
حَقِيقَةُ تَكْفِيرِ السيئات عِنْدَ اجْتِنَابِ الكَبَائِر
ما زال الكلام يتمحور حول قوله تعالى(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) لأن واقع الآية الكريمة يستدعي البحث الدقيق من أجل الوصول إلى المعنى المراد منها حيث يتوقف على فهمه فَهمُ كثير من الحقائق حول مسألة الذنوب.
إن حقيقة تكفير السيئات(الصغائر) عند اجتناب الكبائر الوارد في الآية الكريمة هو أن الآية في مقام الإمتنان، فهي تقرع أسماع المؤمنين بعناية إلهية أنهم إن اجتنبوا بعض المعاصي(الكبائر) كفّر الله عنهم بعضها الآخر(الصغائر) وليس فيه إغراء على ارتكاب الصغائر، فإن ذلك لا معنى له في الآية بدلالة بعض القرائن القرآنية الدالة على حرمة ارتكاب النوعين من دون استثناء، فالآية تدعو إلى ترك الكبائر، أما ارتكاب الصغائر من جهة كونها لا يُعبأ بها فهو الإستهانة بأمر الله عز وجل، وهذا من أكبر الكبائر، ولكن الآية ناظرة إلى كون الإنسان مبنياً على الضعف والجهل، وقد يرتكب بسبب ضعفه بعض الصغائر كهفوات أو انزلاق في حفر الشيطان الغوي الذي يهوّن الصغيرة في نظر الإنسان حتى يجعله مصراً عليها فتتحول بالإصرار من صغيرة إلى كبيرة، أما فعله للكبيرة فيتم عن سابق تصور وإصرار، وهنا وجه الصعوبة في الكبيرة، فإن الإنسان بسبب ضعفه إذا ارتكب الصغيرة يجد لها مخرجاً بالتوبة، أما فعل الكبيرة فهو جريمة ربما لا تمر في يوم الحساب، فإذا اجتنب الإنسان الكبائر خوفاً من عواقبها وكان عليه تبعات معاصٍ صغيرة فقد يغفر الله له تلك الهفوات بفضل عدم فعله للكبائر، ولا شك بأن الأمر في الآية خارج عن القاعدة لأنها تبين لنا مدى اللطف الإلهي بعباده، لأن القاعدة في الأمر هنا هو لزوم التبعات على الصغائر فضلاً عن الكبائر، غير أن الله تعالى رحيم بعباده يحاسبهم بعفوه في الغالب دون عدله، ومن هنا كان يطلب أئمتنا من الله تعالى أن يحاسبهم بعفوه لا بعدله رغم إيماننا بأنهم لو حوسبوا بالعدل لنجوا من العقاب لأنهم معصومون.
الشيخ علي فقيه



