
الإمام الحسين(ع) أبرز أبطال التاريخ
كثير من الكتّاب والمحدثين والخطباء يتحدثون عن بطولة الإمام الحسين بن علي(ع) وشجاعته التي ظهرت كاملة يوم المواجهة العسكرية على أرض كربلاء.
ويذكرون له مواقف بطولية من خلال الحديث عنه وهو يضرب السيف ويتلقى الضربات الموجعة.
ويؤكدون على تحمله آلام تلك الضربات وصموده أمام الوجع الذي من شأنه أن يمنع الإنسان عن الحركة ويطرحه أرضاً حيث كانت الضربة تقع على سابقتها، وقد عُدّت جراحاته بالمئات.
ولكي يمكن لهؤلاء وغيرهم أن يكشفوا عن حقيقة تلك الشجاعة وجب عليهم أن يحدثوا الناس عن مفهوم الشجاعة ومصدرها الأساسي مع ذكر الفارق بين أنواع الشجاعات، لأن موارد الشجاعة تختلف بين شخص وآخر.
فمنهم من يكون سبب تحمله الألم قوة الجسد كما هو حال كثير من الأبطال الذين حدثنا التاريخ عنهم.
ومنهم من يستمد الشجاعة من قوى غيبية فهي التي تجعله صامداً أمام الوجع مهما كان كبيراً ومتحملاً لآلام الجراحات مهما كانت بليغة وعميقة.
ولأجل ذلك لزم التفريق بين الشجاعة النابعة من قوة الجسد، والشجاعة المستمدة من قوة غيبية وإن كان الجسد نحيفاً.
إن الإمام الحسين(ع) هو أول أبطال التاريخ، وهو من الشخصيات البارزة في موازين الشجاعة بجميع مفاهيمها.
الشجاعة في المفهوم المادي
إن النظرة المادية للشجاعة تختلف كثيراً عن نظرة أهل العقل والعقيدة لها، ذلك لأن أهل المادة ينظرون إلى الجسد من حيث ضخامته أو نحافته فيحكمون على الجسد الضخم بالقوة وعلى الجسد النحيف بالضعف، علماً بأن الواقع الخارجي مخالف لتلك النظرة حيث نرى كثيراً من أصحاب الأجساد النحيفة أقوى من أصحاب الأجساد الضخمة، ويعود السبب في ذلك إلى أمور باطنة لا علاقة لها بالمادة.
وينبغي أن نضع نصب أعيننا أننا عندما نتحدث حول الشجاعة الحسينية فإننا لا نقصد بها هذا النوع، وإن كان لهذا النوع دخل في شجاعته ولكنه ليس كل الشجاعة.
الشجاعة في المفهوم المعنوي
تختلف الشجاعة في هذا المفهوم عن الشجاعة في المفهوم المادي من حيث مصدرهما، فإن مصدر الأول هو الجسد مجرداً عن العوامل الخفية، ومصدر الثاني هو شيئ مرتكز داخل القلب، وهذا المرتكز في القلب ليس شيئاً واحداً لأنه يختلف باختلاف المبادئ والمشاعر، فمنهم من يستمد الشجاعة من العقل بما عقل، ومنهم من يستمدها منه بما يحمله من المفاهيم الدينية والقوى العقائدية.
الشجاعة في المفهوم العقلي
يوجد مشابهة قوية بين مفهومي الشجاعة العقلية والعقائدية من حيث اختلافهما مع المفهوم المادي لها، فإن المفهوم العقلي لها يرى أن مصدرها هو العقل لأن ما يحققه العقل بضربة واحدة لا تستطيع كل الأجساد أن تحققه بآلاف الضربات.
ثم إن الجسد إذا انطلق من خلال العقل كانت ضرباته محكمة وموجعة وذلك بسبب التركيز نحو الهدف، أما الجسد الذي يتحرك من خلال نفسه ولا يستمد التوجيه من العقل فإن ضرباته طائشة لا قيمة لها.
ومن هنا يرى أصحاب المفهوم العقلي للشجاعة أن الشجاعة لا تكون شجاعة حقيقية إلا من خلال العقل، وهم يقيسون الشجاعة البدنية المجردة عن القوى المعنوية بالشجاعة الحيوانية كشجاعة الأسد والضبع.
إن الشجاعة المادية تضعف أمام الكثرة، فلو تكاثر على الأسد مجموعة من الحيوانات الضعيفة لأحدثت في نفسه خوفاً، أما شجاع العقل فإنه قادر على إرعاب الآلاف والملايين.
الشجاعة في المفهوم الإعتقادي
لا شك بأن الشجاعة الكبرى هي الشجاعة النابعة من الإعتقاد السليم الذي يقلل الكثرة في وجه صاحبه فيجعله قادراً على مواجهة القوة المادية مهما بلغ حجمها.
ولو نظرنا إلى أشجع الناس في العالم لوجدنا أنهم أصحاب المعتقدات لأن أثر المعتقد على الروح أشد من أثر العقل عليها لأن العقل قد يتعلق بعالم المتاع والشهوة فيشعر صاحبه بالضعف من خلال تلك الزينة التي قد يفقدها بعمله المعيّن، أما صاحب المعتقد فإنه يتخلى عن كل شيئ ويستميت في سبيل معتقده فلا يعبأ حينئذ بأة قوة يواجهها أو تواجهه.
ويختلف أصحاب هذا المفهوم باختلاف قوة المعتقد وضعفه أو صحته وفساده، فإن الذي يقاتل من أجل الخالق العظيم غير الذي يقاتل من أجل الأصنام الحجرية والبشرية.
وقد أشار القرآن المجيد إلى هذا النوع العظيم من أنواع الشجاعة وأثرها على صاحبها حيث يقول(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً)
إن الذي يجعلك ترى عدوك قليلاً هو الإعتقاد السليم، ولا شك بأنك ترى عقيدتك أعظم أمر في هذه الحياة.
شجاعة الحسين(ع) وأصحابه
لا ريب في أن مصدر الشجاعة لدى الإمام الحسين وأصحابه هو إيمانهم بالله تعالى، ولأجل ذلك كان الواحد منهم يتوجه إلى الميدان مستأنساً كتوجه الجائع إلى الطعام والظمآن نحو الماء.
إن الشجاعة التي أبداها الإمام وأصحابه في كربلاء كانت بحجم اعتقادهم بصحة ما يقومون به، ولأجل ذلك كانت الشجاعة فيهم واحدة، وتحمل الألم واحداً حيث رأوا بأن وقع السيوف والرماح على أجسادهم بمثابة نسمة هواء عليل يعترض أجسادهم، ولأجل ذلك لم يضعف أحدهم إلا بعد أن يضرب الضربة القاضية التي كانت السبب في بداية حياتهم الأبدية.
ولأجل أن نوضح المقصد نذكر من أصحاب الحسين(ع) نموذجين:
النموذج الأول: وهو الشجاعة التي بدت من الولد في تلك المعركة كشجاعة القاسم ابن الحسن وأخويه الصغيرين الذين كانوا يقاتلون العدو كفرسان كبار.
ما الذي متّع هذه الأجساد الرقيقة بالقوة؟ هو الإعتقاد الصحيح.
النموذج الثاني: وهو الشجاعة التي بدت من الكهول أصحاب العظام الرقيقة والقوة البدنية الضعيفة كحبيب ابن مظاهر الذي قاتل في كربلاء قتال الشباب.
وبهذا الكلام يظهر لنا الفارق بين شجاعة الحسين وأصحابه، وشجاعة الجيش اليزيدي الذي قُتل منهم المئات على أيدي الأفراد.
الشجاعة في مفهومها الراقي
هناك نظرة عظيمة للشجاعة في دين الإسلام، وهي الصبر على الطاعة والمعصية والبلاء، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي(ع) قوله: الشجاعة صبر ساعة:
ولم تكن هذه النظرة للشجاعة بعيدة عن سلوك العرب قبل الإسلام فلقد كانوا يعتبرون أن الصبر هو السبب الأبرز من أسباب الشجاعة.
وقد حكي أن اثنين من العرب تحدا بعضهما فوضع كل واحد منهما إصبعه داخل فم الآخر وراح كل واحد منهما يضغط بأسنانه القوية على إصبع الآخر، وبعد لحظات صرخ أحدهما من الألم وترك إصبع رفيقه، فقال له الرفيق الصامد: إن الشجاعة ليست في قوة الأسنان وإنما هي الصبر على تحمل الألم.
دور المعرفة في الثبات على الحق
أشرنا في البحث السابق إلى كون الشجاعة رهينة مصدرها، فإذا كان المصدر متيناً كانت الشجاهة مثله، وإن كان متزلزلاً فلا تكون شجاعة حقيقية.
والمؤمنون يستمدون الشجاعة من معتقدهم بالله سبحانه، وهذا المعتقد لن يحافَظ عليه إلا بطرق المعرفة التي هي الأساس في حفظ الدين داخل حامله.
ولو أُرجئت أمور العقيدة الحقة إلى الجاهلين بها لما بقى من هذا الدين سوى الإسم المجرد عن المحتوى والمضمون.
فمن أراد أن يحفظ دينه وجب عليه معرفة كل ما يتعلق به من قريب أو بعيد لأن العلم هو السلاح الأقوى الذي نواجه به غدر الزمان وأهله.
وهناك عوامل سلبية تدخل على المعتقد بشكل قوي ومستمر، وأمام هذه العوامل لا يُؤمَن على الدين من الإنهيار إلا إذا واجهنا تلك العوامل بالحكمة والمعرفة وصحة الإعتقاد.
وهناك ثلاثة أمور يقفون في وجه تلك العوامل:
الأول: وجوب الإعتقاد بمضمون الدين الذي نحمله في هذه الحياة.
الثاني: وجوب الدعوة إليه عبر الطرق التي رسمها القرآن الكريم.
الثالث: المعرفة، وهي السبب في تحقق الأمرين السابقين، فإنه من دون معرفة لا يمكن ان تكون معتقداتنا صحيحة، ولا يمكن أن ندعوا الناس إلى أمر نحن نجهله فضلاً عن كوننا لا نستطيع الحفاظ على معتقداتنا بسبب جهلنا حولها إذ أنه من الممكن جداً أن تجرفنا تلك التيارات المعادية للعقائد السليمة.
كيف يمكن أن نحفظ ما نجهل، أو ندعوا الناس إلى ما لا نملك فكره وأهدافه وعقائده.
المعرفة سبب نجاح الأنبياء(ع)
لقد سدّد الله تعالى جميع أنبيائه بسلاح المعرفة، وأيدهم بقوة الإعجاز، ولكنهم لم يستعملوا المعجزة إلا في الحالات الداعية إليها كحالات العناد المعنون بعنوان الحق، وهو في الحقيقة عين الباطل.
وقد كان هذا العناد مقروناً بمصالح القيمين على الأوضاع، وليس من مصلحتهم أن يتبع الناس رسالات السماء، ولأجل ذلك وقفوا في وجوه المنطق الرسالي واستطاعوا أن يخدعوا الناس بوسائل شيطانية أوهمت البسطاء بأنها الحقيقة فلم ينفع المنطق أمام تلك التيارات فلجأ الأنبياء حينئذ إلى استعمال الإعجاز الذي هو الحجة البالغة والدليل القاطع على صدق الأنبياء وكذب أصحاب المطامع الخاصة.
لقد احتاج الظرف إلى معجزة فأتت المعجزة لتدعم العلم والمنطق الذي كان أثره في بعض الحالات أقوى من أثر المعجزة لأنها في بعض الأحيان فابلة للإنكار كما صنع اليهود مع كليم الله موسى(ع) عندما اتهموه بالسحر بعد إتيانه بالمعجزة، بينما نجد قوم إبراهيم(ع) قد استسلموا للمنطق الذي كان أثره على نفوسهم وعقولهم أقوى من أثر المعجزة.
ولو قرأنا تاريخ أبي الأنبياء إبراهيم(ع) لوجدنا بأن المعجزات التي أتى بها كانت قليلة جداً وإنما ركّز على المنطق والعلم ليعود الناس عليهما بدل المعجزة حيث لا يمكن الحصول على المعجزات في الأزمان الخالية من الأنبياء.
وعلى سبيل المثال نذكر أمرين أثبت إبراهيم من خلالهما دور المعرفة في إقناع الآخرين.
الأمر الأول: ما قاله لقومه بعد أن حطّم أصنامهم وسألوا عن المجرم الذي ارتكب هذه الخطيئة الكبرى في حق الآلهة المعظمة؟ فقال لهم إبراهيم(ع): بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون: ومن خلال هذا الكلام زرع الشك في نفوسهم تجاه تلك المخلوقات التي صنعتها أيديهم وصورتها أذهانهم، ففكروا في الأمر فأدركوا أن ما قاله إبراهيم هو الحق لأنهم لو كانوا آلهة لدافعوا عن أنفسهم.
الأمر الثاني: ما قاله أمام عبدة النجوم والكواكب وذلك على مراحل:
ففي المرحلة الأولى: وجّه أنظارهم نحو القمر لأنه أقرب لهم من النجوم.
وفي المرحلة الثانية: أسقط في نفوسهم ألوهية القمر لأنه لا يظهر إلا في الليل وفي أوقات خاصة وحوّل أنظارهم إلى الشمس بدعوى أنها أكبر من القمر.
وفي المرحلة الثالثة: حطّم تلك العقيدة في قلوبهم من خلال قوله:لا أحب الآفلين: وهو بذلك يبين لهم صفة نقص في الشمس التي اتخذوها إلهاً لهم بمعنى أن الإله يجب أن يبقى حاضراً في كل وقت.
وبعد هذا الصراع النفسي الذي أجراه في قلوبهم لفت أنظارهم إلى الإله العظيم الذي فطر السموات والأرض والذي لا إله سواه.
ومن هنا يجب أن ندرك أهمية المعرفة في إثبات أي شيء نريد.
دور المعرفة فيما قام به الحسين(ع) في كربلاء
لا يمكن إدراك شخصية أبي عبد الله الحسين(ع) إلا من خلال دراسة حياته من جميع نواحيها وتفاصيلها.
ولو بحثنا عن العارفين بتلك التفاصيل بين محبي الإمام الحسين لوجدناهم قلة قليلة، إذ ليس العارف من قرأ سطور السيرة وروى قصتها، ولكن العارف هو الذي يغوص في أعماقها ويقرأ ما بين سطورها ليستنتج منها المعاني الحقيقية لتلك الشخصية النادرة الوجود في هذا الوجود.
وتعتبر هذه الشخصية فريدة من نوعها في تاريخ الإسلام حيث لم يشهد الناس مثلها في غير النبي وآله(ص).
ولو أننا رجعنا إلى السبب الأساسي في قلة عدد العارفين بها لوجدنا أنه الإهتمام ببعض التفاصيل وإهمال بعضها الآخر مع أن الذي أهملناه هو الأهم في مسألة الكشف عن تلك الحقيقة المميزة(حقيقة الإمام الحسين) سلام الله عليه.
فإذا تجرد الإلتزام بالنهج الحسيني عن المعارف الكفيلة ببيان الحقيقة كان التزاماً بالمجهول، وهذا النوع من الإلتزام لا يحمل ثمراً ولا يخلّف أثراً ولا يحقق الغايات المرجوة ولا يوصل إلى الأهداف المطلوبة.
لقد صنع الإمام الحسين(ع) أمراً عظيماً خرج عن حدود المعركة العسكرية لأن أهداف الثورة أكبر من صراع عسكري بين ظالم ومظلوم.
فإذا أردنا أن نتعرف على تلك الشخصية العظمى لزم علينا أن نلقي نظرة على تاريخه المشرق الذي كان حافلاً بالمواقف العزيزة والبطولات الكبرى والتضحيات المميزة والعمل الصالح، فلا يمكن لنا إدراك حقيقة الثورة الحسينية بجميع أبعادها إلا من خلال دراسة صانعها(ع) وكذلك فإن معرفة حجم الثورة وقيمتها في عالم الإسلام متوقف على معرفة شخصية قائدها، وهذا يعني ضرورة الإهتمام بكلا الأمرين حيث توقف معرفة أحدهما على الآخر، ولا أقصد بالتوقف هنا توقف الشيء على نفسه والذي يلزم منه الدور العقلي، وإنما أقصد بيان الإتحاد بين هذين الأمرين والحث على معرفتهما معاً لأن هناك نقاطاً غامضة حدثت في المعركة لا يمكن معرفة معانيها، ولا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة شخصية قائدها.
وهذا من شأنه أن يلزم المحب له والمقتدي به أن يبحث عن تلك التفاصيل ويتعرف على جميع النقاط المتعلقة بهذه الثورة التي اعتبرناها مصدر عقيدتنا بالله سبحانه وتعالى.
الثورة الكربلائية أشهر منعطف في تاريخ الحسين(ع)
لقد بلغت ثورة كربلاء من الشهرة في تاريخ البشر حداً لا يمكن لأحد أن ينكره مما جعلها الحدث المميز في تاريخ الإمام الحسين(ع) والثورة الأهم من بين ثورات العالم كله.
ولا يحق لأحد من الناس أن يستهين بقدر هذه المحطة الكبرى التي كانت بداية عهد مشرق للإسلام والمسلمين.
لقد شكّلت ثورة الإمام الحسين في كربلاء المقياس الأساسي للمقارنة بين الحق والباطل بحيث كان الشبيه لها من الحق والمخالف لشيء منها من الباطل.
لقد تحولت تلك الثورة بجهد الإمام وحكمته وشجاعته وإخلاصه إلى مصدر موثوق يرجع إليه المتحيرون في أمرهم.
والثورة التي تحتل هذه المرتبة العالية في نظر العالم والتاريخ لا شك بأنها أعظم حدث في هذا الوجود.
وبفضل هذه الثورة إستطاع الناس أن يميزوا بين الخير والشر من خلال عرض الواقعة على واقعها، فهي تشكل الفصل بين المتنازعين على الحق لأنها وضعت قواعد تكشف عن هوية الظالم بكل سهولة، وإن تستر الظالم بثوب الحق والإسلام فإنه مهما أحكم الغطاء فلن يكون بمستوى الغطاء الذي تستر به يزيد بن معاوية والذي استطاع الإمام الحسين(ع) بموقفه الحق أن ينزع ذلك الستار عنه ويكشف للناس عن حقيقته.
إننا نقتدي بالحسين ونحيي ذكرى عاشوراء ونبذل في سبيلها كل غال وزهيد، ولكن هذه الأعمال لا تعطي تقصيرنا تجاه المعرفة شرعية أو مبرراً.
لا يجوز لنا كمؤمنين بالإمام الحسين(ع) أن نهتم بجانب من حياته ونهمل الجانب الآخر لأن الفائدة الكبرى قد تكمن خلف الجانب الذي أهملناه.
فإذا كان الإمام الحسين عظيماً لهذه الدرجة فلا ينبغي أن نهمل حرفاً واحداً من سيرته الكاملة حيث أن كلمة واحدة صدرت منه قد تكشف لنا أسراراً كبرى حول ثورته المباركة.
إن جميع الناس على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم يهتمون بشؤون عظمائهم فلا يهملون من آثارهم شيئاً ولا يقصرون بأمر ولو كان في نظر البعض تافهاً.
ينبغي علينا أن نهتم بكل ما قاله الإمام الحسين أو فعله، وبكل ما قيل فيه من قبل العظماء الذين أدلوا بشهادات لصالح هذا الإمام العظيم مما كشف لنا عن كونه أعظم العظماء.
ولو صدر عن الإمام مزحة وجب علينا الإهتمام بمعانيها لأن فيها فائدة، فإذا لم تكن الفائدة حالية فهي لا شك سوف تظهر في المستقبل لأن الإمام الحسين(ع) لا يصدر عنه إلا ما فيه لله رضا وللناس منفعة في الدنيا والآخرة.
كيف نقبل أن يهتم الناس بعظمائهم ولا نهتم نحن بعظمائنا غم علمنا بأنه عظماءنا أعظم وأفضل لأنهم استمدوا تلك العظمة من طرق رسمها الله عز وجل لهم.
أيها الأعزاء..إن ثورة كربلاء أعظم ثورة وأهم حدث، فهي سبب بقائنا ومصدر عزتنا وكرامتنا في هذه الحياة، ولكن ذلك لا يدفع إلا الإهتمام بوقائع الثورة دون الوقائع التي سبقتها والتي كان لها أثر في نجاحها.
قد يكون سبب نجاحها امراً حدث في طفولة قائدها، وليس من العجيب أن يكون ذلك صحيحاً لأن حياة المعصوم واحدة يرتبط أولها بآخرها ويتصل صغيرها بكبيرها، فلا يجوز أن نولي اهتماماً للكبير ونهمل الصغير لأننا لو بحثنا في أعماق هذا الصغير ودرسنا جميع حيثياته لوجدنا كبيراً.
ولا يمكن أن نصل إلى الأعلى إلا من خلال الأسفل، ولا نستطيع أن نعرف الحق إلا بمقارنته مع الباطل.
ثم إن هناك أحداثاً صغيرة جرت مع الحسين في حياته لو ربطنا بعضها ببعض لتكون منها مفاهيم كبرى وأركان عظيمة لهذه الحياة.
الأهم لا يبطل عمل المهم
لا ينبغي للعاقل أن يتوانى عن العمل بالمهم عند وجود الأهم لأن المهم هي الركيزة التي قام عليها ما هو أهم منها.
ولا غنى لنا عن الأدنى في أكثر أمورنا لأنه الطريق الموصل إلى الأعلى، وذلك كمن يقطع مسافة بعيدة فإنه لولا الخطوة لما أدرك آخر المسافة، ولولا الذرة لما تكونت المجرة، ولولا الخلايا لما قام الجسم.
وما طرحت هذه المقدمة إلا للدخول في موضوعنا الأساسي، وهو بيان شخصية إمامنا ومولانا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه ولأستعملها في بناء المعرفة المحيطة بكل تفاصيله(ع) ولكي نهتم بصغيرها وكبيرها فإن صغيرها نافع وكبيرها أنفع، وكلاهما مورد للإستفادة.
لقد كانت حياة الإمام الحسين(ع) بجميع ادوارها وأبعادها هي الركيزة التي قامت تلك الثورة عليها.
لقد كان لسلوك الإمام الحسين عبر سنوات حياته دور في إنجاح الثورة بهذا الشكل العظيم حيث كان ماضيه سبباً في نجاح حاضره وسيرته العطرة سبباً في تحقيق أهدافه من خلال الثورة.
فلو قام بتلك الثورة غير الإمام الحسين لما أثمرت ما أثمرته ثورته وإن حصلت بنفس الظروف والأهداف التي حصلت بها ثورة الحسين.
وإن أي عمل يقوم به المرء في هذه الحياة متوقفاً نجاحه على نجاح فاعله، فإذا كان الفاعل عظيماً كان الفعل عظيماً، وإذا كان الفاعل دون ذلك كان الفعل كذلك.
وهذه القاعدة يجب أن ندرجها في بحثنا ونستعملها في بيان شخصية الإمام(ع) حيث لولا تاريخه المشرق وسيرته العطرة لبقيت كثير من المواقف الكربلائية مجهولة لدينا أو حاملة لعدة احتمالات قد لا تكون متصلة بالواقع الصحيح.
ولأجل ذلك أمكن القول بأن عظمة الثورة نابعة من عظمة قائدها، ويؤكد هذه النظرية فشل كثير من الثورات الكبرى التي حملت من الأهداف أسماها ومن المعاني أعمقها، ولكنها لم تدم آثارها ولم يستمر نجاحها لأن مستوى جوهرها يقف عند هذا الحد، أما ثورة الإمام الحسين فإن حدودها أوسع مما نتصور.
المهم سلاح ندافع به عن الأهم
بعد أن عرفنا عدم بطلان دور المهم مع وجود الأهم لزم التعرف على بعض المنافع المكتسبة من المهم والتي يمكن أن تكون سلاحاً قوياً في وجوه بعض الخدع ومفتعليها.
فقد يستطيع بعض المخادعين من خلال التلاعب بالألفاظ والأحداث أن يزرع الشك في قلوب البعض حول فعل أو كلمة صدرت من الإمام الحسين(ع) وكان فهمها متوقفاً على فهم ماضيه، فإذا كنا جاهلين بالماضي الحسيني فلا شك بأننا سوف نضعف أمام تلك الخدع.
ولا أعني بالضعف إختلال العقيدة، وإنما أعني الشعور النفسي تجاه كلام هذا الشخص الذي لا نستطيع أن نرد كلامه إلا بمعرفة بعض التفاصيل في سيرة الإمام الحسين(ع).
وقد حاول آلاف المخادعين عبر القرون الماضية أن يزلزلوا ثقة المؤمنين بقائدهم ولكنهم ووجهوا بالردود المناسبة من العلماء الكرام الذين فهموا النهج الحسيني تماماً وحافظوا عليه بوعيهم وفهمهم وإخلاصهم لهذا النهج القويم.
ولا يمكن لنا أن نحقق هذا الإخلاص إلا عن طريق المعرفة، ولا نستطيع أن نقف في وجوه المخادعين إلا بالوعي القائم على معرفة الحيثيات الحسينية كلها التي تبدأ بولادته وتنتهي باستشهاده.
لقد واجه الأحرار الماضون أولئك المخادعين الماضين، وعلينا نحن كحسينيين أن نتبع هذا السبيل الفعال في مسألة الدفاع عن الحقيقة ورد الشبهات التي زرعها أتباع النهج اليزيدي الحاقد.
فهم الحقائق من زواياها الضيقة
إن كثيراً من الإرادات التي يمتلكها الإنسان في حياته نشأت من خلال التطبع والإعتياد.
وقد يتحول التصنع في الإنسان إلى ملكة لا يمكنه الإستغناء عنها، وقد تُحكم سيطرتها على الطبيعة لتصبح جزءاً من وجود الإنسان وكيانه.
وصاحب العقيدة مهما كان مستواها في داخله ليس مستعداً للتفريط بها مهما كان الثمن غالياً وقاسياً، فقد تستطيع أن تسلب منه روحه وتعجز عن الفصل بينه وبين عقيدته وإن لم تكن عقيدة سليمة.
والحفاظ على العقيدة صفة جميلة وأمر عظيم بشرط أن تكون صحيحة، أما إذا كانت فاسدة وهو معتقد بصحتها فهذه هي الطامة الكبرى عليه وعلى المبلِّغ في آن واحد.
فليس من السهولة عليه أن يتخلى عن عقيدته التي أصبحت جزءاً من حياته، ولا من السهل على المبلّغ أن يقنعه إلا إذا كان يملك الأدلة القاطعة والبراهين المقنعة، وقد تعمي العقيدة بصيرة صاحبها حتى مع وجود البرهان الواضح.
ونحن بدورنا نشير إلى تلك الصعوبة في الموقف حتى يساعدنا صاحب العقيدة الخاطئة على إخراج تلك العقيدة من قلبه ليحل محلها المعتقد الصحيح الذي يحمل الراحة لصاحبه في الدنيا والآخرة.
ونحن الآن أمام شخصية عظمى وهي شخصية أمامنا الحسين بن علي(ع) ومن واجبنا كمسلمين بالدرجة الأولى أن نفتح لكم الطريق الموصلة إلى الزوايا الواسعة، وأنتم من واجبكم الإسلامي تجاه هذه الشخصية الراقية أن تفسحوا المجال لأنفسكم وعقولكم بالترقي إلى أوسع نطاق حول تلك الشخصية، لا أن تكتفي بمعرفة زاوية واحدة أو أحداث قليلة لأنه لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال معرفة كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فلا يكفي أن نعرف الحسين الثائر والمقاتل ونتغافل عن الحسين العظيم والمعصوم والزاهد والعابد وصاحب القلب الكبير والصدر والواسع والأخلاق الكريمة.
ثم يلزمنا البحث في كلام الآخرين حول إمامنا العظيم لأن كلامهم يكشف لنا الكثير مما قد نكون نحن غافلين عنه.
فلا يكفي أن نعلم ماذا نقول نحن فيه، بل لا بد من معرفة ما يقوله غيرنا فيه، فإن ذلك يزيدنا قوة فوق قوتنا ويمكن الرابط الموجود بيننا وبين هذا النهج العظيم.
واقعة الطف ساعات من نهار
لو اكتفينا من سيرة الحسين(ع) بخصوص ما حدث معه على أرض الطف نكون بذلك قد ارتكبنا خطئاً فادحاً في حقه وحقنا في وقت واحد إذ كيف ندرك عظمة إنسان من خلال بضع ساعات من عمره ونهمل سبعة وخمسين سنة لم تقل أهمية أحداثها عن أهمية الحدث الأخير.
ونحن نعتقد مثلكم بأن حدث كربلاء لوحده يكفي لبيان العظمة، ولكن هذا لا يمنع من زيادة النور فوق النور.
والثورة رغم عظمتها في التاريخ والنفوس لم تكن الحدث الأوحد في حياته لأنها ارتبطت بأحداث ماضية كانت بمثابة تمهيد لتلك الثورة الكريمة.
أيها العزاء.. قد نشبع إذا أكلنا، ونروي أكبادنا الحرة إذا شربنا، ولكننا مهما شربنا من حب الحسين وأخلاقه وعلمه فلن نرتوي أبداً بل إننا سوف نطلب المزيد لأننا كلما ازددنا معرفة بالحسين ازددنا معرفة بتفاصيل الدين والحياة لأنه هو الذي أوضح معناهما لكل الناس.
شخصية الإمام الحسين من المنظار الخاص
لقد نظر الحسينيون إلى شخصية قائدهم من المنظار الصحيح الذي لا كذب فيه ولا مبالغة ولا زيادة أو نقصان، حيث علموا بأنه القائد الكبير الذي أطاع الله ورسوله ولم يشذ لحظة عن الصراط المستقيم، وأنه الإمام المعصوم الذي شملته آية التطهير وغيرها من الآيات الحاكية عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
ويعتبر هذا الإمام الكبير من عظماء التاريخ الذين قدموا المصالح العامة على أية مصلحة خاصة ولم يكن للحسين في حياته أية مصلحة ذاتية لأنه وهب حياته كلها في سبيل الله والأمة.
إننا كحسينيين ننظر إلى هذا العظيم من خلال سيرته العطرة وجهاده الكبير وبذله نفسه في سبيل ديننا.
إن الحسين(ع) هو خامس أهل الكساء الذين خلق الله الوجود لأجلهم، وهو حامل لواء الدين وناصره، وهو الذي قام بعمل عظيم أدهش به العقول لكثرة المنافع التي عادت على الناس سببه، وقد حصل ذلك في وقت كان جميع الناس مشغولين بمعيشتهم وكسب المال وإن كان ذلك عن طريق الذل وعلى حساب الدين والكرامات.
إن نظرتنا للإمام الحسين(ع) جليلة وكبيرة لأننا نعتقد كمسلمين بأن الإسلام لم يحفظ إلا بتلك الثورة التي قادها في كربلاء، وأن المنفعة التي عادت علينا لا تقاس بكنوز الأرض لأنه قدّم في سبيلها ما هو أغلى من الكنوز والجواهر، بل وما هو أغلى من الشمس والقمر والنجوم والكواكب وأغلى من هذه الأرض وما فيها.
ونحن كحسينيين نقر بعجزنا عن التعبير حول تلك الشخصية النادرة، ونظن بأن نفس هذا العجز أوضح دليل على عظمة النظرة التي نطل من خلالها إلى هذا الإمام الكبير.
رفضنا لمنطق الغلوّ
رغم تعظيمنا للحسين واحتلاله المرتبة العالية في نفوسنا، ورغم كونه شفيعنا في يوم الحساب فإننا لا نرضى بالغلو فيه لأن الغلو يزيد الأمور تعقيداً ويعرقل الطريق أمام الأطراف المختلفة في شأنه(ع) لأن السبيل الأنفع للإقناع هو الحق كما هو من دون زيادة أو نقصان.
وإذا كان أحدهم يفتري على الحسين ويختلق الأكاذيب في شأنه فهذا لا يبرر الغلو لأننا لسنا بحاجة إلى شيء من المبالغة لإثبات الحقيقة.
ونحن بدورنا نعتبر الغلو أحد أكبر العوامل المنفرة لأنه أشبه ما يكون بالباطل.
إن الغلو من شأن الضعفاء الذين لا يملكون علماً وليس لديهم أدلة على صحة معتقداتهم، أما نحن فإن عندنا الكتاب والسنة وهما أكبر البراهين على صدق معتقداتنا بالإمام الحسين(ع).
ولأجل ذلك نقول: لا فرق بين أثر العداء وأثر الغلو على المعتقد الصحيح.
الحق لوحده كفيل بالكشف عن الواقع الصحيح
كثير من الخطباء يحاولون تثبيت العقيدة عن طريق المبالغة في القول فيلجؤون إلى الروايات الموضوعة بهدف تعظيم الحسين مع أن استعمال هذه الروايات يزلزل العقائد الصحيحة ويشوه بصورة العظماء.
ونحن نعتبر أن استعمال هذا المنطق في الدعوة إلى الحق يضر ولا ينفع ويعمي العين بدل أن يكحّلها.
فلا ينبغي أن نعتمد كل ما يقع في طريقنا لأن الأيدي الخفية قد أدخلت روايات باطلة في سيرة عظمائنا بهدف التشويش.
ولذلك نجد بأنهم لا يحتجون علينا إلا بالروايات الموضوعة لعلمهم بوضعها، ولا يتجرؤون على مواجهات النصوص الصحيحة لأنها من الصعب أن تعارَض.
فلو حدثنا الناس بالواقعة كما حدثت من دون استعمال الإضافات الخرجة عن الحق لكفى ذلك في إثبات الحقيقة.
إن استعمال النصوص الغريبة ضرب من ضروب الجهل والضعف، ونحن لسنا بالضعفاء أمام معتقداتنا حتى نلجأ إلى مثل تلك الوسائل التي كان ضررها أكبر من نفعها.
الإمام الحسين(ع) في نظر الرسول الأعظم(ص)
إن نظرتنا للإمام أبي عبد الله(ع) مقتبسة من نظرة النبي الأكرم(ص) له، وقد نشأ هذا التعظيم من خلال ما ورد عن النبي(ص) في شأن الحسين.
لقد كان تاريخ الرسول(ص) شاهداً كبيراً على شأن الإمام الحسين(ع) لأن كل ما صدر من النبي في حق سبطه كان دليلاً على عظمة شأنه وسمو مكانته، كما كان كاشفاً عن شخصيته الباهرة.
لقد ورد عن النبي في حق الحسين كثير من المؤشرات الدالة على ذلك، ولم يكن كلامه(ص) صادراً عن عاطفة نسبية وإنما كان الأمر أعمق من ذلك بكثير، لأن الأهمية التي برزت من رسول الله في حق سبطه الحسين كشفت عن سر عميق وخطير في شأن هذا الغلام الذي طالما أعطانا الرسول دروساً حول شخصيته ودوره في المستقبل، وما ورد في حق الحسين كثير، ولكننا اخترنا الوقوف على بعض تلك المحطات الكاشفة عن دور الحسين في تاريخ الإسلام، وسوف نذكر من تلك الإشارات الكبيرة خمسة أمور:
الأمر الأول: الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة
إنه قول من أقوال النبي الأكرم محمد(ص) في حق الإمام الحسين(ع) هذا الإمام العظيم الذي ترعرع في أحضان الرسالة ونشأ في بيت النبوة وتغذى بالأخلاق الرسالية التي اتصف بها جده الأعظم(ص).
ولم يصدر هذا الكلام عن رسول الله بداعي العصبية أو النسبية أو المودة الخاصة لأن النبي(ص) لا يتعامل مع الغير من باب القرابة النسبية، ولا بقول شيئاً أو يقوم بأمر إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى، وقد أوحى الله إليه أن يطلق تلك العبارات في حق الحسين ليلفت أنظار العالم نحو شأن هذا السبط الذي سوف ترى البشرية الخير على يديه.
وقد حصر النبي(ص) مسألة الفوز والنجاة في اتباع النهج الحسيني الذي هو نهج الحق والقرآن والإسلام.
وهذا يكشف عن كون الحسين(ع) هو الصراط المستقيم الذي يجب اتباعه دون سواه لأنه حامل الرسالة وحافظ الدين من التغيير والتبديل، ولم يحفظ الإسلام بقوله فقط وإنما حفظه بروحه الطاهرة ودمه الزكي.
إن الإمام الحسين(ع) بثورته المباركة قد أنار الطريق أمام الناس فرأوا الحق واتبعوه ببركة تلك الثورة ولأجل ذلك كان الحسين مصباح الهدى الذي أنار طريق الحق للراغبين بالسير فيه.
وكذلك كان مثله كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا من الغرق، ومن ركب الباطل الذي كان متمثلاً بيزيد وأعوانه فقد هوى وغرق فيبحور الضلال.
ولو دققنا قليلاً في صنع الإمام الحسين وأهدافه ونظرنا إلى قلبه الذي احتله حب الله ورسوله لأيقنا بأنه المصباح الأنور والسفينة الأسرع إلى شاطئ الأمان.
الأمر الثاني:حسين مني وأنا من حسين
يمكن لنا أن نفسر هذه العبارة من جهتين:
الجهة الأولى: وهي حملها على المعنى النسبي، ولا أحد من الناس ينكر القرابة النسبية بين الحسين وجده.
الجهة الثانية: وهي حملها على معنى أعمق من المعنى النسبي بمراتب.
فإن كان النبي قاصداً المعنى الأول كان بذلك يرد على الذين فرقوا بين النبي والحسين لأنه ابن بنته وليس ابن إبنه، فحاول النبي(ص) أن يرد عليهم بأن الحسين أقرب إليه من ولد الولد.
ولكننا نفهم من هذه العبارة أن النبي(ص) يريد أن يبين للناس أنّ نهج الحسين هو نهج جده، وعلى كل من اتبع النهج المحمدي أن يتبع النهج الحسيني لأن مصدرهما واحد ومصبهما واحد وهو الحق المطلق.
وما نفهمه من هذه العبارة هو أن الرسالة التي أتى بها النبي من عند ربه هي التي حملها الحسين ودافع عنها.
فمن اقتدى بمحمد(ص) وجب عليه أن يقتدي بالحسين لأن اتباع الحسين جزء يتحقق به الإقتداء بالرسول(ص) ومن دون اتباع الحسين لا يصل الإنسان إلى الحق.
فمن أراد أن يسلك طريق محمد ابن عبد الله فليسلك طريق الحسين لأنها هي طريق محمد.
فقوله(ص)”حسين مني” أي أن نهجه نهجي وطريقه طريقي.
الأمر الثالث:أحب الله من أحب حسيناً:
يرتبط هذا الأمر بالأمر الثاني لأنه ورد في نفس النص، وقد نتساءل حول هذه الحقيقة التي قد ينظر إليها البعض من الناحية العامة المشعرة بالتعصب، ونعيد القول بأن النبي لا ينطق عن الهوى ولا تملكه تلك المشاعر التي تمتلك البشر العاديين فلا ينبغي أن نقيس وضع النبي بأوضاعنا وإنما يجب حمل كلامه على أسمى المعاني وأرقاها.
إن الإمام الحسين(ع) عزيز على الله سبحانه وتعالى لأنه عبد من عباده الصالحين الذين لا يرون في حياتهم سوى الخالق وحده.
ومما لا نشك به هو أن الذين يحبون الحسين لكونه إماماً يدعو إلى الحق سوف يتبعون طريقه، وهذه الطريق هي طريق الطاعة، فإذا ادعى أحدهم حب الحسين ولم يكن مطيعاً لله فلا يكون محباً لأن المقصود بالحب هنا هو الحب الذي يستتبع السير في خطى المحبوب.
إن الحب المجرد عن الإقتداء الفعلي بالمحبوب لا يغني عن صاحبه شيئاً لأن الحسين(ع) لا يحب سوى المطيعين لربهم المخلصين له، فهو لا يتفاعل مع تلك الشعارات والهتافات ولا يؤخذ بالكلام المعسول لأنه لم يصنع ما صنعه من أجل أن نهتف له وننظم الشعر في حقه، وإنما ضحى بنفسه من أجل أن نطيع الله طاعة حقيقية.
فمن أحب الحسين بما يمثله الحسين كان هذا المحب من أحباب الله، ولا شك بأن هذا النوع من الحب يعقبه الجنة.
الأمر الرابع:الحسن والحسين إمامان
لم يقصد الرسول بذلك مجرد المدح وبيان الواقع، وإنما أراد من خلال هذه العبارة أن يدعونا إلى اتباعهما لأنهما إمامان نصبهما الله تعالى لهذا المنصب العظيم الذي لا يحتله سوى العظماء.
وقد سبق هذا النص نصوص توجب طاعة الإمام في كل شيء لأنه لا يدعو إلا لما فيه الخير لفنسان في الدنيا والآخرة.
ويمكن استعمال هذا النص كرد على الذين اتهموا الإمام الحسين ببعض الإتهامات البعيدة عن الساحة الحسينية البريئة من كل ما وُجّه إليها من قبل المتجاهلين بفضله وحقه وشأنه عند الله ورسوله.
الأمر الخامس:الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة:
إذا كانت هذه هي العاقبة للحسين فمعنى ذلك أنه على الحق، وأنه يقود أتباعه خلفه.
ويتضمن هذا النص دعوة لإتباع الحسين فإنه القائد إلى الحق والخليفة الحق الذي أوجب الله طاعته.
تأكيد الدعوة على نصر الحسين
لو نظرنا إلى تلك الدعوات التي أطلقها النبي(ص) في شان الحسين ونصرته لأدركنا أهمية الدور الذي قام به في كربلاء وقبلها، فكم مرة دعا النبي المسلمين إلى نصرة الحسين مبيناً لهم بأن نصرته هي نصرة الإسلام مما أكد أن الحسين في عصره قد مثّل الإسلام.
لقد حدّث النبي كل الناس بما سوف يجري على ولده الحسين في المستقبل، وقد حث المسلمين على اتباعه لأنه القائد إلى الخير.
وكذلك فإن علياً والحسن عليهما السلام قد دعوا المسلمين إلى الإنضمام في صف الحسين لأنه الأمل الوحيد بإصلاح ما فسد من أمور الدين.
كلامه(ع) أعظم كاشف عن شخصيته
قد أقول في زيد كلاماً أبرز من خلاله جانباً من حقيقته وسلوكه، وقد يطابق قولي واقع زيد، وقد يكون مخالفاً للواقع.
ومهما تكن درجة قولي فيه واضحة فإنها لن تكون بمستوى ما يصدر عنه لأنه هو المقصود بالكلام، وأقرب شيء إلى واقع المقصود هو ما يصدر عنه.
لقد تحدثنا كثيراً حول شخصية الإمام الحسين(ع) قاصدين بذلك الكشف عن شخصيته، ولكننا مهما أطلنا الكلام وأفصحنا في البيان فلن يكون أوضح من كلام المقصود.
لقد صدر من الإمام الحسين(ع) عبارات كثيرة كشفت لنا عن جوهره المشع بأنوار المعرفة والإيمان وأظهرت لنا حقيقة شخصيته التي لا ينبغي أن يختلف فيها اثنان بعد هذا البيان.
ولن نطيل الكلام حول هذه النقطة لأن الأمر لا يتطلب سوى التذكير ببعض كلامه الذي من خلاله يجب أن نحكم على تلك الشخصية الباهرة وما قام به صاحبها في أواخر ساعات حياته الشريفة.
فمن جملة كلامه الكاشف عن أهدافه قوله(ع)”والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد”
ومنها، قوله”ومثلي لا يبايع مثله” يقصد بذلك يزيد بن معاوية.
ومنها، قوله”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح”
ومنها،قوله”ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه”
ومنها،قوله”شاء الله أن يراني قتيلاً”
ومنها،قوله”أللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر”
ومنها،قوله”خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف”
أيها الأعزاء..إن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على شخصية بلغ صاحبها أعلى مراتب الكمال البشري.
ثم إن كل كلمة صدرت من الإمام الحسين في حياته كانت كاشفة عما في ضميره المستنير بالأنوار القدسية.
الإمام الحسين(ع) من المنظار العام
بعد أن تحدثنا عن شخصية الإمام الحسين(ع) من المنظار الخاص وأبدينا وجهة نظرنا حولها وكيف يجب أن نتعاطى معها لزم علينا بيان وجهات النظر الأخرى لنرى كيف ينظر أولئك إلى هذه الشخصية الكبرى.
ولا شك بأن هناك اختلافاً بين النظرتين الخاصة والعامة رغم أن بعض أصحاب وجهات النظر الأخرى لا يقلون عنا معرفة بتفاصيل معنى الحسين، ولكنهم لا يتعاطون معه كما نتعاطى نحن معه لأسباب خاصة فيهم قد لا تشكل لهم مبرراً في يوم الحساب.
ولا نشك بأن وجهات النظر في الأطراف الأخرى ليست واحدة، فإن منهم العقلاء الأحرار، ومنهم العقلاء الأشرار، ومنهم الجهلاء من كلا النوعين، ولكل واحد منهم أثره الخاص في عملية الكشف عن تلك الشخصية.
أما أهل العداوة والبغضاء والتعصب الأعمى فلن نقف على آرائهم لأنها لا تؤثر في معتقدنا سوى تقدماً وثباتاً، ولكننا سوف نذكر بعض ما قيل في حق الإمام الحسين(ع) من قبل أصحاب الفكر الحر.
قال عباس محمود العقاد:
“مثل للناس في حلة من النور تخشع لها الأبصار، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان،…فليس في العالم أسرة أنجبت من الشهداء من أنجبتهم أسرة الحسين عدة وقدرة وذكرة، وحسبه أنه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين”
قال عمر أبو النصر:
“هذه قصة أسرة من قريش..حملت لواء التضحية والإستشهاد والبطولة من مشرق الأرض إلى مغربها..قصة ألف فصولها شباب ما عاشوا كما عاش الناس ولا ماتوا كما مات الناس، ذلك أنّ الله شرّف هذه الجماعة من خلقه..بأن جعل النبوة والوحي والإلهام في منازلها..وأرادها للمثل العليا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب لها أن تتزعم لواء التقوى والصلاح إلى آخر ما يكون من ذريتها”
وقال عبد الحفيظ أبو السعود:
“عنوان النضال الحر، والجهاد المستميت، والإستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور السلطان وبغي الحاكمين”
قال احمد حسن لطفي:
“إن الموت الذي كان ينشده فيها كان يمثل في نظره مثلاً أروع من كل مثل الحياة، لأنه الطريق إلى الله الذي منه المبتدأ وإليه المنتهىولأنه السبيل إلى الإنتصار وإلى الخلود”
قال صاحب كتاب(الشهيد الخالد الحسين بن علي)
“إن سيرة البطل الشهيد الإمام الحسين بن علي جديرة بأن ينقشها العرب جميعاً على تنوع ميولهم ومذاهبهم في أمواق أفئدتهم، ذلك لأن هذه السيرة إنما هي سيرة التضحية والعقيدة، سيرة العزة والكرامة”
قال عبد الله العلايلي:
“كان صورة احتبكت ظلالها من أشكال جده العظيم، فأفاض النبي(ص) عليه إشعاعة غامرة من حبه وأشياء من نفسه ليتم له أيضاً من وراء الصورة معناها فتكون حقيقية من بعد ما كانت من قبل إنسانية ارتقت إلى نبوة(أنا من حسين) ونبوة هبطت إلى غنسانية(حسين مني) فسلام عليه يوم ولد”
وهذا غيض من فيض ما ورد في بيان شخصية الإمام الحسين(ع) عن طريقي الخاصة والعامة.
والحمد لله رب العالمين
الشيخ علي فقيه



