المفاهيم الكربلائية

المفاهيم الكربلائية

الثورة الحسينية ثورة الأهداف الكبرى

 

المحاكمة الجائرة

 

لا يكتفي العقلاء في الحكم على شيء من خلال الظاهر، لأنه في الغالب لا يحكي لنا حقيقة الجوهر.

وهذا من شأنه أن يدعو العاقل إلى البحث في أعماق المسائل كيلا يكون حكمه جائراً من خلال تقصيره في المقدمات المطلوبة لإجراء المحاكمة.

وقد هدر عبر التاريخ حقوق أناس مظلومين كانوا ضحية عدم اكتمال الأدلة وتسرع القضاة في الحكم عليهم في حين كان يجب على القاضي أن يتأنى ويتريث قليلاً علّه يصل إلى دليل يغير مجرى الحكم.

وهناك حقوق إنسانية قد حُكم عليها بداعي البغض والكراهية والتعصب الأعمى الذي من شأنه أن يعرقل كثيراً من الحوادث ويضيّع حقوق أهل الحق، كما حُكم على الثورة الكربلائية من قيل بعض المعادين لمذهب الحق، أو من قبل الذين نظروا إلى الظاهر ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة، فحكموا بالفشل على ثورة كانت قمة في النجاح المميز الذي لم يشهد التاريخ نجاحاً مثله.

وفي مثل هذه الأحداث الكبرى يجب التأني في إصدار الحكم لأن قائد الثورة ليس بالإنسان المتهور أو المتسرع حتى يقدم على أمر لا فائدة منه.

إن نفس علمنا بأن الحسين بن علي هو الذي قام بالثورة يدفعنا إلى البحث عن الحقيقة لأنه لا شك في وجود مصلحة كبرى من وراء هذا العمل الكبير الذي أدى إلى استشهاده واستشهاد أولاده وأصحابه.

لقد كان حكمهم على ثورة أبي عبد الله(ع) أسرع من حكمهم على القضايا الصغرى، ولعل السبب في تسرعهم هو علمهم القطعي بوجود فائدة عظمى هم لا يريدون التوصل إلى معرفتها بهدف إرضاء الحاكم الظالم أو بسبب خوفهم من جوره وظلمه، وهذا لا يبرر لهم ارتكاب تلك الجريمة القذرة في حق الحسين والإسلام.

لقد حكم الجميع في البداية على استحقاق الحسين ما نزل به في أرض كربلاء لأنه لم يطع الخليفة، بل خرج على حكمه فاستحق هذا العقاب الطبيعي لكل من يخرج على الباطل ويحاول التصحيح.

لقد كان الفساد في نظرهم صلاحاً والباطل حقاً والضحية جزاراً، وقد أشبه حكمهم على الحسين وأصحابه حكم فرعون على موسى ومن آمن معه، وحكم النمرود على إبراهيم الخليل.

لقد كانت حجتهم أن الأنبياء تخلوا عن آلهتهم فاستحقوا الموت والتعذيب قبل الموت، وهكذا كان حكم التابعين ليزيد على الحسين وأصحابه.

لقد كان حكمهم على ثورة كربلاء بعيداً عن منطق العدالة بعد الأرض عن السماء لأنه كان حكماً جائراً أجراه الشيطان الرجيم على ألسنتهم بإيعاز من شيطان الإنس(يزيد بن معاوية) الذي حاول أن يجير الأمور لمصلحته قبل أن يظهر الحق للناس فراح يوجه الإتهامات والمبررات التي دفعته لمعاقبة الحسين، فادعى بأن الحسين حاول أن يخرب النظام الإسلام ويفكك اللحمة بين المسلمين لأنه تخلف عن بيعة إمام الزمان الموهوم(يزيد) وقد جعل من فعله الشنيع عبرة لكل من يفكر بالمواجهة.

لقد زرع في نفوس الناس فكرة أن تلك المجموعة التي قضى عليها في كربلاء هي مجموعة تشكل خطراً على الدين، مع أنها هي التي تمثل الدين الصحيح.

وقد أشرب كثير منهم هذه الفكرة المضللة حيث هجم كثير من أتباع يزيد على موكب السبايا يشتمونهم ويضربونهم ويقولون لهم: الحمد لله الذي قتلكم وأراح البلاد منكم:

وهذ نموذج صغير على مدى تأثير تلك الدعاية على نفوس الناس.

لقد قامت تلك المحاكمة على قواعد الجور والإفتراء، وعلى آثار الدعايات الكاذبة التي افتعلها اليزيديون ضد أهل البيت(ع).

إنها أحقر محاكمة في تاريخ الإسلام لأن الوحيد الذي يحق له أن يحكم على الآخرين هو المحكوم عليه جوراً في هذه المحاكمة.

وعلى كل من صدقت نفسه ذلك أن يتخلى عن هذه الأوهام القاتلة لأن آثارها على النفس وخيمة في الدنيا، ونتائجها في يوم الحساب خطيرة للغاية.

ونحن بدورنا نحكم على يزيد بحكم الله ورسوله، وهو الخلد في العذاب الأليم لأنه لم يرتكب جريمة في حق الحسين فحسب، وإنما ارتكب جريمة في حق الإسلام والإنسان.

 

شأن الثورة من شأن أهدافها

 

تارة ننظر إلى الثورة من باب عدد أفرادها ونوعية السلاح الذي يمتلكونه أو من باب الظروف الخارجية التي لا تدل في الغالب على الحقيقة الباطنة.

ومرة أخرى نغير مسار نظرتنا فنتعمق في الأمر قليلاً فننظر إلى أسبابها وأهدافها والنتائج المتولدة عنها.

ولا شك بأن الحكم عليها من النظرة الأولى يختلف تماماً عن الحكم عليها من النظر الثانية التي هي الأنسب والأوسع، وهي الباب الصحيح الذي ننفذ منه إلى الأعماق.

فلو أردنا أن نحكم على الثورة الحسينية من خلال الظاهر وحده لحكمنا عليها بالسلب لأن الظاهر كان موحياً بالهزيمة، ولكننا حكمنا عليها من خلال أهدافها فكان الحكم عليها عظيماً كعظمة الأهداف فيها.

والثورة تستمد شأنها وعظمتها من شأن أهدافها، فإذا كانت الأهداف كبيرة كانت الثورة كذلك، ولقد كانت أهداف الثورة الحسينية أنزه أهداف في تاريخ الإسلام، ولأجل ذلك كانت ثورته أعظم ثورة في تاريخه.

وقد تراجع كثير من الناس عن حكمهم الولي لها وذلك عندما لمسوا نتائجها وأدركوا أهمية تلك الأهداف التي سعى الإمام الحسين(ع) إلى تحقيقها عبر الثورة بحيث ألهتنا الأهداف عن النظر إلى حجم الخسائر المادية على أرض المعركة.

 

أهداف الثورة الحسينية

 

تحدثنا من بداية هذه السلسلة عن عظمة الأهداف ووجّهنا الأنظار نحوها لأنها تشكل الأساس في ثورة كربلاء، ولكننا لم نشر إلى فحوى تلك الأهداف لعدم وجود المناسبة هناك.

وقد جاء الوقت الذي يجب أن نظهر فيه تلك الأهداف السامية التي شكلّت الكاشف الأول عن عظمة هذه الثورة.

وقبل بيان الأهداف نشير إلى كونها المعلومة والمنكشفة لدينا، ولا ينبغي أن نؤكد حصرها فيما توصلنا إلى معرفته إذ قد يكون هناك أهداف أخرى لم تنكشف لدينا حتى هذه الأيام.

وقد ذكر الكتّاب والباحثون في الشؤون الحسينية ما يقرب من عشرين هدفاً مع إذعانهم بوجود تمايز بين هدف وآخر من حيث أثره على الأمة، ونحن بدورنا سوف نذكر أهم تلك الأهداف التي تتضمن جواهر الأهداف الأخرى من باب خير الكلام ما قل ودل.

الهدف الأول: إصلاح ما فسد من أمور الدين

ينبغي على كل باحث في أهداف الثورة الكربلائية أن يقدم هذا الهدف على غيره من أهدافها لأنه يشكل المحور الأساسي لجميع تلك الأهداف، وهو أول هدف تعرف عليه الناس في حياة الإمام الحسين(ع).

إن تحقيق هذا الهدف لم يكن واجباً على الحسين فقط، وإنما هو واجب كل مسلم ومسلمة في هذا الوجود لأن حفظ الدين من التحريف والمداخيل الشريرة هو من أولى واجبات المسلم الذي إذا أهمل إسلامه فقد أهمل وجوده المستمد من وجود الإسلام.

ويتحتم هذا الأمر على المعصوم لأنه المسؤول الأول باعتباره الخليفة الحق، ومن خلال هذا الواجب تحرك الإمام الحسين(ع) حتى أصلح ما فسد من أمر الدين بطريقته الخاصة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ كثيراً من المسلمين قد أشادوا بأصحاب الحركات الإصلاحية وهي نتاج صغير من نتائج الثورة الكربلائية مهملين بذلك المصدر الأول للإصلاح بداعي العصبية المذهبية.

فكما اعتنيتم برجالات الإصلاح من المسلمين وغيرهم كان من الواجب عليكم كمسلمين أن تشربوا من المصدر الذي تفجرت منه عيون الإصلاح، وهو الإمام الحسين بن علي(ع).

 

الإفصاح عن هذا الهدف

 

لم ندرك هذا الهدف العظيم من أهداف ثورة الحسين عن طريق الإيحاء والإستنتاج، وإنما أدركناه عن طريق التصريح الواضح الذي صرح به الإمام الحسين(ع) عندما كان يُسأل عن سبب خروجه فكان جوابه ذا ناحيتين:

الناحية الأولى: وهي بيان الهدف الذي دفعه للخروج.

الناحية الثانية: وهي الرد على من افترى عليه عندما اتهموه بأنه يطلب الزعامة.

لقد أطلق الإمام(ع) كلمته المشهورة التي بين من خلالها هدفه من الثورة حيث قال”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص)”

وقد دل الشطر الأول من كلامه على الناحية الثانية، وهي رد التهم التي وجّهت إليه، ودلّ الشطر الثاني على الهدف الأساسي من خروجه للمواجهة، وهو طلب الإصلاح.

وقد كانت هذه الكلمات هي الرد المناسب على كل ضال ومضل، وقد كان(ع) مدركاً لما سوف يقال فيه، فأراد أن يختصر المسافات ويوفر علينا مشقات الإثبات فوضع هذه القاعدة لنضعها نصب أعين الظالمين والمستفسرين عن الحق، ولا يوجد أوضح من هذا الدليل الصادر من صاحب الثورة.

وإننا مهما اجتهدنا في البيان فلن يكون كلامناً حاسماً ككلام صاحب العلاقة.

 

كيف استطاع الحسين أن يصلح عن طريق الحرب

 

قد نطرح على أنفسنا سؤالاً حول مفهوم الإصلاح في الإسلام وكيفية السبل التي يجب اتباعها من أجل تحقيق هذا الغرض قبل أن يطرحه علينا الغير من باب الإستنكار والإستنقاص في آن واحد، فإن أكثر التساؤلات التي تصدر عنهم مشحونة بأنواع من الإحتقار وهم أولى بذلك من غيرهم.

والسؤال هو: إذا كان الحاكم الظالم قد بدّل أحكام الله، كيف أمكن للقتال أن يصحح تلك الأحكام بعد فسادها، خصوصاً وأن المصلح قد قُتل في أرض الطف؟

وهذا من جملة الأسئلة المطروحة حول الثورة الكربلائية.

وقبل بيان الجواب عليه تجدر الإشارة إلى كون أصحاب هذا التساؤل ممن جهلوا الأحداث والتاريخ لأنهم لو كانوا محيطين علماً بجزء من سيرة سيد الشهداء لأدركوا الجواب واستغنوا عن طرح السؤال.

وعلى كل حال، ومهما تكن خلفية هذا السؤال وجب علينا البيان لنلقي الحجة عليهم في هذا الشأن فنقول:

لقد عمل الإمام الحسين(ع) سنوات طويلة قبل اللجوء إلى المنطق العسكري على بيان الحق ووضع الأصابع على النقاط المحرّفة كي يتنبه الناس لها حتى لا يقعوا في المخالفة.

لقد طال ما حذرهم من ممارسات يزيد وتعرضه لأحكام الدين وفساده وإفساده كيلا يحمل الناس كلامه على وجه الجد، ولكن الناس واجهوا تلك الممارسات بالتهاون كعادتهم ملقين المسؤولية على الغير مع أن الجميع مسؤولون عن هذا الوضع الذي يمس جوهر الإسلام.

لقد كان المنطق العسكري هو الخيار الأخير أمام الحسين(ع) حيث فشلت محاولات الإصلاح السلمية بسبب انجراف الناس خلف التيارات اليزيدية.

لقد زرع الإمام الحسين في نفوسهم فكرة أن يزيد بن معاوية يعمل على تحريف الشريعة ولكنهم لم يأخذا كلامه بعين الإعتبار ولم يعطوا له أدنى أهمية لظنهم بأن الحسين هو الذي يشوه بسمعة يزيد من أجل استرجاع الخلافة وهم يعلمون بأن الحسين أجل من أن يستعمل تلك الطرق الوضيعة في استرداد الحق، فلم يلتفتوا إلى حقيقة الأمر إلا بعد استشهاد الإمام(ع) حيث أدركوا بأنه(ع) لو كان طالباً للزعامة لما قدم روحه في سبيل الإفصاح عن تلك الحقيقة التي طالما حاول كشفها للناس عن طريق الوعظ والحكمة.

 

ما هو الدور الحقيقي للحرب في عملية الإصلاح

 

لقد كانت الحرب عبارة عن دعم لكلامه(ع) حيث كان الكلام لوحده قاصراً عن إثبات الحق.

فمن خلال خوض المعركة العسكرية واستشهاد الإمام(ع) رجع الناس إلى معنى كلامه فبحثوا عن الحقيقة فوجدوا بأن الحسين كان على حق من تلك التحذيرات التي لم يعبؤوا بها في حياته، فراحوا يبحثون عن مواضع التحريف ويصححوا ما فسد من أمور الدين بإيعاز من الدماء الزكية التي قُدمت في سبيل الإصلاح.

فالحرب لوحدها لا تكفي للإصلاح، ولكنه(ع) قبل الحرب قد أشار بإصبعه إلى موارد الخلل، ثم ثار في وجه المفسدين ليرشد الناس إلى تلك الموارد حتى يعملوا على تصحيحها بالطرق المناسبة.

وهناك أكثر من عامل نشأ من خلال الحرب كان له أثر في عملية الإصلاح، كعامل الشفقة مثلاً لأن كثيراً من الناس وقفوا في وجه يزيد بداعي الإشفاق نتيجة ما حدث للحسين وأهل بيته وأصحابه في كربلاء.

 

أدع إلى سبيل ربك بالحكمة

 

إن عملية الدعوة إلى الحق لا تنحصر في نوع واحد من أنواع الدعوة، فقد كان لكل مجموعة من الناس طريقة خاصة في عملية الإقناع.

منهم من كان يتأثر بالموعظة فيتبع الحق من خلال هذه الطريقة السلمية.

ومنهم من كان معانداً لا تؤثر فيه الموعظة الحسنة، فيتبع الرسول أو المبلغ معهم طريقة أخرى تكون أكثر تأثيراً عليهم.

تلك الطريقة يحددها المسؤول عن مهمة التبليغ والدعوة، فهو الذي يقرر الوسيلة التي يجب اتباعها في إقناعهم.

وقد تكمن الحكمة في استعمال المنطق العسكري في بعض الحالات كما كان يصنع رسول الله محمد(ص) مع الكفار والمشركين، وإلا إذا كانت الدعوة محصورة بالموعظة الحسنة فلماذا خاض النبي(ص) معارك كبرى وغزوات عديدة وقطع الطريق أمام قوافلهم؟

إن الذي دفع بالنبي إلى استعمال منطق العنف مع الكفار هو نفسه السبب الذي دفع بالإمام الحسين(ع) إلى استعمال منطق السلاح مع الجيش اليزيدي لأنه درس الوضع من جميع نواحيه فوصل إلى هذه النتيجة الحكيمة والمرضية.

وبالطبع هي لا ترضي أهل الضلال وإنما ترضي الأحرار الذين يرفضون الظلم بجميع أشكاله.

وإذا نظرنا في تواريخ الأنبياء عليهم السلام وجدنا فيه أنواعاً كثيرة من أنواع الدعوة حيث استعمل كل نبي منهم الأسلوب الذي يراه مناسباً للإقناع، وقد يئس بعض الأنبياء من عناد أقوامهم فدعوا عليهم بالهلاك كما فعل نبي الله نوح(ع) الذي دعا ربه قائلاً: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً:

والسبب في ذلك هو أن نوحاً أدرك حقيقة الموقف وأن بقاء هؤلاء على قيد الحياة سوف يشكّل عائقاً في طريق الرسالات السماوية فدعا عليهم فأهلكهم الله عز وجل.

وكذلك عندما أيقن الإمام الحسين(ع) بأن الدواء الفعّال لأمراض المسلمين الموهومين هو الخيار العسكري فاتخذ هذا القرار وكان قراراً حكيماً لأنه غيّر المعادلات كلها وقلب به السحر على الساحر.

 

الدين أمانة في أعناق الجميع

 

لقد أودع الله نفوسنا أمانة عظيمة وأمرنا بالحفاظ عليها بكل وسيلة ممكنة، تلك الأمانة أغلى من أرواحنا لأنها سبب وجودنا ومصدر كل نعمة فينا فهي النعمة الكبرى التي سوف يسألنا الله عنها قبل أي شيء آخر وهي الدين.

فيجب على مسلم في هذا الوجود أن يحفظ الإسلام من كل خطر وضرر لأنه الصلة القوية بيننا وبين الله سبحانه وتعالى.

وقد حافظ الإمام الحسين(ع) على تلك الأمانة الثقيلة التي لا يجوز لأي مسلم أن يفرط بأثر واحد من آثارها.

لقد فهم الحسين دين الله أكثر من غيره، ولأجل ذلك تميزت تضحياته في سبيله.

وما قام به الإمام الحسين تجاه تلك الأمانة كان من الواجب على كل المسلمين أن يفعلوا مثله، لا أن يكونوا يداً على الإسلام كما كان حال الأمة في ذلك العهد.

فلو كان رسول الله(ص) موجوداً في زمن الحسين لقام بنفس الدور الذي لعبه الحسين(ع)، وما قام به هذا الإمام المعظم كان من واجب الأمة أن تنهض به لأنه من أجلها.

الهدف الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

لم يكن هذا الهدف بأقل شأناً من سابقه، فهو من الواجبات التي فرضها الله عز وجل على عباده، وذلك لتوقف كثير من مصالح الأمة عليه.

والثورة الكربلائية أبرز عنوان من عناوين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن المصلحة من هذا الواجب قد تحققت مئة بالمئة من خلالها.

وقد ترجم الإمام الحسين(ع) بثورته أرقى مراتب الأمر بالمعروف، وهو الأمر عن طريق اليد والفعل.

ويشتمل هذا الواجب على معانٍ سامية تنبئ عن مدى الغيرة في قلب المؤمن على هذا الدين، كما وتنبئ عن حرصه عليه، لأن كثيراً من مفاهيم الدين ومبادئه وأركانه يتوقف استمرارها على مسألة الأمر والنهي.

وقد نجد كثيراً من المسلمين يتهاونون بهذا الواجب لظنهم بأن الإنسان حر في تصرفاته فلا داعي من ردعه عن المنكر لأنه مخير في هذه الحياة، وهذا مفهوم خاطئ قد زرعه بعض الجهلة في نفوس الناس، فلو كان مفهوم المر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يتوهمون لما كان هناك من داعٍ للأنبياء من التبليغ والدعوة وتوجيه الناس إلى الصلاح.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن

 

قبل أن نذكر جملة من الآيات الحاكية عن هذا الواجب الكبير نلفت النظر إلى كون القرآن المجيد بحد ذاته ورد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الأوامر والنواهي والتوجيهات والنصائح والإرشادات وبيان الخير والشر وطرقهما، كل ذلك ورد من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا أمكن القول بأنه كتاب نزل في الدرجة الولى لهذه الغاية.

وعلى كل من التزم نهج القرآن أن يطبق مضامينه بحذافيرها، فإذا أهمل المسلم هذا الواجب فقد أهمل القرآن الكريم الذي كان بحد ذاته كتاباً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغم ذلك فقد صرح القرآن بوجوب هذا العمل العبادي ذا الأثر الكبير في حياة الإنسان المسلم.

ففي سورة آل عمران قال تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) 104

وقال تعالى(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران 110

وقال تعالى(يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات) آل عمران 114

ونلاحظ من خلال تكرار الدعوة إلى الأمر بالمعروف أنه من الواجبات الكبرى التي يجب تقديمها على كثير من الأمور.

إن الأمر بالمعروف ينبئ عن مدى حب الإنسان لربه وإخلاصه له وتأذيه من مبادرة الناس له بالمعصية، وهذا ما يدفعهم نحو التزام هذا الواجب.

والتكرار في القرآن الكريم يوحي بالتأكيد على الأمر الكرر ذكره.

وعلى أهل الإيمان والقرآن أن يلتزموا هذا الواجب لينشروا المعروف بين الناس ويقضوا على جذور المنكر.

وقد سجّل الإمام الحسين(ع) شهادة كبرى حول هذا الواجب عند وداعه لقبر جده(ص) حيث قال:اللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر: وقد ترجم هذا الحب عملياً عندما واجه المنكر وأهله بالجسد والولد، وضحى بروحه من أجل المعروف وقلع المنكر.

وهذا الأمر قد أضفى على الثورة الحسينية لوناً قرآنياً جعلها ثورة القرآن الكبرى لأنها حفظت القرآن لفظاً ومعنى.

وما بقاء الإسلام سوى أثر من آثار الأمر بالمعروف ونتاجاً من نتائجه الكبرى التي تعود منفعتها على الفرد والأمة في آن واحد.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السنّة المطهّرة

 

لقد كان شأن السنّة الشريفة تجاه هذا الواجب العظيم شأن القرآن فيه لأنها تمثل معنى القرآن الكريم، فهي عبارة عن معاني القرآن وأبعاده.

وقد ركّز النبي(ص) والأئمة المعصومون(ع) على هذا الواجب، ودعوا المسلمين إلى تطبيقه بجميع مراتبه ومعانيه.

ونذكر هنا نموذجاً واحداً من نماذج السنة الشريفة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حديث لرسول الله(ص) ورد لبيان وجوبه ومراتبه حيث قال(ص)”من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه”

لقد ذكر النبي(ص) ثلاث مراتب لهذا الواجب:

الأول: تغيير المنكر باليد، فإذا رأيت أحداً يرتكب معصية وجب عليك أن تمنعه بيدك، فإن كان يريد ظلم شخص مثلاً وجب عليك أن تمسك يده وتمنعه من ذلك.

الثاني: التغيير بالكلمة، وهو أهون من الأول، فمن واجبك كلإنسان مسلم أن تبين للناس قبح المنكر وتنهاهم عنه.

الثالث: التغيير بالقلب، وهو يعني عدم الرضا بالمنكر في حالة عجزك عن التغيير باليد واللسان.

وقد استعمل الإمام الحسين (ع) النوعين الكبيرين حيث أمر بالمعروف ونهي عن المنكر باللسان واليد، وهذا من أوضح البديهيات في سيرة الثورة الحسينية.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي

 

تتكون الشريعة الإسلامية من مجموعة معتقدات وأفعال وأقوال وتروك تمثل بمجموعها الدين الحنيف لأن الإسلام قائم عليها بما هي مجموعة.

فمن أراد أن يكون مسلماً عند الله تعالى وجب عليه الإمتثال لجميع الأوامر والنواهي بعد الإعتقاد بمعتقدات الدين.

فمن التزم ببعضها وأهمل البعض الآخر لم يكن مؤمناً حقيقياً في الموازين الإلهية.

لقد أنكر الله عز وجل أفعال الأقوام السابقين الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر واعتبرهم كفاراً لأن الإيمان لا يتحقق إلا بالإعتقاد والإلتزام التامين.

ولا يكون المسلم مطيعاً إلا إذا أطاع الله في كل شيء، فإذا صلى ولم يصم أو صام ولم يصل، أو أتى بهما ولم يحج مع استطاعته لم يكن ملتزماً بأحكام ربه.

وهذا النقص الذي أحدثه بإهماله لواجب أو أكثر قد أحدث فجوة كبيرة في استقامته لا يؤمن معها من الإنحراف لأن الذي يترك واحداً قابل لأن يترك الجميع، وقد يكون حكم ترك الواحد عند الله من دون عذر شرعي حكم ترك الجميع، فلا تنفع الصلاة صاحبها إلا إذا توجها بباقي الواجبات.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب مفروض من قبل الله تعالى كما فرض الصلاة والصوم والحج وغيرها من الواجبات.

وعلى كل مسلم أن يلتزم بهذا الواجب الذي هو السبب الأكبر في بقاء باقي العبادات لأنه يشكل الحصن المنيع لها.

وقد كان الأمر بالمعروف في زمن الحسين(ع) واجباً على الجميع لأن أحكام الله لا تتغير ولا تتبدل فإن الحلال حلال إلى يوم القيامة والحرام حرام إلى يوم القيامة.

وبناءاً على ذلك يمكن لنا أن نقول بأن كل الذين سمعوا نداء الإمام الحسين في ذلك الوقت ولم يلبوا نداءه فقد وقعوا في المعصية لأنهم لم يقوموا بالواجب المفروض عليهم.

ولم يقف الحد في تخلفهم على مسألة واجب قد أهمله الإنسان ثم استغفر ربه، وإنما كان لتخلفهم أثر فظيع، وهو قتل الإمام الحسين وأولاده وأصحابه.

فلم يقف الأمر عند حدود المخالفة وإنما ترقى إلى مستوى المشاركة في تلك الجريمة البشعة التي ارتكبت في حق الحسين كممثل للإسلام.

إن كثيراً من المسلمين يعتقدون بأن الأمر بالمعروف وظيفة رجل الدين فقط، وهذا وهم، لأن الواقع هو أن الأمر بالمعروف واجب كل مسلم ومسلمة في هذا الوجود، ولكن كل بحسب ظروفه.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الأنبياء

 

لقد أشار القرآن الكريم إلى الوظيفة الأساسية التي كلّف الله بها أنبياءه والتي كانت من أهم الوظائف وأصعبها لتميزها عن كثير من الواجبات الشرعية الأخرى.

إن كثيراً من الواجبات تتحقق بينك وبين ربك كالصلاة والصوم، وتقوم بها وأنت بمأمن وراحة.

أما الأمر بالمعروف فإنه الواجب الذي تباشر به عناد المعاندين وكفر الكافرين وظلم الظالمين وأذى العاصين لأنك إذا أمرت بذلك فسوف تصبح معرضاً لهم حيث سيجعلون منك أداة للتنفيس عن أحقادهم وأمراضهم العقلية والعقائدية.

ولو ألقينا نظرة إلى العمل الذي قام به الأنبياء لوجدناه عين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لم يسكت نبي من أنبياء الله يوماً، ولم يهمل المعروف والأمر به مهما اشتد الخطر عليه، كانوا يأمرون بالمعروف عن طريق القول والموعظة والدليل، وعندما يزداد عناد القوم كانوا(ع) يستعملون اليد للنهي عن المنكر كما صنع خليل الله إبراهيم(ع) عندما دخل معبد الوثنيين وأخذ يضرب أصنامهم حتى جعلها جذاذاً وأحجاراً متناثرة.

وكذلك عندما وقف موسى(ع) في وجه فرعون وتحداه وأخرج معه بني إسرائيل.

وكذلك آلاف الأنبياء الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بكل الوسائل الممكنة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى وظائف رسول الله محمد(ص) وذكر منها الأمر بالمعروف حيث يقول(الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)

وقد قدّم سبحانه ذكر هذه الوظيفة لأنها الأهم في حياة الأنبياء ووظائفهم.

 

حقيقة التهلكة

 

لقد نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن إلقاء أنفسنا في التهلكة، ولكن السؤال هنا:ما هي حدود التهلكة؟

لقد استغل بعض الناس هذا النهي الإلهي في توجيه الإتهام للإمام الحسين(ع) حيث اعتبروه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة عندما عرّض نفسه للخطر اليزيدي.

هؤلاء لم يطرحوا هذه الفكرة من باب الحزن والشفقة، وإنما من باب جعل الإمام الحسين(ع) مذنباً لأنهم فهموا التهلكة خطئاً فلم يميزوا بينها وبين الجهاد الذي فرضه الله تعالى.

فلو كان مفهوم التهلكة في نظرهم هو تعريض النفس للخطر مطلقاً لكانت أكثر ممارساتهم في هذه الحياة تهلكة.

فلو كان الأمر كذلك لكان ركوبهم في السيارة أو الطائرة تهلكة وذلك لاحتمال وقوع حادث فيهما.

إنه منطق بعيد عن الواقع والصواب، لأنه يلزم منه الذل والهوان والرضا بالظلم والجور والوثنية.

ونحن لا نريد أن نثبت كون فعل الحسين بعيداً عن مفهوم التهلكة لأن الكل يعرفون بأن ما قام به إنما هو الجهاد المفروض من قبل الله سبحانه وتعالى، ولكننا نريد أن نبين بعض أفعال الأنبياء(ع) لنظهر من خلال ذلك أن ما قام به الحسين هو نفس ما قام به الأنبياء في بعض الموارد.

ونحن بدورنا الآن نسأل..هل كان دخول إبراهيم الخليل إلى معبد الوثنيين وإلى قصر النمرود تهلكة؟ أم أنه كان صلب الوظيفة المكلّف بها؟

هل كانت المواجهة بين موسى والسحرة تهلكة أم كانت الواجب الذي يلزم القيام به؟

هل كان تحقير الأوثان من قبل رسول الله(ص) وتسفيه الأحلام وإنكار ربوبية الأصنام تهلكة أم أن الله تعالى هو الذي امره بذلك؟

إن الذين يتبنون مبدأ التهلكة من هذا المنظار الخسيس هم الجبناء الذين اختاروا من العبادات أسهلها وأقلها خطراً، وهم الذين جلسوا في بيوتهم ورضوا بممارسات الظالم.

وهم الذين آثروا العيش تحت رحمة الظالمين على الجهاد الذي هو باب السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

ولو أردنا أن نجري مقارنة بين جلوسهم في بيوتهم وخروج الإمام الحسين(ع) إلى القتال لتبين لنا بشكل واضح أن جلوسهم داخل بيوتهم كان هو التهلكة بأم عينها، ولو دققنا قليلاً في معنى هذه التهلكة لوجدنا أنهم جلبوا الهلاك الروحي والنفسي من خلال سكوتهم مما جرّأ الحاكم عليهم ففعل بهم ما يحلو له.

 

الهدف الثالث: الكشف عن هوية الحاكم الجائر

لقد كان يزيد بن معاوية ضالاً ومضلاً وقد ورث المكر والخداع عن أسلافه فأوهم البسطاء من المسلمين بأنه الخليفة المنصوب حقاً، وأنه هو الإمام الذي تجب طاعته.

وبعد أن سيطر على أوهام الناس راح يتدخل في الشؤون الإسلامية العقائدية منها والعبادية فأحل من الأفعال ما يحلو له وحرّم من الأمور ما لا نفع له فيه فجيّر كل المفاهيم الإسلامية إلى مصالحه الخاصة فراح يرتكب الظلم والجور والعصيان باسم هذا الدين الحنيف والبريء من ممارساته الشنيعة.

لقد أخذ الناس ينظرون إلى الإسلام من خلال هذا الرجل الفاسد الذي لا يمثل سوى نفسه الأمارة بالسوء والخاضعة لوساوس الشيطان الرجيم، فلعب في النظام الإسلامي وخربه وحرّفه وأحدث فيه من الخلل ما يصعب إصلاحه لأن خطته العدائية للإسلام وأهله كانت محكة ومدروسة من قبله هو ومن يعاونه من الأشرار الذين قامت معيشتهم على نفس الأركان التي قامت عليها معيشة يزيد.

ما هو السبيل للخلاص؟ وما هي الطريقة الفعالة للقضاء على الجور؟ ومن هو الحكيم الذي يستطيع أن يكشف جور الحاكم؟ ومن هو صاحب الجرأة والإرادة الذي يستطيع أن يقف في وجه هذا التيار الجارف؟

إنه بن بنت رسول الله الحسين بن علي(ع) فهو الأمل للأمة بإنقاذها من جور السلاطين وحفظ الدين من الشوائب التي أدخلوها فيه.

وما هي الطريقة لذلك؟ إنها الثورة، ولأجل ذلك ثار الحسين ضد يزيد وأعوانه واستطاع أن يحقق من خلالها هذا الهدف الراقي الذي عاد بالمنفعة على الأمة بأكملها في الماضي والحاضر، والذي سوف يبقى نفعه مستمراً إلى يوم القيامة.

لقد استطاع الإمام الحسين(ع) أن يكشف نوايا يزيد تجاه الدين والأمة، وذلك من خلال الجرائم البشعة التي ارتكبها في حق الإسلام وكان من أبرزها تلك الجريمة في كربلاء والتي أحدثت صحوة في قلوب الجميع وكانت مفتاح السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

 

الهدف الرابع: زرع الجرأة في نفوس المسلمين

لم يكن أحد من رؤساء القبائل والعشائر وأصحاب النفوذ ورؤوس الأموال يفكر في مواجهة الوضع الحرج الذي كانت تشهده الأمة الإسلامية في عهد يزيد بن معاوية.

لقد كان الخوف مسيطراً عليهم، وحب الدنيا معشعش في قلوبهم، فلم يكن أحدهم يفكر بالبذل في سبيل الأمة وإن كان البذل قليلاً لأنهم كان يخافون سوء العاقبة من قبل يزيد وأعوانه.

لم يكن للجرأة مكان في قلوبهم رغم اشتهار العرب بالشهامة وحب النضال، ولكنهم في تلك الظروف أمات الخوف مشاعرهم واستفحل الشيطان في إغوائهم لأنهم ابتعدوا عن الدين واتبعوا الضالين المضلين بهدف الحفاظ على حياتهم، مع أن هذا الإتباع كان الموت بعينه حيث أمات فيهم النفوس الأبية وحطّم مشاعرهم الإنسانية، وسلب منهم العادات الكريمة التي ورثوها عن الأجداد.

لقد كانوا بحاجة إلى رجل صاحب قلب شجاع يزرع فيهم الجرأة من جديد ويشجعهم على مواجهة الحكام الفاسدين، وهذا ما حدث بالفعل حيث تحلى المسلمون عقب استشهاد الإمام الحسين(ع) بالجرأة فوقفوا في وجه يزيد وابن زياد وحاربوهما بكل جرأة وبسالة.

وقد كان هذا من الأهداف المهمة التي كان الناس بأمس الحاجة إليها في ذلك الزمان على وجه الخصوص، ولم تزل الحاجة إليه قائمة حتى يومنا هذا، وذلك بفضل الثورة الحسينية العظيمة.

 

الهدف الخامس: ضرورة العمل الكاشف عن الإيمان

لا يكتمل الإيمان إلا بالتطبيق العملي له، فإذا ادعى الرجل بأنه مؤمن ولم يلتزم بما يفرضه عليه إيمانه فلا يكون إنساناً مؤمناً، وإنما صاحب ادعاء فارغ.

وقد أمرنا الله عز وجل مراراً بالعمل الصالح الذي ينبئ عن الإيمان الصحيح حيث يقول(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)

وقد حرك الإمام الحسين بثورته جميع المسلمين إلى الإلتزام بالعمل الذي به يحفظ الدين حيث كان أكثر المسلمين بعيدين كل البعد عن المنطق العملي تجاه الإيمان فاكتفوا ببعض الأعمال التي لا تقبل إلا بباقي الواجبات الكبرى.

إن الإيمان المجرد عن العمل لا يخيف أهل الضلال لأن الذي يرعبهم هو الترجمة العملية، وهم يعرفون أثر تلك الترجمة حيث بها تهتز عروشهم وتتزلزل أركانهم.

أنظروا إلى الإمام الحسين(ع) كيف زعزع كيان الظالمين من خلال الإلتزام بالعمل الذي فرضه الله تعالى على كل مسلم في هذا الوجود.

وقد أرشدهم بثورته إلى كون الإيمان في كثير من الموارد يستلزم منا العمل الجدي.

 

الهدف السادس: الكشف عن عظمة الإسلام من خلال حجم التضحية في سبيله.

لقد لفت الإمام الحسين(ع) أنظار العالم إلى عظمة هذا الدين الحنيف من خلال حجم التضحية التي قدمها في سبيله ليقول للجميع: إن هذا الدين هو أغلى أمر في هذا الوجود، فهو أغلى من المال والولد والنفس وجميع زخارف الحياة.

ولو لم يكن الدين كذلك لما قدّم روحه وأرواح أولاده وأخوته وأصحابه في سبيل المحافظة عليه.

ولم يكن الأمر مجرد بيان عظمته، وإنما كان ذلك متضمناً لدعوة كبرى، وهي الحث على التضحية في سبيله مهما كانت كبيرة لأن الدين أكبر منها بمراتب.

 

الهدف السابع: تأسيس مدرسة للأجيال.

ولا يشك عاقل بوجود مثل هذا الهدف ضمن أهداف الثورة الحسينية التي كانت بالدرجة الأولى مدرسة عظيمة لكل زمن وجيل، وقد تخرج من تلك المدرسة ملايين الملايين من المؤمنين الأبطال عبر القرون الماضية.

لقد كانت مدرسة للحياة، أي أنها وضعت أسس الحياة العزيزة والعيش الكريم، كما كانت مدرسة تعلم الناس أساليب النجاة في يوم الحساب، فهي مدرسة للدنيا والآخرة في آن واحد، وما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا.

 

الهدف الثامن: إحداث صحوة إجتماعية.

وقد حققت الثورة هذا الهدف لأنها كانت أكبر عامل من عوامل الصحوة، صحوة العقل والنفس والروح والضمير.

 

أهداف يزيد بن معاوية من معركة كربلاء

 

كما كان لطرف الحق في تلك المعركة أهداف سامية فكذلك كان لطرف الباطل أهداف في مقابلها.

وكما عجزنا عن حصر أهداف الإمام(ع) فكذلك وقعنا في العجز حول حصر أهداف يزيد لأنه مما لا شك فيه هو أن÷ أخفى بعض الأهداف التي من شأنها أن تؤلب الوضع العام عليه، ولكننا نذكر أهم تلك الأهداف لندرك حجم البغاء الذي كان يتعامل به مع أفراد رعيته.

الهدف الأول: التشفي والإنتقام.

لقد ظهر هذا الهدف جلياً أثناء المعركة وبعدها، ففي المعركة ظهر على ألسنة أعوان يزيد، وبعدها ظهر عند وصول ركب السبايا إلى قصره.

ففي أثناء المعركة صاح كثير من أفراد جيش يزيد:إنما نقتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين.

وفي القصر الملعون أصحابه قال يزيد عند وصول السبايا: لقد قضيت من النبي ديوني:

وقد حاول بعض الناس أن يحصر أهداف يزيد في هذا الأمر، ولكننا إذا دققنا قليلاً نجد بأن هذا الأمر مجرد تمويه للأهداف الأخرى من وراء ارتكاب تلك الجريمة.

ومن شيم يزيد وأخلاقه أن ينتقم من أهل الحق بسبب أو بغير سبب لأنه سفاح وسفاك للماء البريئة.

الهدف الثاني:السيطرة على الوضع.

لقد رأى يزيد بأن الإمام الحسين يشكل خطراً كبيراً على حكومته الظالمة لأنه البقية لرسول الله الذي يذكر المسلمين بأصالتهم.

فلم يقبل بأن يكون في الوجود زعيم إسلامي يمتلك قلوب الناس ويسيطر على نفوسهم ويحركهم نحو الخير بجميع أشكاله، فرأى يزيد بأن الطريقة الوحيدة للسيطرة على الوضع هو قتل الإمام الحسين الذي ظن يزيد بأن قتله سوف ينهي المشكلة، مع أن قتله للحسين كان بداية المشكلة التي انتهت بهزيمته وقتله شر قتلة.

الهدف الثالث:زرع الخوف في نفوس الأحرار.

أراد يزيد أن يلقن الجميع درساً من خلال قتل القائد العظيم فقتله ليزرع الخوف في نفوس الجميع فلا يفكر أحدهم بعد ذلك بالمواجهة لأن الثمن سوف يكون غالياً.

فأراد يزيد كيداً فجعله الله من الخاسرين ولم يحقق له تلك الأمنية، لأنه بدل أن يزرع الخوف في الناس بتلك الجريمة إنعكست المعادلات وزرع في نفوسهم جرأة كانت السبب في قتله.

وقد كان يهدف إلى أمور كثيرة فدفن الله ذكره وأهدافه حيث دُفنت في مزبلة التاريخ.

أما الإمام الحسين(ع) فقد أحيا الله ذكره ونهجه وأنار به الوجود والتاريخ وجعله رمزاً للتضحية ومثلاً أعلى للوفاء.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى