
أسباب التهجم على النهج الحسيني
عندما خلق الله البشر رسم لهم طريقين لا ثالث لهما، أحدهما طريق نيّرٌ وهادٍ ينتهي بالسعادة الأبدية، وثانيهما طريق مظلم وَوَعِرٌ وشائكٌ ينتهي بالعذاب الدائم والحسرة القاتلة وبالندم حيث لا ينفع الندم.
فلقد خلق الله النفس البشرية ووضع فيها قوىً عديدة وأنظمة مختلفة وتراكيب متضاربةً فيما بينها، وهداها النجدين، وأمر باتباع الحق، وحذّر من الخوض في الباطل مبيّناً لنا عاقبة كل سلوك من هذين السلوكين، فلم يجبر أحداً على فعل الخير، كمالم يجبره على فعل الشر، وإنما خلق الإنسان في هذه الحياة وخيّره بين الإيمان والكفر، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وقد أشار إلى عاقبة كلٍ من الإيمان والكفر من باب الترغيب بالإيمان والتخويف من الكفر ونتائجه الوخيمة على العامل به فقال في سورة آل عمران(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
فالحق بيّن والباطل بيّن، وقد أكمل الله الدين وأتم النعمة على المسلمين، فلم يعد هناك من عذرٍ يُعتذَر به ولا حجةٍ يُحتج بها، فلا يخلّصك من عذاب ربك سوى الإيمان الصحيح المقرون بالعمل الصالح، تلك هي الطريقة المُثلى للنجاة من النار والفوز بالجنة، فالأمر في يد الإنسان نفسه، فإن شاء جلب لنفسه الرحمة وإن شاء كتب لها العذاب.
وبعد هذه المقدمة نقول لكم: إن هناك أشخاصاً يمتلكون نفسيات قبيحةً وسلوكيات منحطة لا تليق بشأنهم كبشر فضلاً عن عدم لياقتها لهم كمسلمين، وإن هذه الروحية ليست بمنأىً عن أناس يركعون ويسجدون ويحجون بيت الله الحرام ويصومون شهر رمضان.
وهنا نسأل أنفسنا، من الذي وضع العراقيل أمام مسيرة كربلاء؟ ليس الفرس ولا الرومان ولا الأوروبيون ولا الغربيون، إن الذي وضع تلك العراقيل هم أناس يدّعون الإسلام ادعاءاً فارغاً قد اتخذوا من هذا الدين العظيم ستاراً لعيوبهم وغطاءاً لجرائمهم حيث وجدوا في الإسلام ثوباً ساتراً وحصناً منيعاً فتعاملوا معه من منطلق المصلحة الشخصية والمطامع الدنيوية ولم يتعاملوا معه كدين ينتهي بهم إلى السعادة الحقيقية.
لقد شنّ كثير من المسلمين حروباً على ثورة الإمام الحسين أشد من التي شنها يزيد في العاشر من شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة، إن المعركة العسكرية اليزيدية استغرقت ساعات من ذلك اليوم، أما الحروب النفسية والدعايات التشويهية والحملات التشكيكية فإنها بدأت مع بداية المعركة العسكرية ولم تنته حتى هذا الزمان، وستبقى ما دامت تلك الروحيات تحرّك الكثيرين منهم.
ونحن هنا نتساءل.. لماذا تعاملوا مع ثورة كربلاء بهذا الشكل الوحشي الإجرامي الشيطاني؟ وما هي مصلحتهم من جعل الحسين ظالماً ويزيد مظلوماً؟ علماً بأن يزيد الذي كان يدفع لهم المال قد مات؟
الجواب هو الحقد الأعمى الذي سيطر على قلوب الكثيرين مما أعماهم ووضع الغشاوات على بصائرهم، فخُيِّل لهم الحق باطلاً والباطل حقاً والظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً، وما زال بعضهم يتحرك بتلك الروح الشريرة الحاقدة حتى أيامنا الحاضرة، وهنا ندرك حقيقة كبرى حول الضرائب المادية والمعنوية التي سوف يدفعها كل مُوالٍ للنبي وآله ، فعندما كان الأئمة يحذروننا من بعض الأمور، ويطيّبون خواطرنا في بعض المواقف والكلمات، ويبيّنون لنا حجم الثواب الذي سوف نحصل عليه من خلال السير في نهجهم، إنما كان ذلك من أجل المصير الذي سوف نواجهه لمجرد أننا اتبعنا نهجهم الذي هو نهج الإسلام ونهج القرآن، فلقد قالوا لنا في الكثير من المواضع: من أحبنا أهلَ البيت فليستعد للبلاء: والسبب في ذلك أنهم أعرف الناس بحقائق الأمور، فهم يعلمون كيف ينظر إليهم الناس وما سوف يصنعونه بنهجهم والموالين لهم حسداً منهم لمكانتهم عند الله ومكانة الموالين لهم الذين سيجعلهم ربهم في أعلى عليين.
إذن.. هناك هجمات عنيفة ليس على ثورة كربلاء فحسب بل على نهج الإسلام بشكل عام ونهج أهل البيت بشكل خاص.
فعندما صدع رسول الله بالأمر حاملاً تلك المسؤولية مبلغاً رسالة ربه لقي مواجهات عنيفة من كل الناس وخصوصاً من القرشيين الذين اشتعلت في قلوبهم نار الحسد والغضب على الشخص الذي بسببه تزلزلت عروشهم التي كانت قائمة على الظلم والإستعباد والقتل والسرقة والربا، فشنوا عليه حروباً دامية عسكرية ونفسية وتشكيكية ليُبعدوا الناس عن نهجه، وهكذا كانت الحالة عند أمير المؤمنين، وهكذا عند الزهراء، وهكذا عند الحسن(ع).
واجتمعت كل الأحقاد والهجمات في زمن الحسين الذي كان يمثّل الإسلام تمثيلاً رسمياً حقيقياً وكان يمثل جده وأباه وأمه وأخاه في تلك القضية.
وهنا نريد أن نعرف ما هي أسباب تلك الهجمات؟
أولاً: التعتيم الإعلامي، وهذا له حل…
ثانياً: إرضاء الحاكم، وقد مات هذا الحاكم فلماذا بقيت تلك الأحقاد.
ثالثاً: الروح القبلية التي استمرت عليهم.
رابعاً: وجود مصلحتهم في تزوير الحقائق لأن غير أهل البيت نزلوا عند رغبات الناس فأحلوا لهم الحرام.
خامساً: التعصب الأعمى الذي ما زال مستمراً.
الشيخ علي فقيه



