أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

نَبِيُ اللهِ سُلَيْمَانُ(ع)

 

 

نَبِيُ اللهِ سُلَيْمَانُ(ع)

 

قال سبحانه وتعالى(وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)

سليمان(ع) نبي من أنبياء الله تعالى، وهو ابن نبي الله داود، وقد آتاه الله العلم والحكمة والملك في وقت واحد، وكان ملكه مميَّزاً حيث أوتي من الله ما لم يؤتَ أحد من الناس فجعله ربه عبرة للأغنياء الذين يرتكبون الجرائم والمعاصي بسبب أموالهم، والعبرة في سليمان هو أنه وإن كان يملك الأرض كلها بخيراتها وأسرارها غير أنه كان النبي المعصوم والرجل العظيم الذي أخلص لله ولم تغره الأموال الكثيرة ولم يخرج به الملك عن جادة الحق.

يحدثنا القرآن والتاريخ عن قارون الذي أصبح مضرباً للمثل من خلال كثرة أمواله، ولكن سليمان(ع) أجدر بضرب المثل لأن كنوز قارون لا تساوي ذرة من ملك سليمان، فكان أحدهما عبرة للكفار والآخر عبرة للمؤمنين وكلاهما يصلح أن يكون عبرة للصنفين معاً لأن العبرة قد تُكتسَب عن طريق السلب كما تكتسب عن طريق الإيجاب، فلقد كان سليمان(ع) رغم ملكه العظيم عابداً زاهداً لم يستغل سلطانه في مصلحته الخاصة وإنما طلب الملك من أجل أن يعدل بين الناس كما قال أحد الرواة: إن سليمان لم يطلب الدنيا لنفسه وإنما طلب أن يكون أمورها إليه حتى يعدل بين الناس وينصف المظلوم من الظالم ويجود على الفقراء والمساكين فإن الدنيا مع العبد الصالح تكون في يده وليس في قلبه.

وها هو أمير المؤمنين علي(ع) يحدثنا عن زهد سليمان فيقول ” أو سليمان بن داود وما أوتي من الملك يأكل خبز الشعير ويطعم أهله الحنطة وإذا جنه الليل لبس المسوح وغلّ يده إلى عنقه وبات باكياً حتى يصبح ويكثر من قول: ربي إني ظلمت نفسي كثيراً وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ”

هكذا كان يتعامل هذا العظيم مع ربه، وبمثل هذه الكلمات كان يناجيه، وبهذه الطريقة كان يعيش، مع أنه ملك الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وها نحن نرى كثيراً من الناس إذا حصلوا على القليل من المال ظنوا أنه لن يقدر عليهم أحد وأنهم الأسياد وغيرهم عبيد، مع أن الجميع عبيد لله تعالى لا يميزهم المال ولا الجاه ولا السلطة، وإنما يميزهم التقوى والإخلاص لله تعالى.

وهذا المرض القاتل لم يختص بفئة دون فئة ولا بطائفة دون أخرى بل هو مرض شامل للجميع، وإن جميع المجتمعات تعاني من هذه النماذج السيئة التي ظنت أنها أرفع من الغير بسبب مالٍ لا قيمة له في الموازين الإلهية.

وهؤلاء لو أيقنوا الحقيقة لعلموا بأن الشأن المرتبط بالمال يزول مع زواله، أما العزة المستمدة من الله تعالى فإنها باقية مدى الدهر.

وهذا السلوك لا يعتري أهل الدنيا العلنيين فقط، وإنما قد يعتري أشخاصاً هم في الظاهر مؤمنون ولكنهم في علم الله أجانب عن التقوى والإيمان، وفي هذا المعنى يقول النبي الأعظم محمد(ص) ” إرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، إن الزاهد في الدنيا ليريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيأمر بهم إلى النار، قيل يا نبي الله أمصلون كانوا؟ قال نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون وهناً من الليل لكنهم إذا لاح لهم شيء من أمر الدنيا وثبوا عليه.

وهذا هو الفرق بيننا وبين الأنبياء الذين كانوا يعملون في النهار ويقومون في الليل ولم تغرهم هذه الحياة وإن أقبلت إليهم على بساط من حرير وطبق من لؤلؤ، وإن أكبر شاهد على ذلك هو نبي الله سليمان(ع).

 

مُعْجِزَاتُ سُلَيْمَانَ(ع)

 

قال تعالى(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)

يوجد نوع من الملازمة العقلية بين النبوات والمعجزات بحيث إذا ذكرنا أحدهما تبادر معنى الآخر إلى أذهاننا، وسبب نشوء هذه الملازمة هو أن جميع الأنبياء تسلحوا بهذا السلاح القوي الذي فرضوا به الحق وأظهروا من خلاله الحقيقة وأثبتوا به صدقهم فيما ادعوه من الإتصال بالوحي، ونبي الله سليمان(ع) صاحب معجزات كثيرة ومميزة من حيث نوعها وليس من حيث أصلها لأن الأصل واحد وهو الخروج عن حدود الطبيعة.

والآية الآنفة الذكر تشير إلى ثلاث معجزات أجراها الله تعالى على يد نبيِّه سليمان(ع):

المعجزة الأولى: جريان الريح بأمره، فقد كان سليمان بقدرة الله عز وجل يأمر الريح فتسير بأمره وتحمله إلى المكان الذي يريد، ولقد كانت تقطع به في اليوم الواحد ما يقطعه المسافر في شهر سيراً على القدم، وهنا أشير إلى موضوع بساط الريح والذي يقصد به بساط سليمان، فهو في الواقع ليس بساطاً بل إن الريح نفسها هي بساط لسليمان فلم يكن يحتاج إلى أن يجلس على بساط يطير به بل كانت الريح تحمله مباشرة إلى أي مكان يريد أن يقصده.

وربما كان تصرفه في الريح أوسع دائرة من موضوع حمله، فلربما كان قادراً على قطع الهواء عن منطقة أو مجموعة وليس ذلك على الله بعزيز.

المعجزة الثانية: إذابة القِطر: وهو ذوبان الحديد والنحاس وغيرهما من المعادن بقدرة الله تعالى كما ألان الله الحديد لداود، ولا شك بأن وراء هذه المعجزة هدف كبير يريد أن يقنع من خلاله أصحاب العناد والعقول المتحجرة بالإيمان، يعني لو كان سليمان موجوداً مع ذي القرنين عندما وضع سداً بين الجبلين لما احتاج ذو القرنين إلى أن يُحمي الحديد بالنار لأن سليمان كان قادراً على إذابته بلحظة، وهذا من باب تقريب المعنى المراد.

المعجزة الثالثة: تسخير الجن للعمل في خدمة سليمان:

قال تعالى(وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ)

لقد كان سليمان ذا ملك عظيم لم يحصل عليه غيره، لا قارون ولا من كان أشد قوة وأكثر جمعاً منه، لأن ملك سليمان كان من الله مباشرة، وقد سخر الله له هذا الملك من أجل دعوة الناس إلى الإيمان، لقد سخر الله الجن لسليمان يعملون في بناء القصور وصناعة التماثيل والقدور المزخرفة، فلم يصنع سليمان ذلك على حساب تعب الناس وراحتهم ودمائهم كما صنع الفراعنة في بناء الأهرام أو كما يصنع أكثر الحكام في عصرنا وفي العصور الماضية بل كان كل ذلك يتم عبر الجن الذين سخرهم الله تعالى للعمل في خدمة سليمان وبالتالي فإن كل ذلك يصب في المصلحة العامة التي هي المصلحة الإيمانية الكبرى.

وعلى ذكر هذه المعجزة لا بأس في أن نعالج فكرة خاطئة وهي على خطئها من أكثر الأفكار انتشاراً بين الناس في كل المجتمعات الشرقية والغربية ولدى كل المذاهب والفرق وأهل الديانات على اختلافها وكثرتها، وهي موضوع تسخير الجن خصوصاً وأن كثيراً من الدجالين قد ادعوا السيطرة على الجن واستخدامهم لكشف الأمور، وهذا كذب واضح وإن صدر من شخص يصلي ويصوم ويقرأ القرآن لأن عملية السيطرة على الجن تحتاج إلى معجزة من الله تعالى كما سخر الجن لسليمان، فلو كان تحضير الجن أو التواصل معهم أمراً مقدوراً عليه للجميع وأنه لا يحتاج إلى قوة الإعجاز لما اعتبره القرآن من جملة المعجزات التي قام بها سليمان(ع) وبناءاً عليه نقول: إن كل الذين يدعون الإتصال مع الجن هم جهلاء أو كاذبون أو لهم مصالح خاصة يريدون الوصول إليها، وأكثرهم لا يأخذون مالاً على فك الكتيبة أو السحر كما يدَّعون، ولكنهم يريدون أن يأخذوا ما هو أثمن من المال.

نحن نقول لو اجتمع كل البشر ليسيطروا على جن واحد لما قدروا على ذلك إلا بقدرة الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز لأيٍ كان أن يدعي الوصلة مع الجن فإنه بهذا الإدعاء يكذب على نفسه وعلى ربه وعلى الآخرين، وهذا من المواضيع الحساسة التي يؤمن بها الناس حيث لا مورد للإيمان، وإنّ إخراج هذه الفكرة من أذهانهم أو هذا المعتقد من قلوبهم أمر صعب يحتاج إلى حكمة ووعي وتدبر.

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)

 

حَقِيْقَةُ الجِنِ

 

على ذِكر إحدى معجزات سليمان وهي تسخيير الجن، وبسبب الوهم القاتل الذي يسيطر على قلوب الناس تجاه هذه الفكرة السائدة في المجتمعات والمسيطرة على كثير من الناس، والعجب كل العجب من أنه كيف استطاع أصحاب هذه الأفكار الوهمية أن يقنعوا هذا العدد الكبير من الناس بهذه الفكرة الكاذبة، إذن هناك خلل، وهذا الخلل موجود فينا بالدرجة الأولى، وليس بأصحاب الأهواء، لأننا نحن الذين استسلمنا لأفكارهم وأكاذيبهم ولم نعمل بالأمر الإلهي الواضح الدلالة (واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وكذلك إذا تنازعنا في شيء فيجب أن نرده إلى الله ورسوله وليس إلى أشخاص يدعون التقى والإيمان وهم أجانب عما يدعون لأنهم لو كانوا مؤمنين لما غاصوا في هذا البحر المظلم ولما أغرقوا معهم ملايين الناس، إنهم يطلقون على أنفسهم إسم المشايخ، وهم لا يعرفون من ذلك شيئاً، بل هم يشوِّهون  سمعة أهل الإيمان الذين هم أجلُّ من النزول إلى هذا المستوى الوضيع، والأعجب من ذلك كله هو أن شريحة كبرى من أهل الثقافة قد استسلموا لهذه الأوهام، كيف تعتقدون بما يقوله هؤلاء الكذابون ولا تعتقدون بما يقوله القرآن الكريم، هذا ليس مجرد ادعاء منا بل هو حقيقة نلمسها يومياً، لماذا تعتقدون بأن الجن مستلبس فلان أو فلان ولا تعتقدون بأن الصلاة والصوم والحجاب واجبات فرضها الله تعالى، نقول لكثير من الفتيات تحجبن فإن الله يأمر الفتاة بالحجاب فتقول الفتاة لم أقتنع بعد، يعني لم تعتقد بعد بكلام الله سبحانه وتعالى، وهن يعتقدن بكل فكرة أو كلمة يقولها مطرب أو مطربة أو راقصة أو كذاب منجم من المنجمين الذين زرعوا الفساد في طريق الصلاح وأثبتوا الكفر باسم الإيمان وألبسوا الباطل ثوب الحقيقة.

كيف نؤمن ببعض النظريات الخاطئة التي يطرحها بعض المتخصصين في المدارس والجامعات، لماذا نحمل أفكارهم على أكتافنا ونجول بها العالم وندافع عنها بكل ما أوتينا من قوة، ولا ندافع مرة واحدة عن حكم الله والمعتقدات الصحيحة التي جاء بها الأنبياء والرسل من عند ربهم حقاً وصدقاً؟

نعود إلى ذكر المنجمين الذي زاوَلوا هذه المهنة الفاسدة التي توقع الناس في حيرة من الأمر وتعقّد لهم مشاكلهم بدل أن تحلّها.

وأنا هنا قبل أن أسأل الناس العاديين أوجِّه السؤال لكل من يزاول هذه المهنة وأقول لهم: ما هو التنجيم أو ما هي الكهانة أو ما هي القيافة أو ما هو الجن وما هي حقيقته؟ ثقوا أيها الأخوة والأخوات بأنهم لا يعرفون شيئاً عن ذلك، كل ما يعرفونه هو الخدع والأكاذيب وبث هذه المعتقدات الفاسدة بين الناس لأنهم يرغبون بها.

وأنا الآن أوجه دعوة لكل من يدعي القدرة على الجن والسيطرة عليه، أوجِّه لهم دعوة للمواجهة والمناقشة والحوار المنطقي السليم، وأنا على ثقة تامة بأنني أمتلك الدليل على صدق ما أقول، وهم ليس لديهم أي دليل على ما يدعون ويزاولون، وأنا على أتم الإستعداد لمواجهة أكبر منجم في العالم لأنني أعي تماماً حقيقة الأمر وأنني قادر على إبطال التنجيم، أما هم فلا يستطيعون أن يُبطلوا الحق.

فالجن مخلوق عاقل أوجده الله قبل أن يخلق البشر وكانوا أمماً أمثالنا من حيث التكاليف التي وجهها إليهم ربهم فمنهم الصالح ومنهم الفاسد كالبشر تماماً، وعندما أراد الله أن يستخلف الإنسان في الأرض أبعد الجن ووضع بيننا وبينهم حائلاً لا يمكن تجاوزه ولا يمكن الإتصال بالجن أبداً إلا بمعجزة من الله تعالى، والجن لا يعلم الغيب ولا يعلم كثيراً من الأمور الحاضرة وعلى فرض(وهو فرض بعيد) إستطاع واحد منا أن يتصل بالجن فإنه لن يستفيد منه كثيراً لأنه لا يعلم أكثر مما يعلم الإنسان.

وأما استخدام القرآن الكريم في كذبة تحضير الجن فإنه من أجل التمويه والتضليل، وهؤلاء مذنبون ومجرمون في حق هذا الكتاب السماوي العظيم لأنهم يستعملونه في غير الوجهة التي نزل لها، القرآن كتاب هداية وإرشاد وتصحيح للمعتقدات وبيان للأمور التي تنفع الإنسان في دنياه وآخرته، قال تعالى(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) وقال تعالى(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) إذن هذه هي الغاية الأم من إنزال هذا الكتاب، فهو ليس كتاب تنجيم أو تبصير أو شعوذة ، وأما التذرع بأنهم لا يأخذون مالاً على عملهم فإن السر الخطير يكمن خلف عدم أخذ المال، ليس المال أغلى شيء في الحياة، فإن هناك كثيراً من الأمور أغلى من المال كالشهرة والحصول على أسباب الشهوة.

 

مِنْ سِيْرَةِ سُلَيْمَانَ(ع)

 

إن دأب سليمان كدأب غيره من الأنبياء الذين كان لكل واحد منهم سيرة عطرة وتاريخ حافل بالأحداث والمواقف والعبر، وقد تحدث القرآن عن تاريخ سليمان لأن العبرة في حياته كبيرة حيث أوتي من الملك ما لم يؤت أحد من الناس قبله وبعده، وهو رغم هذا الملك الكبير والسلطان العظيم عاش زاهداً وتوفاه الله على الزهد والتقوى، وجعله ربه عبرة للناس عموماً وللأغنياء خصوصاً لأنهم بسبب كثرة أموالهم غرقوا في المحرمات والشهوات وأصبح كل همهم زيادة الثروة لمنافسة الآخرين وللمشاركة في القرار على قاعدة من يملك المال يملك القرار.

وفي صدد حديث القرآن عن نبي الله سليمان قال تعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) ونلاحظ بأن الآية الشريفة اختصت العلم بالذكر دون المال والسلطان لأن العلم أكبر ثروة للإنسان في دنياه وفي آخرته إذا جره علمه نحو الخير، أما إذا استعمل العلم فيما يضر به وبالناس فحينئذ لا يكون علمه خيراً بل سوف يكون وبالاً عليه في يوم الحساب لأن العالِم مسؤول عن علمه قبل غيره، والله تعالى في هذه الآية يخبرنا بأنه منّ على داود وولده سليمان بنعمة العلم التي هي سبب كل نعمة أخرى، وحدثنا القرآن أيضاً عن مبادلة داود وسليمان تلك النعمة بحمد الله(وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) فإذا كان هناك شخصان مؤمنان وكان إيمانهما بمستوى واحد، فحينئذ لا يميزهما عن بعضهما سوى العلم، وهذا ما أشار إليه القرآن المجيد في غير هذا الموضع حيث يقول(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

لقد فضّل الله داود وسليمان بالنبوة والحكمة والعلم والسلطان الكبير، وهذه بعض وجوه تفضيلهما على كثير من المؤمنين، ويقول سبحانه(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)

لقد ورث سليمان الملك والنبوة من أبيه داود، ثم خاطب سليمان قومه قائلاً لهم(يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ) وهنا يشير القرآن إلى إحدى معجزات سليمان الذي أجرى الله له أكثر من معجزة كتسخير الرياح والجن وإسالة عين القِطر، وكذلك فقد منّ الله على سليمان بأن علّمه ربه منطق الطير، والوارد عن النبي وآله(ص) أن الله تعالى علّم نبيه سليمان منطق الطير وغيره من الحيوانات بدليل ما ورد في القرآن أن سليمان سمع كلام النملة التي قالت: لا يحطمنكم سليمان وجنوده: فتخصيص الطير أو منطق الطير في الآية إنما ورد على سبيل المثال إن صح التعبير، وليس على سبيل الحصر، حيث أشارت الآية الكريمة إلى أنه أوتي من كل شيء، يعني أنه لو أراد أن ينزل الشمس على الأرض بقدرة الله لفعل ذلك… فقوله أوتينا من كل شيء، يعني أن باب الإعجاز لديه مفتوح.

وهنا أريد أن أعلِّق على نظرية وردت في مجال منطق الحيوانات، فلقد ادعى البعض بأن الحيوانات كانت تنطق بكلام الآدميين، وهذه نظرية تتعارض مع ظاهر القرآن فلو كانت الحيوانات تتكلم بكلام الآدميين لما كان ذلك معجزة بل لكان حينئذ أمراً طبيعياً، ولسان الآية الكريمة يشير إلى نوع من الإعجاز، يأيها الناس علّمنا منطق الطير، يعني هذه فضيلة وميزة ميَّز الله بها سليمان، ثم إننا نقول إن الحيوانات منذ القديم هي على حالها لم يتغير في أنظمتها شيء على الإطلاق كـأنظمة البشر التي لا تتغير ولا تتبدل.

وكل هذه النعم أدلة واضحة على القدرة الإلهية وعلى كون سليمان وغيره من الأنبياء والرسل قد بعثهم الله إلى البشر ليعلموهم وينقلوهم من الظلمات إلى النور وليلقوا الحجة على الجميع.

(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ  حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)

بالإضافة إلى بيان الإعجاز على يد نبي الله سليمان(ع) فلقد أشارت هذه الآيات إلى الحرب التي خاضها سليمان حيث حشر له جنوده من الناس والجن والطير، ونحن نؤمن بوجود الجن لأن القرآن الكريم أثبت ذلك، ولكننا ننفي قدرة الإنسان على رؤية الجن أو الإتصال به إلا عن طريق الإعجاز كما حصل لسليمان(ع) ولذلك فإننا نشير بإصبع الإتهام إلى كل من يدعي الوصلة مع تلك المخلوقات التي أبعدها الله عن الأرض ووضع حاجباً بيننا وبينها.

وأما قوله تعالى(فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي أنه يوجد لكل مجموعة منهم قائد ووازع.

وقد مرَّ الجيش بوادي النمل، وقد أشار القرآن إلى ذلك من باب تعليم الناس وإعطائهم العبرة من تلك المخلوقات الصغيرة التي لا تكاد تُرى على الأرض قال تعالى(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) والإعجاز المشار إليه في الآية هو أن النمل كان يعرف سليمان لأنهم ربما كانوا يسمعون كلامه لأنه أعطي القدرة على التخاطب مع جميع أصناف الحيوانان كدليل على صدق نبوته، فعندما مر جيشه العظيم في وادي النمل خاف النمل من أن يداس تحت الأقدام فطمأنتهم ملكتهم من أنه لن يمسكم سليمان وجنوده بأي أذى.

وموضوع لغة الحيوان هو موضع اهتمام العلماء والخبراء الذين ما زالوا حتى هذه الأيام يراقبون سلوك الحيوانات ليعرفوا شيئاً عن اللغات التي يتخاطبون بها، وقد أثبت العلماء أنه لكل صنف من أصناف الحيوانات لغة خاصة به وسلوك معين يتبعونه في التفاهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى كون المجتمع الحيواني لا يختلف في العادات والأنظمة الحياتية والمعيشية عن أنظمة المجتمع البشري الذي ما زال يجهل الكثير والكثير من تلك الأنظمة.

هذا الأمر الذي ما زال يشغل العالم كله من دون نتائج واضحة قد أخبرهم به خاتم الأنبياء محمد(ص) منذ حوالي ألف وأربعمئة سنة.

وقد توصل العلماء بعد الجهد الكبير الذي بذلوه في سبيل حل بعض السلوكيات الخاصة بالحيوانات إلى تفسير شيء من سلوكهم، ولكن هذا الأمر المعقَّد كان يعرفه سليمان(ع) بقدرة الله سبحانه وتعالى منذ آلاف السنين.

لقد ضرب لنا القرآن الكريم كثيراً من الأمثلة لنعتبر بها فلم يدع أمراً إلا ومثّل به، وإن كان في نظر الناس أمراً حقيراً كالنمل والذباب والبعوض، فإن الله تعالى لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها.

فعندما سمع سليمان كلام النملة تبسَّم لعظيم النعمة التي منّ الله بها عليه، وإلى هذا يشير القرآن بقوله(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) وبهذه الطريقة يجب على الإنسان أن يشكر ربه على كل نعمه وآلائه التي لا تُعد ولا تحصى بسبب كثرتها، وسليمان(ع) سمع كلام النملة التي طمأنت أفراد جنسها بأن سليمان لن يصيبهم بأذى وهذه شهادة كبرى، وقد توجه سليمان بقلبه نحو الله تعالى شاكراً تلك النعمة النادرة التي خصه بها من بين سائر خلقه.

سليمان يطلب من ربه العون على شكر النعمة والعمل الصالح، والشكر ليس أمراً كلامياً، أي أنه لا يتم بمجرد قولك (الشكر لله أو شكراً لله أو الحمد لله) بل لا بد من العمل الذي يستلزمه الشكر، بمعنى أن يكون شكرك عملياً وليس مجرد حركات يصدرها اللسان ولأجل ذلك كان لا بد من طلب العون والسداد من الله سبحانه وتعالى من أجل إتمام شكر النعم الإلهية.

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ  لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)

بحث في الطيور التي كانت مسخرة لخدمته فلفت نظرَه عدم وجود الهدهد بينهم فقرر أن يعذبه إلا أن يأتيه بعذر وسبب وجيه لغيابه، فالمفروض هو أن لا يتغيَّب أحد جنوده من الإنس والجن والحيوانات إلا بإذنه(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) مكث الهدهد في مكان غير بعيد ثم أتى سليمان ولعله علم بأن سليمان سوف يعذبه ويعاقبه فبادره بالقول جئتك بما لم تحط به علماً على سعة علمك وإحاطتك بالأمور، فما هو الشيء الذي جاء به الهدهد؟ هو ما أخبرنا عنه القرآن الكريم بقوله(إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)

هذا ما نقله الهدهد لسليمان(ع) عندما كان الهدهد يلعب ويضيع وقته، فقد وجد قوماً تحكمهم إمراة وهي ملكة سبأ وكان هؤلاء يعبدون الشمس من دون الله ويسجدون لها، وقد تميزت هذه الملكة بعرشها العظيم المزخرف، وقد ورد استنكار لفعلهم في الآيات المذكورة(أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) لماذا لا يعبدون الله الذي خلقهم والذين من قبلهم وخلق كل شيء في السموات والأرض، وهو يخرج الخبء، أي خيرات الكون بشكل عام.

(قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)

لقد كانت هذه لهجة تهديد ووعيد من سليمان(ع) للطائر الهدهد، فإن كان صادقاً عفا عنه، وإن كان كاذباً فسوف يعذبه لأن الكذب معصية كبرة وصفة رذيلة، وهنا لا بد من لفت الأنظار إلى مسألة عقائدية هامة حول موضوع تكليف الحيوان فإن الحيوان لا عقاب عليه لأنه خارج عن حدود دائرة التكليف، وإذا كان كذلك فلماذا أراد سليمان(ع) أن يعذّب الهدهد إن كان كاذباً؟

نقول: لعل المراد هو بيان قبح الكذب بغض النظر عمن صدر، فلعل في ذلك إشارة إلى الإنسان الذي أراد سليمان أن يعطيه العبرة ويبين له قبح الكذب، ومن جهة ثانية: لعل الهدهد عندما أصبح من المسخَّرات لسليمان خرج عن دائرة العفو الشاملة للحيوان فأصبح حكمه حكم العاقل المكلّف، والله تعالى هو العالم بمقاصده.

(اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)

بعث سليمان بكتاب إلى ملكة سبأ يطلب منهم الطاعة، وقد أمر الهدهد بأن يلقي الكتاب إليهم ويجلس في ناحية يرى ويسمع ما سوف يكون من أمرهم، فوصل الكتاب إلى الملكة فجمعت وزراءها للتداول في شأن الكتاب.

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ  إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)

عرضت الكتاب على وزرائها بعدما وصفته بالكريم لأن صادر عن شخص عظيم الجاه، وبيّنت لهم مضمونه المختصَر وهو الدعوة إلى الإسلام، وقد كان من شأن الأنبياء(ع) أن يوجزوا العبارات في كلامهم وكتبهم، وأبرز ما كان يرد في كتبهم عند إرسالها للملوك: أسلم تسلم:

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)

لم تستطع الملكة أن تتخذ قراراً حاسماً حول كتاب سليمان لأن ذلك القرار كان مصيرياً بالنسبة لها ولقومها.

(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)

أشاروا عليها بالمواجهة العسكرية لأنهم كانوا شعباً كثيراً وقوياً يستطيع أن يخوض أكبر المعارك، وقد وعدوها بأنهم سوف يقاتلون معها حتى الموت، ولكنها لم تأخذ برأيهم.

(قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)

لقد كانت ملكة سبأ على معرفة سابقة بقوة سليمان الذي سُخِّر له الجن والريح وكل شيء، ولكنها لم تخبر وزراءها بذلك كيلا تأخذهم الحمية ويتصرفوا بحماقة، ولكنها خاطبتهم بعبارة موجزة تنبئ عن مدى ذكائها وحنكتها فاكتفت بالعبارة التي وردت في الآية الكريمة كيلا يتهور بعض وزرائها لأنها كانت تعرف النتيجة وأنها لن تكون لصالحها وصالح شعبها.

(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)

لقد اقترحت على وزرائها فكرة ذكية ومجرَّبة مع غير سليمان من الملوك الذين كانوا يهددون الآخرين ويتوعدونهم، فاقترحت بأن ترسل إلى سليمان بهدية نفيسة من المال والجواهر فإن قبِلها كان طالباً للدنيا والملك والمال والجاه، وإن رفضها كان حقاً نبيّاً مرسَلاً من قِبل الله، فأرسلت له هديتها.

(فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)

وصل رسل الملكة إلى مقر سليمان حاملين معهم تلك الهدية الثمينة التي ما عُرضت على ملِك ورفضها ووضعوها بين يديه وهم يظنون بأنه سوف يفرح بها ويتراجع عن قراره، ولكنهم تفاجؤوا بردّه.

(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)

رجع رسول الملِكة إلى بلاده ومعه الهدية التي رفضها سليمان والتهديد الشديد بغزوهم وإذلالهم إن لم يؤمنوا بالله تعالى، فلما وصل الرسول وأخبرها بالأمر شعرت هي ووزراؤها بالخوف والخطر فقررت أن تذهب إلى سليمان مستسلمة قبل أن يغزوها بجيش عظيم يهزمها وقومها بخلال ساعات، وقد سارت مع وزرائها إلى مقر سليمان.

(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)

لقد علِم سليمان(ع) بمسيرها إليه مستسلمةً، وهذا العلم إما عن طريق الوحي أو عن طريق الهدهد، وكلاهما يؤدي نفس الوظيفة وهي إخبار سليمان بواقع الأمر، فأحب سليمان أن يبيّن لها جزءاً من قدرته التي منَّ الله بها عليه ويثبت لها كونه نبيّاً، فطلب أن يأتوه بعرشها الذي كان موجوداً في مكان آمن تحرسه الرجال الأشداء.

(قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)

يُحكى بأن سليمان(ع) كان يجلس للقضاء وإدارة الشؤون من طلوع الشمس إلى زوالها(أي الظهر) ولعل هذا العفريت اقترح أن يأتيه بهذا العرش الكبير في فترة دون ما بين طلوع الشمس وزوالها، أي بخلال ساعات قليلة، هذا مع العلم أنه لو أراد الناس في الحالات العادية أن ينقلوا ذلك العرش من مكانه لاستغرق الأمر من الوقت أسابيع.

(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)

لم تصرّح الآية بهوية هذا الذي عنده علمٌ من الكتاب، أهو ملَك أو عفريت، أو إنسان، وعلى أي حال فإن ذلك لأعظم دليل على القدرة الإلهية المطلقة، فالعفريت الأول طلب من الوقت ساعات، وأما الذي عنده علم من الكتاب اقترح أن يأتيه بالعرش في مدة لحظة أو ثانية، وليس ذلك على الله بعزيز، فبينما هما يتحوران وإذا بعرش بلقيس استقر أمام سليمان فشكر الله تعالى على تلك النعمة العظمى.

(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ)

عندما استقر عرش الملكة أمام سليمان طلب ممن حوله أن ينكّروا لها عرشها، أي أن يحدثوا فيه بعض التغييرات ليختبر الملكة بذلك ويرى هل تعرفه أم لا.

(فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)

سألوها :هل هذا هو عرشك؟ أو هل أن عرشك مثل هذا؟ فتأملت قليلاً ولم تجب لا بالنفي ولا بالإثبات حذراً من الوقوع في الكذب، وقد كانت تلك الملكة ذكية وحذقة، وغاية ما قالته: كأنه هو: ولما آمنت الملكة حمد سليمان والمؤمنون رب العالمين على نعمة الإيمان والإسلام.

(وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ)

لقد كانت امرأة ذكية ولكن الذي منعها في البداية من الإيمان هو الكفر الذي وجدت آباءها عليه.

(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)

طلبوا منها أن تدخل القصر، فلما رأته حسبته لجة ماء لأنه كان قصراً عظيماً مصنوعاً من الزجاج الشفاف والماء تجري من تحته فلا يرى الناظر زجاجاً بل يحسبه ماءاً، فكشفت عن ساقيها لتغوص بالماء وإذا هو زجاج صلب، وفور ذلك أعلنت إسلامها وأصبحت من خيرة المسلمات.

 

وَفَاةُ سُلَيْمَانَ(ع)

 

بعد أن أدى سليمان(ع) مهمته الرسالية ووظيفته التبليغية، وبعد أن جعله الله تعالى آية للناس بما سخّر له من المخلوقات أتاه الأجل الذي لا بد منه، وقد كان له عند وفاته حكمة من الله تعالى ذكرها في سورة سبأ، قال تعالى:

(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)

من معجزات نبي الله سليمان أن الريح كانت تجري بأمره، فلقد كانت تحمله في الصباح الواحد مسيرة شهر كامل على الأقدام.

(وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)

ومن معجزاته أيضاً أن الله تعالى كان يذيب على يديه الأشياء الصلبة كالمعادن، وسخّر له الجن يبنون له المحاريب(المعابد) والتماثيل والجفان(القصعة) كالجواب، وهي جمع جابية، والقدور الراسيات هي الثابتات في الأرض.

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)

كان الجن يعملون بجد ونشاط في بناء المحاريب والتماثيل والقدور، وكان سليمان(ع) جالساً فوق المنصة يراقبهم، وفجأة أدركه الموت وقد كان متكئاً على عصاه، فلم تعرف الجن بأنه قد مات، وهذا يثبت لنا عدم معرفتها للغيب، فبقي متكئاً عليها وهو ميت مدة لم يذكرها القرآن ولكنها كانت مدة طويلة، وأما دابة الأرض فهي عبارة عن حشرة صغيرة جداً تُعرف في زماننا باسم(السوسة) فنخرت عصاه فانكسرت فوقع سليمان على الأرض فعلمت الجن بموته، فأسفوا لتلك المدة التي تعبوا فيها بالعمل واعترفوا بأنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما استمروا في هذا العمل الشاق.

 

مَدِيْنَةُ سَبَأ

 

مدينة سبأ هي المدينة التي كانت تحكمها الملكة بلقيس، وهي قبيلة عربية سُميت باسم الأب الأكبر لها، وهي تقع في جنوب جزيرة العرب، وقد وصف الله تعالى تلك المدينة وأهلها، وقد كان في ذكرها عبرة لمن يعتبر، قال تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)

كانت مدينة سبأ من أروع المدن بازدهارها ومناخها وزراعتها، والتعبير القرآني بالجنتين عن اليمين والشمال إنما هو كناية عن بيان نعم الله الوافرة، وقد أرسل الله رسله وأنبياءه إليهم مبشرين ومنذرين.

(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)

عندما أعرضوا عن الإيمان وأنكروا الرسالة السماوية أنزل الله بهم العذاب، فجعل مكان الحدائق الجميلة شجراً يضر أكثر مما ينفع فلا يستسيغه إلا الحيوان وهي أشجار الطرفاء والسدر وغيرهما مما لا ينتفع به الناس.

(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)

كان ذلك جزاء كفرهم، كان ذلاً وهواناً وفقراً وجوعاً بعد أن كانوا أعزاء وأقوياء وأغنياء.

(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ)

كانت مدينة سبأ متصلة مع باقي المدن بحيث لم يكن المسافر بحاجة إلى أن يحمل معه الطعام والماء، فأينما حلّ وجد الماء والطعام، هذا بالإضافة إلى الأمن والأمان.

ولكنهم لم يشكروا النعمة بل كفروا بها وأطاعوا الشيطان الرجيم فاستحقوا العقاب الذي نزل بهم، وفيه قال تعالى(فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)

 

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَان(ع)

 

لقد أجرى الله تعالى على يد سليمان(ع) كثيراً من المعجزات الدالة على عظيم القدرة، وقد أشار الكتاب العزيز إلى عدة منها:

 

مُعْجِزَةُ لُغَةِ الحَيَوَان

 

لقد منّ الله سبحانه على نبيّه سليمان بأن علّمه منطق الطير، والظاهر أنه علّمه منطق كل الحيوانات بدليل خطاب سليمان مع النملة، ولبس ذلك على الله بعزيز.

قال تعالى في سورة النمل(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)

ولكن القدَر المتيقَّن هو أنه كان يكلّم الطير والنمل، وليس ذلك سوى معجزة من الله تعالى.

أما كلامه مع الهدهد فقد قال تعالى في هذا الشأن(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)

وأما كلامه مع النمل فقد قال سبحانه(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)

وأما في الأحاديث فقد ورد أن سليمان(ع) كان ماراً على شاطئ البحر فرأى نملة تحمل في فمها طعاماً فوقفت أمام الشاطئ فخرج من الماء ضفدع ففته فمه فدخلت النملة فيه ثم بعد فترة خرج الضفدع من البحر ففتح فمه فخرجت النملة فسألها سليمان عن ذلك فأخبرته القصة، وهي أنه يوجد في قعر الماء دودة عمياء وقد أمر الله النملة بأن توصل إليها رزقها كل يوم وقد سخّر لها الله هذا الضفدع لينقلها.

 

مُعْجِزَة الريْحِ التِيْ تَجْرِي بِأَمْرِه

 

قال سبحانه في سورة الأنبياء(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)

وقال في سورة سبأ(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)

من معجزات سليمان(ع) أن الله تعالى سخّر له الريح تجري بأمره فهو يتصرف في الريح بأي وجه من الوجوه، فلقد كان يستخدمها للتنقل من مكان إلى مكان، وقد كانت تحمله كلما أراد ذلك، وهذا هو عين الإعجاز، يعني كان بإمكانه أن يجتاز القارات بوقت قصير جداً، ولعل الإشارة إلى الشهر هو أن ما كان يقطعه سليمان من المسافات بيوم واحد كان غيره يحتاج إلى شهر كامل لقطع تلك المسافة.

 

مُعْجِزَةُ تَسْخِيْرِ الجِن

 

قال سبحانه وتعالى(وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)

وقال تعالى في سورة ص (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)

وقال في سورة الأنبياء(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)

لقد سخّر الله تعالى مجموعة من الجن كانوا يعملون بين يدي سليمان في مختلف المجالات، كان منهم البنّاء للمحاريب والتماثيل والقدور الجميلة الكبيرة التي يعجز الناس عن صناعتها، وكان منهم من يغوصون في البحر ويستخرجون منه اللآلئ وغير ذلك.

وهنا ننكر ادّعاء من يدعي السيطرة على الجن أو الإتصال بهم لأن الأمر يتطلّب معجزة، والمعجزة لا تحصل إلا للنبي.

 

مُعْجِزَة الإِتْيَانِ بِعَرْشِ بَلْقِيْس

 

قال سبحانه(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)

عندما أرسل سليمان كتاباً إلى ملكة سبأ قررت أن تزوره وتقدم له الهدايا، وقبل وصولها إلى قصره طلب ممن يعملون عنده من الجن أن يأتوه بعرشها فتصدى للمهمة شخصان، أحدهما قال له أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقامك يعني قبل أن تنتهي من عملية القضاء وإدارة الشؤون، وبمعنى آخر في ساعات قليلة، وأما الثاني فقال له أنا آتيك به بلحظة واحدة، وبينما هما يتحاوران وإذا بعرش بلقيس أصبح بين يدي سليمان، فشكر سليمان ربه على تلك النعم.

 

مُعْجِزَةُ إِسَالَةِ عَيْنِ القِطْر

 

قال تعالى(وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)

أي جعل له مادة النحاس كالماء يتصرف بها كيفما يشاء، كما ألان الله الحديد لأبيه داوود، وقد ذكر التاريخ كثيراً من المعجزات التي جرت على يد سليمان(ع).

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى