
الإمامة عند الشيعة
الإمامة عند الشيعة أصل من أصول الدين، وهذا الأصل هو الذي ميز الشيعة عن غيرهم، لأن غير الشيعة اعتبروا أصول الدين ثلاثة وليس خمسة.
ولأجل أن الشيعة تبنت هذا الأصل فقد نُعتت بالإمامية، وبالإثني عشرية لاعتقادها بإمامة اثني عشر إماماً سمّاهم الرسول(ص) بأسمائهم.
والشيعة حين تتبنى قضية الإمامة إنما تستند في ذلك إلى حجج شرعية تتمثل في نصوص قرآنية ونبوية بالإضافة إلى حجج عقلية.
ولا يخفى أن السياسة تدخلت في تفسير النصوص المتعلقة بالإمامة بل إنها اخترعت نصوصا مضادة لها على ما سوف نبين، حيث راح كل كاتب يحوّر الأمر إلى جهته ويجيّره إلى ما ينسب مع أهوائه الساسية والمذهبية ناسياً عقاب الله في التحريف والتزوير، وملقياً وراءه حرية القلم والضمير.
وتحاول بعض الاتجاهات من القدماء والمعاصرين إثارة الشبهات حول فكرة الإمامة عند الشيعة، وذلك بهدف تقويضها والتشكيك في نشأتها لإيصال المسلمين إلى قناعة بأنها فكرة طارئة على الدين ومخترعة من قبل عناصر مدسوسة، وهذا يهدف إلى إشعال نار الفتنة بين الأطراف الإسلامية، وهذا ما ترفضه الشيعة من الأساس.
ولقد شغلت قضية الإمامة المسلمين من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وشهرت السيوف وأريقت الدماء ودب الخلاف بين الأمة بسببها، وما كان كل ذلك يمكن أن يحدث لولا أن هناك انحرافا حدث عن خط الرسول صلى الله عليه وآله بدأ مع مرحلة السقيفة وانتهى بظهور الملكية على يد معاوية .
وجوهر الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حول الإمامة إنما يكمن في موقف كل من الطرفين من آل البيت.
فموقف أهل السنة من آل البيت هو موقف عائم، فهم يعرفونهم بأنهم أزواج النبي وآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس .
أما موقف الشيعة فهو موقف محدد يحصرهم في ذرية علي عليه السلام، ولديهم من النصوص ما يدعم هذا الموقف.
أما حصر آل البيت في ذرية علي وإيجاد خصوصية لهم بحكم النصوص فيفرض وجوب الإمامة عليهم وهو ما تقول به الشيعة، وهو ما ورد بالفعل عن رسول الله(ص) ونحن بالعمل بذلك نطيع الرسول الذي أمرنا الله تعالى بطاعته.
كما ويعتبر الشيعة أن الإمامة ضرورة كضرورة الرسل. فكما أن مهمة الرسل هي هداية أقوامهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم كذلك مهمة الإمام بالنسبة لقومه، فإذا مات النبي من دون أن يعيّن وصياً له فقد ترك الأمة في حيرة من أمرها، والرسول(ص) أجل من أن يترك الأمة التي شغلت بالع عبر عقود من الزمن، ولا شك بأن تعيين الإمام جاء بأمر من الله عز وجل، وهذا ما نصت عليه حادثة الغدير بكل وضوح.
والإمام هو وصي الرسول.. وما من رسول إلا وله وصي يكون حجة من على قومه من بعده كهارون بالنسبة إلى موسى.. وعلي بالنسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله.
ونظرا لكون الرسول محمد هو خاتم المرسلين فالحاجة لوجود إمام من بعده أشد وأكثر ضرورة من حاجة الرسالات السابقة.
وإذا كان الله يرسل الرسل لأقوامهم لأجل هدايتهم وإصلاح معتقداتهم فيمكث الرسول فيهم إلى ما شاء الله حتى إذا توفي وطال على قومه الأمد، انحرف قومه وفسدت معتقداتهم مما يقتضي إرسال رسول جديد لهم..
فما هو الضمان الذي يحول دون انحراف أمة محمد من بعده وهم كبقية الأمم السابقة لا بد أن ينطبق حالها على حالهم؟
بمعنى أنه لو خلت الساحة بعد موت النبي من الخليفة الشرعي لتشرذمت الأمة وتشتتت معتقداتها وتفككت بعد أن كانت مجموعة في عهد النبي.
وأما إذا انحرفت الأمة مع وجود الوصي فهذا لا يعني الخلل في نظام الخلافة والهدف منها، بل الخلل في الناس الذين خيّرهم الله تعالى بين الهداية والضلال.
يجب أن نعلم أنه ليست مهمة الرسل هي هداية جميع الناس أو تحويلهم إلى ملائكة. فإن الرسول مهمته الأساسية هي البلاغ والسامع مخير بين أن يهتدي وأن يختار الضلالة.
وقد ذهب موسى لميقات ربه وترك هارون على قومه فعبدوا العجل ولم يستطع هارون أن يحول بين قوم موسى وبين عبادة العجل.
فإذا كان الناس يضلون في عهد الرسل أفلا يضلون في عهد الأوصياء.؟
وإذا كان الرسل لم يستطيعوا الحيلولة دون ضلال الناس فهل يستطيع الأئمة؟
إن الله سبحانه يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
ويقول (لست عليهم بمصيطر) وهي نصوص موجهة للرسول بهدف تبصيره بحقيقة موقف الجماهير من الدعوات الإلهية، فليس من سلطة الرسول إكراه الناس على الإيمان.
ولأجل ذلك فإن الذين اهتدوا واتبعوا الرسل هم قلة،وكذلك الأمر بالنسبة للوصي.
وهنا تبرز فكرة الإمامة وأهميتها.
إن دور الإمام إنما هو مكمل لدور الرسول ومتمم له. فقد يكون وسيلة لدخول أقوام آخرين في دين الله لم يدخلوا في حياة الرسول صلى الله عليه وآله. وقد يكون وسيلة لحسم الردة والخلاف من بعد الرسول. وهو سنة ثابتة تسير مع حركة الدعوات الإلهية وليست معصومة منه أمة محمد. وقد يكون وسيلة لتبصير الناس بحقيقة دينهم إلا أن ذلك كله ليس هو المهمة الأساسية للإمام. إنما مهمة الإمام الأساسية هي إقامة الحجة على الناس من بعد وفاة الرسول.
ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم..)
فهذا النص إنما هو موجه إلى الأقوام التي سوف تأتي بعد الرسول، حيث لا رسل ولا أنبياء وإنما يدعون إلى حقيقة الإسلام ويكونون حججا على الناس يوم البعث والحساب.
وقد جاء في الحديث: ” من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ” .
فكأن الإمام هو الفيصل بين الإسلام والجاهلية، فمن تبعه فقد دخل في حظيرة الإسلام ومن خالفه دخل حظيرة الجاهلية.
لقد نبت بعد الرسول أكثر من إسلام، وأكثر من حكومة، بالإضافة إلى آلاف الروايات، كل ذلك بهدف سد الفراغ الذي أحدثه غياب الإمام، أو بمعنى أدق تغييبه عن واقع الأمة.
فضرورة الإمامة هي ضرورة شرعية قبل أن تكون ضرورة عقلية حددها الرسول للأمة قبل وفاته.
يقول السيد شبر: إن ما ذكر في بيان الاضطرار إلى الرسل فهو بعينه جار في الاضطرار إلى أوصيائهم وخلفائهم، لأن الاحتياج إليهم غير مختص بوقت دون آخر، وفي حالة دون أخرى. ولا يكفي بقاء الكتب والشرائع من دون قيم لها عالم بها.
وبالجملة فإنك لا ترى فرقة من الفرق المحقة أو المبطلة إلا وهي تستند إلى كتاب الله بل وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وآله، وذلك لأن كتاب الله فيه المحكم والمتشابه والمجمل والمؤول والناسخ والمنسوخ، والسنة فيها ذلك أيضا مع وقوع الكذب والتحريف والتصحيف. هذا كله مع جهل أكثر الخلق بمعانيها وتشتت أهوائهم وزيغ قلوبهم.
فلا بد حينئذ لكل نبي مرسل بكتاب من عند الله عز وجل أن ينصب وصيا يودعه أسرار نبوته وأسرار الكتاب المنزل، ويكشف له مبهمه ليكون ذلك الوصي هو حجة ذلك النبي على أمته، ولئلا تتصرف الأمة في ذلك الكتاب بآرائها وعقولها، فتختلف وتزيغ قلوبها كما أخبر الله تعالى بذلك فقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم..) .
ولقد عمل خصوم آل البيت على تعويم فكرة الإمامة والتقليل من شأنها حتى تهون في أعين المسلمين وبالتالي تنتفي ضرورتها وتفقد أهميتها. وألصقوا الإمامة بكل من هب ودب من الناس واخترعوا الأحاديث التي توجب السمع والطاعة لهم.
يقول الشيخ جعفر السبحاني: إن رحلة النبي الأكرم أحدثت فراغا هائلا في مختلف المجالات المادية والمعنوية، ومقتضى لطفه سبحانه وعنايته بالعباد أن يملأ هذا الفراغ بإنسان يخلف النبي، ولا يقدر على ذلك إلا الإنسان المثالي الذي يكون له من الوعي والتربية والعلم والشجاعة مثل ما كان للنبي سوى كونه نبيا ذا شريعة ومتلقيا للوحي.
كان النبي صلى الله عليه وآله يقوم بمسؤوليات كثيرة تجمعها الأمور التالية:
– إدراة أمور الأمة في مختلف مجالاتها الحيوية: السياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية وغيرها مما تجمعها إدارة الحكومة.
– تفسير الكتاب العزيز وتوضيح مقاصده وبيان أهدافه وكشف أسراره.
– الإجابة عن الأسئلة الشرعية التي لها مساس بعمل المسلم في حياته من حيث الحلال والحرام.
– الرد على الشبهات والتشكيكات التي يلقيها أعداء الإسلام ويوجهونها ضده، فكان يرد عليها تارة بلسان الوحي المقدس وأخرى بلسان الحديث.
– صيانة الدين الإسلامي عن أي فكرة تحريفية، وعن أي دس في التعاليم.
ولا شك أن النبي كان يقوم بهذه المسؤوليات، وكان فقدانه وغيابه عن الساحة يلازم حدوث فراغ هائل في حياة الأمة لا يسد إلا بإنسان يتمتع بتلك الكفاءات عدا النبوة وتلقي الوحي.. والفراغ الأول وإن كان يملأ باختيار الإمام من جانب الأمة، لكن الفراغ الباقي لا يسد إلا بإنسان مثالي تربى في وضع خاص من العناية الإلهية.
الشيخ علي فقيه



