبيعي وأخرج منها ما فرضه الله عليه من الحقوق للمحتاجين والمستحقين، فواجههم بالرفض والعناد والسخرية، وكان في كل مرة يطردهم من قصره ويهددهم مدّعياً بأنه لا فضل لله في ثروته فهو الذي جمعها بعلمه وذكائه، لقد قال ذلك متكبراً متعجرفاً، وما زال الله تعالى يمدّه بالفرص علّه اهتدى ورجع عن ضلاله، ولكنه كان في كل مرة يزداد عتواً وضلالاً وتكبراً.

وهنا يردّ القرآن عليه وعلى أشباهه من الذين سبقوه والذين سيأتون من بعده(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)

فعندما ادعى الفضل لنفسه ناسياً فضل الله تعالى ومنكراً ملكه لكل شيء بدأت علامات نزول العذاب من الله واقتراب موعد هلاكه.

لقد فتح الله له ولغيره أكثر من فرصة حتى لا يكون لهم حجة على الله يوم القيامة، وقارون هذا قد أغلق على نفسه جميع أبواب الخير التي فُتحت له حيث استحوذ الشيطان على قلبه فأنساه ذكر ربه.

أفلا يعلم هذا المتعجرف بأنّ الله سبحانه قد أهلك قبله من كان أغنى منه وأقوى، ولكنه لم يعتبر حيث أنساه المال كل شيء.

سوف يهلكه الله ويعذبه أشد العذاب ولن يسأله عن ذنوبه إذ أنه سوف يدخل جهنم مباشرة.

ولم يكن نبي الله موسى(ع) بعيداً عما يفعل قارون، ولكنه كان يرسل إليه بعض أتباعه في كل مرة من باب التبليغ والتذكير حتى أصبح موسى(ع) العائق الأكبر في وجه طموحات قارون الذي وضع يده في أيدي أعداء موسى حسداً وغيظاً وانتقاماً من الحق وأهله حتى وصل به الأمر في يوم من الأيام إلى أن يستأجر مومساً ويرسلها إلى موسى لتدعي بأن موسى قد فجر بها، ولكن عند ساعة الصفر ظهر الحق وزهق الباطل حيث تحدث موسى إلى تلك المرأة بأسلوب نبوي نقي واستحلفها بالله أن تقول الحق والحقيقة، وعندما نظرت في وجهه المشع بأنوار الإيمان خافت وارتعبت واعترفت بالذنب وأخبرت القوم بمكيدة قارون للإيقاع بموسى بعد أن كادوا يصدقون كذبتها الشنيعة.

لقد أراد قارون المدعي للذكاء الخارق أن يُثبت للناس أنه أفضل من موسى الفقير، أو شئتَ قل: أراد أن يحرّض الفقراء من أتباع موسى ويغريهم حتى يتركوا دينهم ويتخلوا عن نبيّهم، هذا مع العِلم بأنه لم يؤذه أحد من أتباع موسى قط، ولكنه استسلم لإرادة الشيطان وتحوّل إلى عبدٍ مطيع له يأتمر بأوامره التي تقضي بتدمير الإيمان في هذا الوجود.

ففي يوم من الأيام خرج في موكبه المذهّب برفقة الرجال الذين يحملون مفاتيح غرف الذهب وهم يرتدون أفخر الملابس المزخرفة، وراحوا يجولون في المدينة بهدف بث الفتنة في قلوب الناس، وقد قيل إنّ الياقوتة التي زيّن بها حذاءه يمكن شراء قصر بثمنها، ولعله فعل ذلك أكثر من مرة من باب التأكيد على تحريض الفقراء من المؤمنين.

ويمكن القول إنه للوهلة الأولى نجح في تنفيذ خطته الشيطانية حيث استطاع أن يستميل قلوب بعض البسطاء من بني قومه، ولكنّ نجاحه لم يدُم طويلاً حيث كانت قوة الإيمان راجحة في قلوب أغلبية المؤمنين بموسى فلم تخدعهم تلك المظاهر الخلابة والزينة الجميلة حيث أدركوا بأنّ حلاوة الإيمان أجمل، وأنّ العاقبة للمؤمنين المتقين، وأنَّ قارون سوف يزول هو وثروته التي جمعها بطرق الحرام.

واستطاع هؤلاء أن يذكّروا البسطاء بدينهم وربهم مبينين لهم أنّ قارون يخدعهم ولن يعطيهم من أمواله شيئاً، وعلى الفور كُشفت تلك اللعبة ورجعت المياه إلى مجاريها، ولكنها رجعت هذه المرة بخيبة الأمل لقارون ومن اتبعه من أهل الدنيا.

لقد باءت خطته بالفشل الذريع، وذلك بفضل العقيدة الراسخة في قلوب المؤمنين بالله وكليمه موسى بن عمران.

هذا ما ذكره القرآن المجيد لنا حيث قال سبحانه واصفاً تلك الحادثة(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)

عند تلك اللعبة القارونية انقسم قوم موسى إلى قسمين، ولولا حكمة موسى(ع) وجرأته في الدفاع عن الحق وإثبات الدين لمشى أغلبية بني إسرائيل خلف قارون.

قسمٌ من بني إسرائيل لم يتأثروا بزينة قارون وذهبه ولآلئه لإدراكهم بأنّ ما عند الله خير وأبقى.

وقسمٌ تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون من الثروة حتى يتمتعوا بزينة الحياة، وقد كانوا على استعداد لفعل أي شيء في سبيل الحصول على بعض الذهب.

وبعد فترة من الزمن أراد الله سبحانه أن يُحق الحق بكلماته ويثبّت الإيمان بمعجزاته فتوجّهت إرادته للأرض التي بُني عليها قصرُ قارون فانشقت وابتلعت القصر والغُرف المملوءة بالكنوز والجواهر، وعندما رأى قارون ذلك شعر بالخوف والخطر وظنّ بأن كنوزه سوف تنجيه من عقاب الله، ففراح يستغيث ويستغيث فلم يجبه أحد حتى ابتلعته الأرض مع كنوزه، وجاء بنوا إسرائيل إلى مكان الحادث وهناك تغيرت الأحوال وتبدلت الآراء، أما الذين ثبتوا على الإيمان ولم يغرهم قارون وماله حمدوا الله وشكروه على نعمة الإيمان التي تحفظ أهلها في الدنيا والآخرة، وأما الذين وقعوا في فتنة قارون بالأمس، ندموا وشكروا الله الذي لم يكن لهم ما لقارون كيلا يصيبهم من العذاب ما أصابه.

ولأن قارون لم يُحسن التصرف لا في طريقة جمع المال ولا في طرق صرفه استحق ذلك العقاب وكان عبرة لكل إنسان يظنّ بأن ماله سوف ينقذه بحال من الأحوال.

(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى