
مَن هم خلفاء المسلمين
قبل البدء بالكلام حول الخلافة ومعانيها اللغوية والدينية، والهدف منها والمصلحة الكبرى التي تعود منها على الدين وأهله، ينبغي أن نبدأ بذكر أسماء الخلفاء الحقيقيين الذين نصّبهم الله تعالى للقيام بهذه المهمة التي لا تقل أهمية عن مهمة النبوة ووظائف الأنبياء(ع) بحيث كلما تحدثنا عن الخلافة وأبعادها ومعانيها تبادر إلى أذهاننا الخلفاء الحقيقيون وهم إثنا عشر خليفة، نذكر أسماءهم الشريفة بالترتيب:
- علي بن أبي طالب بن عبد المطلب.
- الحسن بن علي بن أبي طالب
- الحسين بن علي بن أبي طالب
- علي بن الحسين زين العابدين
- محمد بن علي الباقر
- جعفر بن محمد الصادق
- موسى بن جعفر الكاظم
- علي بن موسى الرضا
- محمد بن علي الجواد
- علي بن محمد الهادي
- الحسن بن علي العسكري
- محمد بن الحسن المهدي المنتظر، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعي.
وهؤلاء هم الخلفاء الحق الذين نص الرسول على خلافتهم جميعاً حيث قال: الأئمة من بعدي إثنا عشر إماماً أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم المهدي:
وفي بعض النصوص الصحيحة ذكر النبي(ص) أسماءهم واحداً واحداً حتى لا يختلف الناس في أمرهم.
ورغم وضوح تلك النصوص فقد اختلف المسلمون في شأن الخلفاء فراحوا يعينون الخليفة الذي يرضون ويحبون وإن لم يكن أهلاً لتولي هذا المنصب الرفيع.
جوهر الخلفاء الحق
لا نريد الكشف عن هذا الجوهر العظيم عبر كلامنا وآرائنا كيلا يتوهم البعض بأننا نقول فيهم من باب العصبية، وإنما نريد الكشف عنه من خلال النصوص الصحيحة الواردة عن رسول الله(ص) والتي أجمع المسلمون على صحتها.
منها: ما ذكره العلامة الكليني في الكافي:
- قال رسول الله(ص): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليَّ الحوض فأعطاني ذلك:
- قال(ص):لا تعلِّموهم فإنهم أعلم منكم:
- وقال(ص):إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة:
- وقال(ص):أللهم إن لكل نبي أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي: وهو(ص) يقصد من هم تحت الكساء، وهم علي وفاطمة والحسنان(ع).
- عن عبد الرحيم بن روح القصير، عن الإمام محمد الباقر(ع) في قوله تعالى(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فيمن نزلت؟ فقال(ع) نزلت في الإمرة، إن هذه الآية جرت في ولد الحسين(ع) من بعده، فنحن أولى بالأمر وبرسل الله(ص) من المؤمنين والمهاجرين والأنصار، قلت:فولد جعفر لهم فيها نصيب؟قال(ع):لا: قلت:فلولد العباس فيها نصيب؟فقال:لا: فعددت عليه بطون عبد المطلب، كل ذلك يقول لا، قال: ونسيت ولد الحسن، فدخلت بعد ذلك عليه فقلت له: هل لولد الحسن(ع) فيها نصيب؟ فقال(ع) لا: والله يا عبد الرحيم ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا.
- وقال رسول الله(ص): إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي:
النص على خلافة علي بن أبي طالب(ع)
لا يوجد أعظم ولا أوضح من نص الغدير في كون علي بن أبي طالب هو الخليفة الحق، وقد أجمع المسلمون على كون النبي(ص) وقف في منطقة غدير خم وقال للناس: أيها الناس من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله….
وقد حضر في تلك المنطقة أكثر من مئة ألف مسلم، وقد طلب النبي(ص) منهم أن يبلغ الحاضر منهم الغائب لتلقى الحجة في ذلك على جميع المسلمين.
ويؤكد لنا ذلك (وهو مؤكد) قول الإمام الباقر(ع): لمّا أن قضى محمد نبوته، واستكمل أيامه، أوحى الله تعالى إليه أن يا محمد: قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب فإني لن أقطع العلم والإيمان والإسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء:
النص على خلافة الحسن بن علي(ع)
ذكر الكليني في الكافي عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لمّا حضره الذي حضره قال لابنه الحسن:أدن مني حتى أسرّ إليك ما أسرّ رسول الله(ص) إليّ، وأئتمنك على ما ائتمنني عليه، ففعل:
النص على خلافة الحسين بن علي(ع)
قد يستغرب القارئ الكريم من طرح بحث الخلافة ضمن السلسلة الكربلائية ظناً منه بالتباعد بينهما، ولكنه إذا فهم القصد من وراء ذلك أصبح أمراً مألوفاً لديه ومحبذاً عنده.
إن كل ما يتعلق بالإمام الحسين(ع) من قريب أو بعيد له علاقة مباشرة مع ما صنعه في أرض كربلاء، لأن الهدف من وراء ذلك تذكرة المحبين وغيرهم بكون الحسين في كربلاء لم يمثّل نفسه أو أصحابه أو بني هاشم فقط، وإنما مثّل الإسلام والمسلمين لكونه الخليفة الحق، وما قام به على أرض الطف إنما كان بأمر من الله سبحانه وتعالىز
فبدل أن نقول للعالم أنظروا ما فعل يزيد بالحسين، فإننا نقول لهم: أنظروا ماذا فعل الخليفة الباطل والمزيف بالخليفة الشرعي على أرض كربلاء.
إن اقتران صفة الخلافة بالإمام الحسين(ع) تفيدنا كثيراً في إثبات بعض الأمور المتعلقة بأحداث الثورة الكربلائية، وقد أكدنا في الأجزاء السابقة على ضرورة ربط ماضي الحسين بحاضره في كربلاء وذلك لوجود منفعة كبرى في ذلك، وأهم ما كان من ماضي الحسين وحاضره هو مسألة كونه خليفة رسول الله من بعد أبيه وأخيه.
ثم إننا بذلك نقف موقف المدافع عن الحق لأن كثيراً من الناس في الماضي سلبوا الخلافة من الحسين وقالوا لقد خرج الحسين على أمر الخليفة يزيد، مع أن الذي خرج على أمر الخليفة الحق هو يزيد وليس الحسين لأن الخليفة الشرعي هو الإمام الحسين(ع).
وقد كثرت النصوص الصحيحة في بيان خلافة أبي عبد الله الحسين(ع) ولا ينبغي لنا أن نتجاوزها كيلا تفوتنا الفائدة المرجوة من خلال هذا البحث، ولذا سوف نذكر لكم جملة من تلك النصوص التي ذكرها العلامة الكليني في الكافي.
في حديث طويل للإمام الحسن بن علي(ع) مع أخيه محمد بن الحنفية جاء فيه: إجلس فإنه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم، ومصابيح الهدى، فإن ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أن الله جعل ولد إبراهيم(ع) أئمة، وفضّل بعضهم على بعض، وآتى داود(ع) زبوراً، وقد علمت بما استأثر به محمداً(ص)، يا محمد بن علي: إني أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله به الكافرين، فقال الله عز وجل(كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) ولم يجعل الله عز وجل للشيطان عليك سلطاناً، يا محمد بن علي: ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟قال:بلى: قال: سمعت أباك(ع) يقول يوم البصرة: من أحب أن يبرّني في الدنيا والآخرة فليبر محمداً ولدي: يا محمد بن علي، لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك، يا محمد بن علي، أما علمت أن الحسين بن علي(ع) بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي وعند الله جل اسمه في الكتاب وراثة من النبي(ص) أضافها الله عز وجل له في وراثة أبيه وأمه، فعلم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمداً(ص) واختار محمد علياً(ع) واختارني علي(ع) بالإمامة، واخترت أنا الحسين(ع)…الخ.
عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين(ع) حين أوصى إلى إبنه الحسن(ع) وأشهد على وصيته الحسين(ع) ومحمداً-أي محمد بن الحنفية- وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن(ع) يا بنيّ أمرني رسول الله(ص) أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليّ رسول الله(ص) ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين(ع)….الخ
وظيفة الخليفة
إن الخلافة تكليف فرضه الله سبحانه على من اختاره خليفة للمسلمين بعد موت نبيهم، وهي ليست من المناصب الفخرية التي يتمتع صاحبها ببعض الإمتيازات كما يظن بعض الناس، فهي وظيفة يحفظ بها القانون الإلهي والتعاليم الربانية بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وهي لا تختلف عن مهمة النبي سوى بالوحي.
إنها أمانة كبرى في عنق المكلف بها فيجب عليه العمل على طبق ما تفرضه هذه الأمانة، وليس كما صنع بنوا أمية معها حيث استعملوها للحصول على كل شيء ما عدا الدين، فهي عندهم مجرد رئاسة وزعامة يرتفعون بها عن عامة الناس، وليس كما تعامل معها الخلفاء الحق الذين زادتهم هذه الصفة تواضعاً وزهداً في الحياة.
إن الخليفة الحق هو الذي يحمل مهامّ النبي ويتابع عمله فينشر الحق والعلم وأحكام الله بين الناس ويحكم بينهم بالعدل والمواساة ويحفظهم من الإنحراف عن جادة الشريعة.
إن الخلافة أمر عظيم وحمل ثقيل ومسؤولية ليس من السهل تأديتها كاملاً إذا لم يكن حاملها مسدداً بالعصمة.
فوارق بين خلفاء الحق وخلفاء الباطل
سوف نجري في هذا البحث مقارنة بسيطة بين هذين النوعين من الخلفاء لنصل إلى الحقيقة بأسهل الطرق وأسرعها.
أولاً: لقد ورد في علي وأولاده عليهم السلام ما يدل على كونهم الخلفاء المنصوبين من قبل الله سبحانه وتعالى، أما غيرهم فلم يرد في حقهم من هذه الصفة شيء سوى اتفاق بين الفئات عليهم.
ثانياً: لقد جعل أمير المؤمنين علي(ع) مسألة الخلافة تكليفاً له وواجباً مقدساً في نفسه، أما الآخرون فقد جعلوا الخلافة تشريفاً لأنفسهم يتعالون بها على من سواهم من الناس.
ثالثاً: الخليفة الحق لا يفرط بذرة من الحقوق العامة أو الخاصة كما كان يصنع أمير المؤمنين(ع) عندما كان يحافظ على أموال المسلمين من الضياع وصرفها في غير موضعها أو تكريم القريب دون البعيد فقد أحمى حديدة لأخيه عقيل وأدناها من جسده عندما طلب منه حصة أزيد من الآخرين، أما الخلفاء الآخرون فقد صرفوا المبالغ الكبرى على أنفسهم وأقاربهم وبنوا القصور وامتلكوا العقارات وكنزا الذهب والفضة ولم يصرفوها في مصالح الأمة.
رابعاً: الخليفة الحق يشعر بمأساة الناس كما كان يشعر علي(ع) ويقول:أارضى أن يقال أمير المؤمنين ولعل في الحجاز أو اليمامة من طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع، أما غيره فلم يعبؤوا بجوع الناس وخوفهم وجميع همومهم.
خامساً: إن الخليفة الحق يقنع بأقل مراتب العيش كعلي الذي لم يأكل طيلة حياته صنفين من الطعام معاً ولم يبن القصور ولم يستخدم العبيد كما صنع من حمل صفة الخليفة كذباً.
سادساً:ينبغي أن يكون الخليفة معصوماً، ولم توجد هذه الصفة إلا عند خلفاء الحق.
سابعاً: عند وفاة النبي(ص) لم يبق عنده سوى علي، أما الآخرون فقد اجتمعوا في القاعات ليحصلوا على الخلافة بطرق غير مشروعة.
ثامناً: يجب أن يكون الخليفة أعلم الناس، وأعلم البشر هم علي وأولاده الأطهار.
تاسعاً: إن الخليفة الحقيقي يعمل لله وحده، ولا يعمل لنفسه وخاصاته من الأقارب والتابعين.
وهناك فوارق كثيرة بين هذين النوعين لا مجال لذكرها في هذا المختصر.
الخلافة تعيين من الله تعالى
بحجة الشورى دمّر الطامعون أركان الدين وأحدثوا الفرقة في صفوف المسلمين الذين أمرهم الله تعالى بتوحيد الصف والكلمة والقلب، فاختلقوا الفتن، وشحنوا النفوس بالغيظ والحقد والكراهية، وفرقوا بين الأب وأولاده، وبين الأخ وأخوته، وحرّفوا القرآن وأنكروا النص الصريح، واتهموا رسولهم بالهجران، وباعوا آخرتهم بأرخص الأثمان، كل ذلك من أجل السيطرة على كرسي الحكم.
هذا الأمر الذي كان سبباً في كل حرب جرت عبر التاريخ، فإننا إذا راجعنا تاريخ البشر بدقة لوجدنا بأن الذين افتعلوا الحروب والمجازر إنما هم الحكام الذين لم يحابوا من أجل الله والشعب، وإنما حاربوا من أجل البقاء على العروش.
إن فرعون وهامان وقارون والنمرود وكل طواغيت البشر كانوا على يقين بصدق ما جاء به الأنبياء، ولكن الإيمان بهم يعني إلغاء دورهم، وهذا ما لا يمكن أن يرضوا به ولو كلفهم الثمن ملايين الأرواح والنفوس.
ولا نعني بإلغاء الدور تنحيهم عن الحكم، وإنما نعني به تخليهم عن الظلم، وكيف يمكن أن يتخلوا عنه وقد قامت دولهم وحكوماتهم عليه.
بهذه الروحية تعامل كثير من المسلمين مع الخليفة الحق فلم يفترق عملهم عن عمل أي ظالم عبر الزمن إلا بالعناوين، فإن كثيراً من الظالمين مارسوا الظلم بصفتهم ملحدين أو مشركين أو بصفتهم لا يؤمنون بالرسالات السماوية، أما هؤلاء فقد كان شرهم أخطر وأشد لأنهم مارسوا ظلمهم باسم الدين الحنيف الذي هو بريء منهم إلى يوم القيامة.
ونحن كمسلمين آمنا بالله ورسوله بعد وفاة الرسول بأكثر من ألف وأربعمئة سنة، وهم رأوه ورأوا معجزاته وكراماته، ورغم ذلك كفروا به وخالفوه وأعمى الشيطان بصائرهم أمام منصب من مناصب الدنيا.
نحن نتعجب منهم كيف خالفوا الله ورسوله بعد أن نصّب الله خليفة لهم على لسان النبي(ص) الذي لا ينطق عن الهوى.
كيف جاز لهم اختيار الخليفة مع أن ذلك لا يتم إلا بأمر من الله سبحانه فهو الذي يختار لهم الخليفة كما يختار لهم النبي لأن ما يجب توفره في النبي يجب توفره في الخليفة باستثناء مسألة الوحي.
وخلاصة القول: لو أجمع المسلمون كلهم على تعيين الخليفة، ولم يكن منصوصاً عليه في كلام النبي فلا يكون خليفة على الإطلاق.
لو لم يرد نص في خلافة المعصومين(ع)
إن الله سبحانه وتعالى لطيف وخبير وعادل وحكيم لا يلغو في فعله ولا يجور في حكمه ولا يضع ما لا يليق فيما يليق، ولا يفرط فيما أنزله على أنبيائه من سنن وتعاليم ومفاهيم.
لقد اختار الله للنبوة أشخاصاً توفرت فيهم صفات معينة ومقدمات مطلوبة، ولولا ذلك لما اصطفاهم واختارهم.
ولو خُلّي العقل وذاته في اختيار الخليفة لاختار الأفضل والأنسب من خلال النظر في بعض الأمور.
ولو ألقينا نظرة في سلوك الذين اختارهم الله تعالى لهذا المنصب الرفيع لأدركنا الحكمة من وراء ذلك لأنا لن نرى منهم سوى الخير المطلق، وكذا لو نظرنا إلى الذين اغتصبوا هذا الحق الرباني وتصرفوا فيه كما يحلو لهم لعرفنا السبب من عدم اختيارهم، ولأجل ذلك ترددت عبارة على ألسنة بعض الذين لمسوا الخير من أهل العصمة حيث قالوا: الله يعلم حيث يجعل رسالته: أي أن الله سبحانه قد وضع رسالته في الأشخاص المناسبين.
ونحن بدورنا نقول: لو لم يرد نص في تعيين أئمة الهدى لآمنا بكونهم الخلفاء الحقيقيين وذلك من خلال تصرفاتهم الحكيمة وقلوبهم المفعمة بالعلم والإيمان، وأرواح التي جبلت على الخير والأخلاق الكريمة.
أما أولئك الذين ادعوا الخلافة لأنفسهم فإن أفعالهم وجرائمهم لوحدها تكفي لأن تكون أدلة على كونهم مزيفين.
فأي عاقل من الناس يقر بخلافة يزيد الذي لم يصلح لقيادة نفسه فضلاً عن قيادة الأمة.
وأي عاقل ينكر كون الحسين(ع) هو الخليفة الحق الذي تجب طاعته.
الإمام الحسين(ع) هو الخليفة الشرعي
عجباً لأولئك السابقين كيف بايعوا يزيداً وأقروا بشرعيته وصلوا خلفه وقاتلوا من أجله وباعوا دينهم وضمائرهم بأرخص ثمن وأزهد قيمة.
عجباً لهم كيف لم يراقبوا فعل يزيد مع أنه كان متجاهراً بالفسق والفجور والظلم بجميع أشكاله ومراتبه، وعجباً لهم كيف لم يميزوا بين أهل الحق وأهل الباطل.
إن جميع المسلمين قد أيقنوا بكون الحسين هو الخليفة المنصوب من قبل الله تعالى لأنهم سمعوا رسول الله(ص) يقول مراراً بأنه الإمام وابن الإمام وأخو الإمام.
صفات الخليفة
أقل ما يجب توفره في الخليفة هو الصفات الإنسانية الخاضعة لقوانين العقل.
فإذا وجدنا رجلاً يقال له (خليفة) ولم يكن حائزاً على تلك الصفات لم يجز الإيمان بكونه الخليفة.
أقل ما يمكن فيه هو أن يكون مؤمناً مطيعاً وعالماً بأحكام الله حتى يحكم بين الناس بما أنزل الله عز وجل.
فهل برأيكم حاز بن معاوية صفة واحدة من الصفات المطلوبة في الخليفة؟ فمن قال نعم فليأت بذلك، ولن يأتي بشيء من ذلك حيث لم يجتمع في يزيد سوى الصفات الرذيلة والمنفرة.
وإن كل الذين اتبعوه في حياته، لم يتبعوه لأنه خليفة، بل لأنه زعيم وصاحب سلطة كبيرة.
فمنهم من اتبعه خوفاً من ظلمه واتقاءاً لشره، وهذا لا يشكل مبرراً في كثير من الأحيان.
ومنهم من اتبعه طمعاً بما عنده من المال والسلطة، وهم أعوانه الظلمة الذين سوف يحشرهم الله تعالى معه في الدرك الأسفل من النار.
ومنهم من اتبعه بغضاً لآل محمد(ص) وهم يشكلون العدد الأكبر في الماضي والحاضر، وهم موقنون بكون يزيد ليس الخليفة الحق، ولذلك قال أحد اللعناء:أنا أحب يزيداً لأنه قتل الحسين بن علي: وقال لعين آخر: خرج الحسين عن حده فقتل بسيف جده:
ومنهم من توهم أنه الخليفة لأنهم لا يعرفون شروط الخلافة ولا صفات حاملها، وهم البسطاء الذين يشكلون عدداً ضئيلاً جداً.
هل يخطئ الله تعالى في الإختيار
إن الذين يؤمنون بخلافة غير الخلفاء الشرعيين إنما ينسبون إلى الله تعالى عدم الدقة في الفعل، وعدم الحكمة في الإختيار.
إن ما يختاره الله تعالى هو الحق والصواب الذي لا يقبل الشك والجدل لأنه الخالق القدير عالم الغيب والشهادة..ووالخ.
إن الذين أنكروا خلافة الإمام الحسين وغيره من خلفاء الحق فقد اعترضوا على الله في حكمه واختياره حيث لا يوجد تفسير آخر لهذا الفعل سوى ذلك.
ومعنى ذلك أنهم تبوأوا مقاعدهم من الناس واستعدوا للعذاب المهين فأطاعوا المخلوق في معصية الخالق.
ونحن نقول: أنظروا إلى الذين جعلهم الله عز وجل خلفاء على المسلمين دون غيرهم وسوف تدركون بأنه تعالى لا يخطئ الإختيار.
خلافة الإمام الحسين(ع)
لا يحتاج تعيين الإمام الحسين خليفة على المسلمين إلى دليل فوق كلام النبي(ص) الذي عيّن الخلفاء في حياته وذكر أسماءهم واحداً واحداً، وقد قال(ص) في أكثر من موضع ومناسبة:الأئمة من بعدي إثنا عشر إماماً أولهم علي وآخرهم المهدي.
وقد ذكر كثير من المؤرخين مدة خلافة كل إمام منهم، وقالوا إن مدة خلافة الحسين(ع) عشر سنوات.
نحن نؤمن بأن الحسين(ع) قد عاش بعد أخيه الحسن عشرة أعوام تقريباً، وقد مارس دوره كخليفة للمسلمين طيلة تلك المدة.
ولكن الذي أهمله المؤرخون والكتّاب هو نقطة جديرة بالإهتمام تتصل مباشرة بجوهر الخلافة من حيث بدايتها ونهايتها.
ولأجل ذلك سوف أتحدث حول سؤال أطرحه على نفسي في هذا المجال، وهو: متى بدأت خلافة الخلفاء؟
إن الجواب على هذا السؤال يكشف لنا حقيقة تلك النقطة التي أهملها كثير من المعنيين بهذا الشأن.
أما الجواب على السؤال فيتم بذكر مجموعة نقاط نربط بعضها ببعض فنصل إلى الغاية المرجوة من وراء هذا السؤال.
النقطة الأولى: الفرق بين التعيين والبدء بالعمل.
قبل أن نحدد زمن التعيين ومدة الخلافة ونفرق بينهما فنجعلهما أمرين متباعدين، يجب علينا أن نبحث جيداً في حقيقة هذا الأمر عن طريق الغوص في أعماق التفاصيل المتعلقة فيه، فلا يمكن وصفهما بالمتلازمين مطلقاً ولا بالمتباينين كذلك، لأن هناك التقاءاً من جهة، واختلافاً من جهة ثانية، وهذا ما يتطلب منا التركيز في بيان الحقيقة، لأنها تتصل بصلب معتقداتنا كمؤمنين اثني عشريين.
فتارة نقول: هذا الرجل خليفة: وتارة أخرى نقول: لقد بدأ هذا الرجل بعمل الخليفة: وثالثة نقول: هذا خليفة: فلا نربط تلك الصفة بوقت أو بالشروع في العمل.
لقد تولى الإمام الحسين(ع) مهامّ الخلافة عقيب استشهاد أخيه الحسن سم معاوية عن طريق زوجته(جعدة بنت الأشعث) ولكن ذلك لا يعني كون الحسين خليفة قبل توليه المهمة، لأن الله تعالى خلقه ليكون خليفة للمسلمين.
إن وجود الإمام الحسن(ع) لا يلغي خلافة الإمام الحسين، وإنما هناك نظام يتبعه الأئمة(ع) وهو أن لا يتقدم اللاحق على الحالي أبداً، وذلك من باب: إن كنتما اثنين فأمرا أحدكما:
إن الإمام الحسين(ع) وكل الخلفاء قبله وبعده قد خلقوا خلفاء ومعصومين، ولكن الوظيفة الرسمية لكل واحد منهم تبدأ عند مفارقة السابق للحياة مع الحفاظ على كون اللاحق منهم خليفة أيضاً ولكن دوره لم يبدأ بعد، ونعني بالدور دوره كخليفة وليس كإنسان معصوم، فإن كل واحد من المعصومين له دوره وعمله حتى مع وجود السابق، فلقد كان الإمام الحسين(ع) معلماً وموجهاً ومسؤولاً رغم وجود أخيه الحسن(ع) ولكنه لم يكن ليتخذ قراراً في الأمة إلا بمراجعة الخليفة الذي يمارس مهمة الخلافة، ولم يكن الإمام الحسن(ع) ليعارض أخاه الحسين في أي قرار لأنهما يحملان نفس العلم ويتصرفان بنفس الطريق.
النقطة الثانية: حكم تعدد الخلفاء كحكم تعدد الأنبياء
هناك فترات عديدة شهدت فيها البشرية أكثر من نبي في آن واحد، وقد كان كل واحد منهم يمارس دوره المطلوب منه، فلا أحد يلغي دور أحد، ولا أحد يتجاوز حدوده المرسومة له.
إن لكل واحد منهم مسؤوليته الخاصة ودوره المحدد تجاه الرسالات السماوية وعباد الله، وكذا الحال لدى الخلفاء الذين كان لكل واحد منهم وظيفته الخاصة به والتي تكتمل بها وظيفة الخليفة الآخر.
فكما قبلنا فكرة تعدد الأنبياء في وقت واحد مهما كانت درجة السبب فكذلك ينبغي أن نقبل فكرة تعدد الخلفاء في آن واحد.
فعند موت نبي من أنبياء الله كان النبي الآخر يقوم بدوره ودور الآخر، لأن الوظيفة لدى الجميع واحدة، فإذا مات إبراهيم الخليل(ع) وجب الرجوع إلى إسماعيل أو إلى لوط، وإن كان دورهما في حياة إبراهيم لم يكن بارزاً بسبب تحمّل إبراهيم لأعباء أكثر من الأعباء التي كانوا يحملونها في حياته.
إن دور إبراهيم ونبوته لم يبطلا دور إسماعيل ونبوته، وكذلك يمكن التشبيه عن طريق موسى وهارون سلام الله عليهما فإن وجود موسى كنبي لم يمنع وجود هارون كنبي، وإنما وجود موسى الرسمي كان يفرض على هارون عدم تجاوزه.
النقطة الثالثة:تولّي اللاحق للمهمة أوتوماتيكياً.
لو فرضنا أن الإمام الحسن(ع) قد توفاه الله قبل أن يقول للناس إن الحسين بن علي هو الخليفة من بعدي فهل تبطل خلافة الحسين بذلك؟
إن خلافة الحسين ومن بعده من الخلفاء الشرعيين مقررة من زمن الرسول(ص) فإذا مات السابق دون أن يكلف اللاحق فلا يضر هذا بتوليه للمسؤولية لأنه خليفة للسابق معيّن بنص النبي(ص) فبمجرد موت السابق تحمّل اللاحق المسؤولية لأنه في الواقع خليفة لا ينقصه سوى البدء بالمهمة الرسمية لأن المرسوم الرباني صادر في تعيينه منذ زمن بعيد.
الأمة تطلب من الخليفة الحق مبايعة الخليفة المزيف
لقد طلب المسلمون من الإمام الحسين أن يبايع يزيداً، وقد كان طلب البعض منهم صريحاً والبعض الآخر لم يصرحوا بذلك ولكنهم أرادوه.
ولكي نفهم المراد من هذا العنوان المطروح ينبغي علينا تصنيف الأمة لأنها وإن اتحد أفرادها في الفعل فإنهم لم يتهدوا بالنية والهدف.
الصنف الأول: وهم مجموعة من المسلمين البسطاء الذين لا ينظرون إلى البعيد، ولا يدركون عواقب الأمور، فهم يتصرفون بمقدار تفكيرهم المحدود.
هؤلاء طلبوا من الخليفة الحق أن يبايع يزيداً خوفاً عليه من القتل، وذلك لأنهم لم يدركوا عاقبة هذا العمل إذا صدر من الإمام الحسين(ع).
إن صدوره من غير الحسين أقل ضرراً على الدين والأمة حيث قد ينحصر ضرره في المبايع نفسه، أما صدوره من الإمام الحسين(ع) فمعناه أنه يضفي على خلافة يزيد شرعية، وهذا لا يمكن أن يتحقق من الحسين الذي رأى بأن الموت ألف مرة أهون من الرضا بممارسات يزيد.
الصنف الثاني: وهم الذين نظروا إلى فعل الإمام الحسين من زاوية لا تصل بالدين، فهم تعاملوا مع الحسين كشخص يطلب الحكم والسلطة كباقي الحكام والسلاطين، فقالوا في أنفسهم: إذا أردت الحكم فاحصل عليه بطريق المبايعة ليزيد لأنه إذا رضي على شخص نصّبه أميراً أو حاكماً.
إن هؤلاء لم ينظروا إلى فعل الحسين من المنظار الديني ومن منظار كونه الخليفة الحق، فلو نظروا إليه من هذه الزاوية لأدركوا وجوب القيام بما قا به الحسين.
الصنف الثالث:وهم مجموعة من المسلمين بايعت يزيداً مع علمها بأن الخليفة الحق هو الحسين بن علي، ولكنهم أرادوا الحفاظ على حياتهم فباعوا الآخرة بالدنيا واختاروا النار على الجنة.
وهي لم تطلب من الحسين أن يبايع يزيداً لعلمها بكون يزيد ليس الخليفة الذي تجب طاعته.
ومهما تكن نواياهم فقد أعانوا يزيداً بتلك المبايعة على قتل الحسين وشجعوا غيرهم على القيام بهذا العمل الوضيع.
الصنف الرابع: وهم الذين وقفوا مع الإمام الحسين ورفضوا أن يبايعوا يزيداً لأنهم اختاروا الموت بعز وكرامة على الحياة تحت رحمة الظالمين، فاشتروا الآخرة بالدنيا، وباعوا أنفسهم لله تعالى، وأعطاهم ثمناً كبيراً وهو رضاه والجنة، ورضاه أعظم من الجنة كما كان سخطه أشد من النار.
وهؤلاء شكلوا القلة القليلة في زمن الحسين، وهم الذين خرجوا معه لقتال يزيد وأعوانه.
معنى مبايعة الحسين ليزيد
إن لهذه المبايعة عواقب وخيمة لا تقف عند حدود الخطر على النفس والولد، وإنما كانت عواقبها على الدين والأمة أكبر مما يظن الجميع.
لقد اتخذ الحسين(ع) قراراً حاسماً حول موضوع المبايعة وذلك عندما قال: ومثلي لا يبايع مثله:
لقد وردت هذه العبارة بعد أن وصف الإمام الحسين(ع) يزيد بن معاوية بأنه رجل فاسق وشارب للخمر وقاتل للنفس المحترمة ليكشف جزءاً من سبب عدم المبايعة ليزيد.
إن المبايعة ليزيد لا تصح -فضلاً عن كونها غير جائزة- من جميع الوجوه.
أولاً: لم يكن يزيد بن معاوية حتى يصح مبدأ المبايعة له، فإن الذين يبايعونه هم في الحقيقة يؤازرونه ويساعدونه على ظلمه، ولا مجال للمبايعة الشرعية هنا لأنها كما يقال في علم المنطق:سالبة بانتفاء الموضوع:
فموضوع الخلافة منتف لدي يزيد، فعلى أي شيء يبايعونه.
ثانياً: لو غضضنا الطرف عن كونه ليس خليفة من الأساس، فكيف يمكن لنا أن نبايعه وهو المجرم الأكبر الذي يقتل بسبب وبغير سبب ويعتدي على الحرمات والمقدسات.
إن المبايعة له تعني الموافقة على جرائمه وظلمه وإنكاره للدين.
ثالثا: إن مبايعة يزيد تعني البراءة من الله ورسوله والتخلي عن الدين والقيم والمبادئ والمعتقدات.
هذا ما نقوله في المبايعة التي تصدر من الناس العاديين، وأما المبايعة التي يريدها الناس من الإمام الحسين فإنها تعني أفظع الجرائم في حق الدين والأمة والإنسانية.
فكيف يمكن للحسين بصفته الشخصية والرسمية الدينية أن يبايع هذا الطاغية الذي إن مثّل شيئاً في الحياة فإنما يمثل الشيطان الرجيم.
لو بايع الحسين(ع) يزيداً أو داهنه في أفعاله لما بقي أثر للإسلام والقرآن والحق، فأي حق يطالب به الناس بعد أن بايع المسؤول الأول عن المهمة الكبرى، مهمة حفظ الدين وأهله.
وأكثر من ذلك فإننا نعتقد بأن الإمام الحسين(ع) لم يفكر يوماً بأن يقدم تنازلات ولو بمقدار ذرة على حساب الدين أو على حساب كرامته الشخصية.
وأما قوله(ع):ومثلي لا يبايع مثله: فيمكن حمله على جميع معانيه، أي سواء قصد بقوله(ومثلي) أي الإنسان، أو قصد به المعصوم، أو الخليفة، فمن كل الجوانب لا يليق بمثل الحسين العظيم أن يقدم تنازلات لمثل يزيد الوضيع والحقير.
إن المبايعة ليزيد من قبل الإمام تعني الدمار للأمة كلها، وزوال الدين من أساسه، وحدوث خلل كبير في نظام الإنسانية، لأن ممارسات يزيد لم تخالف الأديان السماوية فحسب، وإنما خالفت الموازين التكوينية للإنسان بما هو إنسان.
لأجل ذلك كله كان الموت أهون بمراتب من مداهنة يزيد، فالموت في هذا السبيل موت للأشخاص، ولكن المبايعة ليزيد تعني موت الأمة.
ولأجل ذلك قال(ع) الموت أولى من ركوب العار:
المبايعة ليزيد ليست مورداً من موارد رفع الضرر
الضرورات تبيح المحظورات في موارد حددها الشارع المقدس، فلا ينبغي أن نجعل من هذه القاعدة مبرراً لتقصيرنا وارتكابنا للجرائم تحت عنوان رفع الضرر عن النفس.
وقبل أن نتخذ قراراً تحت هذا العنوان يجب أن نعرف الحدود التي تقف عندها هذه القاعدة فهي ليست قاعدة مطلقة.
قبل ذلك يجب أن تسأل: متى يحق لك أن ترفع الضرر عن نفسك؟
يحق لك ذلك إذا لم توقع الضرر في غيرك، فإن رفعه عنك إذا كان مستلزماً لوقوع الغير فيه فلا يجوز لك رفعه، وإنما يجب عليك أن ترده بطرق أخرى أو أن تتحمله وإلى الله المشتكى.
ولكي نفهم قاعدة رفع الضرر نطرح لكم مثالاً:
إذا خيّرك ظالم بين القتل أو شرب الخمر فشربته لتهرب من الموت فعند ذلك تكون مصداقاً لقوله تعالى(فمن اضطر غبر باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وإذا خيّرك بين محرمين أحدهما صغير والآخر كبير وجب عليك اختيار الصغير، وأنت هنا بالخيار بين التنفيذ والنجاة أو الإعتراض والموت، كما خيّر معاوية الصحابي الجليل حجر بن عدي الكندي بين الموت أو البراءة من علي بن أبي طالب فاختار الموت على البراءة، وكان بإمكانه أن يفعل كما فعل الصحابي الجليل عمار بن ياسر عندما أجبره المشركون على ذكر هبل.
وأما إذا خيّرك بين قتل مؤمن أو قتلك أنت وجب عليك أن تستسلم لمصيرك فلا يجوز لك قتل المؤمن لأن هذا الظالم خيرك بين قتل وقتل، فإذا قتلت المؤمن لتنجو فقد ارتكبت إثماً مبيناً.
وهنا نأتي على ذكر فرض المبايعة من قبل يزيد، فلقد خيّرهم يزيد بذلك بين نوعين من الموت، إما المبايعة وهي تعني موت النفس والضمير والحرية، وإما القتل، ولكن كثيراً من المسلمين فضّلوا موت الضمير مع ما يحمله من مساوء كبرى على موت الجسد مع ما يحمله من شرف وكرامة.
وفي غطار هذا التخيير لم يكن المسلمون بالخيار بينهما لأنه كان واجباً على الجميع أن يختاروا المصير الذي اختاره إمامهم الحسين(ع) حيث لا دور هنا لقاعدة رفع الضرر لأنك بالمبايعة ترفع الضرر عن نفسك وتلقيه على الأمة بأجمعها.
لقد خيّرهم يزيد بين قتلهم وقتل الدين فاختاروا الحياة من دون دين، ولكنها لم تدم لهم ولم يهنؤوا بالحياة التي قامت على حساب دم الحسين وأصحابه.
فلو اتخذت الأمة نفس قرار الحسين لما بقي ليزيد وأعوانه أثر في الوجود، ولكن العرب هم العرب في الماضي والحاضر، فهم يعينون عدوهم على أنفسهم مع أنهم لو أجمعوا كلمتهم لما استطاع عدو في العالم كله أن ينال منهم.
الأمة كلها شاركت في قتل الحسين(ع)
لقد استجابت الأمة لنداء الشيطان الذي أطلقه يزيد بن معاوية، والذي يقضي بقتل الحسين بما يمثله في عالم الرسالة الإسلامية، فقتلوا الحسين ولم يدم لهم يزيد، فخسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة.
وأياً تكن الأسباب والظروف فلم يكن تصرفهم مبرَّراً، حيث شركوا بهدر الدم الطاهر.
إن كل من سمع نداء الحسين ولم يلبي النداء ولم يكن هناك عذر شرعي يمنعه من الوقوف إلى جنب الحسين فقد كان شريكاً في ارتكاب تلك الجريمة.
إن قتلة الحسين ليسوا ثلاثين ألفاً، بل هم أكثر من ذلك بكثير، فإن الذي جلس في بيته بدعوى عدم الدخول بين السلاطين كان أيضاً شريكاً في ذلك الدم لأن الجهاد في زمن الحسين قد وجب على كل مسلم.
ولأجل ذلك قلنا بأن الأمة كلها قد شاركت في قتله.
دور الذين وصلهم النداء قبل استشهاد الحسين(ع)
هناك كثير من المسلمين لم يصلهم نداء الحسين إلا بعد أن أصبح في منتصف الطريق، فلقد كان من الواجب عليهم أن يلحقوا به وينصروه كما فعل الشاب سعيد بن مرة التميمي الذي جدّ السير ليلاً ونهاراً حتى يدرك الحسين حياً ولو للحظات لينال شرف الشهادة بين يديه، وقد حقق الله تعالى أمنيته حيث وصل إلى كربلاء في اللحظات الأخيرة فسمع نداء الحسين:هل من ناصر ينصرنا: فقدّم روحه في سبيل الحق وكان من أعظم نماذج التضحية في سبيل الله.
لقد كان فعل سعيد حجة على الذين علموا بنداء الحسين قبل استشهاده ولكنهم أهملوه بدعوى أنهم لن يدركوا الحسين على قيد الحياة، فلو صنعوا مثل ما صنع سعيد لأدركوا إمامهم كما أدركه هذا الشاب المجاهد.
ولكنهم كانوا يرون بأن نفوسهم أغلى من الحق ومن أرواح شهداء كربلاء، والحقيقة أن نفوسهم حقيرة ووضيعة وهم جبناء لا يستحقون هذا الشرف، فلو كانوا يستحقونه لوفقهم الله له كما وفق من لحق بالحسين.
دور الذين علموا بالأمر بعد استشهاد الحسين
قد يتوهم بعض المتخاذلين عن نصرة سيد الشهداء بأنّ الواجب المطلوب منهم قد سقط عنهم.
ولكن الحقيقة عكس ما توهم هؤلاء لأن ذلك الواجب لم يسقط عنهم ولن يسقط إلى يوم القيامة، فكما كان من واجبهم أن ينصروا الحسين في حياته كان من واجبهم أن ينصروه بعد استشهاده فإن النصرة المطلوبة ليست لشخص الحسين(ع) فقد استشهد الحسين..ولكن النصرة المطلوبة هي نصرة النهج الذي رسمه الحسين بشهادته وضحى بنفسه من أجله وهو الحق المطلق.
منهم من أصر على المعصية حتى بعد استشهاد الحسين، وكأن الأمر لا يعنيه، ومنهم من شعر بالمسؤولية والتقصير تجاه الخليفة الحق فتابع الطريق التي شقها الحسين بدمه الطاهر وروحه المباركة ووقف في وجه الظلم وأهله كما وقف الحسين، فهذا من الذين ناصروه واتبعوه كالتوابين الذين قاموا بثورة عظيمة هزوا بها عروش الظالمين.
وعلى الباقين إلى يوم القيامة أن يتابعوا تلك المسيرة وينصروا النهج الحسيني الذي هو نهج القرآن والإسلام.
الخليفة الحق يدعو الأمة إلى الخير
الإمام الحسين بن علي(ع) قائد عظيم وإمام معصوم لا يقود الأمة إلا إلى ما فيه الخير والصلاح والعاقبة الحسنة.
لقد دعاهم هذا العظيم إلى رفض الظلم والوقوف في وجوه المتغطرسين ليرسم لهم بذلك طرق السعادة في الدنيا والآخرة.
لقد خيّرهم إمامهم بيم جواهر تبقى وأحجار تفنى فسيطر الشيطان على نفوسهم واستحوذ على قلوبهم حيث وجدهم ضعفاء الإرادة فوسوس لهم اختيار الأحجار الزائلة ورفض الجواهر الباقية ففعلوا ذلك.
لقد خيّرهم(ع) بين الدنيا الزائلة والآخرة الباقية فآثروا الأولى على الآخرة فخسروهما جميعاً.
لقد وقف الإمام الحسين(ع) في مكة المكرمة يوم التروية ودعاهم إلى الجهاد مبيناً لهم أجرهم وثوابهم فتركوه بحجة متابعة مناسك الحج فلم يعد عليهم حجهم ولا صلاتهم ولا صومهم بشيء لأن الجهاد هو السبيل الوحيد للحفاظ على باقي الآثار.
لقد بيّن لهم أن رضا الله تعالى من رضاه، وقد أيقنوا بأنهم سوف يخسرون الدنيا والآخرة ولكنهم لم يعبؤوا بكلامه وتركوه وحيداً في تلك المحنة القاسية والظروف الصعبة.
ولم يقف الحد عند عدم النصرة، وإنما راحوا يحاربون نهجه ليثبتوا أحقيتهم ويبرروا ذنبهم ولكن ذلك لم يجد لهم نفعاً.
لقد اتهموه بالجنون والتهور وإلقاء النفس في التهلكة وهم مؤمنون بعدم صحة ذلك، ولكنهم صنعوا ذلك ليبعدوا شبح المسؤولية عن أنفسهم، ولكن ظنهم قد خاب ولازمهم العار في الدنيا والآخرة.
لقد فضّلوا يزيداً على الحسين، ولم ينفعهم يزيد في شيء على الإطلاق، وإنما كان يظلمهم ويسرقهم ويعتدي على كراماتهم ويستبيح نساءهم.
لقد أعلنوا جائزة لكل من يأتيهم برأس الحسين فكانت الجائزة هي الغدر والقتل لأن ذلك من شيمهم كما صنع بن زياد مع خولّى بن يزيد الأصبحي الذي أتاه برأس الحسين لينال الجائزة، فكانت الجائزة بأن أمر بن زياد بقتله.
وقد كان عبرة لمن يعتبر، ولكن..ليس من معتبر.
الشيخ علي فقيه



