أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

خَلِيْلُ اللهِ إِبْرَاهِيْمُ(ع)

 

إِبْرَاهِيْمُ(ع) فِيْ سُطُوْر

 

وُلد خليل الله إبراهيم(ع) في زمان كان شبيهاً بزمان موسى ابن عمران(ع) حيث كان حاكم زمانه يقتل كل مولود ذكر لرؤيا رآها وأنه سوف يُقضى عليه على يد شخص لم يولد بعد، فوضعته أمه في غار وأخفته عن العيون لسنوات طويلة، فخرج من غاره وهو مملوء بالفهم والإدراك والإنعكاف على التوحيد ونبذ الوثنية.

وقد بعثه الله تعالى نبياً وهو في مقتبل العمر، وأمره بأن يدعو الناس إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد كان ثاني أنبياء العزم وشيخ الأنبياء، وهو سمّانا مسلمين، وقد جاهد في الله حق الجهاد وقال كلمة الحق في أحلك الظروف، وقد ابتلاه ربه بابتلاءات عظيمة وأجرى على يديه العديد من المعجزات، وبقي على هذا الثبات حتى اختاره ربه إلى جواره عن عمر ناهز المئتي سنة، ودُفن في مزرعة حبرون بفلسطين، فسلام عليه يوم وُلد ويوم فارق هذه الحياة، ويوم يُبعث حياً.

 

شَخْصِيَةُ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاْهِيْمَ(ع)

 

لا يشك عاقل بوجود تمايز وتفاضل بين نبي ونبي آخر، فلقد ذكر القرآن هذا التمايز عندما قال(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ){البقرة/253} وحديث القرآن عن أي واحد منهم هو الذي يُبرز مكانته ويكشف عن شخصيته، وذلك من خلال ذكره وبيان مواقفه التي أراد لها القرآن ان تنتشر بين الناس لتكون دروساً لهم في هذه الحياة.

وقد تعلَّم الناس الكثير من خليل الله إبراهيم(ع)، وإن كثيراً من الأنبياء ساروا على طريقته وانتهجوا نهجه وأخذوا  بتعاليمه وإرشاداته حيث كانت الشريعة الإبراهيمية الحنيفية هي السائدة بين الناس إلى أن بعث الله تعالى محمداً(ص) إلى الناس كافة.

والمدح القرآني لهذا النبي أو ذاك هو الذي يرفع شأنه بين الناس إذ لو لم يكن كذلك لما نال هذا الشرف في أعظم كتاب أنزله الله للبشر.

لقد تحدث القرآن كثيراً عن تاريخ الخليل وبيّن لنا فضائله وكراماته، ولكننا في هذا البحث سوف نبرز شخصية هذا الرسول الكريم من خلال مدح القرآن له.

لقد حاول كثير من الناس أن يطعنوا بشأن هذا النبي العظيم الذي كان أبا الأنبياء وأول المسلمين(بحسب تعبير القرآن الكريم) والذي كان له الفضل في منحنا هذا الإسم المبارك(الإسلام) حيث قال تعالى(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ){الحج/78} ولأجل تلك العظمة الباهرة حاول كثير من الناس وبالأخص اليهود أن يشوهوا صورته ويتهموه بالشرك ويسلخوا عنه صفة الإسلام، فدافع الله عنه وكشف حقيقة الأمر كيلا نبقى في مقام الحيرة تجاهه حيث يقول(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ){آل عمران/67}

لقد نفى القرآن عنه صفة الشرك ثم أثبت كونه مسلماً بل هو أول المسلمين ليقطع الطريق على أهل الضلال الذين يستفيدون من جراء الطعن بسمعة أنبياء الله وإحداث الخلل في موازين الرسالات السماوية كسلاح يشهرونه في وجوه الأنبياء والذين آمنوا برسالاتهم.

لقد ذكر القرآن عدة جوانب عظيمة وكريمة تتعلق بشأن شيخ الأنبياء خليل الله إبراهيم(ع) تبرز لنا هذا الشأن المكتسب من خلال الإيمان العميق بالله تعالى.

لقد كانت أخلاقه رفيعة مع الجميع، كان يرد الأمور عنه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكبر شاهد على ذلك هو تصرفه مع مربيه آزر الذي كان العائق الأكبر في طريق الرسالة، فلم يتهجم عليه، ولم يقل له كلمة غير لائقة، وإنما بقي ملاطِفاً له علَّه يقنعه بالإيمان، ولكن عندما أيقن أنه لن يؤمن تبرأ منه بالتي هي أحسن، وقد كان يستغفر له بل وعده بذلك إن آمن وأحسن، ولكنه أصر على الكفر خوفاً على اقتصاده الذي كان قائماً على الترويج للوثنية.

قال تعالى(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ){التوبة/114} وقال تعالى(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ){هود/75}

وقد صبر كثيراً على كفر آزر ودعاه مراراً إلى الإيمان حتى وهو على فراش الموت لم يتركه إذ لعله استطاع أن يغيّر شيئاً في عقيدته.

هكذا تعامل إبراهيم مع مربيه ومع باقي الناس حيث دعاهم إلى الله بأحسن الطرق وأجمل الأساليب التي إن أنبأت عن شيء فإنما تنبئ عن كونه مرسلاً من عند الله عز وجل.

ثم يتابع القرآن مدحه لهذا النبي الكريم فيقول(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ){النحل120/122}

ولعظيم شأنه وعلو مكانته فلقد أمر الله نبيه الأعظم محمداً(ص) أن يسلك هذا النهج القويم حيث يقول(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

هذا غيض من فيض ما ورد في شأن إبراهيم(ع) الذي جعله الله تعالى أحد أنبياء العزم.

وفي بيان شأنه قال الإمام الرضا(ع) محدثاً عن أبيه وجده (عليهما السلام)” إنما اتخذ الله إبراهيم خليلاً لأنه لم يرد أحداً ولم يسأل أحداً قط غير الله”

وقال(ص) ” ما اتخذ الله إبراهيم خليلاً إلا لإطعامه الطعام وصلاته بالليل والناس نيام”

وقال(ص)” أتي بإبراهيم يوم النار إلى النار فلما أبصرها قال حسبنا الله ونعم الوكيل”

 

وِلادَةُ إِبْرَاهِيْمَ(ع) وَنَشْأَتُهُ

 

يوجد بين ولادة خليل الله إبراهيم(ع) وولادة خاتم النبيين محمد(ص) فاصل زمني طويل يُعدُّ بعشرات القرون، وقد تخلل بين هذين العهدين نبوات كثيرة أبرزُها إسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى(صلوات الله عليهم أجمعين) غير أن عهد إبراهيم كان مميزاً من حيث كونه تأسيسياً، فقد كان كل من أتى بعده على ملته الحنيفية المعروفة التي هي التوحيد.

وقد شهدت الأمم والشعوب والتاريخ بفضله الكبير وشأنه الرفيع ومنزلته العالية، وقد آمن الجميع بكونه نبياً مرسلاً من عند الله تعالى وأنه صاحب رسالة سماوية عالمية إذ أنه ثاني أنبياء العزم الذين اختصهم الله بتلك الرسالات.

وُلد إبراهيم الخليل(ع) في عهد الحاكم الجبار نمرود بن كنعان الذي استغل جهل الناس وضعفهم، فأمرهم بالسجود للأوثان وأجبرهم على عبادتها لأنه كان يرى مصلحته في عبادتها من دون الله عز وجل، وقد كان آزر عم إبراهيم ومربيه وزيراً لذلك الحاكم الطاغي حيث كان يصنع له الأصنام الجميلة بأشكال مختلفة وألوان عديدة، وكان اليد اليمنى له.

والسر العظيم في نشأة إبراهيم أنه ترعرع في بيتٍ كان أهم مصادر الوثنية إذ كان عمه آزر يصنع التماثيل أمام عينيه، وهو منذ صغره ينظر إليها بعين الإحتقار لا لأنه سوف يكون المصطفى من بين الناس بل لأنه حرّك مشاعره الطبيعية التي بطبعها تُنكر وترفض فكرة الوثنية، فمعتقَد الوثنية باطل بالوجدان، فلا يحتاج إبطاله إلى أي دليل آخر، لأن الفكر السليم لوحده يستنبط بطلانها إذ يجب أن يكون المعبود خالقاً وليس مخلوقاً، ومن هنا قلنا ونقول لو كانت عبادة غير الله جائزة لوجب على الصنم أن يعبد الإنسان لأنه صانعه ومعطيه الشكل والحجم واللون.

ويذكر التاريخ بأن نمرود الحاكم رأى مناماً أزعجه كثيراً فسأل المنجمين عن تأويله فقالوا له سوف يولد مولود يكون ذهاب ملكك ودينك على يديه لأنه سوف يأتي بدين آخر.

وأمام هذا التأويل لم يكن أمام نمرود إلا أن يأمر بقتل كل مولود جديد كما فعل بعده فرعون الذي تنبأ له الكهنة بنفس ما تنبأ كهنة نمرود.

فأمر النمرود بأن يفرَّق بين الرجال والنساء كما وأمر بحبس كل حامل حتى تلد، فإن أنجبت ذكراً قُتل، وإن أنجبت أنثى خلوا سبيلها.

أما أم إبراهيم فلقد أعانها الله تعالى على إخفاء حملها بقدرته وتدبيره، ولكنها عندما شعرت بالمخاض ذهبت إلى غار بعيد عن أنظار الناس فوضعت حملها في داخله ولفَّت ولدها إبراهيم بخرقة ورجعت إلى بيتها بعد أن سدت باب الغار بالحجارة خوفاً عليه من السباع، ثم إنها كانت تذهب إليه بين الحين والآخر فتجده يمص أصابعه وهو ينمو يوماً بعد يوم بشكل سريع فشعرت بأن في الأمر سراً غامضاً.

لقد وُلد إبراهيم الخليل(ع) في اليوم الأول من شهر ذي الحجة، وأقام في ذلك الغار ثلاثة عشرة سنة ثم خرج منه، وقد وفقه الله تعالى في إشغال نمرود عن أمره، ولا شك بأن الأمر في تلك المدة قد تغير واطمأن نمرود إلى أنه نجح في المهمة.

لقد ولد الخليل(ع) في قرية من قرى الكوفة بالعراق، تلك القرية التي عاش بها والده، وكانت أمه وأم نبي الله لوط أختين صالحتين وهما بنتا أحد الأنبياء الذين لم يذكرهم القرآن الكريم.

لقد خرج إبراهيم الخليل من ذلك الغار بعد السنوات التي قضاها بداخله، خرج وكأنه خِرِّيج أعظم الجامعات التوحيدية لأنه كان معجوناً بالتوحيد الذي خالط روحه ودمه منذ تكوينه الأول، ولأجل ذلك عندما خرج ووجد الناس يسجدون للأصنام راح يحتقرهم ويستهزء بهم وبجهلهم الذي أنزلهم إلى هذا المستوى الوضيع.

راح إبراهيم يخالفهم ويعلن مخالفته للوثنية جهراً حتى اشتهر بعدائه للأصنام.

لقد أتت به أمه إلى بيتها بعد تلك المدة ووضعته في كفالة عمه آزر لأن والده قد مات وهو لا يزال جنيناً.

فعندما رآه عمه آزر سأل أم إبراهيم عنه فقالت هو ابن أخيك، قال: ويحك، إن علم الملك به ضاعت منزلتنا عنده: فوعدته بأنها لن تأتي على خبره بشرط أن يبقى تحت رعايته، وكان الله تعالى قد ألقى محبة إبراهيم في قلب عمه آزر ليقضي ذلك الأمر العظيم الذي نقل البشرية من أوضاعها السيئة إلى أوضاع مرضية.

وهكذا نشأ إبراهيم في بيت عمه بين الأصنام والوثنيين وهو يخطط كيف سيقضي على تلك التماثيل.

 

المُشَابَهَةُ بَيْنَ نَشْأَةِ إِبْرَاهِيْمَ و نَشْأَةِ مُوْسَى(ع)

 

يمكن القول بأن محتوى الرسالات السماوية واحد وإن اختلف الزمن وتعدد الأشخاص لأن مصدر تلك الرسالات هو الله سبحانه وتعالى الذي أرسل آلاف الأنبياء في أزمان متفاوتة وإلى مناطق عديدة لنفس الهدف وبذات المضمون، ولذا كان من الطبيعي أن تكون هناك مشابهة كبيرة بين ما قام به جميع الأنبياء(ع).

ولكن المشابهة بين نشأة خليل الله ونشأة كليمه كانت قوية جداً.

فالحاكم في زمن إبراهيم كان عاتياً ظالماً ومدعي الربوبية لنفسه، والحاكم في زمن موسى اجتمعت فيه هذه الصفات أيضاً.

ونمرود بن كنعان رأى مناماً فأمر على إثره بقتل كل مولود ذكر، وكذلك فرعون رأى مناماً فأمر بالذي أمر به الحاكم نمرود.

وأم إبراهيم أخفت حملها وقد سددها الله في ذلك، وكذلك أم موسى أخفت حملها وقد سددها الله في ذلك أيضاً.

وأم إبراهيم وضعت حملها سراً في كهف بعيد عن الأنظار، وأم موسى وضعته سراً في بيتها.

وإبراهيم عاش في بيت رجل وثني، موسى عاش في بيت أطغى الطواغيت.

ولكن الفرق بينهما هو أن إبراهيم(ع) دخل بيت عمه آزر وهو في سن تجاوزت العشرة أعوام، أما موسى(ع) فقد دخل بيت فرعون وهو طفل رضيع.

وهناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما والتي سوف تظهر لنا في البحث عن تاريخهما.

 

حَدِيْثُ القُرْآنِ الكَرِيْم عَنْ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاْهِيْمَ(ع)

 

ترددت قصة إبراهيم الخليل(ع) مرات كثيرة في القرآن الكريم نظراً لأهمية أحداثها ونوعية الدروس المستفادة منها، فمنها ما تناول الكلام عن شخصية هذا النبي الكريم، ومنها ما نظر إلى مواقفه الجريئة مما كشف للناس عن أهمية الدور الذي لعبه في عالَم الرسالات السماوية.

لقد ذكر الله تعالى خليله إبراهيم(ع) في أكثر من خمس عشرة سورة مباركة، وفي كل سورة يشير الله سبحانه إلى موضوع جديد، وهذا يعني أنه ينبغي أن تدور البحوث حول معاني وأبعاد تلك الآيات حتى تكون الفائدة من ورائها أكبر، وقد نقدّم ذكر شيء على شيء بحسب الحديث في السورة القرآنية، فلا يلزم علينا الحديث عنه بحسب التسلسل التاريخي لحياته الشريفة.

 

بَيْنَ إِبْرَاهِيْمَ وَعَمهِ آزَر

 

قال سبحانه وتعالى في سورة مريم(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا){مريم41/47}

يوجد في هذه الآيات الكريمة جملة من المواضيع الهامة التي كشفت لنا عن العديد من الجوانب المتعلقة بشيخ الأنبياء خليل الله(ع) الذي كان صاحب صدر رحب وقلب سليم وعقل نيِّر، فهي تكشف لنا عن بعض جوانب شخصيته المرموقة وتاريخه العريق الذي صنعه بجهده الكبير وحبِّه لله تبارك وتعالى ورغبته في أن ينعم الناس بالخير على مستوى الدنيا والآخرة.

الموضوع الأول: وهو جَعْلُ إبراهيم الخليل مضرباً عبر التاريخ والإستفادة من تاريخه وتجاربه ومواقفه الجريئة النابعة من إخلاصه لله تعالى وتوكّله عليه، فلقد أمر الله عز وجل خاتم أنبيائه وسيد رسله محمد بن عبد الله(ص) بأن يحدِّث الناس عن إبراهيم الخليل وذلك بهدف الإستفادة مما حدث له ومعه في زمن أشبه زمن خاتم الأنبياء فقال سبحانه(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) وفيها مدحٌ لهذا النبي الذي عمل دوماً على إعلاء كلمة التوحيد فاستحق هذا المدح الإلهي بجدارة.

ولا أعني بهذا الكلام أن نقف على تاريخ إبراهيم فقط، بل يجب الوقوف على أحداث كل نبي ذكره الله تعالى في القرآن لأن هذا الذكر إنما كان من أجل الإقتداء بهم والإستفادة مما قاموا به، ولكن بما أن الحديث هنا خاص بإبراهيم(ع) فسوف أركز البحث عليه دون سواه.

الموضوع الثاني: وهو يبيّن لنا جانباً من جوانب الأمر ببيان أحوال هذا النبي، وقد أشار القرآن الكريم هنا إلى حوار دار بين إبراهيم(ع) وعمه آزر، وقد كشف هذا الحوار عن مجموعة خصال كريمة قد اجتمعت في هذا النبي العظيم.

منها: غيرته الكبرى على الإيمان بالله تعالى، وبغضه للشرك، وأسفه على انكباب الناس على الوثنية دون دين الحق.

ومنها: أسلوبه الرائع في الوعظ والإرشاد والكشف عن الحقائق وإيصالها إلى القلوب بأفضل الطرق وأجمل الأساليب التي إن دلت على شيء فإنما تدل على طهارة الجوهر ونقاء الروح وصفاء القلب وتزكية النفس.

ومنها: احترامه المميَّز لعمه إذ لم يمنعه كفر عمه من احترامه وشكره له على تربيته له واهتمامه به وهو حديث السن.

قال تعالى حاكياً عن خليله(ع):(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) فنلاحظ بأن إبراهيم(ع) لم ينه عمه عن عبادة الأصنام من دون أن يقدم له الأدلة والبراهين على بطلان تلك العقيدة من أساسها، فلم يقل له: لماذا تعبد الأصنام: وإنما قال له: لماذا تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يدافع عنك بحال من الأحوال، وبعبارة أخرى: لماذا تعبد المصنوع دون الصانع.

ثم قال تعالى(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)

وهنا يحاول إبراهيم(ع) أن يُبعد شبح التهمة عن نفسه ويبين لعمه بأن هذه الدعوة هي نتيجة الوحي الإلهي والعلم الذي جاءه من قِبل الله عز وجل وأنه ليس مجرد رأي خاص أو هوى.

وهنا وجّه له دعوة صريحة إلى الإيمان، فبما أنني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فما عليك سوى أن تتبعني لأن اتباعي إنما هو الحق وهو يهدي إلى الرشد والصلاح.

ثم قال تعالى(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) وهنا كشف إبراهيم لآزر عن حقيقة هذا العناد الذي كان آزر عليه وأن سببه الشيطان الرجيم الذي لا يريد سوى الشر لبني آدم، وهنا كشف إبراهيم عن أن عبادة الأصنام مردُّها إلى عبادة الشيطان لأنه هو الذي أمر بها من خلال وسوساته، فقبل ذلك قال لأبيه:اتبعني: ثم كشف له عن أن الشيطان مخلوق عاص ومتكبر، وهو يدلك على الهلاك ويسهل لك طرقه، وهناك فرق كبير بين الطريقين، ولعله(ع) بهذا الحوار حاول أن يؤثّر على عمه ويحرّك الفطرة في داخله ليرجع إلى الصواب، ولكنه مع الأسف فقد فشل لا لأنه لم يعطه المقدمات المطلوبة بل لأن عمه كان يعرف الحق ولكنه آثر تجارته على الإيمان فكان من المعاندين.

(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)

وفي هذه الآية الكريمة بيّن إبراهيم اهتمامه بعمه من باب مبادلة الخير بالخير فكشف له عن مشاعره تجاهه، وأن الذي يدعوه إلى هذا الكلام إنما هو خوفه عليه من العقاب الشديد.

الموضوع الثالث: وهو جواب آزر وأسلوبه المغاير تماماً لأسلوب ابن أخيه، فلقد كان أسلوب إبراهيم رحمانياً، أما أسلوب آزر فكان شيطانياً حيث استنكر على إبراهيم استنكاره للوثنية وأبدى له شدة غضبه عليه ثم طرده كيلا يتصرف معه تصرفاً غير لائق فرفض الدليل ورفض المنطق السليم وأعمى نفسه بنفسه وآثر جمع المال على نعمة الإيمان، وفيه قال سبحانه(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)

الموضوع الرابع: وهو ردُّ إبراهيم(ع) على جواب عمه، فلم يخرج إبراهيم عن صوابه رغم الأسلوب القاسي واللهجة الشديدة التي صدرت من عمه، وإنما حاول أن يقنعه بطريقة أخرى عله يتذكّر فوعده بأن يستغفر الله له حيث قال(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) وهنا يعترضنا إشكال هام حول مسألة تلك الطريقة التي تعاطى بها إبراهيم مع رجل كافر، ولم يقف الأمر عند حدود الكلام الحسن وإنما وصل الأمر إلى موضوع الإستغفار، فكيف يستغفر إبراهيم لرجل ملحد؟

هذا سؤال هام لا ينبغي أن نمر عليه مرور الكرام كيلا تبقى الشبهة محيطة به.

لذلك أقول: لقد نهى الله تعالى رسوله محمداً(ص) والمؤمنين عن الإستغفار للمشركين فقال سبحانه(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ){التوبة113/114}

وجاء في مجمع البيان في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين أتوا رسول الله(ص) وطلبوا منه أن يستغفر لآبائهم الجاهليين فأنزل الله تعالى(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ…) ولعل هؤلاء طلبوا ذلك من رسول الله(ص) لأنهم قرؤوا قول الله تعالى حول استغفار إبراهيم لعمه آزر فشجعهم ذلك على طلبهم.

ولكن الحقيقة هي أن إبراهيم(ع) قد وعد عمه بالإستغفار، ولعل ذلك كان من باب الترغيب له بالإيمان، ولم تصرح الآيات في سورة مريم عن أنه استغفر له أم لا، ولكن قوله تعالى(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ) ولكننا عند مراجعة التفاسير يتبيّن لنا بأنه لم يستغفر له حيث أوحى الله إليه بأن عمه لن يؤمن وسوف يموت كافراً فعند ذلك تراجع إبراهيم عن قراره وتبرأ من عمه، وحتى لو أنه استغفر له قبل نزول الوحي عليه فإنه لا مانع من ذلك، وقد التغى معنى هذا الإستغفار لدى براءة إبراهبم من آزر، وهنا نقول: لم تكن تلك المواعدة من إبراهيم لعمه بداعي العصبية أو العشائرية أو القربة وإنما لعلها كانت كما قلت من باب الترغيب، وهذا أسلوب متَّبَع في عملية الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى.

وبعد عناد عمه وتهديده له لم يكن أمامه سوى الإعتزال عنهم وانتظار أمر الله سبحانه وتعالى.

 

كَيْفَ عَاشَ إِبْرَاهِيْمُ فِيْ بَيْتِ رَجُلٍ كَافِرٍ

 

قد يصل بعض الناس بتفكيرهم إلى ما يوقعهم في الشك والوهم إذا لم تكن معلوماتهم وافية ومعارفهم كافية، وفي مثل هذه الظروف المتزلزلة يُحكم الشيطان الرجيم سيطرته على الموقف ليُخرج هذا المتحير عن صوابه ويوقعه في أفخاخه ويجره إلى ما لا تُحمد عقباه.

وقد يسأل الإنسان نفسه: ما هي الحكمة في أن يعيش نبيٌّ في بيت رجل كافر يأكل من أموال الحرام ويسكن في الحرام ويشرب من الحرام؟ أليس في ذلك منقصة للنبي؟

وهذا ما يجب علينا بيانه بشكل واضح كي نرفع تلك الشبهة ونزيل تلك الأوهام التي زرعها الشيطان الرجيم في نفوس البعض منا، فهناك أمور وأسئلة كثيرة تتعلق بهذه المسألة.

الأمر الأول: كيف رضي آزر بتربية إبراهيم وهو يشعر بخطورة الموقف، فقد وقع آزر في مأزق كبير تجاه موضوع إبراهيم.

أولاً: هل يفضح أمره أمام نمرود؟ وهذا يعني أنه سوف ينزل شأنه بين الناس إذ كيف تقتل ابن أخيك بيديك.

ثانياً: لقد قبِل آزر بالوضع خوفاً على مكانته لدى الحاكم نمرود الذي سوف يتهمه بعدم المبالات أو بالتآمر عليه إذ كيف أخفت زوجة أخيه حملها وهو غافل عن الموضوع، فلا يليق به بعد ذلك أن يكون وزيراً أو صاحب رأي لدى الملك.

ثالثاً: لقد ألقى الله تعالى محبة إبراهيم في قلب عمه، والحب أعمى كما يقال، فقد أعماه حب ابن أخيه عن التفكير في المصير المحتَّم الذي سوف يواجهه عندما يقضي ابن أخيه على نمرود، وإن القضاء على نمرود يعني القضاء على آزر.

الأمر الثاني: كيف تحمَّل آزر كلام ابن أخيه طيلة تلك المدة؟ فإن إبراهيم لم يترك عمه وشأنه، بل كان يعظه دائماً ويبين له حرمة عبادة الأوثان وأنه يرتكب الجرائم الكبرى من خلال اتجاره بها لأنه يروج للوثنية.

الأمر الثالث: هل خدع إبراهيم عمه؟

بالطبع هو لم يخدعه، لأنه منذ أن دخل بيته كان معلناً للعداء، كان متجاهراً بشتم الأصنام، وكان موقفه منها واضحاً، فلم يخدع عمه، ولم يخدع أحداً من الناس.

الأمر الرابع: هل أكل إبراهيم من مال عمه، وإذا قلنا بأنه لم يأكل من ماله فكيف كان مربياً له؟ ولذا نقول:

أولاً: إن إبراهيم(ع) أجلُّ من أن يأكل بثمن الأصنام، وقد كانت ثروة عمه كلها قد جُمعت من التجارة بالأصنام، فلم يأكل مال عمه لأنه لم يدخل إلى جوفه ذرة حرام.

ثانياً: على فرض أنه أكل من مال عمه فإن ثمن الصنم لا يُملك، والذي يَملُك ذلك المال هو النبي، وليس صانعها وبائعها.

ثالثاً: لقد دخل إبراهيم بيت عمه وهو شاب قادر على العمل وإعالة نفسه.

رابعاً: إن معنى التربية هو الكفالة والإهتمام، وليس بالضرورة أن يكون معناها الإطعام، فإن معناها إدارة الشأن بغض النظر عن موضوع الأكل والشرب، فلم يكن إبراهيم بحاجة إلى المال، بل كان بحاجة إلى شخص يرعاه ويعطيه إسمه كيلا يطرده أهل قريته.

الأمر الخامس: وهو موضوع الأبوة التي ذكرها القرآن، فإن كثيراً من الناس حتى الآن يظنون بأن آزر هو والد إبراهيم، مع أن أباه كان معروفاً لدى الناس، وهو شقيق آزر، وقد ذكر التاريخ إسم والده وشيئاً عنه، وقيل بأنه كان على الوحدانية وهو الصحيح لأن الله تعالى اختار الأصلاب الطاهرة لأنبياءه ورسله، ولا نظن بأن الحكمة الإلهية تقبل هذه الصفة الناقصة للأنبياء، فلا يُعقل أن يمر نبي في صلب إنسان كافر، وأما الذين يروِّجون هذه الفكرة فإن لهم أهدافاً قبيحة يريدون أن يحققوها عبر توجيه هذا الإتهام.

فإبراهيم(ع) أحد أجداد النبي الأعظم(ص) والكل يعرف بأن النبي عبر التاريخ لم يمر في صلب إنسان كافر.

وهذا النسب ليس خاصاً بالأنبياء فقط بل بالمعصومين سلام الله عليهم، ولذلك ورد في زيارة الإمام الحسين(ع) “لقد كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرهام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تُلبسك من مدلهَِمَّات ثيابها”

صحيح أن الله تعالى عبّر عن آزر بأنه أب لإبراهيم ولكن لم يكن المقصود بها الأب النسبي بل الأب بمعنى الكفيل والمربي، ولقد كان إبراهيم ينادي عمه بلفظ الأب احتراماً لتلك التربية والرعاية فقط.

فلو كان آزر والد إبراهيم فكيف استطاعت أمه أن تخفي الحمل عن زوجها الذي طالما قتل أولاداً لمجرد تلك الرؤيا، ألا يشعر الرجل أن زوجته حامل، هذا يبرز لنا بكل وضوح عن أنه لم يكن أباه النسبي بل المربي له.

وينص التاريخ على أن آزر حاول أن يجبر إبراهيم على عبادة الأصنام مقابل الرعاية له في تلك المدة، وهذه الممارسات لا تصدر عن الأب النسبي.

لقد نشأ إبراهيم في حِجر عمه آزر، ولكنه لم يتنازل له يوماً عن ذرة من الإيمان، فكان هو في جهة وعمه في جهة مغايرة تماماً.

 

الهَدَفُ مِنْ هَذَا الحِوَار

 

لقد حاول خليل الله إبراهيم(ع) أن يتسلل إلى قلوب أهل مجتمعه بطريقة محكمة تُوفِّر عليه وعليهم عناءاً كبيراً ومشاجرات هم جميعاً بالغنى عنها، فبدأ الدعوة من بيته على قاعدة (وأنذر عشيرتك الأقربين) وأن الإنطلاق من الداخل وإصلاحَه يقوم على أسس متينة وقواعد ثابتة لا يهدمها شيء، فحاول جاهداً أن يؤثر على عمه ويقنعه بالإيمان ليكون إيمان عمه آزر مفتاحاً لتلك الدعوة حيث كان يمثل قوة لا يستهان بها، فلقد كان لعمه دور هام وبارز بين أفراد قومه، ولا شك بأنه لو آمن لآمن معه كثير من المشركين.

ثم إن إيمان الأقارب يعطي للرسالة وجهاً جميلاً ويضفي عليها شيئاً من الجدية والإعتبار بين الناس فإنه إن استطاع أن يقنع أقاربه بصعوبة استطاع أن يقنع الغرباء بسهولة، أما عندما يكون القريب معانداً فلا يكون من السهل حينئذ على صاحب الدعوة أن يقنع الآخرين لأنهم سوف يستخفون برسالته ويقولون لو كان على حق لاتبعه أهله أولاً، ولأجل هذه الإعتبارات وتوفير الوقت والإمكانيات حاول إبراهيم جاهداً وبشتى الوسائل أن يقنع عمه بالأمر لأنه أهم النوافذ التي يتسلل من خلالها إلى قلوب الناس وعقولهم، ولكن العناد كان أقوى من القلب والعقل والحكمة، فكيف بالعناد إذا كان مدعوماً بحب الذات ومتوَّجاً بحب الجاه والمال، فلا شك بأنه سوف يكون حينئذ عناداً خاصاً ومميزاً كعناد آزر الذي اقتنع فيما بينه وبين نفسه بصدق ابن أخيه إبراهيم، ولكنه خاف على زعامته وتجارته فأصر على الكفر وهدد ابن أخيه بالرجم إذا أصر على دعوته.

ولم يكن هدف إبراهيم من وعظ عمه مجرد جعله وسيلة لتحقيق هدفه بل كان ذلك من أجل عمه أيضاً، فلقد أحب إبراهيم أن يكون عمه الذي آواه شريكاً له في الجنة.

لم يأت إبراهيم عمه بطريقة المتعالي أو المتعجرف أو العدو، وإنما جاءه بطريقة أخلاقية وسلمية وهي الطريقة التي اتبعها أنبياء الله في دعوتهم للناس، فرغم كفر آزر وعناده بقي إبراهيم محافظاً على تلك القرابة التي تربطهما ببعضهما البعض، واحترام إبراهيم لآزر ليس من باب تقديم التنازلات بل من باب الترغيب بالإيمان والكشف عن أخلاق الإنسان المؤمن، ولذا فقد خاطبه بلفظ الأب لأن آزر قام مقام الأب بالنسبة لإبراهيم الذي ولد يتيم الأب.

وفي بعض السور القرآنية غيّر القرآن لهجة إبراهيم بعد أن أيقن بإصرار عمه على الكفر فلم تعد الطريقة الأولى نافعة كيلا يظن الناس من خلالها بأن إبراهيم ضعيف، ولذا نقرأ في سورة الأنعام لهجة مختلفة عن اللهجة السابقة حيث قال تعالى(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)

لم يعد للمراعاة دور لأنها سوف تنعكس سلباً على الرسالة بعدما كانت الأسلوب الأصلح والأنفع من قبل.

حاول إبراهيم(ع) أن يكشف لآزر عن الوحي الذي أتاه، ولم يكن آزر بعيداً عن فكرة الوحي لأنه كان على علم بالتواريخ الخاصة بموضوع الرسالات السماوية وصراعها مع الوثنيين.

لقد أتاني من العلم والمعرفة ما لم يأتك أنت ومن معك ومن حولك، فإذا سمعتني وصدقتني هَدَيْتك إلى طريق الحق التي بينها الله عز وجل لي.

فأراد آزر أن يحسم الموقف خوفاً من أن يؤثر به كلام ابن أخيه فطرده وهدده بالرجم إن لم يتوقف عن وعظه.

وهنا أنظروا إلى كلا السلوكين، أما آزر فبدل أن يشكر إبراهيم على نصائحه راح يهدده بالرجم ويوبخه ويطرده، وأما إبراهيم فلم يغضب ولم يقل له شيئاً غير لائق، وإنما ختم حواره معه بقوله(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)

 

تَحْقِيْرُ الأَصْنَامِ وَالتهْدِيْدُ بِكَسْرِهَا

لقد ذكر الله تعالى هذا الأمر في سورة الأنبياء حيث قال(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ){الأنبياء51/70}

والوقوف على هذه الآيات الكريمة يكشف لنا الكثير عما حدث في تلك المرحلة من حوارات وتحديات ومؤمرات على الرسول والرسالة وكيف أن العاقبة كانت لأهل الحق كما وعد الله سبحانه وتعالى وأن النصر حليف المؤمن في كل زمان ومكان.

وهذه الآيات تحمل في مضمونها الكثير من المواضيع والمفاهيم والدروس والعبر، ولأجل هذا ينبغي الوقوف على كل فقرة من كل آية حتى يتضح لنا الأمر بشكل جلي.

 

رُشْدُ إِبْرَاهِيْمَ(ع)

 

قال سبحانه وتعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ)

لقد جعل الله عز وجل هذا البيان عن خليله إبراهيم مقدمة لما سوف يبيّنه عن فعله العظيم الدالّ على كونه إنساناً رشيداً، ولعل المراد بالرشد هنا هو الإيمان بالتوحيد ومعرفة الواحد سبحانه، ويمكن أن ينطبق هذا اللفظ على كل صفات الخير والصلاح، وإبراهيم(ع) حائز على جميع صفات الكمال البشري الذي توصّل إليه بقلبه الذي حوى الإيمان والإخلاص وحب الله تعالى، وبتفكيره الواسع والسليم.

لقد منَّ الله تعالى على خليله إبراهيم بالرشد(مِن قَبْلُ) ولعل المراد بها منذ سني الطفولة لأنه(ع) قد نشأ على التوحيد، وربما يكون المراد بها أنه تعالى أعطاه الرشد من قبل موسى وهارون لأن زمانه أسبق من زمانهما، وكان الله سبحانه عالماً بإبراهيم فضلاً عن غيره من أصناف خلقه وما أعلنوا وما أسرّوا.

وهذه حقيقة يثبتها القرآن الكريم ليكشف لنا جانباً هاماً من جوانب هذا النبي الكريم الذي كان له من المواقف الجريئة ما لا يُعد ولا يحصى.

 

سُؤَالُهُ عَنْ التمَاثِيْل

بعد بيان إعطاء الرشد لإبراهيم(ع) كشف الله تعالى عن حقيقة هذا الرشد وبعض الأمور التي يؤدي إليها والتي كان منها ما صرّح به الله عز وجل حيث قال(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) فمن رشد خليل الله أنه تعجّب للقوم كيف عكفوا على عبادة مخلوقات حقيرة صنعتها أيديهم وصوّرتها مخيلاتهم فوضعوا لكل صنم مهمة خاصة به وعقيدة محددة حوله حيث اعتقدوا بأن هذا الصنم هو إله الماء، وذاك إله الهواء، وثالثٌ إله الرزق وهلمَّ جراً، فكيف يكون المصنوع رباً وقد كان تصويره بيد الإنسان الذي يعبده، فلو كان للتمثال روح لوجب عليه أن يعبد من صنعه، فما تلك التماثيل سوى مادة لا قيمة لها، فمنها ما صُنع من الخشب، ومنها من الحجر، ومنها من التمر، ومنها من المعدن، ومنها من غير ذلك، وقد أثبت المشركون الوثنيون حقارة معتقداتهم في الأصنام عندما كانوا يكسرونها لقضاء بعض الحوائج الخاصة بهم، فإنهم إن احتاجوا إلى حطب للمدفئة كسروا الصنم المصنوع من الخشب واستفادوا من اشتعاله وناره، وإذا جاعوا ولم يجدوا ما يأكلون أكلوا الصنم المصنوع من التمر أو من غيره من الحلوى أو مما يؤكَل عادة، وإذا احتاجوا إلى حجرة يثبتون بها بناءهم أو خيمهم عمدوا إلى الصنم المصنوع من الحجر ووضعوا مكان أي حجر آخر، فإن دلّ هذا على شيء فإنه يدل على حقارة هذه العقيدة وبطلانها ضمناً عند معتنقيها لأنهم لو كانوا يؤمنون بها حقاً لما أقدموا على كسرها أو أكلها حتى ولو ماتوا من الجوع أو البرد أو العراء.

ويستفاد من سؤال إبراهيم(ع) عن تلك التماثيل أنه كان يحتقرها وعبدتها في آن واحد، ويتعجب لأمرهم كيف أنهم نزلوا بعقولهم إلى هذا المستوى من الإنهيار النفسي والأخلاقي والعقائدي إذ أن الإنسان لو خُلِّيَ ونفسَه لأدرك بطلان تلك العقيدة الفاسدة بالوجدان والفطرة.

 

جَوَابُ القَوْمِ

 

ومما يدل على كون عقيدتهم فاسدة وعارية عن المنطق والوجدان وبعيدة عن الفطرة الإنسانية السليمة هو هذا الجواب الذي أجابوا به إبراهيم على سؤاله، وهو جواب يدل على وهن وضعهم وزلزلة عقيدتهم من أساسها وأنهم استسلموا لتلك العقيدة من دون تفكير ولا تأمل ولا دراسة، فقالوا وبكل جرأة(قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ) وهذا هروب من الجواب الذي لا يملكون مفاتحه، وبمعنى آخر ربما كان هذا الجواب عبارة عن نوع من الإستهزاء بكلام إبراهيم(ع) وكأنهم يقولون له: إذهب إلى قبور آبائنا وأجدادنا وسلهم عن هذه العقيدة.

ففي الموازين العقلية يُعتبر هذا الجواب لغواً وهروباً من الحقيقة وعلامة ضعف عندهم وإن كانوا يستهزؤون بإبراهيم لأنهم لو كانوا يمتلكون دليلاً واضحاً أو رداً منطقياً لبيّنوه من فورهم ليتحدوا به الدين الحنيف.

ولعل أهل الضلال توارثوا هذا النوع من الرد ليسدوا الطريق أمام كل رسالة تأتيهم من السماء.

ففي سورة المائدة قال تعالى(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ){المائدة/104}

وفي جواب اليهود المشابه لجواب قوم إبراهيم قال تعالى في سورة يونس(قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ){يونس/78}

وفي سورة لقمان قال عز وجل(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ){لقمان/21}

وفي سورة الزخرف قال تعالى(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ){الزخرف/22}

وفي السورة ذاتها(وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ){الزخرف23/24}

فلم يكن هذا الجواب غريباً عن إبراهيم ولا على غيره من الأنبياء(ع) حيث كانوا يعرفون الجواب قبل أن يسمعوه من أهل العناد الذين أصبح هذا الجواب آية في كتابهم الخاص.

 

الرد الجَرِيء

 

عندما سمع خليل الله إبراهيم(ع) هذا الجواب المعهود استعمل معهم لغة مضادة بعيدة عن الإستفزاز لأن الأنبياء(ع) لا يستفزون أحداً وإنما يواجهونه بالدليل القاطع والموقف الجريء، ومن خلال جوابهم وأسلوبهم في الحوار ردَّ عليهم بما يتناسب معهم فقال لهم(قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) فإذا كانت عقيدة آبائكم هي الحجة لكم فأنتم وآباؤكم من أهل الضلال والإنحراف عن الفطرة والحق، ولا شك بأنهم اعتبروا هذا الجواب تحقيراً لهم ولآلهتهم فتعجبوا لهذا الكلام الصادر من شخص ضعيف ليس معه أحد، وأخذ كلامه هذا يتفاعل في داخلهم مما جعلهم يدبّرون له مكيدة تقضي عليه وتُخلي الساحة من وجوده حيث أدركوا حجم الخطورة التي يشكّلها وجوده بينهم.

ولا شك بأنهم حاولوا أن يُرعبوه ويهددوه، ولا أقول ناظروه أو حاجّوه لأنهم أضعف من ذلك بكثير، ولقد حاول زعيمهم أن يحاجج إبراهيم(ع) فأحرجه إبراهيم وأخرجه عندما واجهه بسلاح المنطق الذي لا يُقهر بحال من الأحوال.

وهذه الأساليب كانت متبعة عند كل قوم معاندين أتاهم رسول من عند ربهم، فلم يكن عندهم سوى التخويف والتهويل ومحاولات الإضلال والتكذيب والإتهام بالسحر والكذب والجنون، وقد باءت جميع محاولاتهم بالفشل الذريع.

 

المُرَاوَغَةُ المَعْهُوْدَة

 

كان كلما بعث الله نبياً إلى الناس وضعوا العراقيل أمام دعوته وجندوا مجموعات منهم للتشويه بصورته وإلقاء التهم عليه وعلى ما جاء به، وليس السبب في ذلك هو ظهور دين جديد، لأنني شخصياً لا أعتقد أن الدين كان جديداً على أحد لأنه كان موجوداً بينهم، فالأمة التي ليس فيها نبي فلا شك بأن فيها رسالته وتعاليمه التي ثبّتها في النفوس قبل رحيله عنهم، كما لا شك بأن جميع الناس عندما كانوا يسمعون بنبي بينهم فإنهم كانوا يخططون لمواجهته بشتى الوسائل ويخترعون الأكاذيب المناسبة لعقول أبناء قومهم.

فعندما ردّ إبراهيم(ع) على قومه بكل جرأة أدركوا بأن أوراقهم ضعيفة فلجؤوا إلى الخطط التي تعلّموها ممن سبقهم من المعاندين للرسالات السماوية، وعندما رأوا من إبراهيم ما قد رأوا راحوا يستعملون معه أسلوب المراوغة بهدف كسب الوقت ليس أكثر لأنهم في قرارة أنفسهم يدركون بأنه نبي مرسَل إليهم من جهة الخالق الواحد الذي أرسل نوحاً وغيره من قبل.

(قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) فكأنهم بهذا السؤال استسلموا للأمر الواقع من جهة، واستعملوا مكرهم من جهة ثانية، فقولهم(أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ) فيه نوع من الحنكة، وكأنهم يُظهرون أنفسهم على أن صدورهم رحبة تتقبّل أية فكرة وإن كانت مخالفة لعقائدهم وعاداتهم، غير أن هذا الأسلوب قد انكشف بعدما أحرجهم إبراهيم وهمّوا بقتله.

وأما سؤالهم له عن كونه يلعب فهو لا يتناسب مع وضعه الإجتماعي ولا مع سلوكه المستقيم ولا مع كلامه الذي كان جدياً في كل الظروف والأوقات.

ولعلهم من خلال طرح هذا السؤال يريدون أن يزرعوا سموماً في عقول بني قومهم ليتوهموا بأن إبراهيم يدعي النبوة كذباً فهم بذلك يهيّؤون أرضية مناسبة للمواجهة التي كانوا يخططون لها منذ زمن بعيد، أي منذ أن ظهر إبراهيم بينهم ورأوا منه وفيه علامات الأنبياء.

ولعل معرفتهم بالأنبياء كانت أوسع من معرفتنا لهم حيث كان عصرهم عصر النبوات فهم على عهد متين بعلامات النبوة وشخصية النبي وسلوكه وطريقته في التعاطي معهم.

وكما فشل أسلوبهم الأول في المراوغة واكتساب الوقت فكذلك فشلوا في هذه الخطة الثانية حيث لم يغن عنهم مكرهم من إبراهيم شيئاً لأنهم رأوا حجم إصراره على موقفه من معتقداتهم وإلحاحه على زرع التوحيد في عقولهم.

 

الإِفْصَاحُ عَنْ رِسَالَتِه

 

لقد أدى إبراهيم مع قومه مهمته المكلف بها من الله تعالى، وأرشدهم إلى الحق الذي تدركه فطرتهم، فلفت أنظارهم إلى الخالق الواحد الذي لا شريك له ولا شبيه، ونفى ربوبية الأصنام التي لا تضرهم ولا تنفعهم، كما وأنه نفى أن يكون لاعباً حيث أفصح عما جاء به وكشف عن المهمة التي يريد أن يؤديها فيهم إذ قال لهم(قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) ونلاحظ بأنه قال لهم هذه العبارة فقط لعلمه بأنهم في قرارة أنفسهم يعرفون بأن الله تعالى هو رب السموات والأرض، وقد أشار سبحانه إلى هذا الشعور الذي يراود المؤمن والكافر على حد سواء حيث قال في سورة العنكبوت(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)

 

التهْدِيْدُ العَلَنيُ فِيْ تَحْطِيْمِ الأَصْنَام

 

عندما حاول القوم أن يراوغوا في كلامهم مع نبي الله(ع) ولم يؤمنوا بما هو ثابت في ضمائرهم ووجدانهم، وعندما اشتدت المواجهة بين الفريقين استعمل إبراهيم معهم لغة التهديد والوعيد ليثبت لهم عن طريق الدليل المنطقي أنهم أصحاب عقائد فاسدة فهددهم بأنه سوف يتحداهم ويكسر أصنامهم، وكأنه يقول: سوف أحطم أصنامكم ولن تستطيع الدفاع عن نفسها، وفي ذلك قال سبحانه(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) فلم تكن هذه العبارة حاكية عما في ضميره، ولم تُشر إلى ما كان يدور في خاطره، ولكنها تصرّح بأنه هددهم بشكل علني، وقد يتساءل البعض فيقول: إذا كان إبراهيم قد هددهم بشكل علني فلماذا لم يضعوا حراساً على باب المعبد؟

وأنا شخصياً ممن يشجعون على طرح هكذا أنواع من الأسئلة بشرط أن يكون طرحها لأمر حسن وليس بدافع التشكيك.

فلقد هددهم إبراهيم(ع) بشكل علني لأنهم وبعد أن حطّم أصنامهم قالوا بأنهم سمعوا إبراهيم وهو يهدد بتحطيم الأصنام، وأما كونهم لم يضعوا حارساً على باب المعبد فإن لهذا الأمر أكثر من وجه.

الوجه الأول: ربما حطّم إبراهيم أصنامهم بعد فترة طويلة، وبعد أن كانوا قد اطمأنوا بأنه لن يجرؤ على ارتكاب هذا العمل الخطير الذي كان عقابه الإعدام بأبشع الطرق.

الوجه الثاني: ربما حطّم أصنامهم في نفس الليلة ولكنهم لم يضعوا حارساً لأمرين: الأول: أنهم لم يصدقوا بأن أحداً يجرؤ على القيام بهذا العمل، وثانيا: ربما كان القيمون على المعبد متكلين على أصنامهم في الدفاع عن نفسها، وربما يكون هناك أكثر من سبب.

الوجه الثالث: لعل الإرادة الإلهية تدخلت في هذا الشأن فلم يره أحد وهو يدخل إلى المعبد كما خرج خاتم الأنبياء ليلة الهجرة من مكة المكرمة دون أن يراه أحد.

وإن هذا التهديد لم يصدر منه عن غضب بل صدر منه بوحي من الله تعالى الذي رعاه لحظة بلحظة وخطوة بخطوة ولأن النبي لا يؤخَذ بالعوامل التي من شأنها أن تجر المرء إلى المهالك.

 

التهْدِيْدُ فِيْ مَرْحَلَتِهِ العَمَلِية

إن أنبياء الله تعالى بمستوى المسؤولية التي حُمِّلوها من قِبَل خالقهم سبحانه، فلا يقولون ما لا يفعلون ولا يعدون بشيء ويُخلفون بما وعدوا مهما كانت الظروف قاسية والنتائج أليمة لأن كل شيء يصغر في أعينهم أمام تبليغ الدعوة ورضا الله سبحانه وتعالى، فلا يهابون شيئاً غير الله، ولا ترعبهم كثرة أهل الضلال إذ كيف يخاف من المخلوقين ومعه قدرة الخالق، هذا ما قام به خليل الله إبراهيم(ع) حين هدد القوم بكسر أصنامهم، وكان مجرد ذكر الأصنام بسوء جريمة كبرى يعاقبون عليها أشد العقاب، فكيف بالذي يتحدى آلهتهم ويحطمها ويجعلها قطعاً صغيرة.

فلقد أخبرنا كتاب الله العزيز عن تلك الجرأة الكبيرة والبسالة العظيمة التي استُمدت من الله عز وجل حيث قال سبحانه(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)

لقد أرسل الله تعالى خليله إبراهيم إلى أمة ضالة ومنحرفة قد انجرفت في تيار الوثنية التي أصبحت الديانة الرسمية في ذلك الزمان بحيث كان المعنيون بالأمر يعاقبون كل من يتخلى عن الوثنية أو يذكر الأصنام بسوء.

لقد بدأ إبراهيم رسالته بدعوة عمه ومربيه ليبدأ من الداخل ثم يوسع رقعة عمله بشكل قوي، ولكن الظروف لم تكن مؤاتية له حيث لم يؤمن آزر برسالة إبراهيم، فبدل أن يكون عوناً له في تبليغ الدعوة أصبح يداً معادية عليه وعلى كل من آمن برسالة السماء.

لقد كانت وظيفة خليل الله صعبة ومهمته شاقة لأنه(ع) بُعث إلى قوم متحجرين ومتعصبين للباطل بجميع أشكاله، ويمكن لنا القول بأنه بُعث إلى مجتمع غابي وأمّة وحشية قد خلت من الرحمة والتعقل إذ كان الكبير يأكل الصغير والقوي يفترس الضعيف، فهو أشبه ما يكون بالمجتمع الذي أرسل إليه خاتم النبيين محمد(ص).

كيف يبدأ إبراهيم تلك المهمة؟ وماذا يصنع؟ وماذا يقول؟ وبمن يبدأ بعد أن كفر به مربيه؟

الأمر بحاجة إلى وعي وحكمة وانتباه، وكذلك إلى قوة وجرأة وصبر جميل وصدر رحب.

لقد نزل إلى الساحة ودعا قومه إلى عبادة الله ونبذ الوثنية فاحمرت العيون عليه وأشير إليه بأصابع التهمة بحجة أنه يحرض الناس على العقيدة والحكام الذين بنيت عروشهم على البغي والكفر والظلم والإستعباد.

كيف يرضى حكام القوم بهذه الدعوة التي تعني نهاية دورهم وزوال عروشهم القائمة على الفساد العقائدي؟

لقد استعمل إبراهيم علمه ووعيه فتسلل إلى قلوب الناس وعقولهم في زمن لم يكن أحد من الناس قادراً على مواجهة الوضع المسيطر على الساحة، خصوصاً وأن حاكم القوم إنسان ظالم ومجرم لا يرحم أحداً ولا يتعامل بالرأفة ولو مع المظلوم وصاحب الحق.

ففي تلك الظروف الحرجة والأوضاع الخطيرة والمتردية خرج من القوم رجلٌ سفّه أحلامهم وحقّر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عن الناس شيئاً.

خرج إليهم ودعاهم إلى الإيمان بما ينجيهم من مهالك الدنيا والآخرة ومن حكم نمرود وأعوانه، وأثبت لهم عن طريق العلم والمعرفة وهن الأصنام وضعفها وأنها ليست آلهة كما يعتقدون، فلم تنفعهم مواعظه وبياناته، فانتظر حتى أتي الليل ودخل إلى المعبد بكل جرأة وهو يدرك مدى خطورة الموقف، وراح يضرب الأصنام ويحطمها حتى فتتها ولم يبق منها سوى صنم واحد لحكمة معينة في نفس إبراهيم(ع).

 

الصاعِقَةُ الكُبْرَى

 

نام القوم مطمئنين تجاه تهديد إبراهيم لظنهم بأن الآلهة التي صنعتها أيديهم سوف تحمي نفسها وتحميهم وتمنع الضرر من أن ينزل بها، ولا شك بأن مشاعر القوم تجاه هذا الأمر كانت متفاوتة، فبعضهم اعتقد بأن الآلهة سوف تعاقب كل من يريد المس بها وذلك بسبب الأفكار الخاطئة والمعتقدات الفاسدة التي بثّها فيهم كبارهم من الحكام والكهنة، وبعضهم لم يكن مطمئناً لتلك الآلهة بسبب علمه بفساد تلك العقيدة، ولكنهم لم يُبدوا ما أخفَوه حرصاً منهم على استمرار وجودهم وبقاء عروشهم وزيادة ثرواتهم التي جُمعت من صناعة الأصنام وبيعها.

وفي صبيحة تلك الليلة المشؤومة على قوم إبراهيم دخل بعض الوثنيين إلى المعبد كعادتهم ليقدموا القرابين لتلك الآلهة المزيفة فوجدوها محطمة فأخبروا كبار القوم بالأمر فشكوا بإبراهيم لأنه الوحيد الذي يجرؤ على القيام بهذا العمل الإجرامي بحسب زعمهم.

وقد ذكر القرآن الكريم هذا العمل البطولي فقال تعالى(قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)

فاجتمع الناس وبعثوا إلى خليل الله أن يأتي إليهم ليستجوبوه على مسمع الجميع ويحرضوا الناس ضده، فانقلب السحر على الساحر عندما أجابهم إبراهيم بكلمة من شأنها أن تقنع الصخر.

فوصل إبراهيم إلى مكان تجمعهم وقد كان الجميع ينظرون إليه نظرة حقد وانتقام، وسألوا عن الذي فعل هذا بآلهتهم؟ فأجابهم بكل روية وسكينة(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) فطالما أنكم تعتقدون بربوبية الأصنام وألوهيتها وينبغي على الإله أن يكون منيعاً وقوياً، فلماذا لم يدافعوا عن أنفسهم أو على الأقل لماذا لا يكشفون عن هوية الفاعل الذي حطمهم.

وبهذا الجواب زلزل إبراهيم أركان الوثنية في قلوب الوثنيين وفتح لهم أبصارهم على مسألة تستحق التفكر والتأمل.

 

حِوَارُهُمْ مَعْ إِبْرَاهِيْم(ع)

 

فور خروجه من الغار الذي وُلد فيه وترعرع بداخله مدة من الزمن بعيداً عما يجري في الخارج من فجورٍ وظلمٍ وفسادٍ في ظل حكم نمرود العاتي بدأ خليل الله(ع) يحط من شأن التماثيل ويذم عبدتها الذين لو كانوا أرفع شأناً من تلك المواد لما عكفوا على عبادتها بل كانوا أوضع منها لأنهم جعلوا أنفسهم عباداً للشيطان العدو الأخطر للإنسان رغم التحذيرات المتكررة التي أطلقها أنبياء الله ورسله عبر التاريخ، ولكن ماذا يصنعون بأقوام استحبوا الكفر ونبذوا الإيمان فلم يُبقوا له مكاناً في نفوسهم وقلوبهم التي امتلأت بالسواد والفساد والمعتقدات التي لم ينزل الله بها سلطاناً.

لقد خرج إبراهيم من غاره ليدخل مجتمعاً وثنياً فاسداً بعيداً عن كل المبادئ والقيم وقريباً من الضلال والهوى وحُبِّ الدنيا، لقد كان مجتمعاً غريباً في أطواره وعاداته وتقاليده، كان خاضعاً لأنظمة الضلال وقوانين الجور المشابهة لشريعة الغاب التي لا عيش فيها للضعفاء ولا بقاء إلا للأقوياء بالعدد أو العدة.

في ظل تلك الممارسات والعادات والمعتقدات أتاهم إبراهيم الخليل رحمة للمؤمنين وعذاباً للوثنيين الذين كان مجيئه بالنسبة إليهم بمثابة صاعقة نزلت على رؤوسهم فكانت بداية هلاكهم وزوال دولتهم التي قامت على الظلم والفساد، فقد خرج إليهم وراح يعيب عليهم تلك العبادة الذميمة بحد ذاتها، كان(ع) يعمل على توعيتهم وإخراجهم مما هم فيه من ظلمات الجهل والكفر إلى أنوار العلم والإيمان، فقد أثبت لهم مراراً بأن أصنامهم حقيرة وذليلة لا تبصر ولا تسمع ولا تنفع ولا تدرأ عنهم ذرة من العذاب أو أي شر آخر ولا تجلب لهم المنفعة، بل سوف تكون سبب هلاكهم في الدنيا قبل الآخرة.

لقد حاول إبراهيم الخليل(ع) أن يحرك بداخلهم مشاعر الإيمان وفطرة التوحيد التي فطر الله عليها جميع الناس ليساعدوا أنفسهم على الإيمان وتتيقن قلوبهم بهذا الأمر الذي لم يكن بعيداً عنهم، فإنهم هم الذين وضعوا الحجب بينهم وبين الحق.

فبعد ظهور تمردهم وبيان عنادهم حاول إبراهيم الخليل أن يحسم الموقف فدبر خطة ذكية وحكيمة وفعّالة تقتل بداخلهم روح الوثنية وتزلزل فيهم هذا المعتقد البعيد عن الصواب لأنه في الأصل وَهْمٌ صدّقه الناس لانسجامه مع أهوائهم.

لقد كان بعضهم معتقداً بأن الأصنام آلهة حقيقية تحفظهم من الشرور وتدبر أمورهم بطريقة معينة، فهي سوف تدبر أمر إبراهيم وتنزل عليه العذاب، لقد كانوا متكلين على قدرة الأصنام، ولذا كانوا يتكلمون مع إبراهيم بلغة القوي المنتصر.

فتواعدهم بأنه سوف يحطم تلك الأصنام، فلم يبالوا بالأمر لأنهم كانوا يعتقدون بأن كل إنسان يُقدم على إيذائها فسوف ينال منها عقاباً أليماً، فدخل معبدهم بالليل وحطم تلك الأصنام.

لقد سألهم مستنكراً ما هي هذه التماثيل التي تعبدونها من دون الله؟ فأجابوه كما أجاب الأقوام السابقون أنبياءهم، يعني ساروا على ضلال الآباء والأجداد الذين كانوا أشد قبحاً من أولادهم وأحفادهم لأنهم أساس الشر ومصدر الوثنية.

وقد نفَّذ ما واعدهم به، فلما حلَّ الليل دخل إبراهيم معبدهم وحطم جميع الأصنام باستثناء أكبرها حيث كانت أنظار القوم موجهة إليه بشكل مميز، فهو كبير الآلهة، وفيه قال تعالى(فجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) جعلهم جذاذاً: أي حطمهم أجزاءاً صغيرة: فمحى به آثارهم، وأما قوله (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) ففيه وجهان:

الوجه الأول: وهو أن القرآن يستهزء بتلك المعتقدات الفاسدة.

الوجه الثاني: وهو أن القوم أمام هذا الحدث لا بد وأن يرجعوا إلى كبير أصنامهم ليسألوه عن سبب ذلك وعن مفتعل هذه الجريمة، وقد كانت تلك الخطة بوحي من الله تعالى وتوفيق منه لخليله إبراهيم.

(قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ)

عند الصباح دخلوا المعبد كعادتهم وإذا بهم يتفاجؤون بما رأوه في الداخل، لقد رأوا آلهتهم محطمة أمامهم لم يبق لها أثر، والعجيب أن كبير الآلهة لم يُصَب بأي أذى، فما هو السر؟ ومن فعل هذه الجريمة؟ ولماذا لم يحطم كبير الآلهة؟ هل خاف منه؟ فلو خاف منه لما حطم باقي الأصنام؟ إذن إن في الأمر سراً لا بد من التعرف عليه، وعند ذلك راحوا يفكرون بهوية الفاعل فلم يجدوا أمامهم سوى إبراهيم الذي كان المتَّهَم الأول في تلك الجريمة لأنه الوحيد الذي كان يذكر آلهتهم بسوء، (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)

تذكروا الحوار الذي دار بينهم وبين إبراهيم حول موضوع الأصنام، وأنه هددهم بتحطيمها ليثبت لهم وهنها وضعفها.

(قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ)

فبعثوا له فحضر بعد أن اجتمع جميع الوثنين بسبب تلك الكارثة التي حلت بهم.

(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ

وهنا استغل إبراهيم هذا الموقف لإظهار وهن الأصنام وبطلان ربوبيتها فأجابهم بقوله:

(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)

بهذا الجواب زلزل في داخلهم معتقداتهم الفاسدة، ففكروا في الأمر جيداً، صحيح.. لو كانت الأصنام آلهة لدافعت عن نفسها بالدرجة الأولى أو كشفت عن هوية الفاعل على الأقل، وفي هذه التجاذبات القلبية قال تعالى:

(فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ  ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ)

فعندما شعر إبراهيم بالتجاذبات التي دارت في داخلهم أطلقها صريحة وبكل جرأة حيث قال:

(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ)

ثم زاد في توبيخهم ليوقظهم من غفلتهم مستغلاً تلك اللحظات التي كان من الممكن أن تُحدث انهياراً تاماً داخل المجتمع الوثني.

(أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)

ألم يَحِنْ الوقت بعد لأن تخرجوا من هذه الظلمة التي أعمت قلوبكم وبصائركم؟

فعندما ثبت الحق واختلف الناس فيما بينهم فمنهم من أيَّد إبراهيم وآمن به، ومنهم من بقي مصراً على الكفر، فأشير عليهم بأمرٍ من الحاكم (نمرود) وهو أن يحسموا الموقف بحرق إبراهيم ليكون عبرة لكل من يجرؤ على الحط من شأن الأصنام أو مسهما بأي سوء.

 

الحُكْمُ الجَائِرُ

 

(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)

لقد حكموا عليه بالعذاب الأليم، وهو الإحراق بالنار، لأنهم فاقدوا الدليل على صحة معتقداتهم فلم يجدوا أمامهم سوى التخلص من إبراهيم لإخلاء الساحة أمامهم، وجعلِه عبرة للجميع كيلا يجرؤ أحد على المس بالآلهة.

وهنا ينبغي التساؤل عن دعوتهم لنصر الآلهة، وهذا يعني عدم قدرتها على فعل شيء، فلو كان فيهم متفكر ومتأمل لأدرك بطلان الوثنية من فور صدور تلك الدعوة الضعيفة.

ولكن قدرة الله تعالى أعظم، فقد حولت تلك النيران إلى برد وسلام، فأبطل الله مفعولها، وكان ذلك معجزة واضحة لجميع الناس، فمن لم يؤمن بالعبرة التي بينها لهم حول موضوع عدم النطق في الأصنام فقد آمن عندما رأى كيف خرج إبراهيم من النار سالماً، ومنهم من لم تؤثر به المعجزة فأصر على الكفر (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)

 

إِبْطَاْلُ مَفْعُوْلِ نَاْرِ النمْرُوْدِ

 

عجز القوم عن مواجهة المنطق بالمنطق فعمدوا إلى استعمال العنف في معالجة تلك القضية التي لا يمكن أن تعالج إلا بالمنطق السليم والدليل القاطع، فجمّدوا عقولهم ومنعوها من التفكر ولو للحظة حيث أعمى الشيطان الرجيم بصائرهم وحبّب إليهم الكفر وزينه في قلوبهم.

لقد أشار سبحانه إلى فوز إبراهيم وهزيمة القوم الظالمين الذين أنكروا الحق واتبعوا الباطل وفضّلوا الوثنية على التوحيد فقال تعالى(وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)

وكنا في بعض البحوث السابقة قد أشرنا إلى موقف إبراهيم من عبدة الأوثان وكيف أنه واجههم بكل جرأة وشجاعة حتى أصبح محط أنظارهم وعدوَّهم اللدود الذي بات يشكِّل خطراً فعلياً على ديانتهم الفاسدة ويهدد أركان الوثنية ويفضح حقيقة المتمسكين بتلك المعتقدات الفاسدة التي نشأت من الوهم ثم أصبحت متعمدة لأنها شكّلت لهم آنذاك مورداً إقتصادياً كبيراً.

فلم يتوانَ يوماً عن دعوتهم إلى الحق، ولم يسكت عن الباطل، ولم يغض الطرف عن الظلم الفردي والجماعي الذي كان يرتكبه الحكام في حق شعوبهم.

ولم تقتصر دعوته على الضعفاء والمحكومين فقط، وإنما دخل قصور الملوك والجبابرة ووضعهم في مواقف حرجة تجاه أقوامهم.

فلم يجدوا أمامهم سوى القضاء على إبراهيم ليكون عبرة لكل من يجرؤ على الوقوف في وجه الوثنية والقيمين عليها فقرروا أن يعاقبوه بأشد أنواع العقاب، وقد جعلوا يوم تنفيذ الحكم يوم احتفال عام يحضره أكبر عدد ممكن من الناس في أقطار رقعة الوثنية، فحددوا المكان والزمان وجمعوا حطباً كثيراً حتى أصبح الحطب شبيهاً بالجبل ليُعبِّروا بذلك عن شدة غضبهم على كل مَن يذكر آلهتهم بسوء(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)

وجاء اليوم المحدد يوم تنفيذ العقوبة بإبراهيم فأشعلوا تلك النار التي لم يشهد الناس ناراً بحجمها من قبل، ولكنهم واجهوا مشكلة أخرى لم تكن بالحسبان، وهي أنهم لم يستطيعوا الإقتراب من النار وإدخال إبراهيم فيها، فأشار عليهم بعض عتاتهم بأن يضعوه بالمنجنيق (آلة القذف) ويقذفوه من بعيد ففعلوا ذلك وألقوا إبراهيم في وسط النار فامتلأت نفوسهم بالفرح والسرور لأنهم انتقموا لآلهتهم، وبقي إبراهيم جالساً في وسط النار مدة طويلة لعلها تجاوزت الساعات، لأن مثل تلك النار لكي تنطفئ لا بد من الإنتظار يوماً كاملاً على أقل تقدير .

وبعد انتظارهم الطويل المشحون بالفرحة والسرور جاء وقت النظر إلى جثة إبراهيم المحترقة التي لم يبق منها سوى العظم المحروق بحسب اعتقادهم، فدنوا من بقايا الحطب الملتهب لينظروا إلى تلك الجثة، وإذا بهم ينظرون إلى إبراهيم وهو جالس بين النار وكأنه جالس تحت شجرة يلاعبها النسيم، فكانت النتيجة أنهم صُعقوا وارتعبوا من تلك الحادثة الخارقة لقوانين الطبيعة حيث أن الله سبحانه وتعالى أبطل بقدرته مفعول النار فأصبحت برداً وسلاماً كما قال تعالى(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ونتيجة لحدوث تلك المعجزة آمن كثير من الناس بدعوة إبراهيم الخليل.

وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أمرين أساسيين حول تلك المعجزة الكبرى التي كرّم الله بها خليله إبراهيم(ع)

الأمر الأول: فقد ورد عن المعصومين سلام الله عليهم كلامٌ أنبأ عن عظمة خليل الله إبراهيم(ع)، فقد نزل عليه جبرائيل فور إلقائه في النار فقال له: يا إبراهيم هل من حاجة؟ فقال إبراهيم إن كانت منك فلا…. فتحولت النار بقدرة الله إلى برد وسلام….

الأمر الثاني: أن تلك المعجزة اشتملت على أكثر من حدث وأمر:

منها: أن النار قد تحولت إلى أمان بقدرة الله تعالى الذي أمرها بأن تكون برداً وسلاماً عليه.

ومنها: أن إبراهيم لم ينج من النار فقط، وإنما نجا أيضاً من أثر السقوط على الحطب لأنه القي من مكان بعيد، وهذا من شأنه أن يحطم جسد الإنسان إن لم يقض عليه.

ومنها: أن نفسه كانت مطمئنة، فلم يضعف أمام تلك النار، وهو لا يعلم ما سوف يكون من شأنها.

وهذه هي النتيجة الحتمية والعاقبة الحسنة لكل إنسان لا يرى في قلبه سوى الله تبارك وتعالى.

 

حِوَاْرُ إِبْرَاهِيْمَ(ع) مَعْ نُمْرُوْد

 

لم تكن مهمة إبراهيم(ع) محصورة في فئة دون أخرى، ولم يواجه الضعفاء فقط ليخيف بهم الأقوياء كما كان يصنع أكثر الحكام، وإنما كان مرسلاً لجميع الناس كبيرهم وصغيرهم وقويّهم وضعيفهم على حد سواء.

ولم يكن حوار إبراهيم مع القوم في شأن تحطيم الأصنام هو الأول أو الأخير، بل كان هناك حوارات كثيرة ومواقف جليلة صدرت منه في تاريخه الرسالي حيث أسس بحواراته ومواقفه مدارس لكل من أتى بعده من الأجيال.

فلقد أشار الكتاب العزيز إلى العديد من تلك المواقف الجريئة التي أسست نفوساً أبية، وأنارت القلوب بعد أن كانت غارقة في ظلام دامس، وأرست قواعد الإيمان في كل مجتمع وأمة، وأضعفت فكرة الوثنية بعد أن كانت هي العبادة السائدة بين الناس.

لم يكن الحوار هذه المرة مع الأفراد، بل كان مع الزعيم الأكبر للوثنيين نمرود بن كنعان الذي ادعى الربوبية لنفسه واحتقر الرسالة التي أتى بها إبراهيم بدعوى أنه يدعو إلى عبادة إله لا يُرى ولا يُلمس، وهذا في معتقدهم أمر غريب لأنهم أوقفوا عقولهم عن التفكير بالماورائيات ولم يكلفوا أنفسهم النظر في كلام إبراهيم.

لقد حاول نمرود بتكبره وتعجرفه أن يذل إبراهيم ويحرجه أمام الناس لظنه بأنه الأقوى والأعز، ولم يكن يدرك بأن العزة لله وللمؤمنين، فقد شاءت الظروف أن يجتمع إبراهيم بنمرود، وهذا جزء مهم من رسالة إبراهيم لأن التغلب على الرأس يعني التغلب على الجميع.

لقد دعا إبراهيمُ الحاكمَ نمرود إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، ولكن نمروداً واجه تلك الدعوة بالرفض المطعّم بالإستهزاء والسخرية، فلقد حاول أن يزرع في أذهان الناس فكرة أنه أقوى من إله إبراهيم وأنه سوف يقضي على هذا الإله الذي لم يسمع به من قبل، وفي نفس الوقت فإن إبراهيم كان يريد أن يرد كيد نمرود إلى نحره فقال له إبراهيم(رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)  فادعى نمرود ذلك فقال(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) والسبب في ذلك أن رقاب الناس كانت تحت رحمته، فمتى شاء قتل فلاناً ومتى شاء أبقى فلاناً، وقد اعتبر نمرود ذلك بأنه إحياء وإماتة، ولا شك بأن هذا الكلام فيه نوع من الإستهزاء أيضاً لأنه لا شك فَهِم مراد إبراهيم من مسألة الإحياء وأنه الإيجاد من العدم، ولكنه أراد أن يوهم الأمر ليبعد أذهان الناس عن فكر الخالق القدير الذي أوجد الخلق من لا شيء، فلم يتركه إبراهيم وشأنه بل أوقعه في إحراج كبير أظهر للناس من خلاله أن نمرود كاذب يضحك على الناس ليبقى متربعاً فوق عرشه، فقال له إبراهيم(فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)

فعندما لم ينفع المنطق السليم والدليل القاطع مع هذا الوثني إستعمل إبراهيم معه هذا الأسلوب الذي فضح أمره به على أعين الناس.

ولعل هذا الحوار أتى بعد حوار إبراهيم مع عبدة الأوثان لأن هذا الحوار كان الأخير قبل الحكم عليه بالإحراق.

وأمام هذا الطلب الذي وجّهه إبراهيم إلى نمرود لم يستطع نمرود فعل شيء وكأن على رأسه الطير، ولكنه طبعاً كان يفكر بوسيلة للقضاء على إبراهيم حيث شعر بخطورة الموقف وأنه لن يقدر بعد على محاورته أو مواجهته.

وقد سُجّل هذا الحوار في قاموس الدروس والعبر، وقد ذكره القرآن الكريم نظراً لأهميته في مراحل الحوار والمناظرة فقال تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ){البقرة/258}

 

إِبْرَاهِيْمُ(ع) بَيْنَ عَبَدَةِ الكَوَاْكِبِ

 

هناك خصوصيات امتاز بها الأنبياء(ع) عن غيرهم، ولا يحق لنا أن نتدخّل فيما لا يعنينا أو فيما كان أمره مخفياً عنّا، إذ ليس من البطولة أن نتكهّن شيئاً أو نستنتج فكرة أو نعطي حكماً حول بعض المواقف التي صدرت من أنبياء الله عز وجل.

فإن هناك أسراراً كثيرة موجودة عند الأنبياء لم يكشفوا عنها بأمر من الله تبارك وتعالى، فقد يقوم النبي بعملٍ نحسبه غير ملائم له أو نتهمه لمجرد قيامه بشيء، وهذا خطأ كبير في العقيدة، إذ يجب الخضوع أمام كل ما قام به الأنبياء لأنهم لا يفعلون شيئاً ولا يقولون أمراً إلا بوحي من الله عز وجل، واكبر النماذج على ما نقول هو ما حدث بين موسى(ع) والعبد الصالح(ع) حيث قام الخضر بأفعال لم يقبلها كليم الله بسبب أن ظاهرها قبيح ولكن باطنها كان مغايراً لظاهرها، وقد كشف الخضر عن أسباب أفعاله وأن الله تعالى أمره بفعل ما قام به لحكمة منه تعالى.

وما قام به الخضر(ع) يمكن أن يقوم به أي نبي من أنبياء الله، فلا يجوز لنا أن نتسرع بالحكم قبل معرفة السبب وإدراك الحكمة، ويجب حمْل كل ما قام به الأنبياء على محمل الصحة لأنهم بشر معصومون عن الخطأ، فلو شككنا في تصرفات بعض الأنبياء فقد شككنا بالعصمة، وبالتالي فإن مردَّ الشك في العصمة يعود إلى الشك في قدرة الله عز وجل.

وقد حصل مع إبراهيم(ع) شيء قريب مما قام به الخضر بحضرة كليم الله، مما جعل البعض يظنون بأن إبراهيم كان يعبد الكواكب والعياذ بالله من هذا القول الغريب الذي لا يتناسب مع إبراهيم الطفل حتى يتناسب مع إبراهيم الكهل وشيخ الأنبياء.

وقبل الدخول في البحث نذكر الحوار الذي دار بين إبراهيم وعبدة الكواكب حيث ذكر الله تعالى تلك الحادثة ليعطينا العبرة ويفيدنا بدرس عقائدي عظيم من شأنه أن يقوّي الإيمان في قلوبنا فقال سبحانه(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*){الأنعام75/79}

هناك أحداث جرت على أيدي الأنبياء والرسل تحمل أكثر من وجه، والسبب في تعداد الوجوه يعود إلى الحكمة من وراء الحدث، وقد يكون الناس على علم بالحكمة، وهذا يعني أن المشلكة قد انحلت واتضح المراد، وقد تبقى الحكمة غامضة، وهذا ما أدى إلى وقوع البعض في شك من هذا الأمر أو ذاك، فإذا استسلموا لشكهم وقعوا فيما لا تُحمد عقباه، إذ قد يؤدي هذا الشك عندهم إلى حدوث خلل في العقيدة، وأما إذا بحثوا عن الحقيقة وصلوا إليها عاجلاً أم آجلاً.

لقد أدت مثل هذه الأحداث عند بعض الناس إلى الشك في نزاهة الأنبياء وعصمتهم، هذا بالإضافة إلى مساعدة الأيدي الشريرة على ذلك كما حصل لنبي الله إبراهيم عندما أراد أن يثبت الحق للمشركين الذين كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، أما عبدة الأصنام فقد أثبت لهم بطلان معتقدهم عندما حطمهم وقال لهم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون: وأما هؤلاء فقد استعمل معهم طريقة معينة مشابهة بالمضمون لتلك الطريقة، فأتاهم بطريقة فنية ظن الناس من خلالها بأن إبراهيم كان يعبد المخلوقات، فجلس بينهم منتظراً ظهور الكوكب الذي ينتظرون، وبعد فترة من الجلوس ظهر ذلك الكوكب في السماء فنادى إبراهيم بصوت عال قائلاً(هَذَا رَبِّي) ففرح الناس بمقالة إبراهيم لأن ذلك يدعم معتقدهم كثيراً، ثم انتظر إلى أن غاب هذا الكوكب فأراد إبراهيم أن يحطم في نفوسهم فكرة ربوبية هذا الكوكب فقال لهم: لا أحب الآفلين، أي أنه لا يحب الغائبين ولا يحسن بالمعبود أن يغيب عن عباده، وهذا ما أشار إليه القرآن المجيد حيث يقول(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ  فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ)

والآن علينا أن ننظر إلى الحكمة والحنكة في إثبات الحق، وهذا ما يحتاج إلى معرفة واسعة حول مشاعر الخلق تجاه معبوداتهم، ففي البداية رفع لهم معنوياتهم عندما قال:(هَذَا رَبِّي) ولكنه لو رفض فكرة أن يكون الكوكب رباً من الأساس لواجهه الناس منذ البداية بالعداء والعناد، بمعنى أنه واجههم بالحرب النفسية، ففي البداية رفع لهم معنوياتهم، ولكنه عندما أظهر كرهه للآفلين حط معنوياتهم بقدر ما رفعها في البداية أو بشكل أكبر.

والناس الحاضرون كانوا في موضوع العبادة أنواعاً، والله أعلم:

نوع كانوا يعبدون ذلك الكوكب الذي ظهر ثم أفل، وقد نفى إبراهيم كون هذا الكوكب إلهاً.

ونوع كانوا يعبدون جميع الكواكب الموجودة في السماء.

ونوع كانوا يعبدون الشمس لوحدها، ونوع كانوا يعبدون القمر لوحده، وما صنعه إبراهيم في ذلك الموقف كان جامعاً، بمعنى أنه نفى ربوبية كل المخلوقات سواء كانت موجودة في الفضاء أو موجودة على هذه الأرض.

وفي المرحلة الثانية ظهر القمر فقال إبراهيم(هَذَا رَبِّي) ثم بعد فترة غاب القمر فقال مثل قوله في الكوكب السابق، وكان لقوله هذا نفس الأثر في قوله الماضي، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)

نلاحظ بأنه في هذه المرحلة أضاف إلى نفي الربوبية عن القمر شيئاً آخر، وهو التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) وهو بذلك يحاول أن يلفت أنظارهم إلى وجود إله غير القمر، وقد زرع لهم هذه الفكرة في نفوسهم ليصل إلى النتيجة المطلوبة من مجمل هذا الموقف.

ثم بزغت الشمس فتوجه إبراهيم بالقول(هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ) ولم يكن الناس على علم بوجود مخلوق في الفضاء أكبر من الشمس، فإذا استطاع إبراهيم أن ينفي ربوبية الشمس أصبح أمله بالنجاح كبيراً، فانتظر وقت الغروب وغابت الشمس فعند ذلك صرّح بربوبية الله وحده كما قال القرآن(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ  إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

فعندما أشرقت الشمس في تلك الصبيحة وتلألأت في كبد السماء صاح إبراهيم قائلاً: هذا ربي هذا أكبر، فقوله (هَذَآ أَكْبَرُ) لفت أنظار الناس إلى الشمس وحدها دون باقي المخلوقات التي هي أصغر حجماً منها، هذه هي الورقة الأخيرة التي بقيت في أيدي المشركين، وهذه الورقة التي سحبها إبراهيم من بين أيديهم وهداهم إلى الصراط المستقيم، فعندما قال لهم(هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ) تلألأت وجوههم كتلألئ الشمس وبدت على وجوههم الفرحة والإبتسامة، ولكنه عندما غابت الشمس فقد غاب إلههم الكبير فاستغل إبراهيم هذه الخصلة المهمة في نفي ربوبية الشمس، ومهَّد الطريق أمام طرح الوحدانية وإدخالها إلى القلوب بدل الشرك، ثم صاح قائلاً(يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) لقد أعلن براءته من ألوهية المخلوقات، ولا نعني بإعلان البراءة أنه كان عابداً لها بل أعلن ذلك لينبّه الناس إلى وهن تلك المخلوقات المسخرة لخدمة الإنسان لا أن تكون معبودات من دون الخالق سبحانه وتعالى.

والعبارة القرآنية تنبئ عن كونه كان بريئاً من تلك المعتقدات منذ البداية، فلم يكن الأمر فكرة مستحدثة.

فلم يتبرأ من تلك المخلوقات فحسب وإنما لفت أنظارهم إلى الخالق القدير الذي يجب أن يعبد وحده فقال لهم(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

يوجد إله محجوب عن الأنظار والأسماع، ولكنه ليس محجوباً عن القلوب والعقول، هو الذي يحرك الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وهو الذي تجب طاعته دون مخلوقاته، فمنهم من آمن ومنهم من استحب البقاء على الشرك لأنه اعتاد على عبادة الأوثان التي لا توجب شيئاً ولا تحرم شيئاً.

نقول للذين ظنوا بأن إبراهيم(ع) عبد الأوثان :لقد نشأ إبراهيم في الغار على الوحدانية، وفور خروجه من الغار حقّر الأوثان وعاب عبادتها على الناس، ثم إنه ولد معصوماً وعاش معصوماً ومات على العصمة، فلا يجوز اتهامه بشيء من ذلك فإن اتهامه بأي خطأ إنما هو اتهام لله تعالى الذي اختاره من بين خلقه واصطفاه، فهل يصطفي الله شخصاً نشأ على عبادة غيره؟ بالطبع لا.

وهذا الكلام لا يختص بإبراهيم فقط بل هو شامل لجميع الأنبياء والأوصياء الذين منّ الله عليهم بالعصمة.

أما قوله تعالى (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) فلا يعني أنه لم يكن على يقين بالله بل كان إيمانه بربه لا يوازيه شيء، بل ليكون من الموقنين بمعنى أنه منهم وأنه يدعو إلى الإيمان والتيقن بالله عز وجل.

ولقد أراه ربه ملكوت السموات والأرض حين اصطفاه ليثبت على يقينه.

وعلى الذين يوجهون مثل هذه الإتهامات للأنبياء أن يقلعوا عن ذلك فهو حرام عند الله ولن يبرر لكم أخطاءكم ومعاصيكم.

 

مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيْمَ وعُبادِ الأَوْثَان

 

قال سبحانه(وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

يخبرنا الكتاب المجيد عن إحدى المناظرات أو الحوارات أو الإحتجاجات التي جرت بين إبراهيم(ع) وقومه، وورود هاتين الآيتين بعد الحديث عن تحطيم الأوثان لا يعني أن هذه المناظرة قد جرت بعد تلك العملية، فلربما نظر القرآن بهاتين الآيتين إلى ما حدث قبل الحكم على إبراهيم بالإحراق، وعلى أي حال فسواء حصلت هذه المناظرة قبل التحطيم أو بعده فإن المعنى منها واحد، وهو إثبات الحق وإبطال الباطل بالدليل العقلي والمنطقي.

راح قومه يناقشونه في موضوع التوحيد ويتهجمون عليه ويكذّبونه، وراح هو(ع) يشرح لهم الأمر ويبين لهم الحق بتلك الطريقة النبوية الخاصة.

لقد أخبرهم بأن الله تعالى قد منَّ عليه بالهداية إلى الإيمان به وبتوحيده، فكيف أخاف من أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخافون أنتم ممن بيده ملكوت السموات والأرض وهو على كل شيء قدير.

ولا ينبغي للعاقل أن يخاف مما لا يخيف أصلاً ومما لا حول له ولا قوة، وأنتم يا قوم إبراهيم قد جمدتم عقولكم ومنعتموها من التفكير فوصلتم إلى هذه النتيجة، فلقد هددوا إبراهيم كثيراً ولكنه(ع) كان يشعر بالأمن الذي لم يشعر به قومه لأنه يستمد الأمن من الله تبارك وتعالى الذي ينصر من نصره.

 

إِبْرَاهِيْمُ مِنْ شِيْعَةِ نُوْحٍ(ع)

 

إن لفظة (الشيعة) في اللغة العربية تعني الجماعة والتابعين والمؤيدين، وقد انحصر استعمالها في شيعة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(ع)، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم أربع مرات مرة في سورة مريم حيث يقول(ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) ومرتين في سورة القصص حيث يقول(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) ومرة في سورة الصافات وهي قوله تعالى(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) وهو موضع بحثنا هنا.

والضمير في قوله (شيعته) يعود إلى نبي الله نوح(ع) فإن طريق إبراهيم هي نفس طريق نوح، وكذلك الوظائف التي كُلفوا بها كان مضمونها واحداً، وهناك مشابهة كبيرة بينهما، فإن نوحاً أول أنبياء العزم وإبراهيم ثانيهم.

فبعد أن اخبرنا القرآن عن أن إبراهيم من شيعة نوح راح يبين لنا ما قام به إبراهيم حتى أصبح كأخيه نوح(ع)، وما سوف أذكره هنا ذكرته بشكل مختصر في بحث سابق، ولكن في التكرار فائدة، وقد قال تعالى في سورة الصافات(وإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ  إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) إن أعظم مدح لإبراهيم هو أن يصف الله قلبه بالقلب السليم الذي لم يَحْوِ بداخله سوى الإيمان بالله والإخلاص له، والقلب السليم هو سبب نجاة الإنسان في يوم الحساب لقوله تعالى(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ){الشعراء88/89} وبعد أن ذكر القرآن ذلك راح يبين لنا بعض آثار القلب السليم وما يمكن أن يصدر عن صاحبه فقال(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ  أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ  فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ  فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ  فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ) فالقلب السليم يرفض تلك المعتقدات الفاسدة ويدعو إلى التوحيد ويقف في وجوه الظالمين والوثنيين بكل جرئة وبسالة، فلا يخشى أحداً غير الله، كما صنع إبراهيم عندما واجه عبدة الأصنام ونهاهم عن عبادتها ودعاهم إلى عبادة رب العالمين(فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ولكنه عندما لم يؤمن به الناس نظر نحو السماء بلوعة وحسرة وقال: إني سقيم: لأن القوم أسقموه بسبب كفرهم وعنادهم ورفضهم للحق رغم وضوحه.

فكَّر في طريقة أكثر فعالية من الحوار فوصل إلى نتيجة كان لها الأثر في إقناع مجموعة كبيرة من الوثنيين، وهي الكشف عن حقارة الأصنام وعجزها عن المقاومة والدفاع عن نفسها فدخل المعبد ليلاً وراح يستهزء بتلك الآلهة المزيفة التي اخترعتها أيدي الكفر والفجور وراح يسألها: ألا تأكلون؟ فلم يسمع الجواب، وذلك حتى يقول للناس إن آلهتكم لا تتكلم ولا تسمع.

وقد ذكر القرآن هذه الناحية بوضوح حيث قال(فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ  مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) فلم يبق أمامه إلا أن يحمل فأسه ويحطم تلك الآلهة التي تُعبد من دون الله ليلقن الوثنيين درساً لن ينسوه طيلة حياتهم فحطم جميع الأصنام باستثناء أكبرها لعبرة وحكمة(فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ) ضربهم حتى حطمهم إلى أن جاء الوثنيون ورأوا تلك الكارثة التي حلت بهم وراحوا يبكون حزناً على آلهتهم وإبراهيم يستهزء بهم كيف تعبدون ما تنحته أيديكم وما تصوره مخيلتكم(قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ  وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) إن الله أحق بالعبادة فهو الذي خلقكم وخلق المواد التي صنعتم منها أصنامكم.

لقد أوقعهم تدبيره ووعيه في حيرة من أمرهم حيث عجزوا عن الرد، فلم يقدروا على الدفاع وإقناع الناس بما يعاكس هذه الفكرة فحكموا عليه بالعذاب فجمعوا حطباً كثيراً وأشعلوا ناراً لم يحدِّث التاريخ عن مثلها وذلك كتعبير عن شدة حقدهم وانتقامهم من إبراهيم، وليكون ذلك إنذاراً لكل من يحاول المس بالآلهة، ولكن السحر انقلب على الساحر عندما أتت الأمور على عكس ما أرادوا، وذلك عندما أجرى الله معجزة كبيرة وهي إنقاذه من النار عبر إبطال مفعولها.

(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ  فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ  وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ  رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ  فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ)

 

ذُريَةُ خَلِيْلِ الله إِبْرَاهِيْم(ع)

 

لم يُرزق إبراهيم بأولاد قبل سن الشيخوخة، فصبر على هذا البلاء حتى منّ الله عليه بذرية كثيرة وطاهرة ومباركة(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ){إبراهيم39/41}

لقد تزوج إبراهيم الخليل(ع) من امرأة تدعى (سارة) فعاش معها فترة طويلة من الزمن، ولكنه لم يُرزق منها بأولاد، وقد شعر بالهرم والضعف لأنه أصبح متقدماً في السن، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى لم تُرِد له البقاء وحيداً فهيأ الله له الظروف ليتزوج من هاجر والدة إسماعيل(ع) فتزوجها وأنجب منها ولده الأول إسماعيل، فَقَرَّ الله به عينه، وملأ له حياته بالبهجة والسرور.

لقد أنجب إبراهيم إسماعيل في مرحلة الشيخوخة، ولكن قدرة الله تعالى لا تحدها حدود، فلقد وهبه الله إسماعيل ليكون موعظة للناس وعبرة لمن كان شاكاً بقدرة ربه.

لقد كان في ذلك درس لجميع الناس وهو يدعو إلى إحسان الظن بالله والإستسلام لأمره والثقة به مهما كانت الظروف صعبة وأليمة، فإن البُعد عن الله أصعب وآلم.

لقد عاش إبراهيم مع زوجته الأولى فترة طويلة من الزمن حتى أصبح طاعناً في السن، وهو مع تقدمه في السن لم يكن له ذرية، وقد كان ذلك امتحاناً من الله سبحانه وتعالى لنبيه وخليله حتى يكون عبرة للناس على مر العصور، ورغم ذلك كله لم يتوقف إبراهيم عن الدعاء، بل كان يسأل ربه أن يرزقه ولداً، وهذا يدل على مدى ثقته بالله تعالى وعلى مدى صبره الواسع.

فلم ييأس من روح الله ورحمته، ولم يسيطر عليه القنوط بل كان يزداد ثقة بربه يوماً بعد يوم منتظراً رحمته وفضله.

لقد هيأ الله له ظروفاً خاصة تزوج بها من هاجر التي أنجب منها ولده إسماعيل الذي قرَّ الله به عينه وملأ له حياته بالبهجة والسرور.

لقد أنجب إبراهيم ولده الأول وكان ذلك كرامة من الله عز وجل مَنّ بها عليه نتيجة لصبره حيث رزقه ولداً في مرحلة متقدمة من السن بحيث كان الإنجاب في نظر أهل الطب مستحيلاً، ولكن لا يستحيل شيء أمام قدرة الله تبارك وتعالى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الناحية حيث يقول(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) يريد أن يقول لجميع الناس لا تقنطوا من رحمة الله بل ثقوا به فإنه يسمع دعاءكم ونداءكم بشرط أن تكونوا مخلصين وصادقين كما كان إبراهيم(ع).

ولكن كثيراً من الناس في أيامنا الحاضرة فقدوا صبرهم، فهم يريدون أن تتحقق مطالبهم على وجه السرعة في هذا الزمن الخطير زمن السرعة والتسابق لنيل الدنيا، فإذا لم يستجب الله لهم فوراً خرجوا عن الدين وأطلقوا عبارة لا يليق أن تخرج من فم المؤمن، كقولهم: لماذا يا رب ترزق الكفار والظالمين ولا ترزقنا ونحن مؤمنون بك؟ فلو كنا مؤمنين بالله حقاً لما صدرت منا تلك العبارات، فإبراهيم رُزق بولد بعد عشرات السنين من الزواج، ولكنه لم يتفوه يوماً بكلمة من ذلك بل كان صابراً حامداً شاكراً بصريح العديد من الآيات القرآنية.

لماذا لا تستبدل شكك وظنك بقولك: لعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور: فلو قلت ذلك وفوَّضت أمرك إلى الله لاستجاب الله لك كل شيء.

لقد جعل الله إبراهيم قدوة للناس عبر الزمن فيجب علينا كمؤمنين بالله أن نقتدي بالأنبياء والأئمة المعصومين الذين رسموا لنا طرق السعادة في هذه الحياة وسبل النجاة بعد الممات.

 

المَلائِكَةُ تُبَشرُ سَارَة بِإِسْحَق

 

لكي نحيط علماً بهذا الموضوع الذي يحمل معنى عاقبة الصبر للصابرين ينبغي أن نقف على الآيات الكريمة التي تحدثت عن هذا الموضوع حيث الموعظة من تلك المعجزة التي أجراها الله تعالى على يد إبراهيم(ع) وزوجته العجوز.

قال تعالى(وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ)

المراد بالرسل في هذه الآية هم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم أولاً ثم إلى لوط(ع) ثانياً، وقد جاءت الملائكة تحمل معها البشرى لإبراهيم(ع)، وهذه البشرى إما أنها إخباره بولادة إسحق من سارة العجوز، وبعد إسحق يعقوب، وإما هي البشرى بإنزال العذاب على قوم لوط الذين استاء إبراهيم من سلوكهم الحيواني الشيطاني، وإما أن تكون هذه البشرى متقومة من هذين الأمرين معاً.

فعندما جاءت الملائكة إلى إبراهيم ودخلوا داره وسلموا عليه وردّ عليهم السلام ظن بأنهم ضيوف غرباء فقام معهم بواجب الضيافة حيث قدّم لهم عجلاً حنيذاً، أي عجلاً مشوياً.

(فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

لقد كان من العادات السائدة قديماً أن الضيف إذا امتنع عن تناول الطعام فمعناه أنه يريد بالمضيف سوءاً، والملائكة لم يتناولوا طعام إبراهيم لأنهم في حقيقتهم التكوينية لا يأكلون ولا يشربون، فعندما رأى إبراهيم(ع) أنهم لا يتناولون طعامه خاف منهم وظن بأنهم أشخاص يريدون به سوءاً، وعلى الفور طمأنوه وقالوا له لا تخف، وأخبروه بالمهمة التي أرسلهم ربهم بها، وهي مركّبة من أمرين: الأول: إخباره بأن الله تعالى سوف يرزقه مولوداً من زوجته الأولى سارة، والثاني: إخبارهم له بأنهم يريدون أن يدمروا مدينة لوط على رؤوس أهلها وهو عقاب لهم من الله تبارك وتعالى.

(وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ)

قد يتوهم قارئ هذه الآية أو سامعها بأن زوجة إبراهيم ضحكت بدافع السخرية، وهذا خطأ كبير إذ لا يليق بمكانتها وقربها من شيخ الأنبياء أن تستهزئ بالملائكة وتسخر منهم لأن الإستهزاء بالمَلَك يُعتبر استهزاءاً بالله عز وجل، والظاهر أنها ضحكت من الفرح الذي أدخله الملائكة على قلبها ليس بالبشارة بإسحق لأن هذه البشارة جاءت بعد ضحكها، ولكنها كانت مستاءة من ممارسات قوم لوط، وعندما سمعت كلام الملائكة استبشرت وفرحت وعبّرت عن فرحها بالضحك الذي يمكن أن يكون مجرد ابتسامة منها، وبعدما سمعت بشرى الملائكة لها بالإنجاب تعجبت للأمر إذ كيف تحمل وتلد وهي عجوز قد ناهزت التسعين من العمر كما في بعض التواريخ والروايات فردت الملائكة عليها بأنه لا ينبغي أن تعجبي من أمر الله تعالى فهو على كل شيء قدير، وأنتم يا أهل بيت إبراهيم مكرمون عند الله تبارك وتعالى، وهذا ما أشار إليه قوله الكريم(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)

وقد كان ذلك واحدة من المعجزات التي أجراها رب العالمين على يد خليله إبراهيم(ع).

 

النقَاشُ مَعْ المَلائِكَةِ فِيْ شَأْنِ قَوْمِ لُوْط

 

قال تعالى(فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ *  يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)

عندما اطمأن إبراهيم للضيوف وعلم أنهم من الملائكة، وعندما أخبروه بما سوف يفعلونه بقوم لوط أخذ يستشفع لهم بأن يعطوهم فرصة علهم تابوا وأصلحوا، والتعبير القرآني بالمجادلة هنا لا يوحي بالذم وإنما بالمدح، وذلك بدليل امتداح الله لخليله إبراهيم بأنه حليم وأواه ومنيب.

ولم تكن تلك المجادلة منه اعتراضاً على حكم الله تعالى وإنما صدر ذلك منه لأنه قد عرف الله أكثر من غيره وأنه رحيم وأن رحمته وسعت كل شيء وأنها سبقت غضبه، وهذا ما شجعه على الإستشفاع لقوم لوط ولكن ليس بلحاظ أنهم كافرون لأن النبي لا يستشفع للكافرين، ولكن بلحاظ إمهالهم وإعطائهم فرصة جديدة، ولكن الله تعالى يعلم بأنهم لن يؤمنوا ولو عاشوا في الدنيا آلاف السنين، ولهذا فقد أخبرته الملائكة بأن هذا العذاب الذي أمرنا الله به لا يمكن أن يُرد، وهو معنى قوله سبحانه(رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)

 

كَثْرَةُ ذُريَةِ خَلِيْلِ الله إِبْرَاهِيْم(ع)

 

لم تقتصر ذرية إبراهيم(ع) على إسماعيل وإسحق فقط لأن الله تعالى قد جعل في ذريته النبوة، وقد أشار القرآن الكريم إلى كثرة ذريته حيث قال تعالى(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ){الأنعام84/87}

 

إِمْتِحَانٌ كَبِيْرٌ

 

لم يكن الأنبياء(ع) بمنأى عن الإفتتان والإمتحان بل إن امتحان الله تعالى لهم أكبر وأشد وأمرُّ من امتحانه للناس العاديين.

وعند الإمتحان لا يُفرَّق بين نبي ونبي آخر، ولا بين نبي وإنسان عادي فإن الأنبياء(ع) بشر مثلنا يأكلون ويشربون وينامون ويتألمون ويفرحون ويحزنون كما هو شأن غيرهم من الناس، وإلا فلو كان شأنهم في الإمتحان غير شأننا فيه – بمعنى أن الله تعالى وهبهم قدرة عالية على التحمّل- لما كان لهم فضل علينا، ولذا قلت بأن وضعهم في الإمتحان كوضع غيرهم، ولكن شاءت قدرة الله تعالى أن يُبتلى أنبياؤه بأشد مما يُبتلى به الناس العاديون ليكون الأنبياء بذلك مضرب مثلٍ للجميع، وليُظهر الله تعالى قوة إيمانهم ومدى إخلاصهم لله تعالى وصبرِهم على الأذى في جنبه.

فعندما كان يُبتلى أحد الأنبياء بمرض معيَّن فإنه كان يتألم وتضعف قوته وربما كانت أجسامهم تنهار كلياً لأنهم يخضعون لنفس الأنظمة التكوينية التي يخضع لها جميع البشر.

فالفرق بين الأنبياء وغيرهم هو:

أولاً: أن النبي شخص يوحى إليه من قِبل الله تعالى ولا يوحى إلى غير الأنبياء، وقد أشير إلى هذا المعنى في قوله تعالى(قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ * وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ){الأنعام50/51} وكذا في قوله عز وجل(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا){الكهف/110}

ثانياً: أن النبي يُبتلى بأكثر مما يُبتلى به غيره، ولعل البلاء من الله تعالى يأتي على قدر التحمّل.

ثالثاً: الفرق بيننا وبين الأنبياء(ع) أن الأنبياء لا يخرجون عن السيطرة ولا يفقدون صوابهم ولا تتزلزل عقيدتهم مهما كان البلاء كبيراً والإمتحان شديداً حيث عظُمَ الخالق في أعينهم فصغُر ما دونه في قلوبهم.

والدليل على ذلك كله هو تاريخ الأنبياء المليء بالإمتحانات التي واجهوها بصبر وحكمة ولجوء إلى الله عز وجل، ولكن يوجد هناك تفاوت أيضاً بين نبي ونبي آخر حيث ورد عن خاتم الأنبياء محمد(ص) أنه قال: ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت:

فكليم الله موسى(ع) من أنبياء العزم، وقد ابتلاه ربه بالعديد من الإختبارات، ولكننا نلاحظ بأن ابتلاء أيوب ظاهراً كان أشد من ابتلاء موسى وبعض الأنبياء، وكل ذلك مردُّه إلى حكمة الله عز وجل.

وخليل الله إبراهيم(ع) من أبرز الأنبياء الذين خضعوا لأشد أنواع الإبتلاءات، ولكن الله تعالى قد منَّ عليه بالفرج بعدما صبر طويلاً، ولكي يسهل علينا فهم البحث نذكر لكم نماذج من ابتلاءات هذا النبي العظيم.

 

إِبْتلاؤُهُ بِعَدَمِ الإِنْجَاب

 

قد تكون حكمة الله تعالى من هذا الإبتلاء لأحد أعظم أنبيائه واضحة لدى البعض، وقد تكون خفية على الجميع، ولكننا نؤمن بأن الحكمة من وراء تلك الإبتلاءات هي أن الله تعالى يريد أن يُظهر للبشر مدى حجم إيمان أنبيائه به وإخلاصهم له، ولأجل ذلك اصطفاهم وفضّلهم عمن سواهم وجعلهم أنبياء ورسلاً.

لقد ابتلى الله تعالى خليله إبراهيم بعدم الإنجاب، وقد عاش سنين طويلة من دون أن تُقرّ عينه بولد يملأ عليه حياته ويُدخل السرور إلى قلبه.

لقد شكى إبراهيم وحدته إلى الله وكان كثير الدعاء في هذه المسألة وغيرها،(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) ولكنه كان يفوض أمره إلى الله عز وجل في كل الظروف، وقد أشار القرآن إلى أن الله تعالى قد وهب له ولدين على الكبر حيث قال(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء)

 

إِبْتلاؤُهُ بِعَبَدَةِ الأَوْثَان

لقد عانى إبراهيم كثيراً من كفر قومه الذين واجهوه بشتى أنواع الإنكار والتحدي والتكذيب عبر عقود من الزمن، ففارق الحياة وأكثرهم معاندون وقد كان(ع) متأذياً لهذا الأمر، وقد كان ذلك ابتلاءاً عظيماً بالنسبة إليه.

 

إِبْتلاؤُهُ بِعَمه

 

لقد كان هذا الإبتلاء حرجاً عليه، وقد حاول بشتى الوسائل أن يقنع عمه بالإيمان خوفاً على مصيره بعد الموت لأنه(ع) أراد له الخير حيث اهتم آزر بإبراهيم وأعطاه الرعاية والحماية فكان يقوم بدور الوالد، وقد كان إصرار آزر على الكفر صاعقة على إبراهيم الذي تمنى لعمه كل خير، ولكن عمه رفض الخير لنفسه.

 

إِبْتلاؤُهُ بِنَفْسِه

وذلك عندما أجمع القوم على قتله بالنار فتدخلت الإرادة الإلهية عبر الإعجاز وأنقذه الله تعالى من هذا البلاء العظيم لأنه كان بمستوى المسؤولية فلم يزغ قلبه عن ربه طرفة عين، ولأنه صبر على هذا البلاء وفوّض أمره إلى الله فقد منّ عليه ربه بالنجاة.

 

إِبْتلاؤُهُ بِتَرْكِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ فِيْ وَادِيْ مَكة

بعد أن ناهز عمر إبراهيم مئة وعشرين سنة ودنت زوجته سارة من التسعين إشتد شوق إبراهيم لولد يؤنسه في كبره فأشار على زوجته سارة أن تهب له هاجر علّ الله يرزقهما بولد يأنسان به، فنزلت سارة عند رغبة زوجها ووهبته هاجر فتزوجها وأنجبت له إسماعيل فقرّت به عينه حيث ملأ له دنياه فرحاً وسروراً فاغتمت سارة بذلك واشتعلت بداخلها نار الغيرة، فأمر الله عز وجل خليله إبراهيم بأن يترك فلسطين ويأتي بهاجر وابنها إلى وادي مكة.

لقد كان ابتلاء إبراهيم بعدم الإنجاب أهون بكثير مما ابتلي به بعد أن رزقه الله بإسماعيل، فإنه وبعد فترة من ولادة إسماعيل توجه إبراهيم برفقة زوجته هاجر وولده إسماعيل نحو وادي مكة، وذلك بعد أن نفاه الحاكم من وطنه خوفاً من أن يسيطر إبراهيم على الناس بعد أن ظهرت له تلك الكرامات والمعجزات التي أثبتت كونه مرسلاً من عند الله عز وجل، ويروى بأنه في أثناء الطريق تعرَّض لاعتداءٍ من قبل بعض أتباع الملوك حيث أراد الملك أن يلمس سارة زوجة إبراهيم نظراً لجمالها، فما أن مدَّ يده نحوها حتى دعا عليه إبراهيم فيبست يده بقدرة الله تعالى، وقد أضيف بذلك كرامة إلى كرامات إبراهيم الخليل سلام الله عليه.

وبعد مدة من الزمن وصل إبراهيم إلى وادي مكة وكان وادياً موحشاً ليس فيه أحد، ولم يكن ممراً للمسافرين، ولم تكن أرضه صالحة للزراعة، ولا يوجد فيه عين ماء ولا شيء من الزاد، فتركهما إبراهيم هناك ورحل عنهما، فقالت له زوجته هاجر: إلى من تتركنا؟ قال أدعكما إلى ربي(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)

فبعدما أمر الله تعالى نبيه إبراهيم الخليل(ع) بترك زوجته وولده في وادي مكة حيث لا ماء ولا نبات ولا أحد من الناس، وكان ذلك ابتلاءاً يمتحن الله به خليله إبراهيم بالإضافة إلى كونه تمهيداً لبناء الكعبة وتأسيساً لفريضة الحج كان ذلك أمراً شاقاً على إبراهيم الذي تعلق قلبه وتعانقت روحه بروح ولده إسماعيل الذي رزقه الله به على الكبر.

إن التغرب عن الأهل والولد والجيران والأقرباء أمرٌ صعبٌ  وشديد على الإنسان وإن ترك أهله بين الجيران والأقارب، فهو يحمل همهم في غربته وينشغل باله في شأنهم حذراً من أن يمسهم سوء وهو بعيد عنهم.

فكيف به إذا ترك الأهل والولد في مكان قفر وموحش وخال من الأنيس والزائر والطعام والشراب، إن ذلك لا شك حكمٌ عليهم بالموت بعد الجوع والعطش والخوف.

ففي مثل تلك الظروف القاسية التي مر بها إبراهيم وعائلته لم يكن هناك مجال للخلاص إلا بالعناية الإلهية الخاصة أو ما نعبّر عنه بالمعجزة.

وبالفعل لقد حصلت المعجزة على يد نبي الله إسماعيل وأمه هاجر عندما كاد إسماعيل وأمه يموتان عطشاً في جو تلك الصحراء القاتلة فذهبت الأم تبحث عن نبع ماء وهي تعلم بأن الأمر مستحيل حيث لم يعهد الناس في ذلك المكان مكاناً فيه ماء، فرجعت تلك الأم المحتارة إلى ولدها يائسة من وجود الماء حاكمة على نفسها وولدها بالموت، وإذا بها ترى ماءاً يتدفق من تحت قدمي ولدها، وإذا بها عين زمزم التي جعلها الله تعالى معجزة للبشر عبر الزمن.

 

عَيْنُ زَمْزَم

 

لقد كانت بئر زمزم معجزة كبرى إذ كيف يمكن أن تنبع في الصحراء عين ماء بارد ، وما زالت تلك المعجزة قائمة حتى يومنا هذا إذ أن حجاج بيت الله الحرام يشربون من تلك العين، ومن المستحبات أن يشرب الحجاج من تلك البئر المباركة فإن فيها الشفاء والبركة والفائدة.

ما زالت زمزم موجودة وهي تنبع بشكل مستمر وغزير تكفي جميع الوافدين إلى مكة، ولكن أكثر الوافدين إليها والشاربين من مائها هم يؤمنون بكون مائها مباركاً، ولكنهم ينسون أن هذا الماء بحد ذاته معجزة للبشر عبر الزمن.

فعلى الناظر إلى ماء زمزم أو الشارب منه أن يتأمل في أصل نبعه في ذلك المكان الصحراوي، وأن يرجع بالفكر إلى زمن إسماعيل ويتأمل في عظيم تلك المعجزة التي كانت موضع دهشة المسافرين الذين لم يروا في حياتهم قبل إسماعيل أي أثر لعين ماء.

إن هناك معجزات كثيرة ما زال أثرها موجوداً ووجودها فعالاً، ولكن الأمر بحاجة إلى شيء من التفكر الذي كان بحد ذاته عبادة، فلو أهمل الناس تلك المعجزات ولم ينظروا إليها إلا من المنظار المادي لأصبحت المعجزات منسية ومهملة، مع أن المفروض هو إحياؤها بشكل دائم لأنها تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

وبفضل تلك المعجزة أصبح ذلك المكان مأهولاً بالسكان ومَقصداً للمسافرين ومورداً للحجاج الذين دعاهم إبراهيم إلى الحج بعد أن رفع القواعد من البيت.

 

أَحْدَاْثٌ بَعْدَ مُعْجِزَةِ زَمْزَم

 

قبل أن يغادر إبراهيم مكة ويترك فيها زوجته وإبنه توجه إلى الله عز وجل بالدعاء أن لا يبقيهما وحيدين فريدين وأن يلهم الناس بالمجيء إليهما(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ){إبراهيم/37}  ثم غادرها كما أمره الله عز وجل، ولم تكن مغادرته مشابهة لأسفاره السابقة وإنما كانت مشحونة بالألم والأسى والخوف عليهما حيث لا يسهل على الإنسان أن يترك فلذة كبده في مكان موحش بعيد عن الجليس والأنيس، ولكنه(ع) أودعهما الله العلي القدير فهو خير حافظ وأنيس لعباده المؤمنين، ولم يكن هناك مفر من أمر الله تعالى، فإنه مهما كانت الظروف صعبة ومريرة فلا بد من تنفيذ أمر الله عز وجل، ولكن رحمة الله قريب من المؤمنين، فقد استجاب الله دعاء إبراهيم فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم بعد أن منّ الله عليهما بالماء في تلك الصحراء.

فبعد أن تركهما إبراهيم في تلك البقعة جلست هاجر متحيرة في أمرها وأمر ولدها الصغير وهي خائفة عليه من الجوع والعطش تارة، ومن السباع تارة أخرى، ولكن لم يكن هناك مفر من الأمر فجلست حتى طلع النهار واشتدت حرارة الشمس فراح طفلها الرضيع يصرخ من شدة العطش.

قامت هاجر فأظلته بكساء كان معها لترد عنه ما أمكنها من حرارة الشمس المحرقة، ولكن هذا الأمر لا يفي بالغرض فهو لا يروي الكبد الحرة، فعند ذلك راحت تنادي هل من أنيس؟ وبينما هي كذلك وإذا بها تبصر السراب فحسبته ماءاً فلما دنت منه لم يكن ماءاً بل هو إشعاع تعكسه الشمس، ثم نظرت إلى ناحية المَرْوة فذهبت فكان سراباً ثم رأته من ناحية الصفا فكان كذلك، وبعد ذهاب وإياب بين الصفا والمروة نظرت إلى الموضع الذي وضعت فيه إبنها الرضيع وإذا بها ترى الماء ينبع من تحت قدميه بغزارة فأقبلت مسرعة نحوه وراحت تحبسه كيلا يجري لغزارته فشربت وشرب إبنها وقد هان عليها بذلك جزء من مصابها، وعندما كثر الماء عكفت عليه الطيور والوحوش وقد أصبح ذلك ملفتاً للنظر، وكانت قبيلة جُرْهُم ومجموعة من تجار اليمن نازلين بالقرب من عرفات فنظروا إلى انعكاف الطير فوق تلك البقعة فأتوا مسرعين إلى وادي مكة فرأوا هناك هاجر وابنها فسألوها عن الأمر فأخبرتهم بما جرى فتعجبوا لوجود الماء في ذلك المكان الذي لم يروا فيه ماءاً طيلة حياتهم.

وبعد أيام رجع إبراهيم الخليل إلى ذلك الموضع وهو مسرع ليطمئن على زوجته وابنه إسماعيل وإذا به يتفاجأ بتلك الرحمة الإلهية، ثم أذن لقبيلة جرهم بالنزول معهم في ذلك الوادي، وقد رحم الله عبده إبراهيم بعد أن اختبر إيمانه فكان أعظم المؤمنين في عصره، وقد استجاب الله له دعاءه ليكون ذلك عبرة للناس عبر الزمن.

لقد ابتلى الله أنبياءه ورسله واختبرهم بأمور هي التي ميزتهم عن باقي الناس، فقد ابتلاهم بأعظم أنواع البلاء ليكون صبرهم على البلاء درساً للأمم عبر الزمن.

من منّا يترك ولده الوحيد في صحراء جافة من دون ماء أو طعام في مكان كان عُرضة للسباع، وهو لا يعلم شيئاً عن مصيره، أهو على قيد الحياة أم أن السباع قد افترسته.

ومَن منا يلبي أمر الله بذبح ولده؟ أليس ذلك دليلاً على عظمة الأنبياء وتميزهم عن باقي الناس؟

قد يقول بعض الناس لقد صنع إبراهيم ذلك لأنه كان يعلم بأن الله سوف يحرسهم.

نحن نقول: هذا أمر حَسن لأن ثقته بربه كبيرة ومتينة، ولكن لسان القرآن الكريم يؤكد بأن إبراهيم لم يكن على علم بالمصير المكتوب لزوجته وابنه، أكثر ما في الأمر أنه توسل إلى الله سبحانه بأن يحفظهما، والأمر يعود إلى الله الذي إن شاء حفظهما أو أهلكهما.

لقد كان إبراهيم واثقاً بالله تعالى، ولكنه لم يكن يعلم بأن الله سوف يحفظهم، إذ قد تكون العبرة في هلاكهما كما كانت المصلحة في هلاك بعض الأنبياء السابقين وبالأخص الذين قتلهم اليهود.

نحن نؤكد من خلال استقامة الإمتحان والإختبار واكتمال شروط البلاء أن إبراهيم لم يكن يعلم المصير وإلا لو كان مطمئناً لمصيرهما لما توسل بهذا الشكل ودعا الله أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.

إن لسان القرآن يكشف عن كون إبراهيم كان قلقاً لشأنهما وحزيناً عليهما.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء)

 

إِبْرَاْهِيْمُ(ع) والإِمْتِحَانُ الأَكْبَرُ

 

قد يكون الإعجاز حادثة خارقة لقانون الطبيعة كإخراج الناقة من بين الصخور وقلع الجبل من أصله وتحويل العصا إلى ثعبان وإبطال مفعول النار، وقد تحصل حادثة كبرى وغريبة من نوعها تشبه ببعض جوانبها الإعجاز إلا أنها ليست معجزة، فقد يقوم الإنسان بأمر عظيم أو تُواجهه صعوبات ليس من طبيعة المرء أن يتحملها بسبب شدتها وقساوتها وفظاعتها.

فما حصل لنبي الله أيوب(ع) لم يكن بالأمر المحتمل، ولم يكن أمراً عادياً، فإن المرض الذي أصابه لا يستطيع غيره أن يحتمله أو يصمد أمامه أياماً لأنه كان مرضاً مؤلماً ومميتاً من شأنه أن يقضي على الإنسان بعد أيام أو ساعات من لحظة حدوثه.

لقد استمر هذا المرض في أيوب مدة ثمان سنوات تقريباً حتى ضج الناس منه  وضج بعضهم من حجم قدرته على التحمل، وهناك أشخاص نفَوه من البلد خوفاً من العدوى.

فمن شأن هذه الحادثة أن تُفقد المرء صوابه وتُشعره بالضعف أمام المرض القاتل، أما أيوب فلم يزده مرضه إلا اقتراباً من الله عز وجل.

وكذا الحال في أن يخسر المرء جميع أولاده في ساعة واحدة ويصبر على تلك المصيبة ويحمد الله تعالى على ما نزل به من البلاء من دون أن يتأفف يوماً أو يعترض على حكم ربه.

لم يكن ما حصل لأيوب معجزة بل الصبر الذي واجه به مصائبه كان كمعجزة في نظر الناس.

إن ما أصيب به أيوب قد أصيب به إبراهيم، ولكن بشكل آخر، وقد عرفنا مما سبق أن الله تعالى ابتلى خليله إبراهيم بترك ولده إسماعيل في وادي مكة قبل أن يُؤْهَل بالسكان والحجاج، وقد لبى أمر ربه وصبر على حكمه وابتلائه .

وقد كرر الله تعالى بلاءه لإبراهيم ليجعله آية للعالمين ومثلاً أعلى للأجيال وقدوة حسنة لكل من يأتي بعده.

ففي هذه المرة أمره الله بأمرٍ قَلَّ من يلبّيه من الناس، لقد أمره بذبح ولده الوحيد الذي رُزق به على الكبر، فلم يُبدِ أية معارضة لأن الله تعالى أعلم بالمصالح والمفاسد، فأخذ ولده إسماعيل وملامح البراءة تشع من وجهه، أخذه إلى مكان بعيد عن الأنظار ووضعه في مكان من الأرض وكشف له عن عنقه ووضع سكيناً حاداً على ذلك العنق الرقيق وذكر الله تعالى وضغط بقوة ليذبحه سريعاً كيلا يعذبه الألم فلم تؤثر السكين الحاد في ذلك العنق الرقيق، وهنالم يتخذ إبراهيم من عدم تأثير السكين ذريعة وحجة ليمتنع عن تنفيذ الأمر الإلهي، وإنما راح يحاول ذبحه أكثر من مرة والسكين لايقطع، إلى أن ناداه ربه أن يا إبراهيم لقد صدّقت الرؤيا.

وقد فدا الله إسماعيل بكبش ليذبحه إبراهيم بدل ولده ففعل ذلك وشكر الله تعالى على إعفائه من تلك المهمة الصعبة التي لم يُقصِّر إبراهيم في تأديتها كما أمره ربه.

وفي هذه الحادثة اجتمع أمران، هما: معجزة وشبه معجزة، أما المعجزة: فهي الكبش الذي أوجده الله تعالى من دون أب وأم، وأما شبه المعجزة: فهو الأمر الذي قام به إبراهيم عندما أراد أن يذبح ولده.

ولكي ندرك أهمية الأمر وعظمته فلنضع أنفسنا دقيقة واحدة مكان إبراهيم في ذلك الموقف الرهيب وسوف نعرف عظيم الأمر وندرك صعوبة الموقف ونعلم مدى حب إبراهيم لربه وخشيته منه.

وقد كانت العظمة مشتركة بين إبراهيم وإسماعيل فكلاهما لبى أمر الله تعالى واستسلما له، فإبراهيم وطَّن نفسه على  الصبر لفقد الولد بعد ذبحه، والولد إسماعيل صبر على ألم الذبح فكانا بذلك عظيمين عند الله تعالى.

وقد ذكر لنا الكتاب المجيد هذه الحادثة حيث قال تعالى:

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ){الصافات102/110}

لقد حاول بعض من يدّعون العلم والمعرفة أن يطعنوا بعظمة إبراهيم فادعوا بأن الله تعالى قد أمره بفعل مقدمات الذبح وليس نفس الذبح، وهذا هراء وافتراء على الله والأنبياء لأن فيه اتهاماً مباشراً لله تعالى بالدرجة الأولى، فإذا كان ما تقولون صحيحاً والعياذ بالله فمعنى ذلك أن ما حصل إنما هو كذب بكذب لأنه تكذيب واضح لظاهر القرآن الكريم، فعليهم أن يرجعوا إلى القرآن ويدَّبروا آياته ليعرفوا الحقيقة التي لا تحتاج معرفتها إلى بحث وجُهد.

والنتيجة هي أن الله تعالى امتحن إخلاص خليله إبراهيم بذبح إسماعيل فكان أكبر من الإمتحان وأقوى منه، وإبراهيم بدوره اختبر صبر ولده فوجده بمستوى التكليف، وكلاهما صبر على تحقيق الإرادة الإلهية، وإن ألم ذبح الولد على يد والده آلم على قلب الوالد من ألم السكين على منحر الولد، فلو كانت إرادة الله تعالى تقتضي أن يُذبح إسماعيل يومها لكان إسماعيل(ع) قد ذُبح مرة واحدة، ولو أنه حصل ذلك لكان إبراهيم(ع) قد ذُبح في اليوم ألف مرة، ولكن الله تعالى رؤوف بعباده ورحيم على خلقه.

 

وَقْفَةُ تَأَملٍ فِيْ سُوْرَةِ الصافات

 

قد يتكرر ذكر الحدث في القرآن الكريم إما في السورة ذاتها أو في غيرها، ولكن هذا التكرار له جملة من الفوائد.

منها: أن الله تبارك وتعالى يُظهر لنا أهمية الأمر المكرر ليلفت انتباهنا إلى مضمونه حتى نتأمل أكثر وندرك الفائدة المرجوة.

ومنها: أن أغلب التكرارات يرد فيها إيضاحات لم تُذكر في غير هذا الموضع، فنجمع ما ذُكر هنا وما ذُكر هناك فتتم الفائدة ويتضح البحث، وهذا ما حدث في سرد سيرة إبراهيم(ع).

وفي سورة الصافات ورد الحديث عنه(ع) مشابهاً لما ورد في سورة الأنبياء وغيرها من السور المباركة التي تعرّضت لذكر إبراهيم(ع).

ولكي يظهر لنا المعنى المشار إليه من فائدة التكرار نقف قليلاً على ما ورد في سورة الصافات.

(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ)

لقد وردت هذه الآيات عقب الحديث عن نبي الله نوح(ع) حيث أخبرنا الله تعالى بأن إبراهيم من شيعة نوح، أي أنه سلك نفس النهج الذي اتبعه نوح من قبل وهو نهج الحق ونهج الإسلام، والضمير في قوله تعالى(شِيعَتِهِ) يعود إلى إبراهيم(ع).

(إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)

لماذا كان إبراهيم من شيعة نوح؟ لأنه حمل نفس الرسالة من نفس المصدر الذي حملها منه نوح(ع)، وهنا يذكر لنا رب العالمين السبب في كون إبراهيم من شيعة نوح وهو أن إبراهيم كان يملك قلباً طاهراً نقياً لم يدخله الشك يوماً ولم يخرج منه الإخلاص للحظة، ولعل قوله(جَاء رَبَّهُ) أي أنه توجّه إلى الله تعالى بهذا القلب المفعم بالإيمان.

(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ)

لقد كان قلب إبراهيم سليماً لأنه حرص على التوحيد وواجه قومه الجبارين برسالة السماء وتحداهم ووقف في وجوههم بكل جرأة وبسالة، ووجّه إليهم سؤالاً يحمل في طياته التوبيخ لهم ولمعتقداتهم الفاسدة، ما هذه التماثيل الحقيرة التي تعبدونها من دون الله عز وجل؟ ولماذا حصرتم تفكيركم بها ولم تسمحوا للعقل بأن يجول في عالَم الموجودات ليكتشف الحقيقة الموجودة في داخل كل إنسان بقوة الفطرة المودعة فينا من قِبل الله عز وجل.

(أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ)

إن توجّهكم لغير الله تعالى هو إثم وإفك وكذب وافتراء.

(فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)

يحاول خليل الله أن يحرّك فطرتهم ويصوّب أفكارهم نحو نهج الحق، فبعد أن حقّر آلهتهم سألهم عن رأيهم في الله الذي يرزقهم من السماء والأرض، ولكن الغشاوة كانت كبيرة والضلال مسيطراً والأهواء حاكمة فلم يبالوا بكلامه ولم يعيروه شيئاً من اهتمامهم بل تمسكوا بالمعتقد الباطل لأن الأصنام لا تطلب منهم شيئاً بل هم الذين يحددون العبادة لها بالطرق التي يرونها ملائمة لأهوائهم ومناسبة لأوضاعهم.

(فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ)

كان الوثنيون في مدينة بابل يحتفلون بعيدٍ سنوي لهم فيأتون المعابد ويضعون الطعام أمام الأصنام حتى تباركها، وكان الوثنيون يأتون في المساء ويأكلون الطعام، وذات مرة دعاه قومه إلى مشاركتهم في مراسم عيدهم فرفض ذلك بعد أن نظر إلى النجوم التي كانت بالنسبة لهم هي التي تحدد مصيرهم إذ كان فيهم من يدعي قراءة المستقبل عبر النظر إلى النجوم، ولعل إبراهيم(ع) قد نظر إليها ليوهمهم بأن نجمه يمنعه من مشاركتهم وأن سقمه يرجع إلى النجوم فتركوه وتوجهوا إلى معابدهم للإحتفال بالعيد.

فإبراهيم(ع) لم يكذب بادعاء السقم لأنه في الواقع كانت نفسه سقيمة من إلحاد قومه وتحجُّر عقولهم وتصلُّب أفكارهم.

(فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ)

انتقل حديث القرآن الكريم إلى الحدث البارز في تلك المرحلة، وربما لم يكن تحطيم آلهتهم بعيداً عن ساعة دعوتهم له لأنه(ع) يمكن أن يكون قد استغل هذا الوقت الذي كانت نفوس القوم فيه متوجهة إلى آلهتهم ومطمئنة لها، ويمكن الإستدلال على قرب الحدث من عيدهم هو أنه استهزأ بالأصنام عندما تكلم معهم ودعاهم إلى تناول الطعام، والآيات هنا تذكر دليلين على وهن الأصنام، الأول: أنها لا تأكل، والثاني: أنها لا تنطق، والدليل الأكبر في ذلك هو أنه(ع) حطمها ولم تدافع عن نفسها.

ويمكن القول بأن الآية الأولى تشير إلى استهزائه بتلك الآلهة المزيفة، والثانية يستفاد منها العبرة لأن الأصنان مصنوعات لا قيمة لها فما هي سوى مادة عمياء لا تضر ولا تنفع ولا تتكلم ولا تسمع ولا تتحرك بالإرادة، وبعد الإستهزاء بها وإعطاء الدليل على حقارتها توجّه إليها وراح يحطمها واحداً تلو الآخر ولم يترك سوى الصنم الأكبر ليستعمله دليلاً على كذب تلك العقيدة الفاسدة من أساسها.

(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ)

أقبل القوم مسرعين مستنكرين تلك الجريمة التي ارتكبها إبراهيم في حق آلهتهم.

(قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)

لم يخف منهم رغم علمه بعاقبة ما قام به، ولم يكتف بتحطيم الأصنام فقط وإنما راح يعظهم تارة ويوبخهم أخرى لينتبهوا من غفلتهم ويستفيقوا من غفوتهم، فتعجب لأمرهم الغريب، كيف تعبدون مادة أنتم نحتموها وأعطيتموها الصورة التي نسجتها مخيلاتكم، فما هذا الهراء وما هذا الإفتراء، بل ما هذه الكذبة الكبيرة التي كذبتموها أنتم ثم صدّقتموها.

لقد بيّن لهم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقهم وأصنامهم، وهو من تجب طاعته دون غيره من المخلوقات.

(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ)

عندما خاف سادة القوم من الفضيحة وكشف الستار عن أهوائهم سارعوا إلى التمويه عبر تحريض الناس عليه، وأمروهم بأن يجمعوا الكثير من الحطب ليحرقوه وليكون عقابه تحذيراً لكل من يجرؤ على المس بالآلهة، ولكن السحر انقلب على الساحر وردّ الله تعالى كيدهم إلى نحورهم عندما حوّل تلك النار العظيمة إلى برد وسلام.

(وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)

رغم أنهم رأوا بأعينهم معجزة لا مثيل لها في زمانهم، وقد كانت تلك المعجزة كفيلة بإقناع الصخر إلا أن الأغلبية الساحقة منهم بقوا على عنادهم وطغيانهم ووثنيتهم حتى يئي إبراهيم منهم وقرر الرحيل عنهم إلى مجتمع صالح وطاهر.

(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ)

لعل هذا هو أول طلب يطلبه إبراهيم(ع) من الله تعالى، لقد طلب أن يرزقه ولداً صالحاً ليحمل الرسالة من بعده ويتم مسيرته الكبرى فاستجاب الله له ورزقه بإسماعيل(ع)

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)

لقد اختصرت هذه الآية مسافات طويلة من حياة خليل الله فتحدثت عن إسماعيل الشاب اليافع، بعد أن غادر إبراهيم أرض بابل وحملت زوجته العجوز بإسماعيل وقد كان ذلك معجزة من الله سبحانه كرّم بها آل إبراهيم(ع)، وأشارت إلى أعظم امتحان يمكن أن يختبر الله به أحداً من عباده وهو ذبح هذا الشاب الذي طال انتظار إبراهيم له، وهنا يوجد كلام هام حول هذه النقطة لا بد من إثارتها لأنني في البحث الخاص عن هذه النقطة لم أذكر هناك كل شيء.

فعندما بلغ إسماعيل سنَّ السعي، أي أنه أصبح قادراً على السعي والعمل في هذه الحياة، وكان عمره آنذاك ثلاثة عشر عاماً كما هو رأي أكثر المفسرين، فعندما بلغ تلك السن رأى إبراهيم مناماً أزعجه كثيراً، ولم يكن ما رآه هو المنام الذي نراه نحن، وإنما كان وحياً من الله تعالى لأن بعض الأنبياء كان الوحي يأتيهم في المنام.

لقد حاول البعض من أهل الإفتراء أن يستثمروا هذه الآية للطعن في العديد من المعتقدات حول الأنبياء(ع) فتساءلوا عن هذا المنام، هل هو حجة حتى يجب تنفيذه؟ وأظن بأنني أجبت على هذا السؤال قبل طرحه، ولا أريد أن أزيد على ما قلته في الجواب عنه شيئاً آخر سوى النظر إلى قول إسماعيل(ع)(يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ولم يقل إفعل ما رأيت في المنام مما يدل على أن ما رآه إبراهيم(ع) إنما هو الوحي الذي كان يجيؤه.

وأما البعض الآخر فكان كلامهم عن هذه الحادثة أخطر لأنهم من الذين تعلموا الكثير عن خليل الله ولكن آراءهم حول هذه المسألة كانت خطيرة إلى درجة الكفر بالله والشك به وبإبراهيم.

لقد قرأت في بعض المجلات الإسلامية الأسبوعية(مع الأسف) سؤالاً طرحه بعض الناس على المجيب فقالوا له هل صحيح أن الله تعالى قد أمر إبراهيم بذبح ولده إسماعيل؟ فأجابهم هذا الذي كنا نظنه على خير قائلاً: في الواقع إن الله تعالى لم يأمر إبراهيم بالذبح وإنما أمره بإجراء مقدمات الذبح:

وهذا يعني أن المجيب هنا يوجّه التهمة إلى الله تعالى بأنه فبرك مع إبراهيم هذه التمثيلية لهدف خاص، وهذا كفرٌ واضح وإنكار للحق وطعنٌ للآيات الكريمة، فإذا كان الأمر كما قال هذا المجيب فهذا يعني أنه لا شأن ولا فضل لإبراهيم الذي كان يعلم(بحسب رأي المجيب) أنه سوف يُعفى في اللحظات الأخيرة من هذا الأمر.

فلو قرأ هذا المجيب تاريخ إبراهيم عن قرب وكسب وتأمل لأدرك بأن الأمر كان جدياً ومبرماً لا رجوع عنه وأن الله تعالى امتحن إبراهيم بأكثر من بلاء.

ولا شك في أن هذا الجواب يحمل خلفية سيئة ومؤامرة واضحة على أنبياء الله(ع) ضمن تلك الحملة العشوائية التي دبّرها هذا المجيب ومن مشى خلفه لغايات أظنها دنيوية محضة.

وأنا هنا أسأل هذا المجيب عن قول الله تعالى بعد أن نفّذ إبراهيم الأمر الإلهي بكل جرأة(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ)

إذا كان رب العالمين سبحانه يخبرنا بأن هذا من الإبتلاءات العظيمة وأن إبراهيم نفّذ الأمر الإلهي فكيف يمكن لك ولغيرك أن تتفوهوا بهذا الكلام المشين والمسيء للنبوة والأنبياء.

وهل أن قوله تعالى(سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) هل كله تابع لتلك التمثيلية؟ فما على هؤلاء إلا أن يتقوا الله تعالى ويحترموا أنفسهم ليحترمهم الآخَرون، وأنا أول من يتهم هؤلاء ويوبخهم لأنني أعلم بأهدافهم وأطماعهم من وراء تلك التهم التي يلصقونها بأنبياء الله(ع).

 

إِبْرَاهِيْمُ(ع) فِيْ سُوْرَةِ البَقَرَة

 

تناول القرآن الكريم الحديث عن خليل الله إبراهيم(ع) في سور كثيرة بيّن فيها الكثير من شخصيته الكبرى ومواقفه المشرِّفة حيث جعلها دروساً للبشرية عبر الزمن.

وها هي سورة البقرة تحدثنا عن مواضيع مختلفة حول هذا النبي العظيم الذي اتخذه ربه نبياً وخليلاً وإماماً.

قال سبحانه وتعالى(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)

لقد امتحن الله تعالى خليله إبراهيم بكلمات، وهذه الكلمات هي مجموعة من الأوامر والنواهي التي امتثلها إبراهيم من دون أي تردد، ولأنه أطاع الله تعالى في السر والعلن فقد منحه الله عز وجل وساماً كبيراً في هذه الدنيا حيث جعله إماماً للناس، أي قدوة يقتدون بها عبر التاريخ.

وعندما سمع إبراهيم وحي الله تعالى في تنصيبه هذا سأل الله سبحانه هل أن ذريتي سوف تكون أئمة؟ فأجابه الله تعالى بأن الإمامة لا تصيب العاصين، ومن هنا يُستدل على ضرورة أن يكون الإمام معصوماً، ولا تدل هذه الآية على أن الإمام أفضل من النبي كما يحاول البعض أن يصوروا الحقيقة على غير وجهها الصحيح، فالنبي له شأنه ومكانته، وكذلك الإمام، وكلاهما معصوم يحمل نفس الرسالة، وإذا قلنا بأن منصب الإمامة أعلى من منصب النبوة فمعنى ذلك أن إبراهيم(ع) أفضل من خاتم الأنبياء، لأن الله تعالى لم يخبرنا عن أنه جعل خاتم أنبيائه إماماً، وكلنا نعرف بأن النبي الأعظم محمداً(ص) هو أعظم الأنبياء وسيدهم.

فلا داعي لأن نستغل مثل هذه النقاط لإثبات عقائد يمكن أن تكون فاسدة، ولا يجوز أن نحط من شأن الأنبياء لنرفع به مستوى غيرهم.

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)

لقد جعل الله تعالى الكعبة الشريفة مثابة للناس، أي مرجعاً لهم، وكذلك جعله أمناً من عذابه لمن أدى مناسك الحج على وجهها الصحيح، ثم أمرنا ربنا سبحانه بأن نتخذ من مقام إبراهيم الموجود هناك مصلى، أي أن نصلي فيه مع الإمكان، ثم أخبرنا الله تعالى بأنه قد أمر إبراهيم وإسماعيل من قبل بأن يطهرا الكعبة الشريفة من الأصنام والخبائث التي كان موجودة فيها أو محيطة بها، وأن يصنع ذلك من أجل الذين يريدون الطواف حولها أو الإعتكاف فيها أو الصلاة عندها.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

يوجد في هذه الآية أكثر من دلالة هامة، وكل الكتاب العزيز هام، ولكن هذه الآية الكريمة تشتمل على مسألة عقائدية يجب أن يعرفها الكافر قبل المؤمن.

ففي بداية هذه الآية يخبرنا الله تبارك وتعالى بدعاء توجَّه به خليل الله إليه وهو يطلب من ربه عز وجل أن يجعل مكة المكرمة بلداً آمناً من الغزاة والجبابرة والكوارث الطبيعية وأن يرزق المؤمنين من أهل مكة بالخيرات وإن كانت تأتيهم من الخارج.

فإبراهيم(ع) خصص دعاءه لأهل الإيمان فقط، ولكن الله تعالى أخبره بأنه سوف يرزق الكافرين أيضاً لأن مسألة الرزق شبء ومسألة الإيمان شيء آخر، وهنا يشير تعالى إلى مسألة الرحمانية التي جعلها إسماً من أسمائه، فهو عز وجل الرحمن، ومعنى الرحمن أنه يرحم المؤمن وغير المؤمن في هذه الدنيا فيعطي الجميع من دون استثناء، وهذا الكافر الذي يرزقه ربه في الدنيا سوف يعاقبه الله تعالى في الآخرة، ولكن ليس على ما أكله أو شربه أو تنعم به في الدنيا، بل سوف يعاقبه على كفره وعصيانه، فقوله تعالى(رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) هذا ما صدر عن نبيّه إبراهيم(ع)، وأما قوله تعالى(وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) فهو كلامه سبحانه.

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

لقد عمل إبراهيم وولده إسماعيل على بناء الكعبة في موقعها الأساسي الذي ربما كانت قائمة عليه قبل إبراهيم، ولقد توهم البعض في أن إبراهيم قد بنى الكعبة للسكن أي ليسكن هو وزوجته وولده فيها، ولكن الحقيقة هي أن إبراهيم رفع قواعد البيت من أجل أداء تلك العبادة المتعلقة بالكعبة، ويدلنا على هذه الحقيقة قول إبراهيم وإسماعيل(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) وهذا الدعاء يأتي ممن عمل عملاً قربياً لوجه الله، وهو يعني أن الكعبة الشريفة بُنيت للعبادة وليس للسكن.

(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

يتابع إبراهيم وإسماعيل دعاءهما لله عز وجل فيطلبان من رب العالمين سبحانه أن يجعلهما مسلمَين له أي مستسلمين له ومخلصين وخاضعين لأوامره ونواهيه، وكذلك دعوا الله تعالى بأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة تطيع أوامر ربها، ثم طلبا من الله تعالى أن يعلمهما مناسك الحج ليؤديا تلك الفريضة العظيمة التي تغسل الذنوب وتذهب بالعيوب وتعود على مؤديها بالخير والبركة والتوبة، وهذا كله يعني رضا الله في يوم الحساب.

وهذا يعني أن مناسك الحج وُضعت من زمن خليل الله إبراهيم الذي أمره ربه بأن يدعو الناس لأداء تلك العبادة، ولكن في زمن خاتم الأنبياء(ص) أنزل الله تعالى أحكاماً خاصة لفريضة الحج تتناسب مع الموازين العامة للعباد ولمسألة الإستطاعة وغير ذلك من الأحكام التي لم تكن موجودة في زمن خليل الله(ع).

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

في هذا الدعاء يطلب خليل الله من الله تعالى أن يبعث في أهل مكة رسولاً منهم وفيهم، أي أن يكون مكياً وبشراً، وليس من الملائكة، لأن البشر يتعاطون فيما بينهم ضمن الموازين التي اختصهم ربهم بها فالتعاطي مع البشر غير التعاطي مع غيره، وهذا ما اقتضته حكمة الله عز وجل، ثم يتابع الدعاء بأن يعلّمهم هذا النبي الكتاب والحكمة، والكتاب هو الكتب السماوية، والحكمة هي تلك التعاليم التي كان النبي يتلقاها من الله تعالى والتي لم توجد في الكتاب، وأما التزكية فهي التطهير من الفساد والإلحاد.

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)

لا يتخلّف عن شريعة إبراهيم إلا الذي أهان نفسه وحطّ من شأنها وآثر الباطل على الحق والشر على الخير والكفر على الإيمان، وكيف يمكن أن نتخلى عن نهج إبراهيم وقد اصطفاه الله في الدنيا للنبوة وحمْل الرسالة، وهو عند الله في الآخرة من الصالحين.

(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)

لماذا اصطفى الله خليله إبراهيم؟ اصطفاه لأن الله تعالى عندما أمره بالإسلام فقد أسلم مباشرة من دون أي تردد، وقد علم أن الله تعالى هو الحق المطلق، ولهذا أسلم لرب العالمين.

(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

لقد أوصى إبراهيم أولاده بالإسلام، وكذلك يعقوب حفيد إبراهيم أوصى أولاده بالإسلام الحنيف لأنه الخط المستقيم والدين الخالص القيّم.

 

إِسْتِجَابَةُ دُعَاءِ إِبْرَاهِيْمَ(ع) بَعْدَ آلافِ السنِيْن

قال سبحانه وتعالى:

(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)

الإسلام دين قديم سبق وجوده وجود النصرانية واليهودية وغيرهما من الأديان السماوية الحقة والأديان المختلقة التي لا أساس لها من الصحة، فلقد كان جميع الأنبياء والرسل من عهد أولهم وإلى عهد خاتمهم مسلمين، وقد أرسلهم الله إلى عباده بدين الإسلام، وفي بيان هذه الحقيقة يقول تعالى في شأن نوح(ع)(فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

وفي شأن إبراهيم وإسماعيل(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ)

وفي شأن قوم موسى(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)

وفي شأن سليمان وملكة سبأ(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ  إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)

وفي شأن خاتم الأنبياء(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)

لقد استمر هذا الدين من عهد آدم وإلى عهد روح الله عيسى بن مريم الذي رفعه الله إليه وأنقذه من الموت، وبعدها خلت الساحة من النبوات  وبقي الأمر كذلك قرابة ستمئة سنة فكثرت فيها المعتقدات الفاسدة والعادات السيئة وقد استطاع أهل الجور والضلال في تلك الفترة أن يُلغوا من الوجود ذكر الإسلام فعملوا على دفن الحقائق وتحريف الثوابت وزرعوا في عقول الناس فكرة الوثنية مدعين بأنها العبادة الرسمية المعترف بها، وقد نشأ من تلك العبادة الباطلة جور لا مثيل له وعادات لا تنسجم مع الموازين التكوينية للبشر، فارتكبوا أبشع الجرائم ونشروا المعاملات الربوية ووأدوا البنات وأكلوا لحم الميتة وشربوا الخمر ولعبوا القمار واستعبدوا عباد الله وداسوا القيم والمبادئ والكرامات بنعالهم فلم يعد بينهم مكان للعدل ولم يبق محل للرحمة حيث تحول المجتمع العربي إلى غابات تسيطر عليها الأنظمة الحيوانية وقوانين الإفتراس وقاعدة البقاء للأقوى فقط فأحدث ذلك ضجة في النفوس وقلقاً في أوساط الجميع ولكن لا يُسمح لأحد بأن يتكلم أو يدافع عن نفسه أو يعبّر عن ألمه ووجعه ورأيه حيث كان يرى الحكام بأن  الدفاع عن النفس  عرقلة لمؤامؤاتهم ووقوفاً في وجوههم واعتراضاً لطريقهم وجريمة كبرى يجب أن يعاقَب عليها هذا وذاك حيث لا يحق للضعيف أن يتكلم مهما تألم.

وبينما هم غارقون في هذه الأوضاع الحرجة والمعتقدات الفاسدة والظروف الصعبة، وبينما هم غارقون في الظلم والقتل والسرقة والنهب والإحتكار يظهر من بينهم شخص أرسله الله رحمة لهم في الدنيا والآخرة حيث أراد سبحانه أن يرحمهم برسوله الذي أرسله رحمة للعالمين، وقد أشار الله عز وجل إلى هذا الفضل الكبير للنبي الأمي فقال(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)

وإلى هذا المعنى تشير سيدة نساء العالمين(ع) فتقول: وكنتم على شَفا حُفرة من النار ، مِذقَةَ الشارِب ونهزَة الطامع ، وقَبْسَةَ العَجْلان ، ومَوْطِئَ الأقدام تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ والورق أذِلّة خاسئين  ، تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب):

وصدع رسول الله بالأمر متحملاً كل المسؤولية وجميع المخاطر التي كانت محدقة به بل تحمل المرارات واجتاز الصعوبات من أجل أن يبلغ الرسالة وينقذ البشرية من بحور الظلم والظلمات فتحمّل السب والشتم والضرب والإتهامات الباطلة حتى نشر الرحمة والعدالة والمساواة بين الجميع، فرسم لهم طريق الفوز والسعادة ووجّههم نحو الإستقامة في السلوك والتفكير بل نحو الإستقامة  في كل حركة وسكنة فخاض المعارك وقام بالغزوات وأرسل السريات وسهر الليالي والعيون نيام، وعاش في خطر دائم والناس في أمن وأمان، وأسس كوادر ينطلق بهم في تلك المهمة الصعبة، وعلى رأس أولئك الكوادر وفي مقدمتهم سيد المتقين وإمام المسلمين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) صاحب المواقف الجريئة والبطولات المدهشة والتي كان أبرزها ما قام به في معركة الأحزاب يوم الخندق ومبيته على فراش رسول الله ليلة الهجرة.

 

إِبْرَاهِيْمُ(ع) وَمَنَاْسِكُ الحَج

لقد شاءت حكمة الله عز وجل أن يجري على آل إبراهيم ما جرى ليكون ذلك منطلقاً لأهم العبادات في الإسلام وهي فريضة الحج التي تُكَوِّن مع باقي الواجبات هيكلية الدين الحنيف، وشاءت حكمة الله أيضاً أن ترتبط مناسك الحج بأحداث آل إبراهيم ليكون الأساس واضحاً والسبب بيّناً وليكون المؤمنون على بيّنة من أمرهم تجاه ما يقومون به في الحج تأسياً بخليل الله الذي كان أول من دعا للإلتزام بتلك الفريضة العظيمة التي تغسل الذنوب وتطهر القلوب من دنس الأخطاء بشرط أن يكون الحاج مخلصاً لله تبارك وتعالى.

ينص التاريخ على أنه عندما أتى إبراهيم الخليل لزيارة الموضع المبارك الذي ترك فيه زوجته وإبنه أمره الله تعالى بأن يطوف حول موضع البيت ثم هبط إليه جبرائيل يعلمه مناسك الحج والعمرة وآدابهما، وعندما شرع إبراهيم بالسعي بين الصفا والمروة أخذ يهرول فأصبحت الهرولة بينهما سنّة متّبعة.

ولمّا كان اليوم الثامن من ذي الحجة نزل جبرائيل على إبراهيم عند زوال الشمس وأمره بالخروج إلى عرفات مع هاجر وإسماعيل، ولم يكن يومها يوجد ماء في عرفات فقال جبرائيل لإبراهيم: إرتو لك ولعيالك: ولأجل ذلك سمي ذلك اليوم (يوم التروية)

وقيل بأن جبرائيل الأمين ذهب بهم إلى عرفة وصلى إبراهيم صلاتي الظهر والعصر في ذلك المكان المبارك الذي أمره الله بالمكوث فيه إلى الغروب، ثم عرّفه المناسك فسُمي (يوم عرفة)

وعندما غربت شمس اليوم الثامن من ذي الحجة فاض بهم جبرائيل نحو المشعر الحرام حيث قال جبرائيل لإبراهيم: إزدلف إلى المشعر الحرام: فسمي ذلك المكان (بالمزدلفة) فصلى هناك العشاءين ثم بات حتى الفجر فصلى الصبح ثم أفاض إلى منى.

وقد بات تلك الليلة بمنى، وفي تلك الليلة رأى المنام الذي أمره فيه ربه بأن يذبح ولده الذي كان في مقتبل العمر، وقد ذكر أنه كان في عمر الثالثة عشرة.

إذن هناك علاقة مباشرة بين تاريخ إبراهيم الخليل وتاريخ الحج الذي كان إبراهيم أول من أذّن في الناس به.

ثم بعد أن أراد أن ينفذ أمر الله فداه الله تعالى بكبش وقال له :لقد صدّقت الرؤيا: وقد أصبحت الأضحية أحد واجبات الحج.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ عهد الكعبة يزهو ويزدهر وينال الشهرة المميزة في كل بقاع الأرض لأن ذلك المكان أصبح موضع نظر الجميع.

 

إِبْرَاهِيْمُ الخَلِيْلُ وَالْكَعْبَةُ المُشَرفَةُ

 

يرتبط إسم الكعبة الشريفة بإبراهيم الخليل(ع) إرتباطاً وثيقاً لأنه هو الذي بنى الكعبة وهو أول من دعا الناس إلى الحج بعد أن أمره الله عز وجل بذلك(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ){الحج/27}

فبعد أن سكن إبراهيم وعائلته ذلك الموضع المبارك الذي أصبح مقصداً للأمم والشعوب بفضل تلك المعجزة التي أجراها الله تعالى على يد إسماعيل عندما نبعت له ماء زمزم، ومنذ ذلك الحين أصبح وادي مكة مأهولاً بالسكان والزوار بعد أن كان قفراً لا يمر به أحد.

وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يشاد بيته المعظم في تلك البقعة المقدسة لتكون موضعاً لفريضة الحج، فأمر الله عز وجل خليله إبراهيم بأن يبني الكعبة بإعانة ولده إسماعيل الذي كان آنذاك في مقتبل العمر، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى حيث قال(وإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

فالكل يتفق على كون إبراهيم هو الذي رفع القواعد من البيت المحرم، ولكن قد يسأل البعض أنفسهم عن مبدأ تاريخ بناء الكعبة، فهل أنها بنيت قبل إبراهيم ثم أعاد بناءها أم أنه أول من بنى ذلك البيت؟

قبل كل شيء لم يرد نص في بيان الباني الأول للكعبة غير ما ذكر عن رفع إبراهيم لقواعدها، وهذا يعني أنه أول من بنى الكعبة، وقد قيل بأنها كانت موجودة قبل نوح ثم تهدمت بسبب بعض العوامل الطبيعية، ولكي نفهم هذا الأمر بشكل واضح ينبغي أن نفصل الكلام حول الكعبة فنتحدث عنها من جهتين:

فتارة نتحدث عن الكعبة كبناء مشاد على تلك البقعة، فنقول بأن مرجع البناء يعود إلى تاريخ إبراهيم الذي كان أول بانٍ لهذا البناء المربع بدليل صريح القرآن الكريم.

وتارة أخرى نتحدث عن الموضع المبارك الذي بنيت عليه الكعبة، فنقول إن تاريخه يعود إلى بداية وجود الأرض، فإن تلك البقعة مباركة في علم الله قبل أن يخلق الله الأرض، وقد كان لتلك البقعة شأن عظيم في نفوس الناس قبل عهد إبراهيم، وقد كان (ع) على علم بشأنها الرفيع بدليل قوله تعالى(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) لقد قال ذلك قبل بناء البيت، ومعنى ذلك أن الموضع هذا من الأساس هو موضع البيت المحرم.

لقد قضى إبراهيم الخليل وقتاً طويلاً من حياته الشريفة في وادي مكة إلى أن أوحى الله إليه ببناء الكعبة في ذلك المكان المقدس، فشرع إبراهيم في عملية بنائها وأعانه في ذلك ولده إسماعيل، وقد ذكر القرآن هذا الفضل والفخر لكليهما حيث قال(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ){البقرة/127}

لقد بنى إبراهيم هذا البيت المبارك ودعا الناس إلى حجه بأمر من الله تعالى حيث قال(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)

وقد أمره الله تعالى بأن يضع حجراً في إحدى زوايا الكعبة ليكون علامة على بداية الطواف، فطلب من ولده إسماعيل أن يأتيه بحجر مقبول فذهب إسماعيل يبحث عن حجر مناسب فلم يجد فرجع إلى أبيه ليخبره بعدم وجود حجر مناسب فوجد أباه قد وضع في المكان حجراً جميلاً، إنه حجر هبط به جبرائيل من الجنة، ولأجل ذلك حظي هذا الحجر باهتمام الناس عبر التاريخ، وقد تعرَّض للسرقة لأنه موضع فخر واعتزاز.

وقد كان هذا الحجر من جملة المعجزات التي أجراها الله تعالى على يد نبيِّه إبراهيم لتزداد العبرة للعالم.

وقد تناقلته الأيدي والقبائل والعائلات، ولكنه أعيد إلى مكانه بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ليستمر الحج وليكون هذا الحجر علامة وتذكرة بالقدرة الإلهية، ولأجل ذلك فإن جميع الحجاج يتهافتون من أجل الوصول إلى مكان الحجر ليأخذوا منه البركة.

 

مَكةُ المُكَرمَةُ وَالْكَعْبَةُ المُشَرفَةُ

 

على قاعدة: الشيء بالشيء يُذكر:  نستغل المقام لبيان شيء حول الكعبة المشرفة وشأنها الرفيع في قلوب المؤمنين ومنزلتها العالية عند الله تبارك وتعالى، والحديث عن خليل الله إبراهيم(ع) من دون الحديث عن الكعبة التي رفع قواعدها يُعتبر حديثاً ناقصاً لأن هناك ترابطاً وتلازماً بين إبراهيم والكعبة.

وسوف نبدأ الحديث عن الكعبة بذكر الآيات الكريمة التي تحدثت عنها لتكون الفائدة أكيدة. قال تعالى(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ  فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ){آل عمران96/97}

يحدثنا القرآن الكريم في هاتين الآيتين عن أن أول بيت وُضع للعبادة هو الذي بناه إبراهيم في بكة، وبكة: هو أحد أسماء مكة المكرمة، والقرآن الكريم يؤكد لنا أنه لا يوجد قبل الكعبة بيت للعبادة، وقد ورد في الآيتين تأكيدان: الأول هو (إنّ) والثاني هو (اللام) في قوله لَلذي، وقد بارك الله ذلك الموضوع وأفضى عليه قداسة رفيعة المستوى وجعله هدى للعالمين وموضعاً يذكِّرهم بالله وبقدرته وبرحمته ويَشُدُّهم ذلك الموضع نحو الله عز وجل حيث جعله الله بيته الحرام، وغفر لزائريه إذا كانوا مخلصين، أي أنه إذا كانت زيارتهم لهذا الموضع قربة لله وليس لغاية أخرى.

ثم تشير الآية إلى أنه يوجد في هذا البيت العظيم آيات، أي علامات من شأنها أن تجذب القلوب نحو كل ما يتعلق به من قريب أو بعيد أو ما حصل قبل بناء الكعبة وما حصل بعد ذلك وخصوصاً في زمن خاتم الأنبياء(ص)، ومن أبرز تلك الآيات التي تضمنها البيت العتيق مقام إبراهيم الذي مَن دخله كان آمناً.

ثم بعد أن أشارت الآية إلى تلك الخصوصيات كشفت لنا عن حكم شرعي عظيم، وهو وجوب الحج على المستطيع، وهذا يخبرنا عن مدى رحمة الله بنا حيث لم يفرض الحج على العاجز بل على من استطاع إليه سبيلاً، أي على الذي توفرت لديه جميع الظروف والإمكانيات اللازمة لتحقيق هذه الفريضة.

إن الكعبة مكان خاص جداً لا يزوره شخص مرة إلا وأحب أن يزوره كل مرة رغم حرارة الشمس المرتفعة والتعب الكبير الذي يشعر به الحاج والمعتمر، فلا يعود واحد منهم إلى وطنه إلا وتراه يتمنى العودة في كل سنة، وهذا هو السر العظيم الذي يكشف عن بركة وقداسة ذلك المكان.

وهذا ما تؤكد عليه النصوص الواردة عن النبي وآله(ص) وهذا ما نقرؤه دائماً في الأدعية الواردة عنهم، مثل قولهم” أللهم ارزقنا حج بيتك الحرام في عامنا هذا وفي كل عام”

ومن جملة الآيات التي تحكي لنا رفعة شأنه قوله تعالى(جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ) لقد جعل الله عز وجل بيته عامراً بالزوار والحجيج والمعتمرين فلا يتوقف يوماً ولا يتعطل إلا إذا افترى الظالمون على الله ومنعوا الحج كما حصل في بعض العهود السابقة حيث عطل الحج أربعين عاماً، وهنا تظهر لنا الحكمة من وراء الحديث القائل: حجوا قبل أن لا تحجوا:

وهناك الكثير من الآيات التي بينت لنا شأن البيت العظيم كقوله تعالى(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ){الحج/26}

وقوله تعالى(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا){البقرة/158} وقوله عز وجل(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ){الحج/29}

 

المَسْجِدُ الحَرَاْمُ

 

لقد ذُكر المسجد الحرام في الكتاب العزيز أكثر من عشر مرات موزعة على عدة سور مباركة، وهذا يعني أن المسجد الحرام له وضعه الخاص عند الله سبحانه وتعالى، وله أحكام خاصة في شريعة الإسلام كما ظهر من صريح تلك الآيات.

والمسجد الحرام هو البناء الواسع المحيط بالبيت العتيق (الكعبة المعظمة والمشرفة) وقد شهدت تلك البقعة من الأحداث ما لم يحصها التاريخ بسبب كثرتها لأن ذلك الموضع كان موضع التقاء الأمم والشعوب على اختلاف غاياتهم وأهدافهم، فإن منهم من كان يقصده للعبادة، ومنهم من قصده للتجارة، ومنهم من أتاه بهدف التعرف على الأمم والأشخاص، ومنهم من كان له غايات خاصة جداً، ويعود السبب في ذلك إلى تلك المكانة العالية التي حظي بها هذا المكان المعظم.

وهنا لا بد من المرور على تلك الآيات لنكتشف حول المسجد الحرام بعض الأسرار والشؤون.

قال تعالى(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ){البقرة/144}

لم يكن للمسلمين قبلة غير المسجد الأقصى الذي اعتبره اليهود قبلة لهم وأن المسلمين بحاجة إليهم، فهم يتوجهون إلى قبلتهم بحسب زعمهم، وقد منّ الله على رسوله والمسلمين بأن جعل لهم قِبلة، وهي الكعبة المبنية في وسط المسجد الحرام، بل جعل كل المسجد قبلة للمسلمين، وقد أمرهم الله تعالى بأن يتوجهوا إليه(فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ثم عمم الأمر فقال(وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ)

فلو سكن الإنسان أقصى وأبعد بقاع الأرض عن المسجد الحرام فيجب عليه أن يتوجه إليه.

لقد علم الله تعالى بتلك الظروف النفسية التي مر بها رسوله الأعظم فمنّ عليه بذلك.

وكذ يشير القرآن الكريم إلى هذا المعنى في نفس السورة المباركة حيث يقول(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ){البقرة/149}

 

مَكَانَةُ المَسْجِدِ الحَرَامِ فِيْ القُرْآنِ

لقد جعل الله المسجد الحرام موضعاً مميزاً فحرَّم فيه القتال، وقد علم الكفار بهذا الشأن فحاولوا أن يستفزوا المسلمين بالقتال في هذا الموضع، وهذا يعني أن المسلمين لو جلسوا مكتوفي الأيدي لقُضي عليهم، فأوحى الله إلى نبيه(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ){البقرة/191}

معنى ذلك أن حرمة القتال خاصة بالمبادرة إليه والشروع فيه، ولا تشمل موضوع الدفاع عن النفس، فإن الدفاع هذا مشروع في كل زمان ومكان.

ومن خصائص المسجد الحرام ما ورد في قوله عز وجل(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ){البقرة/196}

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ){البقرة/217}

ومن مزايا المسجد الحرام قوله(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ){المائدة/2}

وقال تعالى(وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ){الأنفال/34}

وقال تعالى(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ){التوبة/7}

وكذا قوله(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ){التوبة/19}

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ){التوبة/28}

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ){الإسراء/1}

(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ){الفتح/27}

 

 

تَاْرِيْخُ الكَعْبَةِ المُشَرفَةِ

 

من الطبيعي أن يكون للكعبة المشرفة تاريخ طويل وعريق لأنها أقدس موضع وُجد على هذه الأرض وأهم مقصد للمسلمين خاصة ولباقي الناس على وجه العموم.

لقد ارتبط تاريخ مكة بتواريخ الرسالات السماوية والأنبياء، ولأجل ذلك سميت بأرض الأنبياء أو أرض الرسالات.

لقد رفع إبراهيم الخليل قواعد البيت، وقيل بأنه كان موجوداً قبل عهد إبراهيم وتهدم بسبب بعض العوامل الطبيعية، وليس في ذلك مهانة للبيت لأن المادة شيء والقداسة شيء آخر، وقد يكون تهدمها امتحاناً للبشر ليعلم الله مَن منهم يحزن لها ومَن منهم يمر عليه الأمر مرور الكرام، وقد وردت بعض النصوص التي ذكرت أن الكعبة قد بُنيت في عهد قريب من عهد آدم(ع) وليس في ذلك أي مانع عقلي، ولا يوجد بينه وبين رفع القواعد في زمن إبراهيم أي تعارض.

لقد اختلف الرواة في هوية الباني، فمنهم من قال بأن آدم هو الذي بناها، وقال بعضهم بناها شَيث، وقال الأكثرون بأن إبراهيم الخليل هو الباني، وقد اختلفوا في الأمر، فقال بعضهم بأن إبراهيم رفع القواعد التي كانت ظاهرة بعد تهدم الكعبة من قبل، ولعلهم استدلوا على ذلك بقوله تعالى(عند بيتك المحرَّم) ولم يكن إبراهيم بعد قد بنى الكعبة لأن هذا الحديث القرآني يحكي عن مسألة ترك هاجر وإسماعيل في تلك البقة قبل بناء الكعبة بحوالي ثلاثة عشر سنة.

وعلى كل حال لقد بُنيت الكعبة، وأما جهل هوية الباني الأول فلا يُقدِّم في الأمر شيئاً ولا يؤخِّر.

ونحن نعترف بأن تاريخ الكعبة بعد إبراهيم كان أوضح بكثير من تاريخها قبله لأنه لم يعلم الناس بمكانتها ولم يدركوا شأنها عند الله إلا بعد أن سكن إبراهيم تلك البقعة وظهرت للناس كراماتها.

وبعد التحاق إبراهيم وإسماعيل بالرفيق الأعلى تولت قريش برئاسة زعيمها قُصي شؤون الكعبة المشرفة رغم ما حدث بسبب أطماع بعض القبائل بحمل هذا الشرف، وقد اتخذوا من الأرض المجاورة للكعبة حرماً.

لقد استمر وضع الكعبة بالعلو والرفعة، وما زالت عالية الشأن إلى يومنا هذا، وقد أيقظ الله تعالى نفوس الناس ونبّههم لشأن هذا البيت وذلك عندما أهلك جيش أبرهة الحبشي الذي قدِم لهدمها بهدف إذلال الإبراهيميين أمثال عبد المطلب(ع) فأرسل الله الطير الأبابيل ورماهم بحجارة من سجيل وكانت تلك أبرز كرامات ومعجزات البيت العتيق.

وجاء عهد خاتم الأنبياء الذي دافع بكل ما أوتي من قوة عن هذا المَعلَم الكبير والأثر العظيم، ولكن الحاقدين لم يراعوا حرمة ولم يرقبوا قداسة، أمثال يزيد بن معاوية الذي هدم الكعبة المشرفة في زمن حكمه.

لقد هُدمت الكعبة حوالي عشر مرات، ثم أعيد بناؤها أو ترميمها، وإليكم بعض التفاصيل حول تاريخها العمراني.

ففي السنة الثامنة للهجرة كانت مساحة المسجد الحرام لا تتجاوز الألفي متر مربع، وقد بقيت هذه المساحة على حالها مدة طويلة من الزمن، وذلك بسبب انشغال النبي والمسلمين بالدفاع عن الإسلام وإرساء قواعده.

لقد أحيط المسجد بالأبنية ولم يكن له جدار حتى السنة السابعة عشر للهجرة حيث بني للمسجد جدار قليل الإرتفاع ووضع له أبواب خاصة وبعض المصابيح.

وفي تلك الآونة أعيد وضع مقام إبراهيم بعد أن قُلع من مكانه بحادثة أم نهشل، ثم وسع المسجد فأصبحت مساحته ألفين وثمانمئة وستين متراً مربعاً.

وقد راح عدد الوفود إلى مكة يرتفع شيئاً فشيئاً حتى اضطر المسلمون إلى توسعة المسجد فهدموا البيوت التي كانت محيطة به وضمت تلك المساحة إليه فأصبحت ثلاثة آلاف وأربع مئة وتسعين متراً مربعاً.

ولم يبق الحال هكذا لأن الكعبة تعرضت للهدم مرات عديدة بسبب الأطماع في سيادة مكة، وقد أمر يزيد بن معاوية بهدمها بواسطة المنجنيق، وبعد هذه الحادثة حدثت توسعة جديدة للمسجد في السنة الخامسة والستين للهجرة على يد عبد الله بن الزبير في الناحية الشرقية بعد بناء الكعبة وقد قُدِّرت الزيادة حينها بحوالي أربعة آلاف متراً مربعاً.

وهكذا راح الناس يوسعون المسجد الحرام مرة بعد مرة حتى أصبحت مساحته الأخيرة مئتين وستة وخمسين ألف متر مربع تقريباً.

 

تَعْظِيْمُ الشعَائِرِ الإِلَهِيةِ

 

قال تعالى(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ){الحج26/27}

لقد أسكن الله خليله إبراهيم في تلك البقعة المباركة التي عبّر عنها القرآن في هذه الآية بمكان البيت، ثم أمره الله تعالى بأن يطهِّر البيت المعظَّم ليطوف الناس حوله ويسهروا الليل أمامه بالصلاة والذكر والإبتهال والركوع والسجود ليعمر ذلك المكان بالعبادة لأنه في الواقع بيت لعبادة الله عز وجل.

فمنذ أن سكن إبراهيم الخليل تلك البقعة ورفع القواعد من البيت أمره الله بأن يدعو الناس إلى هذا المكان لأن الخير كله موجود فيه، فهو المنطلق لكل خير ومنفعة.

لقد علم الله بأن الناس سوف يستجيبون لدعوة إبراهيم، ولأجل ذلك أمره الله بدعوتهم(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) أي أدع الناس إلى عبادة الله في ذلك المكان وفي تلك الأوقات الخاصة بفريضة الحج، والنتيجة أنهم سوف يلبون الدعوة ويأتون من كل مكان سيراً على الأقدام أو راكبين على الدواب تأدية لهذا الواجب الإلهي.

وقد ذكر القرآن الكريم وجود منافع ومكاسب للناس من جراء تلبية الدعوة حيث يقول(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)

لا أحد ينكر وجود المنفعة المادية لكل من يقصد هذا المكان مخلصاً لله عز وجل، وكذلك فهو مكان لذكر الله وعبادته في أيام الحج المعلومة، ولعل المراد من بهيمة الأنعام هي الخراف التي تُذبح هناك والتي يجب إطعامها للفقراء مع جواز الأكل منها لأن الآية شاملة لكلا المعنيين(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)

ثم وجّه الله أمراً لنا بالطواف حول البيت العتيق بحسب ما أوحى إلى خليله إبراهيم بواسطة الأمين جبرائيل حيث يقول(وليطّوَفوا بالبيت العتيق)

إذا التزم الإنسان بتلك النداءات والأوامر كان ذلك خيراً له عند الله سبحانه وتعالى لأن ذلك تعظيم لحرمات الله(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ){الحج/30}  لقد أمرنا ربنا بأن نجتنب الرجس من الأوثان ونبتعد عن اللغو والكذب والفتنة والنميمة وكل مصاديق قول الزور لأن الإسلام يحرّم هذه الأشياء ويفرض بعض الأمور العظيمة ليكون الإنسان حنيفاً لربه بعيداً عن الشرك الذي كانت عاقبته وخيمة جداً، وقد شبّه القرآن مسألة الشرك بالله بإنسان هاوٍ من السماء والطيور تنهش لحمه أو كأن الريح العاصفة حملته وألقت به في مكان سحيق للغاية وهذا معنى قوله تعالى(حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ){الحج/31}

ثم أكد القرآن على ضرورة إحياء الشعائر التي كانت علامة على إيمان الإنسان وتقواه لربه(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)

ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عن تعظيم الشعائر ومنافعها للإنسان وأن الله تعالى لا يناله شيء مما نذبح أم ننحر بل يناله التقوى من عباده المؤمنين.

(لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ  وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ  الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ){الحج33/37}

 

إِبْرَاهِيْمُ الخَلِيْلُ وَمُعْجِزَةُ إِحْيَاءِ الطيُوْرِ

 

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ){البقرة/260}

لقد أجرى الله تعالى على يد خليله إبراهيم كثيراً من المعجزات التي لعبت دوراً مهماً في إثبات الحق وإبطال الباطل وأرغمت العديد من الناس على الإذعان بما جاء به هذا النبي العظيم وغيره من الأنبياء قبله وبعده.

لقد كانت حياة إبراهيم مليئة بالمعجزات والكرامات لأن كثرة إجراء المعجزة أو قلتها مرهونة بالظروف المحيطة بالنبي، فإذا كان قومه ممن لا يؤمنون إلا من خلال المعجزة كان الإكثار منها ضرورياً، وأما إذا كان الأمر ليس بحاجة إلى الإعجاز استعمل النبي في إقناعهم وسائل أخرى كما صنع إبراهيم في العديد من المواضع حيث واجه بعض الأمم بالمنطق، ومن أجل تقريب هذه الفكرة نطرح مثالين في المقام.

المثال الأول: وهو حوار موسى مع فرعون فلقد كانت الظروف في عهد موسى وفي ذلك الموضع بالذات مغايرة لظروف إبراهيم من حيث التشدد والتحجُّر وحجم الثقافة المسيطرة، فهناك ثقافات متحجرة سيطرت على عقول بعض الشعوب والأمم فمنعتهم من الإقرار بالحق وإنْ فَرَضَ المنطق السليم نفسَه، كثقافة اليهود التي حالت بينهم وبين الإيمان رغم كثرة المعجزات التي جاءهم بها نبيهم موسى(ع) فلقد كان التقلب هو الحاكم آنذاك بسبب بعض أهواء الحكام الذين زرعوا الكفر في نفوس القوم وأجبروهم على الإعتقاد به وصرفوا أذهانهم عن أية فكرة أخرى مستعملين بذلك لغة التهديد والوعيد.

نلاحظ بأن الظرف الذي أحاط بموسى هو الذي استدعى المبادرة بالمعجزة قبل أن يأتي فرعون بأية حماقة، إذ كان الوضع بحاجة إلى السرعة في بيان الحق قبل أن يخطط فرعون لزرع الشك في نفوس قومه.

المثال الثاني: وهو حوار إبراهيم(ع) مع الحاكم نمرود، فقد استبدل إبراهيم المعجزة بالمنطق السليم نظراً لثقافة قومه المختلفة نوعاً ما عن ثقافة قوم فرعون.

ووجه اختلاف الثقافة بينهما هو أن فرعون كان يدعي الربوبية لنفسه، ولذلك كان ينظر قومه إليه على أنه إله مختلف عن باقي الآلهة التي لا تسمع ولا تتكلم، وذلك بخلاف قوم إبراهيم الذين عبدوا ما لا يسمع ولا يبصر، ومع تأمل بسيط في اعتقادات كلا المجتمعين ندرك السبب الذي دفع بموسى إلى المبادرة بالمعجزة، والسبب الذي دفع بإبراهيم إلى تأجيل المعجزة لوقت آخر مستعملاً مكانها لغة العقل والمنطق السليم.

ومرد كل شيء يعود إلى الله سبحانه وتعالى فهو العالم بالمصالح والمفاسد وما يدور في ضمائر الخلق.

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى)

هنا أجرى الله سبحانه على يد إبراهيم معجزة من الدرجة الأولى، وهي إحياء الموتى، ولا فرق في الإحياء بين إحياء الإنسان أو إحياء الحشرة لأن الروح واحدة ومصدرها واحد وهو القدرة الإلهية المطلقة، ولكن السؤال الذي يطرح في هذا المقام، لماذا أجرى الله هذه المعجزة لإبراهيم علماً بأن هذه المعجزة لم يكن لها دخل في إقناع الناس فقد طلبها إبراهيم لنفسه وليس للناس على خلاف باقي المعجزات التي جرت أمام أعين الناس لإرغامهم على الإذعان بالحق؟

لماذا طلب إبراهيم هذه المعجزة وهو نبي من أعظم الأنبياء وهو ثاني أنبياء العزم، وعندما طلب تلك المعجزة كان نبياً والنبي لا يشك في المعتقد ولا بمقدار ذرة؟

هل كان شاكاً في قدرة الله؟ فلو كان شاكاً في قدرة ربه لما كان مؤمناً فضلاً عن كونه نبياً.

ثم إنه ما معنى قوله تعالى لإبراهيم(أولم تؤمن) فإن كثيراً من الناس استعملوا هذه الآية ذريعة لأنفسهم تجاه شكوكهم وبرّروا بها أوهامهم متذرعين بأن النبي إبراهيم لم يؤمن حتى رأى المعجزة بعينه، وهذا خطأ كبير، لأن الأمر غير ما تصور الناس، والحقيقة مختلفة عما يدور في أوهامنا، ونحن نعتقد بأن كثيراً من الناس قد أدركوا واقع الأمر ولكنهم أخفوه لغايات سيئة.

إن هذا الأمر من البحوث التي تستحق منا التأمل والعناء لنستطيع الكشف عن تلك الحقيقة الدقيقة التي حمّلها الناس أكثر من وجه، علماً بأنها لا تحتمل سوى وجه واحد.

 

الحِكْمَةُ مِنْ مُعْجِزَةِ إِحْيَاءِ الطيْرِ

 

تُعتبر معجزة إحياء الطير على يد إبراهيم الخليل(ع) مسألة في غاية الخصوصية لأنها أتت على خلاف المألوف لإجراء المعجزات التي كانت تحصل لإرغام الناس على الحق وإثبات صدق ما جاء به صاحب المعجزات.

لقد حدثنا القرآن المجيد عن تلك المعجزة التي حصلت لإبراهيم بناءاً على طلبه، وذلك لغاية تختلف عن الغايات من إجراء المعجزات الأخرى.

ولقد كانت الآية التي تحدثت عن هذه المعجزة موضع بحوث مطوَّلة لدى كثير من الناس الذين اعتنوا بمسائل الإعجاز، وقد استعملها بعضهم ذريعةً لنفسه يحتج بها على كفره لأنه لم ير المعجزة بعينه كما رأى إبراهيم ذلك واطمأنت نفسه بعدها.

ولكن هذا الإطمئنان لم يكن اطمئناناً تجاه الله والإيمان بوجوده ووحدانيته وقدرته، وإنما كان اطمئناناً خاصاً لدى إبراهيم لم يكن له علاقة بأصل الإيمان، حيث أنّ النبي يؤمن بالله بدرجة لا يشوبها أدنى شك، وإلا فإذا شك النبي بربه لم يكن نبياً، بل لم يكن مؤمناً من الأساس.

معنى ذلك أن وراء طلب إبراهيم سراً لا بد من التوصل إلى معرفته وذلك بعد الإعتقاد بكون النبي لا يشك بربه ولو بمقدار ذرة.

ولكي نصل إلى الغاية المطلوبة وجب علينا التمهيد والتقديم حتى ندرك المعنى الحقيقي من قوله تعالى(وإذ قال إبراهيم…)

فهناك أكثر من أمر ينبغي التوقف عليه تجاه هذه المسألة:

أولاً: إن الحوار جرى بين إبراهيم وربه يعني أن طلب إبراهيم صدر أثناء كونه نبياً، وعندما يكون الإنسان نبياً يجب علينا أن نُبعد شبح التهمة عنه لأن الأنبياء بعيدون كل البعد عن مواضع التهمة، فمهما صدر منهم كلام يوحي بشيء من النقص فاعلموا بأن خلف الكلام سراً غامضاً لا بد من الكشف عنه احتراماً منا لموقع النبوة وصاحبها.

ثانياً: إن الله تعالى يعلم ما كان وما سوف يكون، وقد اختار الله للنبوة مَن طَهُرت قلوبهم وخلصت لله وحده ونبذت الشكوك، واصطفاهم لأنهم أكمل الخلق وأنزههم وأطهرهم وأقربهم إليه، والشك من عمل الشيطان، ولا يمكن لنبي من أنبياء الله أن يضعف أمام وسوسات الشيطان الرجيم وهذا من الأمور المُسَلَّم بصحتها.

ثالثاً: لماذا نتهم إبراهيم بالشك وعدم الإيمان الكامل مع أن الآية لم تصرِّح بحقيقة الأمر المشكوك به أو المستفسَر عنه، غاية ما في الأمر أن الله تعالى قال لإبراهيم (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن) فلم يقل له أو لم تؤمن بالله أو بالرسالة أو بأي أمر مما يجب فيه الإيمان، فلماذا نستعمل في فهم هذه الآية إسرائيليات المعاني.

رابعاً: هل يُعقل أن يدور هذا الحوار بين إبراهيم وربه ثم يقول له إبراهيم ليطمئن قلبي، كيف يمكن أن يكون المقصود ليطمئن قلبي بك وهو يحاوره؟ فهل يعقل أن يقول الإنسان الواعي للشيئ الموجود ليست موجوداً؟

خامساً: لو كان المقصود بهذا الحوار الشك بالله لما كان لسان الآية أو لسان الحوار بهذا اللطف وهذه الشفافية، فلو كان كذلك لكان لسان الحوار لسان غضب وتهديد .

سادساً: لو علم الله بأن إبراهيم سوف يشك به لحظة من عمره لما اختاره نبياً من الأساس، ولا يمكن أن نصدق ذلك في نبي كإبراهيم جعله ربه أبا الأنبياء وثاني أولي العزم من الرسل، وهذا الفرض ليس صحيحاً حتى في الأنبياء العاديين، فكيف يكون صحيحاً في إبراهيم الذي مدحه ربه في مواضع كثيرة وأطلق عليه صفة الأمة للدلالة على عظمته كما في قوله(إن إبراهيم كان أمة) وفي بعض الآيات (أوّاه حليم) وفي غيرها صفات كبرى لا تنسجم مع أوضاع إنسان شاك بربه.

سابعاً: يؤكد التاريخ الصحيح بأن هذا الحوار الذي دار بين إبراهيم وربه إنما دار بعد أن أجرى الله على يديه العديد من المعجزات الكبرى، فلو أراد إبراهيم المعجزة لكي يؤمن بربه فقد أجرى على يديه المعجزات العديدة.

وبعد ذكر هذه المقدمات أمكن لنا الدخول في معنى الآية الكريمة وحل هذا اللغز والكشف عن السر الكامن خلفها، علماً بأن هذه المقدمات لوحدها كافية في بيان المقصود.

لقد أجرى الله تعالى هذه المعجزة من أجل خليله إبراهيم الذي أخبره بأنه سوف يتخذ من خلقه خليلاً ويجعله إماماً للناس، فَشَكَّ إبراهيم في كونه هو المقصود أم لا، وهو ممن يطمعون بتكريم الله لهم، فمن الطبيعي أن ينفعل الإنسان أمام عطاءات الله سبحانه وتكريمه لخلقه.

إبراهيم لم يشك لحظة بربه ولم يغفل يوماً عنه، ولكن بما أنه متواضع أمام ربه فقد استبعد أن يكون هو المقصود بهذا التكريم علّ هناك من هو أقرب منه إلى الله تعالى.

فأحب الله عز وجل أن يخبره عن المقصود ولكن عن طريق المعجزة وذلك أعظم من الكلام وآكد فأجرى له تلك المعجزة لتكون علامة على كونه المختار لتلك الصفة الكبرى والمنصب الرفيع.

فلم يكن إبراهيم شاكاً بربه، ولم يكن في يوم من الأيام ضعيف الإيمان حتى يقال بأنه لا يؤمن إلا بالمعجزة، لقد كان نبياً، والنبي أجنبي عن كل شك وتفكير خاطئ، فقوله تعالى(أولم تؤمن) أي ألم تؤمن بأنك أنت المختار لهذه الصفة؟ فأحب إبراهيم أن يلمس أثر الإمامة والخلة بنفسه ليتبرك بقدرة الله، فأمره الله تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير ويذبحهم ويقطعهم ثم يضع جزءاً منها على هذا الجبل وجزءاً على ذاك ففعل ذلك، ثم أمره تعالى بأن ينادي تلك الطيور المذبوحة والمقطعة فناداها فأتت إليه حيةً بلمح البصر، وبذلك أجرى الله تعالى تلك المعجزة الكبيرة على يد خليله إبراهيم لتكون آية للناس على مر العصور.

 

إِمَامَةُ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاهِيْمَ(ع)

 

قال سبحانه(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ){البقرة/124}

إن إبراهيم(ع) نبي عظيم ورسول كريم، فهو أبو الأنبياء وأول المسلمين وثاني أنبياء العزم، لقد جعله ربه عبداً ثم نبياً ثم رسولاً ثم خليلاً، ثم رفع شأنه أكثر فجعله إماماً للناس، وقد روى العلامة المجلسي في بحاره عن الصادق(ع) أنه قال” إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم(ع) عبداً قبل أن يتخذه نبياً وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً وإن الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً فلما جمع له الأشياء قال(إني جاعلك للناس إماماً) ”

فمع نظرة تأمل بسيطة في الآية المذكورة والحديث الوارد عن إمامنا الصادق(ع) يظهر لدينا شأن الإمامة ومقامها الرفيع عند الله سبحانه وتعالى، ويتضح لنا بأنها الدرجة الأسمى من بين باقي الدرجات حيث أنّ الله تعالى أخذ يرفع شأن خليله إبراهيم حتى أوصله إلى القمة، وهي درجة الإمامة.

وهو(ع) يستحق هذه الدرجة بجدارة لأنه عظيم فوق العادة، وقريب من ربه بشكل مميز، وقد حدثت في تاريخه أمور كشفت للبشرية عن سبب جعله إماماً.

منها: تلك الوقفة الجريئة أمام عبدة الأصنام والكواكب وهو يعلم بأن ثمن فعلته الموت المحتم، ومع ذلك فإنه أمام رضا ربه لم يبال بالموت ولم يكتف بمجرد ذكر الأصنام بسوء بل دخل المعبد وحطمها بعصاه ويديه.

ومنها: أنه عندما حُكم عليه بالإحراق ربطوه ووضعوه في آلة المنجنيق ليرموه في النار عن بعد فبينما هو في الهواء وقبل أن يصل إلى تلك النار الكبيرة هبط إليه جبرائيل وعرض عليه خدماته: هل لك من حاجة فأقضيها لك؟ فأجاب جبرائيل قائلاً: إن كانت منك فلا أريدها، وهو يقصد بذلك أن الله تعالى يرى ويسمع ويعلم ما في ضميره، وأن قدرة الله عظيمة ورحمته واسعة، فهو عالم بحالي وهو حسبي ونعم الوكيل، وبفضل هذا الإيمان الكبير أوحى الله إلى تلك النيران بأن لا تؤذي إبراهيم وذلك عندما أمرها بأن تتحول عليه إلى برد وسلام، إن الله تعالى أبطل مفعول النار على إبراهيم فقط بمعنى أن غيره لو دنا منها لأحرقته.

يقال إن الغريق يتعلق بشعرة لطموحه بالنجاة، ولكن إبراهيم(ع) مهدت له فرصة نجاة أكيدة من قبل أعظم الملائكة، ورغم ذلك رفض هذا العرض متكلاً على الله عز وجل، وعندما نتعرض لمثل هذا البلاء وتُعرض علينا فرصة مثل التي عرضت على إبراهيم فعند ذلك ندرك تلك العظمة التي كان يتمتع بها هذا النبي الكريم.

ومنها: أن الله تعالى اختبر إيمانه مرة أخرى عندما أمره بأن يترك زوجته وولده الوحيد إسماعيل في مكان قفر وموحش وهو أشبه ما يكون بحكم الإعدام عليهما، ورغم ذلك نفَّذ الأمر الإلهي بكل جرءة ونجح في هذا الإمتحان وأضيف إلى سجل عظمته عظمة أخرى.

ومنها: وهي أشد مراحل امتحان الإنسان حيث أمره ربه بذبح ولده الذي رزقه إياه على الكبر فلم يتوانى إبراهيم عن تنفيذ هذا الأمر الصعب بل أخذ سكيناً ووضعها على عنق ولده وأراد أن يذبحه فعند ذلك أعفاه الله من هذا الإمتحان وقد قيل بأنه عندما وضع السكين على عنقه التوت فكرر ذلك أكثر من مرة إلى أن ناداه ربه أن يا إبراهيم لقد صدقت الرؤيا.

فقد يقول بعض الناس : إن إبراهيم كان على علم بحصول العفو الإلهي، نحن نقول لم يكن على علم بذلك بل كان كله ثقة بربه الرحيم، وإلا لو علم إبراهيم بذلك لما استقام هذا الإمتحان ولما تميز عن غيره من الناس.

إن جميع هذه الشواهد تؤكد على استحقاق إبراهيم منصب الإمامة لأنه بسلوكه الرفيع وإيمانه العميق لمنصب الإمامة.

ثم استجاب الله لإبراهيم دعاءاً عظيماً وهو بعث نبي للناس، وهو خاتم الأنبياء محمد(ص) وهذا يؤكد لنا عظمة إبراهيم الذي كان يعي كل الأمور بشكل جيد ومستقيم.

وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في سورة البقرة حيث ذكر لنا هذا الدعاء فقال (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

 

حَدِيْثُ القُرْآنِ عَنْ بَعْضِ مَزَايَا إِبْرَاهِيْمَ(ع)

 

مهما طال الكلام حول تاريخ وأحداث إبراهيم الخليل(ع) يبقى هناك المزيد من المعلومات والوقائع المجهولة لدينا لأن حياته كانت مليئة بالعبر والدروس والمواقف، وها هو الكتاب العزيز يذكر لنا جملة من مزايا إبراهيم وأفعاله لتكون نبراساً لنا في حياتنا الدنيا.

قال تعالى في سورة البقرة(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

ففي هاتين الآيتين يبين لنا القرآن أنه جعل البيت الحرام أمناً للناس، وأمرَنا بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، ثم بيّن لنا كيف أمر إبراهيم وإسماعيل بأن يطهِّرا هذا البيت العظيم ليدخله المؤمنون ويطوفوا حوله ويذكروا الله كثيراً.

ثم بين لنا منّةً لإبراهيم علينا، وهي أن الله عز وجل قد استجاب دعاءه فجعل مكة مدينة آمنة لأنها موضع البيت المُعَظَّم ورزق أهلها من الثمرات.

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

وهنا إشارة إلى كون الباني للكعبة هو إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل، وقد بنياها قاصدَين بذلك رضا الله عز وجل، فلقد بنياها ووضع إبراهيم الحجر الأسود في المكان المعلوم ليكون علامة على بداية الطواف، وقد نزل بهذا الحجر جبرائيل(ع) أنزله من الجنة ليتبرك الناس به.

وبعد أن بنيا هذا البيت المبارك وسئلا ربهما أن يتقبل منهما هذا العمل الذي سوف يستمر أو تستمر معالمه إلى يوم القيامة بعد ذلك كله سئلا ربهما أن يجعلهما مسلمَين له لأن الدين عند الله الإسلام(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

ولم يكن هَمُّ إبراهيم مقتصراً على مدة وجوده في هذه الحياة، وإنما كان همه أن يستمر هذا الدين عبر الزمن لأنه الوسيلة الوحيدة للسعادة في يوم الحساب، فحياة من دون إسلام لله لا معنى لها ولا عبرة باستمرارها، ولأجل ذلك توجَّه إبراهيم وإسماعيل إلى الله عز وجل وسئلاه أن يبعث للبشرية رسولاً عظيماً ترى الناس على يديه الرحمة فاستجاب الله لهما وبعث إلى الناس نبيه الأعظم محمداً(ص) رحمة لهم في الدنيا والآخرة(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)

ويمكن الإستدلال على كون المقصود بهذا الدعاء هو محمد ابن عبد الله من خلال قوله عز وجل في سورة الجمعة(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)

لقد بعث الله بعد إبراهيم كثيراً من الرسل والأنبياء الذين كان من بينهم موسى وعيسى، ولم يكن المراد بدعاء إبراهيم أي واحد منهم غير خاتمهم(ص)

ثم بيّن القرآن الكريم عظمة إبراهيم وعظمة النهج الذي سار عليه بحيث كان من استغنى عن ذلك النهج خارجاً عن الدين حيث يقول(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)

فإبراهيم عظيم في الدنيا وعظيم في يوم الحساب، وكل من يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه.

وبعد ذلك ذكر القرآن سبب تلك العظمة حيث قال(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فقد استجاب إبراهيم لربه وكان أول المسلمين بل هو الذي أطلق علينا هذا الإسم المبارك كما قال تعالى(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ)

وقد أوصى إبراهيم بالإسلام جميع بنيه وأوصى أبناءه بأن يوصوا أبناءهم بهذا الدين أيضاً لأنه مصدر السعادة والرحمة للإنسان، وقد ذكر القرآن ذلك فقال( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)

ثم يحدثنا القرآن الكريم عن موقف جريئ لإبراهيم(ع) مع عبدة الأوثان عندما استهان بهم وبمعتقداتهم حيث قال تعالى في سورة الأنعام(وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

 

مُعْجِزَاتُ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاهِيْمَ(ع)

 

خليل الله إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو أول أنبياء العزم، وله تاريخ عريق وشيق مليئ بالمخاطر والمواقف الجريئة والمحطات التي كانت دروساً للبشرية على مر العصور.

إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الكرام الذين كان لهم الدور الأبرز في تغيير مسار البشرية من الحالات المتردية إلى الأوضاع الكريمة فهو أول المسلمين وهو الذي سمانا بالمسلمين.

 

مُعْجِزَةُ كِبْشِ إِسْمَاعِيْل

 

لقد كانت حياة إبراهيم(ع) مليئة بالمعجزات والكرامات وقد كانت الظروف المحيطة به تستدعي ذلك، ومن تلك المعجزات معجزات ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ومعجزات نُقلت في التاريخ وعن طريق المعصومين(ع)

ومن المعجزات التي ذُكرت في القرآن كبش إسماعيل الذبيح(ع) حيث قال تعالى(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)

لقد أراد الله تعالى أن يمتحن قلب خليله إبراهيم ليكون ذلك الإمتحان عبرة للناس وليجعل من خليله قدوة للبشر، فلقد أمره تعالى بأن يذبح ولده فلم يتذرّع بذريعة ولم يتوانى عن تنفيذ الأمر رغم أنه كاد يموت من الحزن عليه، وقد أخبر ولده إسماعيل بهذا الأمر فكان إسماعيل صابراً كأبيه واستسلما لأمر الله تعالى، وفي اللحظة الأخيرة عندما كان إبراهيم يهم بذبح ولده فوضع السكين على نحره وراح يضغط عليه فلم تؤثّر السكين في عنقه، وعندها نادى الله عبده إبراهيم بأنك نجحت في الإمتحان وقد أنزل إليه من السماء كبشاً يذبحه فداءاً عن إسماعيل، وقد كان ذلك الكبش معجزة من الله تعالى حيث أوجده بلحظة ومن دون أن يولد من أبوين.

فالإعجاز حدث خارق لقانون الطبيعة كإخراج الناقة من الجبل وإبطال مفعول النار، وقد يكون هناك حادثة كبرى تشبه ببعض جوانبها الإعجاز إلا أنها ليست معجزة.

لقد أمر الله تعالى إبراهيم بذبح ولده الوحيد الذي رزق به على الكبر فلم يعترض على أمر ربه رغم شدة البلاء وعظيم الإمتحان ولأجل ذلك فدا الله إسماعيل بكبش ليذبحه إبراهيم بدل ولده ففعل ذلك وشكر الله تعالى على إعفائه من تلك المهمة الصعبة التي لم يقصّر إبراهيم في تأديتها كما أمره ربه.

وفي هذه الحادثة اجتمع أمران: معجزة وشِبهُ معجزة، أما المعجزة فهي الكبش الذي أوجده الله تعالى من دون أب وأم، وأما شبه المعجزة فهو الأمر الذي قام به إبراهيم عندما أراد أن يذبح ولده.

ولكي ندرك أهمية الأمر وعظمته فلنضع أنفسنا دقيقة واحدة مكان إبراهيم في ذلك الموقف الرهيب وسوف نعرف عظيم الأمر وندرك صعوبة الموقف ونعلم مدى حب إبراهيم لربه وخشيته منه.

 

مُعْجِزَةُ الحَجَرِ الأَسْوَد

 

قال سبحانه(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)

لقد أمر الله خليله ببناء الكعبة ففعل ما أمره به، وقد أعانه ولده إسماعيل على رفع قواعد البيت، ولكن عندما انتهى إبراهيم من بنائها أمره الله تعالى بأن يضع حجراً في إحدى زوايا الكعبة ليكون علامة على بداية الطواف فطلب من ولده إسماعيل أن يأتيه بحجر مقبول فذهب إسماعيل يبحث عن حجر مناسب فلم يجد فرجع إلى أبيه ليخبره بعدم وجود حجر مناسب فوجد أباه قد وضع في المكان حجراً جميلاً، إنه حجر هبط به جبرائيل من الجنة، ولأجل ذلك حظي هذا الحجر باهتمام الناس عبر التاريخ، وقد تعرض للسرقة لأنه موضع فخر واعتزاز، بل لأنه معجزة من معجزات الله الدائمة والتي جرت على يد شيخ الأنبياء وثاني أولي العزم(ع)

وقد تناقلته الأيدي والقبائل والعائلات، ولكنه أعيد إلى مكانه بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ليستمر الحج وليكون هذا الحجر علامة وتذكرة بالقدرة الإلهية، ولأجل ذلك فإن جميع الحجاج يتهافتون من أجل الوصول إلى مكان الحجر ليلمسوه ويأخذوا منه البركة.

 

مُعْجِزَةُ إحْيَاءِ الطيُوْر

 

الثابت الذي لا شك فيه حول هذه القضية هو أن المعجزة قد حدثت بالفعل لأن القرآن الكريم قد ذكرها بشكل واضح حيث قال تعالى(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ){البقرة/260}

أما ما اختُلف فيه حول هذه المعجزة فهو الدافع لها والسبب من حدوثها، واختلاف السبب لا يؤثّر شيئاً فيها لأنها أعطت أُكُلَها وآتت ثمارها واستوفت الغرض منها وهو بيان القدرة العظيمة.

فقد جاء في الكافي وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: لما رأى إبراهيم(ع) ملكوت السموات والأرض التفت… فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء وبعضها في البر تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع فيشتمل على بعض فيأكل بعضها بعضاً، وتجيء سباع البر فتأكل منها فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعند ذلك تعجّب إبراهيم(ع) مما رأى وقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ هذه أممٌ يأكل بعضها بعضاً، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي: يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها، قال: خذ أربعة من الطير فقطّعهن واخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضاً فخلط، ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءاً ثم ادعهنّ يأتينك سعياً فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة، قال: وكانت الطيور الديك والحمامة والطاووس والغراب:

ولعل الغرض الأول من إحداث هذه المعجزة هو بيان كيفية المعاد بدليل أن هذه الآية التي تحدثت عن إبراهيم وإحياء الطيور بعد تقطيعها وردت بعد كلام القرآن الكريم عن معجزة موت العزير ثم إحياؤه، فلعل هاتين الحادثتين أو المعجزتين قد حصلتا لغرض واحد وهو إثبات المبعث.

وبعض الروايات تقول بأن معجزة إبراهيم قد حدثت إثر تهديد النمرود له بالقتل بعد أن حاجّه وقال له النمرود بأنني أحيي وأميت، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ)

وقد استدلوا على ذلك بسياق الآيات حيث أن حديث القرآن عن تلك المعجزة ورد مباشرة بعد حديثه عن تلك المحاججة التي حصلت بين إبراهيم والنمرود.

ومهما يكن سبب هذه المعجزة فإن المهم هو أنها حصلت وكانت آية من آيات الله التي أجراها على يدي خليله إبراهيم(ع).

 

مَا وَرَاءَ مُعْجِزَةِ إِحْيَاءِ الطيُوْر

 

إنّ طلب الإطمئنان لم يكن اطمئناناً تجاه الله والإيمان بوجوده ووحدانيته وقدرته، وإنما كان اطمئناناً خاصاً لدى إبراهيم لم يكن له علاقة بأصل الإيمان، لأن النبي يؤمن بالله بدرجة لا يشوبها أدنى شك وإلا فإذا شك النبي بربه لم يكن نبياً بل لم يكن مؤمناً من الأساس.

معنى ذلك أن وراء طلب إبراهيم سراً لا بد من التوصل إلى معرفته وذلك بعد الإعتقاد بكون النبي لا يشك بربه ولو بمقدار ذرة.

فهناك أكثر من أمر ينبغي الوقوف عليه تجاه هذه المسألة:

أولاً: أن الحوار دار بين إبراهيم وربه وهذا يعني أن طلب إبراهيم صدر أثناء كونه نبياً وعندما يكون الإنسان نبياً يجب علينا أن نبعد شبح التهمة عنه لأن الأنبياء بعيدون كل البعد عن مواضع التهمة فمهما صدر منهم كلام يوحي بشيء من النقص فاعلموا بأن خلف الكلام سراً غامضاً لا بد من الكشف عنه احتراماً منا لموقع النبوة وشخص النبي.

ثانياً: إن الله تعالى يعلم ما كان وما سوف يكون وقد اختار الله للنبوة من طهرت قلوبهم وخلصت لله وحده ونبذت الشكوك، واصطفاهم لأنهم أكمل الخلق وأنزههم وأطهرهم وأقربهم إليه، والشك من عمل الشيطان ولا يمكن لنبي من أنبياء الله أن يضعف أمام وسوسات الشيطان الرجيم وهذا من الأمور المسلم بصحتها.

ثالثاً: لماذا نتهم إبراهيم بالشك وعدم الإيمان الكامل مع أن الآية لم تصرح بحقيقة الأمر المشكوك به أو المستفسَر عنه، غاية ما في الأمر أن الله تعالى قال إبراهيم أو لم تؤمن، فلم يقل له أو لم تؤمن بالله أو بالرسالة أو بأي أمر مما يجب فيه الإيمان فلماذا نستعمل في فهم هذه الآية إسرائيليات المعاني.

رابعاً: هل يعقل أن يدور هذا الحوار بين إبراهيم وربه ثم يقول له إبراهيم ليطمئن قلبي، كيف يمكن أن يكون المقصود ليطمئن قلبي بك وهو يحاوره فهل يعقل أن يقول الإنسان الواعي للشيئ الموجود ليست موجوداً.

خامساً: لو كان المقصود بهذا الحوار الشك بالله لما كان لسان الآية أو لسان الحوار بهذا اللطف وهذه الشفافية، فلو كان كذلك لكان لسان الحوار لسان غضب وتهديد .

سادساً: لو علم الله بأن إبراهيم سوف يشك به لحظة من عمره لما اختاره نبياً من الأساس، يمكن أن نتوهم في الأمر مع نبي عادي ولكن لا يمكن أن نصدق ذلك في نبي كإبراهيم جعله ربه أبا الأنبياء وثاني أولي العزم من الرسل، وهذا الفرض ليس صحيحاً حتى في الأنبياء العاديين فكيف يكون صحيحاً في إبراهيم الذي مدحه ربه في مواضع كثيرة وأطلق عليه صفة الأمة للدلالة على عظمته كما في قوله(إن إبراهيم كان أمة) وفي بعض الآيات أواه حليم وفي غيرها صفات كبرى لا تنسجم مع شاك بربه.

سابعاً: يؤكد التاريخ الصحيح بأن هذا الحوار الذي دار بين إبراهيم وربه إنما دار بعد أن أجرى الله على يديه العديد من المعجزات الكبرى فلو أراد إبراهيم المعجزة لكي يؤمن بربه فقد أجرى على يديه المعجزات العديدة.

 

 

مُعْجِزَةُ بِئْرِ زَمْزَم

 

بعدما أمر الله تعالى نبيه إبراهيم الخليل(ع) بترك زوجته وولده في وادي مكة حيث لا ماء ولا نبات ولا أحد من الناس، وكان ذلك ابتلاءاً يمتحن الله به قلب خليله إبراهيم بالإضافة إلى كونه تمهيداً لبناء الكعبة وتأسيساً لفريضة الحج كان ذلك أمراً شاقاً على إبراهيم الذي تعلق قلبه وتعانقت روحه بروح ولده إسماعيل الذي رزقه الله به على الكبر.

ففي مثل تلك الظروف القاسية التي مر بها إبراهيم وعائلته لم يكن هناك مجال للخلاص إلا بالعناية الإلهية الخاصة أو ما نعبّر عنه بالمعجزة.

وبالفعل لقد حصلت المعجزة على يد نبي الله إسماعيل وأمه هاجر عندما كاد إسماعيل وأمه يموتان عطشاً في جو تلك الصحراء القاتلة، فذهبت الأم تبحث عن نبع ماء وهي تعلم بأن الأمر مستحيل حيث لم يعهد الناس في ذلك المكان عين ماء، فرجعت تلك الأم المحتارة إلى ولدها يائسة من وجود الماء حاكمة على نفسها وولدها بالموت، وإذا بها ترى ماءاً يتدفق من تحت قدمي ولدها، وإذا بها عين زمزم التي جعلها الله تعالى معجزة للبشر عبر الزمن.

لقد كانت بئر زمزم معجزة كبرى، إذ كيف يمكن أن تنبع في الصحراء عين ماء بارد ، وما زالت تلك المعجزة قائمة حتى يومنا هذا إذ أن حجاج بيت الله الحرام يشربون من تلك العين، ومن المستحبات أن يشرب الحجاج من تلك البئر المباركة فإن فيها الشفاء والبركة والفائدة.

ما زالت زمزم موجودة وهي تنبع بشكل مستمر وغزير تكفي جميع الوافدين إلى مكة، ولكن أكثر الوافدين إليها والشاربين من مائها هم يؤمنون بكون مائها مباركاً، ولكنهم ينسون أن هذا الماء بحد ذاته معجزة للبشر عبر الزمن.

فعلى الناظر إلى ماء زمزم أو الشارب منه أن يتأمل في أصل نبعه في ذلك المكان الصحراوي وأن يرجع بالفكر إلى زمن إبراهيم وابنه ويتأمل في عظيم تلك المعجزة التي كانت موضع دهشة المسافرين الذين لم يروا في حياتهم قبل إسماعيل أي أثر لعين ماء.

إن هناك معجزات كثيرة ما زال أثرها موجوداً ووجودها فعالاً ولكن الأمر بحاجة إلى شيء من التفكر الذي كان بحد ذاته عبادة فلو أهمل الناس تلك المعجزات ولم ينظروا إليها إلا من المنظار المادي لأصبحت المعجزات منسية ومهملة مع أن المفروض هو إحياؤها بشكل دائم لأنها تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى.

وبفضل تلك المعجزة أصبح ذلك المكان مأهولاً بالسكان ومقصداً للمسافرين ومورداً للحجاج الذين دعاهم إبراهيم إلى الحج بعد أن رفع القواعد من البيت.

 

 

مُعْجِزَةُ نَارِ النمْرُوْد

 

لم يتوانى إبراهيم(ع) يوماً عن دعوة قومه إلى الحق، ولم يسكت عن الباطل، ولم يغض الطرف عن الظلم الفردي والجماعي الذي كان يرتكبه الحكام في حق شعوبهم.

ولم تقتصر دعوته على الضعفاء والمحكومين فقط وإنما دخل قصور الملوك والجبابرة ووضعهم في مواقف حرجة تجاه أقوامهم.

فلم يجدوا أمامهم سوى القضاء على إبراهيم ليكون عبرة لكل من يجرؤ على الوقوف في وجه الوثنية والقيمين عليها فقرروا أن يعاقبوا إبراهيم أشد العقاب وجعلوا يوم تنفيذ الحكم يوم احتفال عام يحضره أكبر عدد ممكن من الناس في أقطار رقعة الوثنية فحددوا المكان والزمان وجمعوا حطباً كثيراً حتى أصبح الحطب شبيهاً بالجبل ليعبّروا بذلك عن شدة غضبهم على كل من يذكر آلهتهم بسوء.

وجاء اليوم المحدد يوم تنفيذ العقوبة بإبراهيم فأشعلوا تلك النار التي لم يشهد الناس ناراً بحجمها من قبل، ولكنهم واجهوا مشكلة أخرى لم تكن بالحسبان وهي أنهم لم يستطيعوا الإقتراب من النار وإدخال إبراهيم فيها فأشار عليهم بعض عتاتهم بأن يضعوه بالمنجنيق (آلة القذف من بعيد) ويقذفوه إلى النار ففعلوا ذلك وألقوا إبراهيم في وسط النار فامتلأت نفوسهم بالفرح والسرور لأنهم انتقموا لآلهتهم وبقي إبراهيم جالساً في وسط النار مدة طويلة لعلها تجاوزت الساعات لأن مثل تلك النار لكي تنطفئ لا بد من الإنتظار يوماً كاملاً على أقل تقدير .

وبعد انتظارهم الطويل المشحون بالفرحة والسرور جاء وقت النظر إلى جثة إبراهيم المحترقة التي لم يبق منها سوى العظم المحروق بحسب اعتقادهم فدنوا من بقايا الحطب الملتهب لينظروا إلى تلك الجثة وإذا بهم ينظرون إلى إبراهيم وهو جالس بين النار وكأنه جالس تحت شجرة يلاعب أوراقها النسيم فكانت النتيجة أنهم صُعقوا وارتعبوا من تلك الحادثة الخارقة لقوانين الطبيعة حيث أن الله سبحانه وتعالى قد أبطل بقدرته مفعول النار فأصبحت برداً وسلاماً كما قال تعالى( وقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم)

ونتيجة لحدوث تلك المعجزة آمن كثير من الناس بدعوة إبراهيم الخليل.

وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أمرين أساسيين حول تلك المعجزة الكبرى التي كرّم الله بها خليله إبراهيم(ع)

الأمر الأول: فقد ورد عن المعصومين سلام الله عليهم كلام أنبأ عن عظمة خليل الله إبراهيم فقد نزل عليه جبرائيل فور إلقائه في النار فقال له: يا إبراهيم هل من حاجة؟ فقال إبراهيم إن كانت منك فلا، فتحولت النار بقدرة الله إلى برد وسلام.

الأمر الثاني: أن تلك المعجزة اشتملت على أكثر من حَدَث:

منها: أن النار قد تحولت إلى أمان بقدرة الله تعالى.

ومنها: أن إبراهيم لم ينج من النار فقط وإنما نجا أيضاً من أثر السقوط على الحطب لأنه القي من مكان بعيد.

ومنها: أن نفسه كانت مطمئنة فلم يضعف أمام تلك النار وهو لا يعلم ما سوف يكون من شأنها.

قال تعالى(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)

 

كَرَامَةُ وِلادَةِ إِسْمَاعِيْلَ وَمُعْجِزَةُ وِلادَةِ إِسْحَق

 

عندما بلغ إبراهيم مرحلة الشيخوخة ولم يكن له ذرية دعا ربه تعالى أن يرزقه بغلام يؤنسه وتقر به عينه(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) فهيّأ الله له عملية الزواج من هاجر فولدت له إسماعيل، وكانت تلك كرامة لإبراهيم، ولا نقول بأنها كانت معجزة لأنها حدثت بطرق طبيعية، ووجه الكرامة هنا هو توفيق الله وتسديده لإتمام الزواج من هاجر وجعل نطفة إبراهيم صالحة للنمو بعد تلك السن المتقدمة.

ولكن الإعجاز قد حصل في ولادة إسحق(ع) فإن سارة أمه كانت قد بلغت مرحلة اليأس من سنين طويلة، وقيل بأنها كانت عند حملها بإسحق قد ناهزت التسعين من عمرها، وحديث القرآن الكريم يكشف لنا بكل وضوح عن كونه معجزة حيث هبطت الملائكة على إبراهيم وكانت زوجته سارة حاضرة وهم الذين بشّروها بإسحق، وفي هذا قال تعالى(وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ){هود69/73}

 

إِبْرَاهِيْمُ الخَلِيْلُ(ع) فِيْ ذِمَةِ اللهِ تعالى

 

لقد كان تاريخ إبراهيم(ع) مليئاً بالمواقف الجريئة ومحفوفاً بالمخاطر على أنواعها ومتوَّجاً بكل صفات الخير ومكارم الأخلاق، فلم تكن حياته عابرة، ولم تعزب منها ذرة في غير الطاعة والعمل الصالح حتى أصبح نموذجاً يقتدى به في هذه الدنيا.

أكثر من مئة وخمسين عاماً كانت ساعتها بسنة قضاها إبراهيم الخليل في خدمة ربه ونشر العلم والحق والعدل بين الناس، فلم يتوانَ يوماً، ولم يقصر بواجبه لحظة حتى حظي بمكانة عالية من الرفعة عند الله عز وجل الذي مدحه في كتابه العزيز ليكون ذلك بمثابة تشجيع للجميع وبيانٍ لحق هذا النبي العظيم الذي كان أوّاهاً وحليماً ومُنيباً وأمَّةً كما عبّر عنه القرآن الكريم.

لقد كان خليل الله أهلاً لكل ما وُصف به في الكتب السماوية وعلى ألسنة الناس لأنه رسم بجهاده وجهوده وصبره وإخلاصه لربه خطوطاً عريضة لطرق الحق وسبل السعادة فكان مضرب المثل في الفضل والفخار والجرأة وحب الله وكل مكرمة وخُلق رفيع.

لقد وُصف إبراهيم بأوصاف كثيرة، ومُدح على ألسنة الأنبياء وغيرهم، ولكن أحسن وصف وأجمل مدح هو ما ورد في كتاب الله العزيز، فتعالوا نقف قليلاً على تلك الأوصاف القرآنية لندرك معاً عظمة هذا النبي(ع).

ففي سورة آل عمران وُصف بأنه مسلم وحنيف ونفي عنه الشرك حيث قال تعالى(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

وفي سورة التوبة قال سبحانه(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ)

وفي سورة هود(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ)

لقد بدأ الحياة الرسالية وهو في مقتبل العمر حيث راح يذم الأصنام وينهى الناس عن عبادتها قبل أن يرسله الله إليهم، وذلك فور خروجه من الغار الذي نشأ فيه خوفاً عليه من قرار الحاكم الظالم نمرود بن كنعان الذي أمر بقتل كل مولود ذَكَرٍ نتيجة لمنام رآه ففسره المنجمون بأنه سوف يولد ولد ويكون هلاكه على يديه.

فمنذ ذلك الحين بدأ إبراهيم مهمته التبليغية والتثقيفية والتوجيهية حتى أصبح له شهرة واسعة بين الناس نتيجة لموقفه السلبي بالنسبة للأصنام التي طالما اعتقد الناس بأنها آلهة.

هناك مسألة ينبغي أن نشعر بها تجاه العمر الذي قضاه هذا النبي وغيره من الرسل والأنبياء سلام الله عليهم أجمعين، والمسألة هي أنهم لم يستريحوا يوماً من أعباء الرسالة وثقل المسؤوليات والمهمات التي كلفوا بها من قبل مولاهم القدير سبحانه وتعالى، فإن كل لحظة من أعمارهم كانت متوجة بالعظمة لأن كل ما فعلوه أو قالوه أو سكتوا عنه كان أمراً عظيماً.

وإبراهيم الخليل(ع) عاش في هذه الدنيا أكثر من مئة وخمسين سنة كان في كل يوم يصنع شيئاً لهذا الدين وللمعتقد الذي كان عليه فلم يتوانَ يوماً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يقصِّر لحظة بأي واجب ديني أو إجتماعي، ولم يقصِّر في خدمة الناس وتعليمهم وتثقيفهم بل كان عاملاً دؤوباً مخلصاً غيوراً عظيماً كريماً، كان له فضل عظيم على البشرية برمتها، فقد نوَّه الله بمدحه، وذكر لنا شيئاً من فضله ليكون ذلك منطلقاً لنا في هذه الدنيا نقتدي به وبجميع الأنبياء والرسل والمعصومين الذين جعلهم الله عز وجل قدوة للبشر.

إننا بهذه البحوث التي تحدثنا فيها عن إبراهيم لم نذكر كل شيء لأن تاريخه عريق وعريض وكبير تَقْصُر عقولنا عن إدراك كل ما يختص به، ولكن ينبغي الإقتداء به لتصلح بذلك دنيانا وآخرتنا.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى