
العُقُوق
إن العقوق من كبائر المحرمات المانعة من دخول الجنة، وهو الإساءة إلى الوالدين بقولٍ أو فعلٍ أو إشارة أو بغير ذلك مما يُدخل الأذى إلى قلبيهما، وقد حدثتنا الروايات الواردة عن النبي وآله الكرام(ص) أن العاقّ لوالديه أو أحدهما لن يشم رائحة الجنة لأن الجنة تحت أقدام الأمهات وخلف رضا الآباء، فلا يظنّنَّ أحد بأنه سوف يلقى الرضا في يوم القيامة وهو غير مطيع لأبويه أو هو عاق لهما، وهذه فكرة أساسية يجب أن نضعها نصب أعيننا في هذه الحياة ونكون على بصيرة من أمرنا حول مسألة الأبوين، فهي مسألة حساسة يرتبط بها الفوز أو الشقاء، وقد قال الإمام الصادق(ع) : عقوق الوالدين من الكبائر…
الأُبُوَةُ وَالأُمُومَةُ
قبل بيان قبح العقوق وآثاره على العاق في الدنيا والآخرة، تجدر الإشارة إلى بيان شيء حول الوالدين كي يتضح لنا عظيم جرم العقوق، لأننا من دون أن نعرف شيئاً عن حق الأبوّة والأمومة لا يمكن لنا أن نوصل الفكرة واضحة إلى الأذهان.
إن الأبوّة والأمومة نعمة إلهية عظمى، وشعور تكويني خاص تقوم عليه جوانب عديدة من جوانب هذه الحياة العامة والخاصة، فلولا وجود هذا الشعور في الحياة لم يكن لها أيُّ معنى ولا أية نكهة، وهذا ما يمكن التعرف عليه من خلال ما يشعر به الولد من الأمان والراحة النفسية والسكون القلبي عندما يكون جالساً مع أبويه أو مع أحدهما.
ولكي ندرك بأنفسنا عظمة هذا الشعور الذي صنعه الله تعالى لحكمة منه فلنتخيّل أن الأرض خالية من معنى الأب والأم، كيف سيكون حال الحياة عند ذلك؟
لا شك بأن معناها حينئذ سوف يكون خالياً من المضمون، وسوف يعلم الولد حينها أنّ بطن الأرض خير له من ظاهرها.
لقد كانت بداية هذه الحياة أباً وأماً، فهما أصل هذا الوجود، وهما نبي الله آدم(ع) وزوجته حوّاء، وفي بيان هذا الأصل للوجود قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
والذي يدرك هذا الشعور أكثر من غيره هو الذي مات والداه أو أحدهما، فاسألوه عن حالته النفسية وهو فاقد لهذا الشعور، فإذا سألناه عن شعوره لأخذته الحسرة على كل لحظة ضيّعها بعيداً عن والديه.
والشعور في الأبوة والبنوّة مشترك بين الوالدين والولد، فكما أنه يأنس بهما فهما أيضاً يأنسان به، فلا يقل أُنسُهما بولدهما عن أُنس ولدهما بهما، وهو من أدق المشاعر الإنسانية التي منَّ الله بها على البشر.
إن الأبوين مخلوقان رقيقان عاطفيان تحكمهما مشاعر الأبوة، وتسيطر عليهما العاطفة تجاه أولادهما، وبهذا الشعور تتكوّن الأسرة وتنشأ الألفة بين جميع أفرادها بعد جهدٍ كبير وتعبٍ لا يوصف يبذلانه في سبيل تربية الأولاد والحفاظ عليهم من كل شر.
ولأجل أهمية هذا الموضوع نجد القرآن الكريم يركز عليه، وكذا النبي وآله(ص)، وكذا أكثر الكتّاب والباحثين والمؤلفين الذين كتبوا في أسس التربية وحقيقة العلاقة بين الأبوين والأولاد من الناحية التكوينية، ومن النواحي النفسية والشرعية والإجتماعية.
وخيرُ كلامٍ أسس لهذه العلاقة وكيفية التعاطي بها هو القرآن الكريم الذي رسم بأنظمته وأحكامه طريق السعادة الآباء والأمهات والأولاد إن هم سلكوا نهجه وعملوا بقوانينه.
الشيخ علي فقيه



