كبائر الذنوب

سِلْسِلَةُ كَبَائِرِ الذنُوْب

الفِتْنَة

 

 

الفِتْنَة

 

لقد ثبت بالدليل القطعي عبر النص القرآني الصريح أنّ الفتنة من الكبائر، بل هي أكبر من الكبائر المعروفة، ويدلنا على هذه الخصوصية قوله تعالى(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) وقوله(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) وهي أبشع جريمة يمكن أن تُرتكَب في حق الفرد والمجتمَع لأن آثاره وخيمة جداً قد يُقتل بسببها مئات الآلاف من الأبرياء.

ذكرَ أهل اللغة عشرة معانٍ للفظ (الفتنة) وما يهمنا من تلك المعاني ثلاثة:

المعنى الأول: وهو الأكثر تبادُراً إلى الأذهان عند سُماع لفظ الفتنة، وهو القريب من معنى الكذب والنميمة وإحداث الشغب والمشاكل بين الناس.

المعنى الثاني: وهو السرور والإبتهاج، وهو كالمفتتن بولد وماله.

المعنى الثالث: وهو الإمتحان، وهو المشار إليه بقوله تعالى(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)

لقد أوضح الإمام علي(ع) بعض أهم معاني الفتنة مما اشتبه فيها الناس، وذلك كما في قوله تعالى(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) وقوله تعالى لموسى(ع) (وفتنَّاك فتوناَ) قال سلام الله عليه:

ومنه فتنة الكفر، وهو قوله تعالى(لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ) وقوله تعالى( والفتنة أكبر من القتل) يعني هاهنا الكفر، وقوله سبحانه في الذين استأذنوا رسول الله(ص) في غزوة تبوك أن يتخلّفوا عنه من المنافقين فقال الله تعالى فيهم(ومنهم من يقول ائذنْ لي ولا تَفْتِنِّي…) يعني ائذن لي ولا تُكَفِّرني، فقال عز وجل(أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ومنه فتنة العذاب، وهو قوله تعالى(يوم هُم على النار يُفتَنون) أي يُعذَّبون(ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون) أي ذوقوا عذابكم، ومنه قوله تعالى(إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا) أي عذَّبوا المؤمنين، ومنه فتنة المحبة للمال والولد، كقوله تعالى(إنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي إنما حبكم لها فتنة لكم، ومنه فتنة المرض، وهو قوله سبحانه(أَوَلا يرَون أنهم يُفتَنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يَذَّكَّرون) أي يمرضون ويَعتلّون:

إن الفتن كثيرة ومتنوعة، منها ما كان معناه إيجابياً ومنها ما هو سلبي، فإذا كانت الفتنة التي عبّر عنها القرآن الكريم بأنه أشد وأكبر من القتل فهي ذات المعنى السلبي، وهي التي من أكبر الكبائر، وإذا كانت بمعنى البهجة والسرور والإستئناس واللذة المحلّلة فهي ذات المعنى الإيجابي، ولكن إذا دفعت هذه الفتنة بنا إلى المعنى الأول فقد أصبحت من الذنوب الكبيرة، وقد ذكر النبي وآله(ص) أنواعاً كثيرة من الفتن من كلا المعنيين، ولكننا هنا سوف نركز على المعنى الإيجابي لها.

عن رسول الله(ص) : إنّ في مال الرجل فتنةً، وفي زوجته فتنة وولدِه:

وعنه(ص) : إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال:

وعنه(ص) : ثلاث فاتنات، الشَّعر الحسن، والوجه الحسن، والصوت الحسن:

وعن أمير المؤمنين علي(ع) قال: الفتن ثلاث: حبُّ النساء وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر وهو فَخُّ الشيطان، وحبُّ الدينار والدرهم وهو سهم الشيطان، فمن أحب النساء لم ينتفع بعيشه، ومن أحب الأشربة حرمت عليه الجنة، ومن أحب الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا:

هناك بعض الأمور إذا حدثت أحدثت الفتنة عقِبَها لأن تلك الأمور تُعتبَر مقدمات للفتنة، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى مراحل بداية الفتنة حيث قال: إنما بَدءُ وقوع الفتن من أهواءٍ تُتَّبَع، وأحكام تُبتدَع، يخالَف فيها حكم الله، يتولى فيها رجال رجالاً، ألا إن الحق لو خلَص لم يكن اختلاف، ولم أن الباطل خلَص لم يَخْفَ على ذي حِجىً، لكنه يُؤخَذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغث فيُمزَجان فيُجلّلان معاً، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله(ص) يقول: كيف أنتم إذا لَبَسَتكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرَم فيها الكبير

وعنه(ع) قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيهم من القرآن إلا رسمُه ومن الإسلام إلا اسمه، ومساجدهم يومئذ عامرة من البناء، خراب من الهدى، سكانها وعُمّارها شرُّ أهل الأرض، منهم تخرج الفتنة، وإليهم تأوي الخطيئة

إن الناجين من الفتنة عصبة مؤمنة مخلصة لم تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، ولم يتبعوا الأهواء، ولم تجرفهم التيارات المحيطة بهم، لأنهم لجأوا إلى الله عز وجل فهو سبحانه خير مأمَن من سهام الفتن، وفي بيان هذه الحقيقة ورد عن رسول الله(ص) أنه قال: طُوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء:

وعنه(ص) : ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً إلا من أحياه الله تعالى بالعلم:

وعن أمير المؤمنين علي(ع) قال: إعلموا أنه من يتقِ الله يجعل له مخرجاً من الفتن، ونوراً من الظُّلَم:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى