أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

نَبِي اللهِ صَالِحٌ(ع)

 

 

نَبِي اللهِ صَالِحٌ(ع)

 

قال سبحانه(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ){الأعراف/73}

وقال تعالى(وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ){الأعراف74/79}

وقال عز وجل(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ * قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ * وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ){هود61/68}

وقال تعالى(كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ){الشعراء141/159}

فبعد هلاك عاد عاش المؤمنون حياة سعيدة في ظل نبيهم هود(ع) الذي أجرى الله على يديه معجزة الريح التي أهلكت قومه بسبب كفرهم واستهزائهم بالنبي ومن آمن معه، ولكن الشيطان الرجيم كعادته استحوذ على الناس وزخرف لهم الكفر والعناد مما أدى إلى انتشار الوثنية بشكل كبير بحيث أصبحت هي الديانة الرسمية المسيطرة على المجتمع والمنتشرة في البقاع.

وفي المدة الفاصلة بين عهدي هود وصالح تجدد نشاط الوثنية حتى شابه الوضع أوضاع قوم هود حيث انتشر الظلم وازداد الفساد ولم تعد الحياة صالحة للعيش السليم والإستمرار بالشكل الطبيعي حيث شهدت الأرض قوماً جبارين متَّعهم الله بقوة الجسد فراحوا ينحتون من الجبال بيوتاً ويطوِّرون العمران، فأراد الله تعالى أن يتوج الحياة بالإيمان وأنوار الحق فبعث إليهم نبيهم صالحاً مبشراً ونذيراً.

لقد حاول نبي الله صالح ومن أتى قبله وبعده من الأنبياء والرسل أن يكشفوا الستار عن حقيقة الأوثان التي تخضع لقدرة الإنسان وفنِّه ومزاجه، فقد راحوا يبينون لهم حقارة أوثانهم حتى يزلزلوا ذلك المعتقد في النفوس ليتسنى لهم إدخال الإيمان إلى قلوبهم، كيف يكون الصنم إلهاً ومعبوداً وأنتم تصنعونه بأيديكم؟ بل كيف يكون كذلك وهو لا يدرأ عن نفسه العذاب ولا عنكم؟ وكيف يكون إلهاً وهو لا يتحرك بنفسه ولا ينطق ولا يفكر ولا يضر ولا ينفع؟

كيف تكون الأصنام آلهة وهي مصنوعة من مواد معلومة من حجر وخشب وتمر؟ وكيف يكون إلهاً حينما يأكله صانعه إذا كان مصنوعاً مما يؤكَل أو يجعل منه فرناً أو يبني من أحجاره شيئاً بعد أن يحطمه؟

كل هذه الأمور من شأنها أن تزلزل فكرة أن يكون الوثن إلهاً أو له القدرة على فعل شيء، وقد أثبت إبراهيم الخليل ذلك بشكل جلي عندما قال لهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون.

لقد بُعث نبي الله صالح إلى قوم كانوا غارقين في بحور الوثنية لا يرون غيرها معتقداً بحيث عشعشت في صدورهم فأعمت قلوبهم عن التفكير في غيرها لأن عبادتها سهلة للغاية، وهم في قرارة أنفسهم(أعني الأغلبية) يحتقرون تلك الآلهة لأنهم يعرفون أصلها ومدى قدرتها بل يعلمون فقدانها للقدرة.

لقد ذكر الكتاب العزيز قصة صالح وقومه حيث كان في تلك القصة عِبَرٌ للناس، قال تعالى(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ){الأعراف/73}

نفس العبارات التي قالها هود ومن قبله نوح ومن قبله إدريس فقد قالها صالح لأن المصدر الذي أرسل الأنبياء السابقين هو نفسه الذي أوحى إلى صالح.

وبطبيعة الحال سوف يقف أصحاب المصالح الخاصة في وجه النبي أو الرسول ويحاربونه بهدف إبعاده عن الساحة لأن إيمان الناس بالله يعني انتهاء أدوارهم وثرواتهم التي قامت كلها على الباطل.

لقد واجه القوم صالحاً بشكل عنيف لأنهم شعروا بخطورة الموقف الذي بات يهدد كيانهم ووجودهم وحكوماتهم التي قامت على الظلم والفساد فراحوا يجمعون أهل العلم والحكمة منهم علهم يَصلون إلى نتيجة مرضية مع هذا الذي يدعي وجود إله غير الأصنام، ولا شك بأن الذين وقفوا في وجه صالح كانوا يعرفون الكثير عن الأقوام السابقين وكيف واجهوا الأنبياء وكيف طلبوا منهم المعجزات.

إن نفس الذي طلبه الأقوام السابقون قد طلبه قوم صالح الذين عيّنوا نوع المعجزة بهدف التعجيز، فقد حددوا نوع المعجزة ووقتها ومكانها، فطلبوا من نبيهم بأن يخرج لهم من هذا الجبل ناقة لونها كذا وحجمها كذا في الوقت المعلوم، فاستجاب لهم ليلقي الحجة عليهم، ووقف الجميع أمام الجبل وعلامات النصر بادية على وجوههم لأنهم كانوا مطمئنين من عجز صالح عن تلبية ما طلبوا منه.

لقد أرادوا شيئاً، وأراد الله شيئاً آخر، فلم يكن إلا ما أراد الله عز وجل، وفجأة وهم واقفون أمام الجبل ينتظرون النتيجة التي سوف تقضي على ادعاء صالح وإذا بالجبل ينشق وتخرج منه ناقة عظيمة بتلك المواصفات التي طلبوها فانبهر الجميع للأمر حيث لم يكونوا ليظنوا بتحقق مثل هذا الطلب الذي من شأنه أن يُعجز أي إنسان.

قال تعالى(وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ){هود/64}

لقد امتحنهم الله بتلك الناقة وحرَّم عليهم أن يمسوها بسوء، فكانوا كلما نظروا إليها أو شربوا من لبنها تذكروا قدرة صالح وهزيمتهم أمامه، ففكروا في طريقة يقطعون بها الطريق أمام صالح والذين آمنوا معه.

 

ثَمُوْدُ قَوْمُ صَالِحٍ

 

قبل البدء بالحديث عن مواجهة ثمود لنبي الله صالح(ع) وكيف أجرى لهم الإعجاز الذي طلبوه كعلامة على صدق دعواه تجدر الإشارة إلى تاريخ قومه الذين عتوا عن أمر ربهم وأفسدوا الأرض وحاربوا رسالات السماء بهدف منعها من الإنتشار بين الناس لأنها كانت تهدد كيانهم الظالم بالإنهيار وعروشهم بالإنكسار.

فثمود هم قوم من العرب القدماء كانوا يسكنون وادي القرى بين المدينة والشام، ولم يحصي التاريخ كثيراً من أخبارهم وأحوالهم، بل ذهب الزمن بآثارهم ولم يبق سوى الشيء اليسير بالإضافة إلى ما ذكره القرآن عنهم.

لقد ذكر القرآن أنهم قوم من العرب لأن نبيهم عربي واسمه عربي، وقد نشأوا بعد قوم عاد، ولم يذكر التاريخ تلك المدة، ولا يوجد ثمرة عملية من معرفتها لأن المهم هو أن نعرف الأخبار الهامة التي تشتمل على الفائدة والعبرة.

لقد سكن قوم صالح تلك البقعة من الجزيرة وقد كانوا متحضرين بالبناء والزراعة وإخراج الماء من الأرض، فقد أشار القرآن إلى قدرتهم الهائلة التي بها نحتوا بيوتاً لهم من الجبال، ويدل ذلك على تقنيتهم العالية وتقدمهم في التحضر والتمدن، ولأجل ذلك امتازوا بأرضهم الخضراء وسهولهم الواسعة وبيوتهم الجميلة والمتينة.

أما حياة ثمود فلقد كانت شبيهة بحياة من سبقهم من الأقوام الذين تعاملوا بالروح السبعية فيما بينهم حيث كانت السلطة للغني والقوي فهما يفعلان ما يحلوا لهما من دون معارض أو منازع، فلا أحد يجرأ على الدفاع عن المظلوم، ولا أحد يدافع عن نفسه حتى ولو سرقوا ماله واغتصبوا أرضه.

لقد كان في ثمود -تلك المدينة التي بعث إليها صالح(ع) – تسعة رهط يفسدون في الأرض ويدعون الناس إلى عبادة الأصنام لأنهم رأوا مصالحهم في ذلك.

قال تعالى في سورة النمل(وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) لقد نسيت ثمود تعاليم الأنبياء السابقين، وشغلهم حب الدنيا والمسارعة إليها عن عبادة الله سبحانه، فعتوا عن أمر ربهم وأسرفوا كثيراً وأخذهم الغرور بأنفسهم حتى كان جزءاً من السبب في هلاكهم، لقد أراد الله عز وجل أن يرحم الناس ويرجعهم إلى الصواب والرشد بعد أن طغوا في الأرض فأرسل إليهم نبياً منهم كان معروفاً عنه الشرف والكرم وكل فخر وصفة حسنة، وقد اعترفت ثمود بذلك كما يصرح القرآن الكريم في سورة هود حيث يقول(قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) لقد كانوا يعتزون به وبشرفه الرفيع إلى أن جاءهم بالحق فاعتبروه خارجاً عن ذلك، ولأجل ذلك ذكّروه بأصله ليتراجع عن دعوته فلم يأبه لقولهم لأنه يريد أن يبلِّغ الرسالة التي أمره الله بتبليغها لقومه، لقد دعاهم إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وهو يعني ترك الأصنام والإقلاع عن عبادتها، وأمرهم بالعدل والإحسان والمساواة، فسخر منه أصحاب النفوذ، إذ كيف يتساوون مع الفقراء والضعفاء الذين لا شأن لهم ولا حق لهم بالتعبير عن آرائهم، وهم يعتقدون بأن صاحب المال هو صاحب الأمر والنهي والقرار.

لقد دعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمره الله تعالى، ولكنهم لم يقبلوا منه الأمر بل حاولوا أن يعرقلوا مسيرته ويخوفوه على غرار ما صنعت الأقوام الماضية بأنبيائها، فلم يتأثر بذلك، بل بقي مصراً على موقفه، وعندما شعروا منه الإصرار والمتابعة مهما كان الأمر مكلفاً وخطيراً حاولوا أن يحرجوه فطلبوا منه البينة، ولكنهم طلبوها على مزاجهم فأعطاهم ما طلبوا فأيقنوا بالحق، ولكنهم جحدوه خوفاً على مصالحهم، مع العلم بأنهم لو آمنوا لزادت تلك الثروات عن طريق الحلال، بل هم آثروا الباطل على الحق وفضَّلوا الوثنية على التوحيد فكانوا من الهالكين.

 

خُرُوْجُ الناْقَةِ مِنَ الجَبَلِ

 

قال سبحانه وتعالى في معرض حديثه عن نبيه صالح(ع)

(قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

عندما بعث الله صالحاً إلى قومه ليدعوهم إلى عبادة الله ونبذ الأوثان، وبعد أن شعرت ثمود بجدية الموقف وخطورته حيث بدت ملامح الخطر تدنو منهم يوماً بعد يوم باعتبار أن صالحاً من أهل الفخر والفضل والشأن الرفيع فيهم، حاولوا أن يضيِّقوا عليه ليفضحوا أمره بحسب ظنهم فطلبوا منه أمراً كانوا على يقين بأنه سوف يعجز عن القيام به، لقد طلبوا منه معجزة هم حددوا شكلها ووقتها ومكانها ليكون الفشل ذريعاً في صف نبيهم صالح، فلقد أشاروا عليه بأن يخرج لهم من جبل صخري -هم يعرفونه- ناقة عظيمة يكفي لبنها لجميع سكان المدينة، فوافق صالح على هذا الطلب بشرط أنه إذا حقق لهم ما طلبوه أن يتركوا الناقة تعيش بسلام حيث كانت موضع اختبار الله لهم.

وعندما جاء الوقت المعلوم اجتمع الناس في المكان المحدد أمام الجبل المعيّن ووقفوا ينتظرون فشل صالح الذي دعا ربه أن يخرج من الجبل ناقة آية على صدقه، وبينما هم واقفون وملامح النصر ظاهرة على وجوههم وإذا بالجبل الصخري يحدث صوتاً عالياً وتنشق صخوره ويخرج من بينها ناقة كبيرة فأذهل الحدث جميع الناظرين والحاضرين وكأن على رؤوسهم الطير لأن الأمر لم يكن كما ظنوا فاستسلموا للواقع وأعطوا أنفسهم هدنة يفكروا فيها بخطة يتغلبون بها على صالح بعد أن آمن به كثير ممن رأوا الإعجاز الإلهي.

لقد حدثت تلك المعجزة بقدرة الله عز وجل، وكانت حجة عليهم جميعاً لا يُعذر بعدها أحد حيث أصبحوا مسؤولين عما رأوا وسمعوا.

وهذا ما أشار إليه الذكر الحكيم(قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

وبعد حدوث المعجزة نسأل أنفسنا هل يحق لأي قوم أن يطلبوا من نبيهم الإعجاز الدال على صدق دعوته؟

نحن نقول: من حق كل إنسان أن يطلب البرهان على أية دعوة تصدر من شخص مهما كان حجمه الديني والإجتماعي والأخلاقي بين الناس، ومهما كان تاريخه حافلاً بالمواقف الصادقة، ولكن إذا لم يأت بالدليل فليس من واجب الناس أن يصدقوه أو يؤمنوا به.

بل من الغباء أن ينجرف المرء وراء الوهم والهوى لمجرد أن صاحب هذه الدعوة أو تلك رجل جيد، والأشد غباءاً من ذلك هو أن ينكر المرء الدليل القاطع.

وبعد ذكر هذه المقدمة يمكننا القول بأنه ليس من واجب الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بعد إقامة الدليل بأحد الطرق المعتمدة والمقبولة، ولا يمكن أن يكون الرجل نبياً إلا إذا قام بالمعجزة على اختلاف أنواعها لأنها الدليل الوحيد على النبوة، وبغير المعجزة لا تقوم الحجة على البشر.

كان كلما بُعث نبي إلى قوم من الناس سألوه عن الدليل، بغض النظر عن العناد الذي قد يصدر من البعض بعد إقامة الحجة، نحن نبين هنا المطلب الطبيعي لكل إنسان تصله الدعوة.

ويمكن القول بأن جميع الناس الذين عاصروا الأنبياء قد طلبوا مثل ذلك، فمنهم من آمن – ومن الطبيعي أن يؤمن الإنسان بعد المعجزة- ومنهم من أصر على الكفر لأنه لا يريد أن يؤمن.

قال تعالى(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ  قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ  وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)

 

الناقَةُ المُعْجِزَةُ تَعِيْشُ بَيْنَ ثَمُوْد

لقد أتى نبي الله صالح بمعجزة تمتاز عن باقي المعجزات التي شهدها الناس من قبل، فلقد جاء الأنبياء السابقون بمعجزات حدثت ثم انتهت بعد أن أدت دورها المطلوب، وكذا الحال فيمن أتى من الأنبياء بعد صالح(ع)، فعصى موسى تحولت إلى ثعبان عظيم ثم رجعت إلى ما كانت عليه قبل الإعجاز بعد أن أدت وظيفتها أمام فرعون وجنوده، وكذلك انفلاق البحر فلقد عاد البحر إلى حالته الأولى بعد أن ابتلع الظالمين، أما ناقة صالح فلم يقتصر الأمر فيها على مجرد النظر إليها وإنما بقيت معهم مدة من الزمن وهم ينظرون إليها ويذكرون تلك القدرة التي أخرجتها من الجبل، وقبل الحديث عن كيفية عيشها بينهم تجدر الإشارة إلى اشتمالها على أكثر من معجزة في وقت واحد.

أولاً: حدوثها بالكيفية التي طلبها القوم من حيث النوع والحجم والمكان والزمان، وهذا إعجاز عظيم بحد ذاته وهو أكبر دليل على نبوة صالح حيث وافقت المعجزة الطلب.

ثانياً: انفلاق صخر الجبل من دون أن يُضرب به بفأس أو أية آلة أخرى، فهذا يعني أن القدرة العظيمة التي يدعو إليها نبي الله صالح هي التي تصرفت في هذا الصخر.

ثالثاً: حجم الناقة المميز، فقد حدثنا التاريخ عن كونها ناقة كبيرة على غير المعتاد، وفي ذلك تأكيد على الإعجاز حتى لا يقول أحد بأن صالحاً بطريقة وأخرى أدخل الناقة في الجبل ثم أخرجها منه بطريقة فنية فإن حجمها لم يكن مألوفاً، وهذا ما زحزح عن أذهانهم فكرة الخديعة.

لقد خرجت الناقة من الجبل كما طلبوا، ولكن صالحاً طلب منهم أن يتركوها تعيش بسلام ولا يمسوها بسوء كيلا ينزل بهم العذاب من الله الذي أخرجها بقدرته.

لقد كان لبنها يكفي جميع سكان المدينة، وهذا يدلنا على كونها كانت كبيرة جداً، فطلب منهم نبيهم أن يشربوا من عين الماء يوماً وتشرب الناقة يوماً لأن العين لم يكن ماؤها ليكفي أو يروي الجميع دفعة واحدة، وهو معنى قوله تعالى(قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)

لقد التزم الناس هذا الشرط وسار الوضع بشكل عادي وطبيعي وخيرات الناقة يستفيد منها الجميع، وقد توجهت أنظار الجميع إلى تلك الناقة بحيث أصبحت حديث الساعة عندهم، هذا الوضع لم يُرضِ أصحاب المطامع الذين شعروا بالخطر المحدق بمصالحهم، فلا بد من طريقة لإرجاع الوضع إلى ما كان عليه قبل خروج الناقة وإزاحة صالح عن الساحة بأية طريقة حتى ولو اقتضى الأمر قتله.

وبعد مشاورات مكثفة بين أولئك المعاندين ارتأوا قتل الناقة فهي الطريقة الأنسب لإخراج ذكرها من قلوب الناس، فإنهم طالما رأوا الناقة طالما أنهم ذاكرون لقدرة الله تعالى.

ولقد كانت النتيجة أنهم اختاروا من بينهم رجالاً اقوياء لتنفيذ تلك المهمة وتوزيع لحم الناقة على أهل المدينة بهدف إرضائهم وإسكاتهم عن الجريمة.

لقد نفذوا تلك الجريمة فعقروا الناقة وأكلوا لحمها وقالوا لصالح إئتنا بما تعدنا، يعني نحن مستعدون لأن نتحمل تبعات فعلتنا.

وقد وصف الله تعالى تلك المواجهة في سورة هود حيث قال(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) يعني سوف ينزل عليهم العذاب بعد ثلاثة أيام، وكانت النتيجة أنه خسر أهل الكفر وفاز المؤمنون وإلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله(فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ  وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ  كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)

 

حِوَاْرُ الْكُفاْرِ مَعْ المُؤْمِنِيْنَ مِنْ ثَمُوْد

 

لم تقتصر مواجهات الكفار على الأنبياء فقط، وإنما طالت المؤمنين بهم، وهذا أمر لا يحتاج إلى أي دليل لأنه ثابت بالوجدان والطبيعة البشرية التي خُلق الناس عليها.

وهذا ما حصل بين الفريقين من قوم صالح(ع) حيث دار شجار بين المؤمنين والكفار حول موضوع الإيمان بإله صالح والتخلي عن الآلهة التي طالما عبدوها.

ففي سورة الأعراف عرّج القرآن الكريم على ذكر حوار دار بين الفريقين بهدف الإستفادة من تلك الجرأة التي متّع الله بها المؤمنين عامة والذين منهم مؤمنوا ثمود.

قال تعالى(وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)

لقد ذكّرهم صالح بنعم الله عليهم وأن الله استخلفهم في الأرض بعد أن أهلك قوم عاد، وقد منّ الله عليهم بالقدرات العالية، فهم خبراء في بناء القصور الجميلة ونحت الجبال بيوتاً آمنة من السباع والأعداء، لقد أمرهم نبيهم بأن يذكروا الله سبحانه على نعمه التي لا تعد وأن لا يفسدوا في الأرض إذ يجب إصلاحها بشتى الوسائل المشروعة.

(قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ)

وهنا بدأ الحوار بين الفئتين، فالذين استكبروا قالوا للمؤمنين برسالة صالح ودعوته: هل أنتم متأكدون من أن صالحاً مرسَل من ربه أم أنه جاء بشيء من عند نفسه؟

وهنا تكلم المستضعفون أو الذين كانوا مستضعفين قبل الإيمان فقالوا(إنا بما أُرسل به مؤمنون) فعندما علم المتكبرون إصرار هؤلاء على مواقفهم ردوا عليهم بلهجة المواعد الذي يكاد ينفجر من الغيظ(قال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)

فالمستضعفون آمنوا لأنهم رأوا الحق الذي لا ينكر، أما المتكبرون فقد أطلق عليهم هذه الصفة لأنهم رأوا ما رأى الضعفاء ولكنهم أصروا على الكفر.

فعندما احتد النقاش بينهما ووصل الطرفان إلى حائط مسدود أغلق الكفار باب الحوار وتهددوا صالحاً والذين آمنوا معه وتحدوه بأن ينزل عليهم العذاب الذي واعدهم به إن مسوا الناقة بسوء فذبحوها تكبراً وعناداً وقال القرآن في ذلك(فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)

وبعد هذه الفعلة الشنيعة لم يعد هناك مجال للحوار فتوجه صالح إلى الله تعالى والله يعلم ما في نفسه فأنزل غضبه عليهم وكانوا عبرة لمن يعتبر(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)

فعندما حسموا الموقف تركهم صالح وشأنهم وألقى الحجة عليهم بأنه قد بلغهم رسالة ربهم ثم بيّن لهم أنهم لا يحبون كل من ينصحهم، وفي ذلك يقول القرآن الكريم(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) وبهذا طوى التاريخ صفحة إجرامية جديدة وأضاف للناس عبرة إلى العبر التي ذكرها لهم من قبل.

 

خُلاصَةُ القِصةِ

 

بعث الله نبيه صالحاً إلى ثمود وهو شاب في مقتبل العمر ليهديهم إلى الصراط المستقيم وينهاهم عن عبادة الأصنام، ولكنهم وكما وصفهم القرآن(فاستحبوا العمى على الهدى) ولقد كان عددهم هائلاً كما ينص التاريخ، وكانوا أصحاب أموال كثيرة وقدرات هائلة وأعمار طويلة، وقد اشتهروا في بناء القصور ونحت البيوت داخل الجبال كمساكن شتائية تقيهم البرد والمطر والمخاطر.

ولقد قام صالح يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد وذلك بعد أن أظهر لهم الكرامات والمعجزات الدالة على صدق نبوته، وقد نص هذا التاريخ على أنه قام فيهم ما يزيد على مئة سنة وهم لا يزدادون إلا بعداً عن الحق والحقيقة.

وقد أظهروا يأسهم من تلك الدعوة التي كانوا يعتبرونها بدعة، فإنهم كانوا يتهمون كل مَسْلك مغاير لمسلكهم الضال، ثم أصابهم قحط شديد فاتهموا صالحاً بأنه هو السبب فيه حيث كانوا يعتبرونه شؤماً عليهم.

وقد طالت المشاجرات والمخاصمات بينه وبينهم إلى أن ارتأوا فكرة قتله ليستريحوا من دعوته، فلما جن الليل دخل جماعة منهم منزله لينفِّذوا فيه تلك الجريمة أجرى الله له معجزة أنقذته من تلك المكيدة حيث أرسل إليه ملائكة من السماء أنزلوا العذاب بأولئك المجرمين، وفي ذلك قال تعالى(ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)

وقد ذكر التاريخ بأن صالحاً(ع) أراد أن ينهي الأمر معهم عن طريق إثبات الحق بالطريقة التي من شأنها أن تثبته في كل زمان ومكان، وهي طريق الإعجاز، فلقد ذكر التاريخ أنه عرض عليهم أحد أمرين وطلب منهم أن يجيبوه على واحد منهما:

الأمر الأول: قال لهم إسألوني ما تشاؤون حتى أسأل الله تعالى ذلك فيجيبكم إلى ما سألتمونيه، فإن أجابكم آمنتم به.

الأمر الثاني: وهو ما أراد من خلاله أن يثبت لهم وهن الأصنام وكونها مخلوقات لا قيمة لها فقال لهم: وإن شئتم سألت آلهتكم فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم، ونلاحظ الحكمة في التعبير فإنه عندما عرض عليهم الأمر الأول شرط عليهم أن يؤمنوا بالله، ولكنه عندما عرض عليهم الأمر الثاني فلم يقل عن الأصنام إن أجابتني آمنت بها بل قال إن أجابتني خرجت عنكم، وفيه إشارة إلى كونه على حق لا يُنكر، ولا يريد أن يذكر لهم فكرة الإيمان بالأصنام كيلا تتعلق مشاعرهم بها أكثر.

لقد كان ما طرحه عليهم منصفاً ومقنعاً، وقد تواعد الطرفان على وقت محدد ومكان معيّن يشهده جميع الناس أو الغالبية منهم، ولما كان الموعد المحدد خرجوا إلى المكان القريب من الجبل الذي خرجت منه الناقة وحملوا معهم أصنامهم، فنصبوا الأصنام وقالوا لصالح سل أصنامنا ما شئت، فتقدم إلى كبير الأصنام وسأله عن إسمه فلم يجبه، فقال صالح ما به لا يجيب قالوا أدع غيره، ففعل ذلك مع كل أصنامهم ولم يُرَد عليه الجواب.

ثم قال لهم: لقد سألت آلهتكم فلم يجبني أحد منها فهلموا واسألوني ما شئتم حتى أدعو إلهي فيجيبكم؟ ثم أقبل القوم إلى أصنامهم يعاتبونها ويقولون ما بالكم لا تجيبون صالحاً؟ فلم ترد عليهم أيضاً، وانتُدب منهم سبعون شخصاً من أكابرهم، وقد رضي الجميع بحكمهم، وقد طلب السبعون من صالح أن يتقدم نحو الجبل فتقدموا جميعاً.

ولما وصلوا إلى ذلك الجبل قالوا له: سل ربك أن يخرج لنا الساعة ناقة شقراء عشراء من هذا الجبل؟ فتوجه صالح إلى الله عز وجل يسأله ما سأله القوم فلم يتم دعاءه حتى اضطرب الجبل وأصدر صوتاً رهيباً ثم خرجت منه تلك الناقة بقدرة الله تعالى وبالأوصاف التي طلبوها، فاندهشوا لذلك وقالوا يا صالح إن ربك أعز وأقدر من آلهتنا إنطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا فانطلق صالح بالسبعين الذين آمنوا به عندما رأوا تلك المعجزة، ولكنهم ارتدوا عندما وصلوا إلى قومهم ولم يبق منهم على الإيمان سوى ستة أشخاص الذين قالوا لقومهم إنما رأينا هو الحق ثم دار شجار بينهم وبين الذين ارتدوا من جهة وبين القوم من جهة ثانية حتى ارتد واحد من الستة وكانوا قد أتوا بتلك الناقة التي أخرجها الله من الجبل.

وقد ثبت الحق للجميع، ولكن المفسدين حرضوا القوم على قتل الناقة التي هي موضع نزاعهم لأنها تذكرهم بصدق صالح وقدرة ربه حتى تآمروا عليها وكمنوا لها فعقروها فاستحقوا العذاب الذي نزل بهم وأصبحوا عبرة لمن جاء بعدهم.

ونجى الله صالحاً والذين آمنوا معه وهذه هي النتيجة الحتمية لكلا الطرفين.

 

مُعْجِزَاتُ نَبِي الله صَالِحٍ(ع)

 

لقد أرسل الله عز وجل نبيّه صالحاً إلى قوم ثمود، وكانوا قوماً جبارين متغطرسين، فدعاهم إلى الإيمان بالله فأنكروا الحق وكذّبوا الآيات بعد أن رأوها بالعيان.

ولا شك بأن صالحاً(ع) كان له الكثير من الكرامات والمعجزات، ونكتفي هنا بذكر ثلاثٍ منها هي التي أشار إليها القرآن الكريم.

 

الأُوْلَى: مُعْجِزَةُ النَّاقَة

عندما جاءهم صالح داعياً إلى الله تعالى طالبوه بالدليل، ولكنهم طلبوا دليلاً خاصاً حيث عيّنوا نوع المعجزة(الناقة) ومكان خروجها(الجبل) فسأل الله ذلك فأعطاه سؤله، وكان لتلك المعجزة أثر كبير في نفوس الناس حيث شاهدوها كيف خرجت من بين الصخر بعد أن أحدث الجبل صوتاً قوياً كالمرأة في المخاض، وقد كانت ناقة كبيرة جداً بحيث لم يكن على الأرض ما هو أكبر منها حيث كان لبنها يكفي كل ثمود، وكانت عين مائهم لا تكفي لهم ولها فلقد كانت تشرب منها يوماً وهم يشربون منها يوماً، وإن دلّ هذا الترتيب على شيء فإنما يدل على كونها كانت كبيرة جداً وهو ما زادهم يقيناً في صدق صالح إذ لو كانت ناقة بالحجم العادي المألوف لصنعوا خطة يتهمونه فيها بأنه أدخل الناقة إلى الجبل بطريقة فنية، مع العلم بأنهم هم الذين حددوا النوع والمكان وربما الزمان أيضاً، ولكن بما أن الإعجاز كان في حجمها أيضاً فلم يستطع عتاتهم أن يزيلوا حقيقتها من الأذهان فعمدوا إلى الخلاص منها لأنهم كانوا كلما رأوها تذكروا قدرة الله وصدق صالح(ع) فقد اجتمع رهط منهم ونصبوا كميناً لها وعدوا عليها فذبحوها، وهذا ما أشار الله إليه بقوله(مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ){الشعراء154/158}

 

الثَّانِيَةُ: مُعْجِزَةُ نُزُوْلِ العَذَاب

عندما اعتدوا على الناقة فعقروها استحقوا العقاب الذي نزل بهم حيث تحدوا النبي وحاولوا تكذيبه بشتى الوسائل، بل حاولوا قتله هو ومن آمن معه حيث وقفت الدعوة حائلاً بينهم وبين بلوغ أطماعهم التي قامت على حساب المعتقدات والكرامات الدماء، فاجتمع تسعة منهم وقرروا أن يغتالوا صالحاً دون أن يراهم أحداً فيضيع دمه بهذه الطريقة ويتخلصوا من هذا الشبح الذي بات يتهدد مصالحهم بالخطر، غير أن يد القدرة لم تكن غائبة عن النبي صالح فأوحى الله إليه بما يخطط له الأعداء ونجاه منهم، وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى من سورة النمل(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ)

وبعد تلك المحاولات الفاشلة، وبعد أن خالفوا نبيهم في قتل الناقة أتتهم صيحة من عند الله بعد ثلاثة أيام من الإنذار والإمهال لهم علهم يتوبون فجعلتهم جثثاً هامدة في بيوتهم وفي كل مكان تواجدوا فيه، وفيه قال تعالى في سورة هود(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)

 

الثَّالِثّةُ: مُعْجِزَةُ نَجَاة صَالِحٍ وَالمُؤْمِنِيْن

لا شك بأن عدم إصابة الرجفة(العذاب) للمؤمنين بنبي الله صالح0ع) هي معجزة من معجزاته، وهذا ما حصل بالفعل عندما تدخلت يد القدرة فمنعت العذاب من أن يصيب أحداً منهم، وهذا رحمة من رب العالمين تبارك وتعالى.

وهذا ما أشار له الكتاب العزيز بقوله(فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)

فالنجاة لهم لم تقتصر على خلاصهم من العذاب الذي أصاب ثموداً بل إن النجاة لهم سوف تكون من عذاب يوم القيامة أيضاً، وهذا صريح في الآيات المذكورة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى