الفكر الكربلائي

الفِكْرِ الكَرْبَلائِي

لِمَاذَا خَرَجَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) مِنَ المَدِيْنَة؟

 

لِمَاذَا خَرَجَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) مِنَ المَدِيْنَة؟

 

بعض الناس يطرحون الأسئلة بهدف المعرفة وحلّ الألغاز ليصلوا إلى الحقيقة ويتمسكوا بها، وبعضهم يطرحها بهدف التشكيك وزرع الفتن واختلاق الخلافات بين الأطراف.

ومهما يكن الغرض من طرحها فإنه يجب علينا كمؤمنين بالإمام الحسين ونهجه العظيم أن نجيب عليها وذلك من باب إسقاط الواجب وبيان ما اختُلف فيه.

وبين يدي هذا البحث يوجد سؤال كانت الإجابة عليه متوقفة على معرفة كل ما حدث للنبي وآله(ص) ودراسة الأوضاع الإنسانية والظروف السياسية والأمنية التي وصلت إليها الأمة بسبب الحكم الأموي الغاشم، ولكننا لن نوسع رقعة البحث ليكون الجواب مقتضباً غير مخلٍّ بالحقيقة.

إن الإمام الحسين(ع) إنسان معصوم ومسؤول وحكيم في جميع تحركاته، فهو يعي تماماً كل ما يقول أو يفعل لأنه ينظر بعين الإسلام ويتكلم باسمه ويتحرك بقوة الإلهام الخاصة بالمعصومين(ع)، فعندما نظر الإمام الحسين(ع) إلى ما يجري على الساحة الإسلامية وخصوصاً في المدينة المنورة التي أحكم فيها يزيد سيطرته ووسّع فيها رقعة نفوذه، ولا شك بأنه(ع) حاول أن يصلح أمور المسلمين بشتى الطرق والوسائل المتاحة له غير أنه كان يواجَه ويجابَه من طرف يزيد وأعوانه الذين فرضوا على الإمام ما يشبه الإقامة الجبرية فراقبوا كل تحركاته ورصدوا جميع أحواله وضيقوا الخناق عليه حتى يستسلم للواقع ويعلن البيعة للحاكم الجائر لتكون تلك البيعة أكبر عامل على تثبيت الحكم الأموي وتشريعه، فقبل البيعة كانت الفوضى عارمة والأزمات الإنسانية والأخلاقية والدينية وربما الإقتصادية شديدة وضيقة، فلو بايع الإمام الحسين يزيداً لزادت نسبة الظلم عند يزيد وقتل بدل الواحد عشرة وظلم بدل المرة مرات.

ولا شك بأن إمامنا أبا عبد الله(ع) كان يدرك خطورة الموقف ودقة الأزمة الحرجة التي كانت تمر بها الأمة بسبب تلك السياسات الظالمة التي تعاقب عليها الأمويون وتكالب عليها أذنابهم وصياصيهم ومن تزلّف إليهم طمعاً بما عندهم، وليس عندهم سوى الشر بجميع ألوانه وأشكاله.

والإمام(ع) كان يريد القيام بالواجب، ولكنه بسبب التضييق المفروض عليها شُلَّت حركته ومُنع من ممارسة دوره كإمام معصوم فضلاً عن كونه الخليفة الشرعي لأن هم يزيد الأكبر كان انتزاع تلك الصورة من عقول الناس ليصرف معنى الخلافة الحقيقية إليه بل ليوهم الناس بأنه الخليفة المنصوب على الحق.

ولم يكن أمام الحسين(ع) سوى السير على خطى جده الأعظم محمد(ص) الذي اختار الله له باب الهجرة ليتحرك بحرية ويمارس مسؤولياته ومهامه دون تضييق من أحد.

فعندما ضُيّق على الرسول(ص) في مكة خرج منها إلى المدينة، وكذا عندما ضُيّق على الحسين في المدينة خرج منها إلى مكة وكان ذلك أفضل قرار يتخذه هذا الإمام العظيم لصالح الإسلام والمسلمين.

ولكي نعرف السبب الذي دفع بالإمام(ع) إلى مغادرة المدينة لزمنا تسليط الضوء على مجموعة من الأسباب يُحتمل أن تُكوِّن بمجموعها الجواب المطلوب.

النقطة الأولى: وهي أن المدينة المنورة لم تكن الساحة المناسبة للقيام بأي تحرك عسكري أو شبه عسكري، وذلك بسبب الطوق الأمني الواسع المضروب عليها من قبل شرطة يزيد الذين جعلوا المدينة في عصرهم كمدينة الشام التي كانت مقر الخليفة الجائر الذي هتك الحرمات وارتكب الجرائم الكبرى والمجازر البشعة في حق المسلمين باسم الدين الذي ينتمون إليه.

فأثر التحرك العسكري في المدينة آنذاك كان مشابهاً لأثره في الشام فمن استطاع أن يقوم بعمل عسكري ناجح في الشام فسوف يستطيع ذلك في المدينة، تلك هي المعادلة التي كانت تفرض نفسها في تلك المرحلة.

ومهما كانت الخطة محكمة ومدروسة وسرية للغاية فمع وجود الطوق الأمني اليزيدي هناك سوف تفشل كل الخطط، وهذا ما دفع بالحسين(ع) صاحب الطموح الكبير بالخروج منها إلى مكان يهيئ فيه الأرضية المناسبة للتحرك العسكري، وهذا ما جعل الخروج من المدينة هو الخيار الوحيد له كما انحصر هذا الخيار في رسول الله محمد(ص) عندما انسدت جميع الأبواب في وجهه عند أهل مكة.

النقطة الثانية: وهي أن الخطر كان محدقاً بالإمام وأتباعه من بني هاشم وغيرهم، فأي تصرف غير مدروس في تلك المرحلة كان سوف يجر الويلات والمجازر على الحسينيين بل على الدين الإسلامي الذي كان مهدداً بالإنقراض في ذلك العهد القاسي والذي تميَّز بحقارة ونذالة حاكمه.

كانت الجواسيس محيطة بكل مَن يُؤمَل منه مناصرة الحسين أو الدفاع عنه حتى بكلمة أو إشارة، وهذا ما ألقى الرعب في قلوب مجموعة كبيرة من الموالين، وبناءاً على ما تضمنته هذه النقطة يكون قرار الإمام(ع) بمغادرة المدينة قد حجب دماء الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بالله ورسوله وأطاعوا الرسول في أهل بيته.

وبغض النظر عن أي تكتيك أمني أو عسكري فإن الإمام الحسين(ع) كان غيوراً على محبيه وحريصاً عليهم من أن يمسهم أي سوء لأنه كان يشعر بهم ويتألم لآلامهم، وما أكثر الآلام التي ألمّت بهم بسبب البغض الأعمى الذي أبداه يزيد ومناصروه لمذهب الحق.

فلو لم يكن لدى الإمام(ع) فكرة الثورة لخرج من المدينة أيضاً حفاظاً على حياة الأبرياء، ولكنه بهذا القرار الجريء أصاب عصفورين بحجر واحد.

أولاً: خرج من المدينة ليفجر تلك الثورة التي كانت حلم الأنبياء والصلحاء عبر الزمن.

ثانياً: خرج ليُبعد شبح الخوف عن الأبرياء الذين سكنوا المدينة آنذاك.

النقطة الثالثة: وهي أن المدينة المنورة كانت ساحة مغلقة تماماً لا يخرج منها أي خبر عما يدور فيها من أحداث أمنية وجرائم بشعة في حق المدنيين العزّل، فلقد كان الفلتان فيها هو السائد بها والمسيطر عليها فأي جندي من جنود يزيد كان باستطاعته أن يقتل أي إنسان ويقتحم أي بيت ويعتدي على الأعراض بسنفونية كانت متَّبَعة في ذلك الزمان وهي أن هذا المقتول أو صاحب هذا الدار أو تلك المرأة ذكرت الخليفة بسوء فقاصصناهم.

وكانت الأوامر تصدر من يزيد المقيم في الشام أو من عامله على المدينة المقيم فيها أو من أي مسؤول لا يستغني الخليفة عن جرائمه، والحال تلك تشبه حالة بعض الدول التي ظلمها حكامها فجوّعوا الشعوب وقتلوها واستباحوا أعراضها وسلبوا خيراتها دون أن يحاسبهم أحد.

ومهما حاول الحسين(ع) ومن كان معه في المدينة أن ينقلوا صورة واقعها إلى خارجها لما استطاعوا حيث كان ممنوعاً على غير اليزيديين من التحرك أو الخروج من المدينة كيلا يفضح أمرهم.

ولكي يكشف الإمام(ع) عما يجري في ظل حكم يزيد كان لا بد من اختيار منطقة أخرى يجد فيها الأمن والمنعة له وللمؤمنين.

النقطة الرابعة: وهي عدم توفّر مقدمات الثورة في المدينة وقلة المناصر أو انعدامه بوجه من الوجوه لأن القيام بها يحتاج إلى أرضية ملائمة لأهدافها، وفي ظل الظروف التي كانت محيطة بالمدينة فلن يُكتب النجاح لأي هدف مهما كان كبيراً، وغذا كان الجيش اليزيدي في كربلاء لم يقتل النسوة والأطفال الذين كانوا وسائل إعلامية للحدث الكربلائي فإنه لو قام الحسين بالثورة في المدينة لقتلوا فيها كل طفل وشيخ وامرأة لها صلة نسبية أم سببية أم اعتقادية بنهج أهل البيت، ولذا كان اختيار كربلاء للثورة مدروساً من قبل الإمام(ع) حيث أن الأهداف التي يرسم إلى تحقيقها كان بابها كربلاء، وهذا ما سوف نشير إليه في بحوث لاحقة إن شاء الله تعالى.

النقطة الخامسة: وهي بعيدة كل البُعد عن الظروف الأمنية والخطط العسكرية والأفكار الثورية والقضايا المصيرية، وهي نقطة تعتمد على الإعتقاد والإيمان، ونحن كمؤمنين بالإمام الحسين(ع) وعصمته، وفهمنا لمعنى العصمة نؤمن بأن مسألة الخروج من المدينة والذهاب إلى كربلاء كان الحاكم عليها إرادة الله سبحانه وتعالى، أي أن يد الغيب هي التي امتدت إلى الحسين فجعلته يقوم بالثورة في مكان وزمان معيَّنَيْن.

وإدراك هذه الحقيقة غاية في السهولة فلا تحتاج إلى إمعان نظر طويل وتأمل عميق ودراسة وتحليل بل يمكن إدراك ذلك من خلال كلمات قلائل صدرت من لسان الحسين(ع) قبيل مغادرته المدينة حيث قال لبعض محبيه: شاء الله أن يراني قتيلاً: ونحن ندرك بأن هذه الكلمة حلّت الكثير من الألغاز الغامضة، ولولاها لوقعنا في شباك يصعب الخلاص منها، ولنا وقفة طويلة أيضاً عند معاني هذه الكلمات وأبعادها وأسبابها.

ومن خلال بيان هذه النقاط الخمس على وجه الإختصار اتضح لدينا جزء من السبب الذي دفع بالحسين إلى مغادرة مدينة جده(ص).

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى