محاضرات

الشفاعة في الدنيا والآخرة

حقيقة وآثار

 

 

الشفاعة في الدنيا والآخرة

حقيقة وآثار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على رسوله الكريم وآله الميامين

مهما قرأنا أو سمعنا من كنوز العلم ولآلئ المعرفة تبقى الحاجة إلى طلب العلم ضرورية وملحة.

ومهما حصل واحدنا على أبوابٍ من الثقافات الخاصة والعامة والشرقية والغربية والقديمة والحديثة بقى واحداً من يشملهم قوله تعالى(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)

مواضيع العلم كثيرة، وأبوابه متنوعة ومتشعبة ومشرَّعة لكل طالب ولأي راغب، وليس المهم أن تقرأ كثيراً بمقدار ما يهم أن تكون واعياً وفاهماً ومتفهماً ومدركاً لحقيقة وأبعاد تلك المادة الموضوعة على منضة تشريحك.

يجب على طالب المعرفة أن يفرّق بين الثقافات البنّاءة والمعلومات المدمرة، فالحاصل على جميع أبواب علوم الشر لا يسمى عالماً ولا مثقفاً لأن العبرة ليست في كمية ما تقرأ بل في النوعية والماهية ومستوى الآثار الإيجابية، فكل معلومة تكون آثارها سيئة ونتائجها سلبية فإنها لا تدخل تحت عنوان الثقافة ولا تندرج في مفهوم المعرفة ولا تكون مصداقاً من مصاديق العلم.

هناك مظاهر خدّاعة، ولكنها منظمة ومدروسة يهدف أصحابها إلى تدمير الثقافات التي ازدهرت بها البشرية وارتقت بسببها إلى التطور العلمي والفكري والتكنولوجي، ولا يمكن لنا أن نستخف بقدرات هؤلاء، ولا ينبغي أن نتهمهم بالجهل وننعتهم بالغباء لأنهم لو كانوا كذلك لما كان لهم هذا التأثير السلبي على ثقافاتنا ومثقفينا الذين انخدع بعضهم بتلك المظاهر الخلابة المشابهة بظاهرها للعلم والمتضادة في جوهرها مع ماهية المعرفة وحقيقتها.

أنا أنظر إلى هؤلاء على أنهم ينطلقون من مؤسسات منظمة تسيّرها جهات حاقدة لا أنسبها إلى أي دين ومذهب لأن جميع أديان العالَم تدعو إلى الثقافة وتعتبرها أساس الترقي وسبب الإستمرار.

ولن أطيل الشرح في هذا الموضوع الخطير لأنني أرغب مستقبلاً في عقد محاضرة مستقلة أكشف بها نوايا هؤلاء وأبين جزءاً من أهدافهم بحسب معرفتي بهم لأنني أعتبر أن مواجهة هؤلاء وإبعادهم عن ساحات الثقافة هي ضربٌ من ضروب الوعي ودعم الثقافات البناءة.

مسألة الشفاعة عندنا معتقَد ثابت لا يشك فيه سوى من ضعفت ثقته برب العالمين وغلب يأسه أمله.

هناك نظام رباني وُضع للعمل في دار الإمتحان، وهناك آيات تشير إلى معاقبة من يخرج عن القواعد الموضوعة والحدود المرسومة حيث يعتبرونها مقتضى الإمتحان، ويضعون أمام أعينهم تلك الآيات الكريمة التي اختُصت ببيان أنظمة العمل وتطبيق الأوامر والنواهي، وأبرز تلك الآيات قوله تعالى(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً..)

ولكن القوانين والتشريعات والعقائد لا تنحصر في آية واحدة أو آيتين، وهذا يحتاج إلى معرفة الأسلوب الذي يُظهر فيه القرآن الكريم تعاليمه.

ثم ينبغي الإعتناء بمسألة الناسخ والمنسوخ، ولا أحد ينكر هذه الحقيقة القرآنية التي أشار الله إليه في قوله(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)

قال أمير المؤمنين(ع): كِتَابُ اللهِ تُبْصِرُونَ بِهِ، وَتَنْطِقُونَ بِهِ، وَتَسْمَعُونَ بِهِ، وَيَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ:  ومن هنا نشأ موضوع تفسير القرآن بالقرآن، وهو تفسير معتبَر ومعتمَد لدى أكثر المفسرين بل لعله الأنسب في إقناع الجاحدين وإرغام المعاندين.

مثلاً قال تعالى في سورة البقرة الآية 110(وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) فلو نزلت هذه الآية دون غيرها من الآيات الموضحة والمبرزة لهذا المعنى لحصل خلل كبير في جوهر هاتين العبادتين ولعمل كل واحد برأيه، ونتيجة هذا الأمر هو الدمار المحتم.

ولكنه تعالى بحكمته لا يترك العبد في مقام الحيرة القاتلة بل أوضح له الأمر عندما تحدث عن الأوقات التي تقام بها الصلاة كما في قوله(أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وكذا في مسألة الزكاة فقد قال تعالى بعد حديثه عن أصل وجوب الزكاة(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) وما زال الأمر مجملاً…

ثم لو نزل المجمل أو العام دون الخاص وجب الرجوع إلى صاحب الوحي الذي أمرنا ربنا بالأخذ عنه حيث قال(…) وكثير من تفاصيل الأحكام وردت على لسان النبي وآله دون القرآن الذي كان إعجازه في إيجازه.

فلو نزل التفصيل قبل الإجمال لكان الإجمال بمثابة تأكيد على الدعوة إلى الإلتزام بالفريضة أو الأمر بشكل عام، ولو حصل العكس فنزل المجمل قبل المفصّل لكان الثاني شارحاً للأول.

فقد ينزل مجموعة مجملات تكوّن بمجموعها تفصيلاً واضحاً، فإذا لم يحصل التفصيل من مجموع تلك المجملات لأُرجئ الأمر إلى النبي(ص)

نأتي الآن إلى أساس موضوعنا في هذا البحث، وهو مسألة الشفاعة.

وينبغي قبل البدء في صلب الموضوع أن نقرر عناوين بحثنا ليكون منطلقاً للبحث وسوراً يحصر الأفكار كيلا يحصل شذوذ أو تطفل أو خروج عن الموضوع.

الشفاعة إما أن تكون من الله تعالى أو من الملائكة أو من البشر.

وإما أن تكون شفاعة للدنيا أو للآخرة أو لكلتيهما.

ولكن مردّ الشفاعة وآثارها في الآخرة خصوصاً يعود إلى الله سبحانه الذي بيده مقاليد السماء والأرض.

أما شفاعة الله تعالى في الدنيا والآخرة فإنها تنبع من حاق قدرته ومن منطلق حكمته ةمن ينابيع رحمته التي وسعت أهل السموات والأرضين، فقد يشفع للإنسان دون ن يسأله أحد ذلك.

وأما شفاعة الملائكة للناس في يوم الحساب فلا تكون إلا بإذن مسبق من الله تعالى الذي له أن يقبل شفاعتهم أو يرفضها، ولكن وبحسب التكوين الخاص بالملائكة فإنهم لا يشفعون لمن لا يستحق الشفاعة بدليل قوله سبحانه في سورة الأنبياء(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)

وأما شفاعة الناس للناس فمنها ما هو خاص في الدنيا، ومنها ما هو خاص في الآخرة.

أما الخاص منها في الدنيا فإن الله تعالى ترك لعباده الحرية في ذلك فهم ليسوا بحاجة إلى إذن مسبق حتى يطلبوا الشفاعة لبعضهم البعض في مجالات الحياة المتنوعة، كما لو تشفّع صديق رب عمل لبعض الموظفين.

وقد وردت مجموعة من الأحاديث عن النبي وآله(ص) حول موضوع الشفاعة في الدنيا وآثارها الطيبة في الآخرة كقوله(ص): إشفعوا تُؤجروا: وقوله: من شَفع شفاعة يدفع بها مَغرَماً أو يُحيي بها مَغنَماً ثبّت الله تعالى قدميه حين تَدحضُ الأقدام: وقول علي(ع): الشفيع جناح الطالب: وقول الصادق(ع): الشفاعة زكاة الجاه:

فالناس يتعاطون الشفاعة فيما بينهم والله تعالى أمرهم بذلك وحثهم على مزاولة هذا الأمر المتوسم بالرحمة، وهو تعالى أرحم منهم جميعاً.

والقرآن الكريم أشار إلى إمكانية الشفاعة من الناس للناس أو من الملائكة للناس في يوم القيامة ولكن ضمن شروط هو الذي يحددها.

نقرأ لكم بعض الآيات التي تتحدث عن مسألة الشفاعة في يوم القيامة ثم نتابع البحث انطلاقاً من تلك الآيات الكريمة.

قال تعالى في سورة البقرة الآية 47 (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)

أريد أن أتوقف قليلاً عند هذه الآية الكريمة كيلا يظن البعض بوجود تناقض بينها وبين أساس طرحنا لموضوع الشفاعة وإمكانية صدورها وتحققها من المخلوقين وللمخلوقين في يوم القيامة.

الله تعالى يحذرنا من شدة يوم الحساب الذي لا يغني فيه أحد عن أحد، ولكي يسهل علينا فهم المعنى منها ينبغي أن نتأمل قليلاً في محتوى الآية الكريمة ونحلل مضمونها إلى نقاط.

النقطة الأولى: وهي عدم إمكانية إغناء الإنسان عن الإنسان في يوم القيامة، وهذا ما وردت في بيانه مجموعة من الآيات مثل قوله تعالى(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) وقوله سبحانه(وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا) وقوله(وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ)

أنا شخصياً أفهم الشفاعة على أنها إجزاء وإغناء، فإن قُبلت الشفاعة من أحد لأحد فقد أغنى عنه.

والجدير بالذكر هو أن هذه النصوص القرآنية مدعّمة بنصوص نبوية مثل قول النبي لابنته الزهراء(ع) يا فاطمة إعملي لربك أو لنفسك فإني لا أغني عنك من الله شيئاً:

وما أعجب له وما يحيرني كثيراً في هذا المقام هو أنه صدر عن أعظم خلق الله والذي نعتقد ونؤمن بأنه صاحب شفاعة في يوم الحساب، وإذا كنا نعتقد بأنه صاحب شفاعة فكيف يمكن أن نوفِّق بين قوله(ص) لابنته، وبين معتقدنا في شفاعته؟

للوهلة الأولى نعتقد بوجود تضاد بين النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة في مسألة الشفاعة وبين اعتقادنا بوجودها وآثارها.

وهنا يمكنني أن أزيل تلك الشبهة وأصوّب الموضوع عبر البحث في ناحيتين:

الناحية الأولى: صحيح أنه يوجد آيات وروايات تنفي وجود الشفاعة وتنفي وجود أي أثر لها، ولكن لعل ذلك ورد من باب تعظيم يوم القيامة والحث على العمل النافع لأن يوم القيامة يومٌ لا ينفع فيه سوى العمل الصالح، وفي هذا الشأن قال تعالى(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) وقوله(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)

نلاحظ بأن مسألة النجاة من العذاب في يوم القيامة محصورة في العمل، وهذا العمل إما أن يكون تاماً أو ناقصاً، ومعناه أن الذي يُنقص من العمل المطلوب منه ذرة واحدة فسوف يعاقَب على هذا التقصير، ويمكن الإستدلال على هذه الأطروحة بقوله تعالى(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)

فإذا أردنا أن نعمل بمقتضى هذه القاعدة من دون ملاحظة الإستثناءات المشار إليها في غير هذه الآيات معناه أنه لن يدخل الجنة سوى المعصوم، والمعصومون معروفون ومعدودون، وإذا كانت الجن للمعصومين فقط فلماذا نصلي ونصوم ونحج ونتصدق، بل لماذا لم يسددنا الله بقوة العصمة كما سدد غيرنا بها؟ أليس في ذلك ظلمٌ واضح، وأوضح من هذا الظلم بكثير قوله تعالى(وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) وقوله(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) والكثير من الآيات المشابهة لهذا المعنى.

لماذا تريدون منا أن ننظر إلى خالقنا نظرة سلبية بسبب قصور فهمنا وقلة إدراكنا، ولا تريدوننا أن ننظر إلى مئات الآيات التي تتحدث عن سعة رحمة الله تعالى بعباده في الدنيا والآخرة؟

الناحية الثانية: صحيح أن أحداً لا يستطيع أن يشفع لأحد في يوم القيامة، وصحيح أنه لا يجدينا نفعاً سوى العمل الصالح، أنا أوافق على أن أحداً لا يمكنه أن يشفع لأحد في يوم الحساب من تلقاء نفسه، ولكنه يستطيع ذلك إذا شفّعه رب العالمين، بدليل قوله سبحانه(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) يعني ذلك أن إمكانية الشفاعة واردة وموجودة ولكنها لا تكون إلا بإذنٍ مسبق من الله تعالى.

ثم إننا نلاحظ بأن حديث القرآن عن عدم قبول الشفاعة خاص بالمجرمين وفي مقام الوعظ، كما في قوله تعالى وهو في مقام الوعيد(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ  وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ  وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ  حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) وأنا أفهم من الفقرة الأخيرة إمكانية حدوث الشفاعة، فهؤلاء المجرمون لا تنفعهم شفاعة الشافعين، أما المؤمنون فتنفعهم.

وفي مرحلة الحساب هناك قوانين رحيمة يعمل بها رب العالمين سبحانه، وإلا فلو اعتقدنا بظاهر تلك النصوص من دون ملاحظة الإستثناءات الخاصة فما هو نفع مئات النصوص التي يطلب بها الداعي غفران الله تعالى كما في أدعية المعصومين(ع) وهي كثيرة جداً، ولا يسع المجال إلى ذكرها وكلكم قرأتم جزءاً من تلك الأدعية أو سمعتم منها جزءاً كقول الإمام السجاد0ع) في الدعاء الموسوم بأبي حمزة: لسنا نتكل في النجاة من عقابك على أعمالنا بل بفضلك علينا: وفي دعاء آخر: إلهي إن لم ترحمن فمن يرحمني:

فالشفاعة سواء كانت من الله تعالى دون أن يسأله أحد أو كانت من الملائكة أو من الناس فإنها لا تكون إلا بإذنه، ومن هنا فقد حصرها الله تعالى في نفسه بدليل قوله في سورة الزمَر(قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)

النقطة الثانية: قوله تعالى(ولا يُقبل منها شفاعة)

ما زال الكلام حول الآية الكريمة التي توقفنا عندها قليلاً.

فهنا لا ينسف الله تعالى مبدأ الشفاعة، ولكنه ينفي قبولها من العاصي المستحق للعقاب، وهذا لا يعني قبولها ممن شفّعهم رب العالمين بعباده كالملائكة والأنبياء والأئمة(ع).

النقطة الثالثة: قوله(ولا يُؤخذ منها عدل) ولعل الآية الكريمة هنا تحكي لنا عن الحالة الغرورية التي كان اليهود يعيشونها وما زالوا يعيشونها أيضاً فالله تعالى يرد عليهم بأنه لن يقبل أية شفاعة فيهم لأنهم لا يستحقونها بسبب ظلمهم وتكبرهم ونفسياتهم المنحطة، ولعل المراد بقوله تعالى(ولا يُؤخذ منها عدل) هو غير العدالة حيث لا مناسبة بين المقامين هنا، وبناءاً عليه يكون المراد بالعدل في الآية هو الفدية كما قال المفسرون، فالله تعالى لا يقبل فيهم الشفاعة ولا يقبل منهم الفدية مهما كان نوعها وحجمها فإن الله تعالى غني عن العالمين، وفي هذا الشأن قال سبحانه بلفظ آخر(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ)

ومن هنا يظهر لنا جلياً أن المراد بنفي الشفاعة في القرآن الكريم هو الشفاعة لغير مستحقيها، أما المستحقون لها فإنها سوف تصيبهم بإذن الله ولطفه وكرمه، كما وأن موضوع الشفاعة خصوصاً للنبي وآله(ص) هو من صميم اعتقاداتنا لا ينفصل عنها بحال من الأحوال لأن الإعتقاد بعدم وجود شفاعة ومشفَّعين يعني الهلاك المحتم لغير المعصومين كافة.

ونحن الإماميين نعتقد بأن الله تعالى سوف يرحمنا ببركة شفاعة النبي وآله لنا في يوم الحساب، ولذا فإننا نستشفع بهم في جميع الحالات، وعندنا دعاء التوسل الذي نقرؤه مساء كل ثلاثاء وما هو سوى استشفاع بالنبي والأئمة يا وجيهاً عند الله إشفع لنا عند الله.

ومن آداب الدعاء عندنا الإستشفاع بالصالحين، وجميع الأدعية الواردة عن النبي وآله إنما تتضمن مسألة الشفاعة الأكثر تأثيراً في يوم الحساب.

إن للقرآن الكريم أسلوباً خاصاً في التعبير والكشف عن الأمور ولعل له مدخلية قوية في مسألة الإعجاز فإنه يُجمل في مكان نظن نحن بأنه لا بد فيه من التفصيل كحديثه عن الصلاة والحج والجهاد، ويفصّل في مكان قد نرى نحن البشر أنه لا بد من الإيجاز في هذا الموضع كحديثه عن قصة يوسف(ع)، ولكننا عندما نرجع إلى أهل الذكر في ذلك نجد الصواب والحكمة في كل ما هو كائن في هذا الكتاب المنير الذي جعله خالقه معجزة دائمة لبني البشر.

لقد ورد في القرآن آيات كريمة يُتوهم منها للوهلة الأولى عدم إمكانية الشفاعة لأحد في يوم الحساب، ولكن عند البحث في أسباب نزول هذه الآيات وقراءة ظروفها نجد بأن الأمر خاص في فئة دون فئة كما يقتضي الحال.

وقد ورد في القرآن آيات يُفهم منها بكل وضوح هذا المعنى الذي ذكرته كقوله تعالى في سورة يونس(مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ) وقوله في سورة النجم(وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى)

وبعد ذلك كله نرجع إلى من أمرنا الله تعالى بالرجوع إليهم لنفهم معنى الآيات التي لا يعرف معناها سواهم وهم النبي وآله(ص) لنرى ماذا يقولون في مسألة الشفاعة.

في كتاب الدر المنثور المجلد الأول: قال رسول الله(ص): لا يكون اللعّانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة: معنى ذلك أن غير اللعانين يمكن أن يكونوا كذلك من بعد إذن الله تبارك وتعالى.

وفي كنز العمال قال(ص):شفاعتي لأمتي مَن أحبَّ أهل بيتي:

وفي نفس المصدر قال(ص):لأشفعن يوم القيامة لمن كان في قلبه جَناحُ بَعوضَة إيمانٌ:

وفي بحار الأنوار قال(ص): إن الله أعطاني مسألة فأخرت مسألتي لشفاعة المؤمنين من أمتي يوم القيامة ففعل ذلك:

وفي المحاسن قال(ص): لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته، ولا يرد عليّ الحوضَ لا والله:

وفي فضائل الشيعة عن الإمام الصادق(ع): إذا كان يومُ القيامة نشفع في المذنبين من شيعتنا فأما المحسنون فقد نجاهم الله.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى