تاريخ أهل البيت

تَاريْخُ أَهْل البَيْت(ع)

سيرة النَبِي الأَعْظَمِ مُحَمَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ(ص)

 

 

النبِي مُحَمدٌ(ص) قَبْلَ الوُجُوْد

 

إنَّ من المعتقدات الثابتة عند المسلمين أنّ النبي(ص) وآله الأطهار(ع) قد خُلقوا أنواراً بقرب عرش الله قبل أن يخلق الله الخلق بفترة من الزمن لا أريد الدخول في تحديدها، وهذا يعني أنهم سبقوا الملائكة في الوجود فضلاً عن سائر الخلق، وهذا ما أشير إليه في القرآن مجملاً وفي التاريخ تفصيلاً، أما ما ورد في القرآن حول هذه الحقيقة العقائدية الدقيقة فهو قوله تعالى في سورة البقرة(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والحديث حول الآية الكريمة يتم من خلال فصل معناها إلى اثنين:

المعنى الأول: وهو أن الله تبارك وتعالى قد علّم خليفته آدم جميع أسماء الخلق من بشر وجماد وسماء وحيوانات وغير ذلك بدليل قول الصادق(ع) لأبي العباس الذي سأله عن تلك الأسماء “الأَرَضِينَ وَالجبال والشعابَ والأوديةَ ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط ممّا علّمهُ” وهذا ما استوحي من قوله تعالى(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء)

المعنى الثاني: وهو يكمن خلف قوله تعالى(بِأَسْمَاء هَؤُلاء) وهؤلاء لا تشمل جميع المسمَّيات، بل مجموعة خاصة منهم، وهذه المجموعة هي عبارة عن أشباح رآها آدم في الجنة، وقد أكّدت الأخبار الصحيحة بأن تلك الأشباح كانت صور محمد وآله(ص) والمعجزة التي حصلت لآدم هناك هو أنه عرف أصحاب تلك الصور بعد أن عجزت الملائكة عن معرفتها.

فأهل البيت(ع) كانوا موجودين قبل أن يوجد الخلق، وبفضلهم خلق الله الوجود، وببركتهم كانت الشمس والقمر والنجود وباقي الموجودات الحية والجامدة، بل ببركتهم كان كل شيء بعد الله تعالى، ويشهد على هذه الحقيقة ما جاء في حديث الكساء الشهير.

 

نَسَبُ خَاتَمِ الأَنْبِيَاء(ص)

 

هو محمد بن عبدالله ابن عبدالمطلب ابن هاشم ابن عبد مناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب ابن فهر ابن مالك ابن النضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن الياس ابن مضر ابن نزار ابن عدنان .

لقد اختار الله لنبيّه أطهر الأصلاب فلم يدنس له أب أو جد بل كانوا جميعاً على ملة إبراهيم الخليل، وكانت لهم مواقف مشرِّفة في حياتهم، وها هي كتب التاريخ مليئة بذكر مواقفهم الكريمة وخدمتهم للناس ودفاعهم عن المظلومين، وفي مقدمة هؤلاء الكرام عبد المطّلب ووالده هاشم اللذين واجها الظلم بجميع أنواعه وكانت لهما أدوار بارزة في تاريخ مكة المكرمة.

 

زَوَاجُ عَبْدِ اللهِ مِنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهَبٍ

كان لعبد المطلب بن هاشم ذرية كثيرة، ولكن ولده عبد الله كان أحبهم إلى قلبه، فعندما أصبح عبد الله في سن الشباب خطب له والده آمنة بنت وهب وهي من قبيلة كريمة، وقد كان والدها من أشراف العرب، فلم يكن لبني وهب أن يترفعوا على عبد المطلب أبرز أشراف المكيين، ولم يكن لعبد المطلب بأن يجد زوجة لولده أعز ولا أكرم من آمنة بنت وهب، فقد زوجها لابنه ولكن السعادة لم تكتمل فلم يُكتب لآمنة بأن تعيش طويلاً في كنف زوجها عبد الله الذي وافته المنية وهو شاب في مقتبل العمر.

 

وَفَاةُ عَبْدِ اللهِ

بعد الزواج الميمون الذي سعد فيه العائلتان الشريفتان عاش الزوجان فترة من الزمن كانت قصيرة جداً حيث سافر عبد الله والد الرسول في تجارة له فأصيب بمرض أثناء سفره فعرّج على خالٍ له في المدينة المنورة فاشتد به المرض حيث كان السبب في وفاته، ولم ير ولده لأنه توفي وكانت زوجته حاملاً.

 

 

وِلادَةُ رَسُوْلِ اللهِ(ص)

وُلد رسول الله محمد بن عبد الله(ص) يوم الجمعة في السابع عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل الموافق لسنة 570 ميلادي، وقد حملت به أمه آمنة في أيام التشريق من شهر رجب، وبناءاً عليه تكون مدة حمله ثمانية أشهر وأياماً قليلة.

 

حْدَاثٌ يَوْمَ وِلادَتِهِ(ص)

تُوِّجت ولادة رسول الله محمد(ص) بالعديد من المعجزات والكرامات حيث كان ذلك علامة على كونه النبي الموعود، وقد ذكر المؤرخون أنه يوم ولادته تساقطت الأصنام في الكعبة على وجوهها، وانخمدت نار فارس بعد اشتعال مستمر دام لقرون من الزمن، وانكسر إيوان كسرى، وخرج معه(ص) نور عظيم أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وقد وُلد مختوناً وهو يقول” اللّه أكبر والحمد للّه كثيراً، سبحان اللّه بكرةً وأصيلاً” وهناك الكثير من الأحداث التي حصلت يوم ولادته(ص).

 

بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنَ الوِلادَةِ المُبَارَكَة

انتشر خبر تلك الولادة وما جرى يومها من أحداث فظيعة أنبأت عن جانب من شأن هذا المولود الموعود، وبد مرور سبعة أيام على ولادته احتفل الجد العظيم عبد المطلب بن هاشم بحفيده الذي خرج إلى هذه الدنيا يتيماً فعقَّ عنه بكبش، وشاركه فرحته عامة القرشيين، وقد كان عبد المطلب على علمٍ بشأن حفيده، ولذا كانت معاملته له خاصة جداً قد تجاوزت معاملة الجد لحفيده، ولذا ينبغي على جميع المسلمين أن يحتفلوا بذكرى مولد نبيّهم لأنه علامة على إسلامهم إذا التزموا نهج الرسول حقاً وأطاعوه بكل شيء، لا أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض.

 

مُحَمدٌ الرّضِيْعُ

ارتضع رسول الله(ص) من أمه آمنة ثلاثة أيام إما لكونها كانت مريضة أو لأنها خافت عليه من الأمراض التي كانت تصيب أهل مكة بسبب كثرة الوافدين إليها من كل حدب وصوب، ثم أرضعته امرأتان:

الأولى: تُدعى : ثويبة، وقد حفظ رسول الله(ص) جميلها هذا حيث كان يكرمها وقد حاول أن يعتقها من أبي لهب فرفض.

الثانية: تُدعى : حليمة السعدية، حيث رفض الإرتضاع من غيرها بعد ثويبة، وقد كان الوقت آنذاك صعباً حيث أصابهم القحط، والجدير بالذكر هو أنها بمجرد أن وصلت حليمة بمحمد إلى دارها فاضت عليها الخيرات ونزلت عليها البركات وكأنه لا يوجد أي قحط، وقد كان ذلك ببركة محمد بن عبد الله(ص) الذي كان وما زال خيراً للبشرية كلها، ورحمة للعالمَين.

 

مُحَمدٌ(ص) فِيْ مَرْحَلَةِ الطُّفُوْلَة

منذ أن وطئت قدما رسول الله دار بني سعد راحت الخيرات تنزل عليهم من السماء وتخرج إليهم من الأرض، وقد عاش الرسول عند حليمة خمس سنين كان فيها بمنزلة ولدها فلم تشأ حليمة بأن يرحل عنها وخصوصاً عندما رأت الخيرات على وجهه حيث أتى أهله(ص) لاسترجاعه فأشارت عليهم بإبقائه خوفاً عليه من أوبئة مكة فاقترحت عليهم إبقاءه حتى يشتد عظمه فوافقوا على ذلك فمكث عندها خمس سنوات، وقد زارته أمه في تلك المدة ثلاث مرات، فقامت حليمة مقام أمه في تربيته ورعايته.

 

وَفَاةُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهَب

بعد أن قضى رسول الله(ص) تلك المدة في قبيلة بني سعد رجع إلى أمه آمنة لتتابع رعايته كما يجب، ولكن شاءت إرادة الله تعالى أن لا يبقى محمد مع أمه سوى أشهر قليلة حيث وافتها المنية في منطقة الأبواء أثناء زيارتها لقبر زوجها في المدينة، وكانت(ع) قد أمضت في المدينة شهراً برفقة أم أيمن، وكان(ص) في تلك الرحلة قد رأى البيت الذي توفي فيه والده، وبذلك أصبح الرسول يتيم الأبوين وهو ابن ما يقرب من ست سنوات، ولا شك بأن في ذلك حكمة من الله تعالى الذي أكسبه بذلك عطف الناس عليه وبالخصوص عطف جده عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه.

 

كَفَالَةُ عَبْدِ المُطلِبِ لِحَفِيْدِهِ(ص)

لقد امتلأ قلب عبد المطلب حزناً على حفيده الذي فقد أبويه وهو طفل صغير فلم يبق لمحمد كافل سواه لأنه كان أعطف الناس عليه بعد وفاة أبويه، فلقد كان يعامله معاملة خاصة تجاوزت حدود معاملة الجد لحفيده حتى اشمئزت نفوس بعض أولاده حسداً له، ولكنه كان يجيبهم بقوله الشهير: إن لابني هذا لشأناً: فلقد كان محمد(ص) يفعل ما يحلو له، ولم يكن يفعل في صغره سوى الصواب، ولكنه مهما فعل كان ما يفعله جميلاً في نظر جده، وهنا تنكشف لنا حقيقة مهمة، وهي: أن عبد المطلب كان على علم بما سيكون من أمر حفيده أي أنه كان مؤمناً برسالته قبل مبعثه.

 

وَفَاةُ عَبْدِ المُطلِبِ

لم يشعر رسول الله(ص) بمرارة اليتم في ظل كفالة جده له، ولكنه أصبح يتيماً بالفعل عندما توفى الله تعالى هذا الجد العظيم والعطوف الذي لم يقصّر يوماً في تربية حفيده والحفاظ عليه من كل خوف وضرر، فلقد كان عبد المطلب مستعداً لمفاداة حفيده بدمه ونفسه، وهذا هو جوهر الإيمان الصحيح.

وعندما حضرته الوفاة جمع أولاده وأوصاهم بمحمد خيراً وقد كان الخليفة له في ذلك الرجل العظيم والمؤمن الخفي أبو طالب(ع) الذي كان نعم الكفيل والمحامي عن ابن أخيه ذي الشأن المستقبلي العظيم.

وتنتقل الروح الطاهرة والنفس الزكية إلى مولاها ويفقد رسول الله جده العطوف وهو في سن الثامنة من العمر، فلقد بكى على جده أكثر من بكاء أعمامه عليه وذرف دموعاً لم تهدأ حتى ووري عبد المطلب في لحده، وهناك بدأت مرحلة جديدة من المراحل الصعبة التي عاشها رسول الله محمد(ص).

 

مُحَمدٌ(ص) وَمَرْحَلَةُ الطفُوْلَة

كانت مرحلة الطفولة عند رسول الله(ص) مميَّزة عن غيرها من المراحل التي يمر بها الناس العاديون، فلقد كانت تصرفاته وسلوكياته منذ الصغر مختلفة تماماً عن تصرفات من هو في عمره، فلقد شابهت مرحلة طفولته مرحلة شبابه وكهولته من حيث الوعي والحكمة في التصرف في جميع مجالات الحياة، وهذا ما شهدت به مرضعته حليمة السعدية، وما شهد به كفيله الأول عبد المطلب ثم كفيله الثاني أبو طالب، فقد كان أخوته من الرضاعة يدعونه للعب معهم فكان يجيبهم بأن الإنسان خُلق لأهداف جليلة، هذا بالإضافة إلى أن مرحلة الطفولة عنده(ص) كانت قاسية جداً عليه حيث فقد أمه بعد أن خرج إلى هذه الدنيا يتيم الأب، ثم فقد جده وهو في مرحلة الطفولة.

 

كَفَالَةُ أَبِيْ طَالبٍ لابْنِ أَخِيْه

كان أبو طالب(ع) أفضل أولاد عبد المطلب، وقد كان كأبيه على ملة خليل الله إبراهيم(ع)، وكان مَثَله بين قومه كمثل مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، وكان خير حافظ وكفيل لابن أخيه اليتيم الذي فَقَد عطف الأب والأم والجد فقام أبو طالب مكان الثلاثة فرعاه وحافظ عليه وحفظه من كل سوء حتى أصبح محمد(ص) الشغل الشاغل لأبي طالب الذي لم يقصّر يوماً تجاه هذا الولد الذي كان يؤمن أبو طالب بأنه النبي الموعود، فلقد شجعه ودعمه، وكان هو مصدر معنوياته في تلك الظروف الخطيرة التي أحاطت بالرسول وعمه، وكان أبو طالب في نظر الرسول(ص) يعني الكثير، كان يعني له مصدر القوة ومصدر الراحة ومصدر العطف والحنان والرعاية بكل معانيها، ولذا فقد أطلق الرسول على العام الذي توفي فيه أبو طالب(ع) اسم(عام الحزن) فلم يكن أبو طالب كافراً أو مشركاً بل كان من المؤمنين قبل ولادة رسول الله، ولم يكن اهتمامه بمحمد سوى أنه سيكون النبي الموعود، ولذا يمكن القول بأن أول المؤمنين بالرسول كان أبو طالب حيث آمن به قبل مبعثه الشريف، وكان له الكثير من المواقف الجريئة والمشرِّفة والتي يضيق المقام بذكرها.

 

أَبُوْ طَالِبٍ وَمُحَمَّدٌ(ص) وَبُحَيْرَا الرَّاهِب

في سن الثانية عشر من عمره الشريف رافق محمد(ص) عمه أبا طالب في سفره إلى الشام حيث شاهد فيها مديَن ووادي القرى وديار ثمود، وصادف أن التقى أبو طالب الراهب(بحيرا) مما دفع به إلى قطع سفره خوفاً على ابن أخيه، فعندما نظر الراهب إلى محمد(ص) رأى فيه علامات النبي الموعود التي قرأها في كتبهم فقال لأبي طالب: إنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجند في كتبنا وما روينا عن آبائنا، هذا رسول رب العالمين يبعثه رحمة للعالمين، احذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا ما أعرف ليقصدُنَّ قتله:

فخاف عليه أبو طالب من اليهود وعاد به إلى دياره.

 

 

النَّبِيُّ(ص) وَفَتْرَةُ العَمَلِ

لم يكن رسول الله(ص) عالة على أحد، ولم يُشكِّل عبئاً على غيره، فلقد كان يأكل بكدِّ يمينه ويشبع بعرق جبينه حيث كان يرى الإسلام في ذلك، ولذا فقد أمضى شطراً من حياته قبل البعثة في رعي الأغنام حيث تعلّم من ذلك الصبر على القيام بشؤون الناس في المستقبل وخصوصاً بعد البعثة الشريفة، وقد كان(ص) أثناء تجوّله في الصحارى والجبال والأودية ينظر إلى خلق الله ويتفكر في الصانع سبحانه، وإنه(ص) وإن كان نبياً قبل البعثة ومعصوماً إلا أنه كان لا يتوانى عن التأمل والتفكر، وبسبب ذلك وصل إلى أعلى مراتب اليقين.

 

 

التِّجَارَةُ مَعْ خَدِيْجَة(ع)

بعد العمل في الصحراء والجبال والأودية تعاطى(ص) العمل التجاري باقتراح من عمه أبي طالب الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة خديجة بنت خويلد التي كانت ثرية جداً بسبب سعة تجارتها فأرسلت إلى النبي تطرح عليه الفكرة فقبل بذلك وبدأ العمل معها وقد شعرت معه بالراحة لأنه كان مشهوراً بين الناس بالصدق والأمانة ولهذا فقد لُقِّب بالصادق الأمين.

لقد قال أبو طالب لابن أخيه محمد(ص) :يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فعرضتَ نفسك عليها لاَسرعتْ إليك، وفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك:

ولكن إباء الرسول منعه من الإقدام بنفسه، وقد علمت خديجة بذلك فأرسلت هي إليه قائلة: إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر:   وعندما علم أبو طال بذلك قال للرسول: إن هذا رزقٌ ساقه الله إليك: وقد تمت تلك الصفقة على نحو المضاربة لا الإجارة فقد ذكر اليعقوبي أن النبي(ص) لم يكن أجيراً لأحد.

 

زَوَاجُهُ(ص) مِنْ خَدِيْجَة

كانت السيدة خديجة(ع) من خيرة نساء قريش، وكانت ذا مال كثير ونفوذ كبير، وقد تقدّم لخطبتها أكبر الشخصيات في عصرها فرفضتهم جميعاً، وفي تلك الفترة التي عمل النبي معها كانت قد رأت فيه ما لم تره في غيره من الرجال كصدق الحديث وأداء الأمانة والجرأة والحكمة وما إلى ذلك من صفات الكمال في البشر، وكذلك هو(ص) رأى فيها الزوجة والأم وشريكة الحياة التي جمعت خصالاً كريمة في عملها وشخصيتها.

لقد كانت السيدة خديجة من أعقل نساء قريش حتى أنهم كانوا يسمونها(سيدة قريش) و(الطاهرة) لشدة عفافها، فلقد رفضت كل من تقدم لخطبتها قبل الرسول(ص) إلى أن رأت منه ما رأت وسمعت عنه ما سمعت فأدركت بأنه الرجل المناسب لها ولوضعها الأخلاقي والإجتماعي رغم أنها كانت ثرية وهو فقير، ولكنها كانت تدرك بأن الغنى الحقيقي إنما هو غنى الأخلاق والأدب وليس المال.

ويذكر المؤرخون بأن السيدة خديجة هي التي طلبت الزواج من رسول الله(ص) عبر رسالة أرسلتها مع نفيسة بنت عليّة فوافق الرسول على الطلب فأرسلت وكيلها عمرو بن أسد لتحديد موعد الخطبة.

فشاور النبي أعمامه وعلى رأسهم أبو طالب الذي خطب في القوم مادحاً ابن أخيه وطالباً له الزواج منها قائلاً: وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي: ثم أجرى عقد النكاح ومهرها بأربعماية دينار كما ورد في السيرة الحلبية.

 

 

أَوْلادُ الرَّسُوْلِ(ص)

شاءت قدرة رب العالمين سبحانه أن يرزق ذرية كريمة رسوله الخاتم(ص) أغلبها من خديجة بنت خويلد(ع) حيث رزقه منها ستة أولاد، هم: القاسم وعبد الله ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة(ع)، أما أولاده الذكور فقد ماتوا قبل البعثة، وأما الإناث فقد أدركن الإسلام.

 

 

قَبْلَ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّة

كانت الوثنية منتشرة في المجتمع العربي قبل البعثة الشريفة بشكل قوي جداً حيث شكّلت عبادة الأصنام حينها الديانة الرسمية للمجتمع العربي، غير أن فكرة الوثنية لم تكن مسيطرة تماماً على بعضٍ من أصحاب العقول الذين كانوا يرفضون الفكرة من أساسها، ومن أبرز أولئك العقلاء أربعة: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل.

 

مَكَانَةُ الرَّسُوْل(ص) عِنْدَ قُرَيْش

وفي تلك الآونة كان للنبي(ص) مكانة عالية بين أفراد قومه وكان عمره آنذاك 35 عاماً، وفي تلك المرحلة هدمت الكعبة الشريفة بسيل عظيم ثم أعيد بناؤها إلا أنهم اختلفوا في وضع الحجر الأسود مكانه فتأخرت بذلك عملية البناء خمسة أيام، فقام شيخ منهم وقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه: فكان أول داخل عليهم رسول الله(ص) فقالوا: هذا محمد الأمين، رضينا: فقال ص: هلمَّ إليَّ ثوباً فأخذ الحجر ووضعه فيه و قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً. ثمّ وضعه (ص) بيده في مكانه.

 

إِيْمَانُ الرَّسُوْلِ وَآبَائِه وكُفَلائِه

يؤكد المؤرخون بأن محمداً(ص) لم يعبد غير الله تعالى قبل البعثة، بل كان يتعبّد لربه في كل مراحل حياته، ولم يرتكب ذنباً واحداً لا في الصغر ولا في الكبر حيث وُلد معصوماً، وكذا كان جده عبد المطلب فلقد عبد الله وحده، وهو الذي دعا الله عز وجل في الكعبة أن يهزم جيش أبرهة، وقد قال اليعقوبي فيه: ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحّد الله عز وجل، ووفى بالنذر، وسنَّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنة الشريفة من رسول الله بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الدية، وألا تُنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحد عليه…

وكذلك كان أبو طالب(ع) فله مواقف كثيرة قبل البعثة تكشف عن إيمانه بالله تعالى دون غيره، فلقد كان يصحب معه ابن أخيه محمد إلى المصلى ويستسقي به وقد كانت دعوته تستجاب دون تأخير، وقد دافع عن النبي قبل البعثة وبعدها بكل ما أوتي من قوة، ولم يكن يسعى من وراء ذلك إلى كسب المال والجاه فلقد كان رئيس مكة ووجيهاً من أعظم وجهائهم، بل كان يعمل لله عز وجل، وهو الذي رفض أن يسلم ابن أخيه للقوم بعد البعثة مما أوجب سخط الجميع عليه فأظهروا له العداء بعدما كان سيداً عليهم، وقد أصدر تهديداً بالمحاربة لكل من يمس محمداً بسوء، وأعظم دليل على إيمانه أنه حافظ على محمد الرسول 42 سنة آثره فيها على نفسه وأولاده وضحى بمنصبه في قريش من أجله، فلم يفرّق بينه وبين ابن أخيه سوى الموت.

وقد صرّح أبو طالب بإيمانه في العديد من المواقف التي كان منها قوله:

ليعلم خيارُ الناس أن محمداً         نبي كموسى والمسيح بن مريم.

وقد وصلت درجة إيمانه أنه تعرّض كل أولاده لخطر الموت بسبب حفاظه على الرسول فاستمر في ذلك.

لقد سُئل الإمام الحسين(ع) عن إيمان أبي طالب فقال: «واعجباً، إنّ اللّه تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافرٍ، وقد كانت «فاطمة بنت أسد» من السابقات إلى الاِسلام لم تزل تحت أبي طالب حتى مات:

وقال الإمام الصادق(ع) : إنّ مَثَل أبي طالب مَثَل أصحاب الكهف أسرّوا الاِيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين،وكذلك أبو طالب:

وكذلك كان أبو النبي عبد اللّه، فقد ذكر النبي (ص) إنّه انتقل في الاَرحام المطهّرة ممّا يوَكّد طهارة آبائه وأُمّهاته من كل ّدنس وشرك.

وقد أشار الشيخ المفيد إلى أنّالاِماميّة تتفق على أنّ آباء رسول اللّه (ص) من لدن آدم إلى عبد اللّه بن عبد المطلب كانوا موَمنين باللّه وموحّدين إيّاه، واحتجّوا في ذلك بالقرآن و الاَخبار

 

 

النَّبِيُّ(ص) قَبْلَ البِعْثَة

تدل الشواهد التاريخية والبراهين العقلية أن النبي(ص) كان مؤمناً بالله تعالى قبل البعثة، وقد أجمع المؤرخون على أنه كان يخلو في غار حراء أشهراً كل عام يعبد الله فيه، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى هذه النقطة بقوله: ولقد كان يجاور في كل ّسنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري: ويذكر العلامة المجلسي في البحار أن النبي(ص) كان يطوف ويعبد الله في حراء ويرعى الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الأكل وغيره فكيف يمكن لله تعالى أن يهمل أفضل أنبيائه أربعين سنة؟

لقد كان عابداً لله قائماً ساجداً وعالماً بمجمل القرآن وراجياً أن ينزله الله عليه، وقد بقي كذلك إلى أن بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.

 

الوَحْيُ فِيْ غَارِ حِرَاء

يقع جبل حراء في شمال مكة، وهو مكوَّنٌ من قطع صخرية، أما الغار فيقع في شمال الجبل، وهو يحكي ذكريات أعظم رجل في العالَم.

كان النبي(ص) قبل الوحي يفكر في أمرين:

الأول: ملكوت السموات والأرض حيث كان يرى فيهما نور الخالق سبحانه.

الثاني: المسؤولية الكبرى التي سوف تقع على عاتقه، فكان يفكر في فساد المجتمع وكيفية إصلاحه.

وبينما هو في الغار يتفكر ويتأمل وإذا بجبرائيل الأمين ينزل عليه بالوحي الإلهي ويتلو عليه بضع آيات كبداية لنزول كتاب الهداية والسعادة، قال يا محمد: إقرأ، قال وما أقرأ؟ قال يا محمد(اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذي خَلَق* خَلَقَ الاِنْسانَ مِنْ عَلَق*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاََكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَم* عَلَّمَ الاِِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم) ثم أوحى إليه ما أمره به ربه وصعد جبرائيل إلى السماء ونزل الرسول من الجبل ليبدأ بتنفيذ الأمر الإلهي الثقيل.

لقد ترك الغار وتوجه إلى بيت السيدة خديجة التي لاحظت الإضطراب في وجهه فحدّثها بما رأى وسمع فقالت له: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً: ثم دثرته ونام فذهبت إلى بيت ورقة وأخبرته بما كان من شأن زوجها محمد فأجابها: إن ابن عمك لصادق وإن هذا لبدء النبوة وإنه ليأتيه الناموس الأكبر(أي الرسالة والنبوة)

 

 

أَوَائِلُ المُؤْمِنِيْنَ بِالرَّسُوْلِ(ص)

بدأ انتشار الإسلام بالتدريج، وكان هناك سابقون ولاحقون، وقد اعتُبر السبق آنذاك فضيلة، ومن أوائل المؤمنين بالرسالة خديجة(ع) التي كانت أول من أخبرها النبي بما رأى وسمع في الغار، فكانت خديجة أول المؤمنين من النساء، ولم يختلف في ذلك أحد لأن النبي(ص) قد أكد عليه بنفسه.

وكان أول المؤمنين بالرسول من الرجال علي بن أبي طالب(ع) الذي كان يعيش في كنف الرسول وفتح عينيه على صفات الكمال التي كان يتمتع بها(ص) فلقد كان في حجره قبل الثامنة من عمره، وقد حصلت تلك الكفالة لعي بناءاً على طلب أبي طالب وذلك عندما أجدبت مكة وضواحيها وأصاب الناس أزمة شديدة وكان أبو طالب كثير العيال فطلب من عمه العباس أن يخفف عنه فكفل العباس جعفراً وكفل الرسول علياً، وفي ذلك قال(ص) : إخترت من اختار اللّه لي عليكم، علياً: وقد أكد الإمام علي(ع) سبقه للإسلام حيث قال: اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب، ولم يسبقني إلاّ رسول اللّه بالصلاة: وكذا قال(ع) : أنا الصديق الاَكبر، لقد صليت مع رسول اللّه قبل الناس سبع سنين، وأنا أوّل من صلّى معه:

 

 

دَعْوَةُ الأَقْرَبِيْن

منذ تكليفه بمهام التبليغ وفور نزوله من حراء صدع(ص) بأمر ربه وراح يدعو البعض إلى الإيمان، وقد انحصرت الدعوة آنذاك ببعض الأقرباء ليكونوا نقطة انطلاقة له في الدعوة، فراح يدعوهم سراً مدة ثلاثة أعوام، وكان ممن سبقوا إلى الإسلام:

ـ السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)ـ علي بن أبي طالب (عليه السلام)

ـ زيد بن حارثة ـ الزبير بن العوام ـ عبد الرحمن بن عوف ـ سعد بن أبي وقاص ـ طلحةبن عبيد اللّه ـ أبو عبيدة الجراح ـ أبو سلمة ـ الاَرقم بن أبي الاَرقم ـ عثمان بن مظعون ـ قدامة بن مظعون ـ عبد اللّه بن مظعون ـ عبيدة بن الحارث ـ سعيد بن زيد ـ خباب بن الاَرت وغيرهم.

وكان النبي (ص) يخرج مع بعض أتباعه إلى شعاب مكّة للصلاة فيها بعيداً عن أنظار قريش، إلاّ أنّ البعض منهم رأوهم يصلُّون، فحدث نزاعٌ قصيرٌ بين الطرفين،حين استنكروا فعلهم، وهو ما جعلَ النبي «ص» يقرر اتّخاذ بيت «الاَرقم بن أبي الاَرقم» مكاناً للعبادة حيث آمن في هذا البيت عددٌ آخر من المشركين، كان أبرزهم : عمار بن ياسر، وصهيب بن سنان الرومي.

وقد ركّز الرسول (ص) جهده في الدعوة السريّة، دون عجلة أو تسرّع، يعرض فيها دينه على كلّ من وجده أهلاً لتقبل المبادىَ السامية.

وفي تلك الأعوام الثلاثة لم يتعرض الرسول(ص) لأي احتكاك من قبل زعماء قريش رغم علمهم بما يحدث، وفي نفس الوقت لم يتعرّض الرسول في تلك المدة لآلهتهم بسوء.

وقد استطاع الرسول(ص) في تلك السنوات الثلاث أن يجمع حوله أربعين شخصاً ولم ير فيهم الكفاية لأن يصبحوا قوة دفاعية، وهذا ما جعله يكسر جدار الصمت ويبدأ بدعوة أقاربه، وقد أتى هذا العمل تنفيذاً لأمر الله تعالى الذي أوحى إلى نبيه(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبين) ثم بعد ذلك أمره تعالى بأن يدعو كافة الناس فأوحى إليه(فَاصْدَعْ بِما تُوَْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكينَ* إِنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزئِين)

لقد استعمل النبي(ص) أسلوباً راقياً في دعوة أفربائه فأعد لهم مائدة لخمسة وأربعين شخصاً ودعاهم إليها وبعد تناول الطعام قام فيهم خطيباً وقال: إنّ الرائد لا يكذب أهله، واللّه الذي لا إله إلاّ هو، إنّي رسول اللّه إليكم خاصةً وإلى الناس عامةً، واللّه لتموتنّ كما تنامون، ولتبعَثُنّ كما تستيقظون،ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً والنار أبداً. يا بني عبدالمطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَمن بي ويوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم:

فقام علي(ع) وهو ما بين الثالثة عشر والخامسة عشر من عمره وقال: أنا يا رسول الله أكون وزيرك على ما بعثك الله: وعندها قال(ص) : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا: فضحك الجميع مستهزئين،وقالوا لاَبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه وجعله عليك أميراً:

 

الدَّعْوَةُ العَامَّةُ

بعد تلك السنوات الثلاث أطلق الرسول(ص) دعوته جهراً فوقف ذات يوم على صخرة عند جبل الصفا وقال: «أرأيتكم إن أخبرتكم إنّالعدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدّقونني؟» قالوا: بلى. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فرد عليه أحدهم: تبّاً لك ألهذا دعوتنا؟ فتفرّق الناس على أثر ذلك. إلاّ أنّه بعد فترة من الدعوة العامة، تشكلت جماعة قوية متعاطفة متحابّة، من السابقين واللاحقين، كانت بمثابة إنذار لاَوساط الكفر والشرك والوثنية، وقد تألّفت تلك الجماعة من قبائل مختلفة منعوا الكفّار من التعرض لهم، إذ لم يكن اتّخاذ أي قرار حاسم بحقّهم، أمراً سهلاً ومريحاً، ولذا قرر سادة قريش مواجهة قائد تلك الجماعة ومحركهم، بوسائل الترغيب والترهيب، بالاِغراء والتطميع، والاِيذاء والتهديد، واستمرت برامج قريش و موقفها من الدعوة بهذه الاَساليب طيلة عشر سنوات هي عمر الدعوة العامة في مكة، حتى اتّخذوا قرارهم النهائي بالتخلّص منه بقتله،في الوقت الذي تمكن (ص) من إبطال موَامرتهم وإفشالها بالهجرة إلى المدينة.

 

مَوْقِفُ أَبِيْ طَالِبٍ مِنَ اقْتِرَاحِ قَادَةِ قُرَيْش

بعد ما جرى بينهم وبين رسول الله(ص) ما جرى راح قادة قريش يطالبون عمه أبا طالب بردعه عن تلك الدعوة فقالوا له: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلّي بينا و بينه. إلاّ أنّ أبا طالب رَدّهم بقولٍ جميلٍ حكيمٍ:

ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداً بدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، فكثر أنصاره منها، وشعروا بالاَخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ الاِسلام وقوّته فقالوا : إنّا واللّه لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فسكّن غضبهم وأطفأ ثائرَتهم وهدّأ خواطرهم، ليتم معالجة هذه المشكلة بطريقةٍ أفضل.

فأتى النبي (ص) وأخبره بأمرهم، فردّ عليه بالجواب التاريخي الخالد، والذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الاِسلام الاَكبر محمّد (ص) : يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الاَمر حتى يظهِرَه اللّه، أو أهلك فيه، ماتركته: ممّا أثر في عمّه بتلك الكلمات العظيمة، فأظهر استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه قائلاً: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ ،فواللّه لا أُسْلِمَكَ لشيءٍ أَبداً:

وحاولت قريشٌ مساومة أبي طالب مرةً أُخرى، للتخلّص من النبي  ودعوته، إلاّ أنّه رفض أي نوع من المساومة في هذه القضية، محافظاً على محمّد ودينه.

فسلكوا طريقاً آخر، وهو تطميعه بالمناصب والهدايا والاَموال والفَتَيات الجميلات:فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر مالاً، وإن كنتَ إنّما تطلب الشرفَ فينا فنحن نسوِّدُكَ ونشرِّفك علينا،وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجنّ قد غلب عليك،بذلنا أموالنا في طِبّك.

إلاّ أنّ الرسول (ص) قال لعمّه: «يا عمّ أريدهم على كلمةٍ واحدة يقولُونها، تدين لهم العرب، وتوَدّي إليهم بها العجم الجزية».

قالوا: ما هي؟ قال: «لاإله إلاّ اللّه». فقاموا فزعين قائلين: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إِنْ هذا لشيء عجابٌ) .

 

 

الحِصَارُ الشَّدِيْدُ

تطورت أساليب قريش في التخلص من النبي ودعوته ففرضوا عليهم حصاراً إقتصادياً من شأنه أن يحد من رقعة انتشار الدين الجديد، وقد وقّع زعماء قريش في دار الندوة ميثاقاً وعلّقوه في جوف الكعبة وقد تحالفوا على الإلتزام ببنوده حتى الموت، وذلك في السنة السابعة من البعثة الشريفة، وقد ضم ميثاقهم البنود التالية:

  • عدم التعامل التجاري مع محمد وأنصاره.
  • عدم التزاوج منهم.
  • عدم التحدث مع أحدهم أو تناول الطعام معهم.
  • أن يكونوا يداً واحدة على محمد.

وبعد اتخاذهم لهذا القرار الظالم لم يكن أمام أبي طالب إلا أن يطلب من بني هاشم الدفاع عن رسول الله، وذلك على أن يستقروا خارج مكة في شُعب بين جبالها عُرف بشعب أبي طالب، الذي فيه بعض البيوت البسيطة وقد وضع أبو طالب على الشُعب حراساً لمراقبة الطرق المؤدية إليه.

لقد استمر الحصار ثلاثة أعوام جاع فيه الصغار والكبار، ولم يكن يُسمح لهم بالخروج إلا في الأشهر الحرم، فقد كانوا يخرجون في ذلك الوقت للشراء والبيع، أما رسول الله(ص) فكان يستغل هذا الموسم لنشر الدين

وبعد فترة أيقن القرشيون أن هذا الحصار لم يأت بنتيجة وكانت الأرضة قد أكلت ميثاقهم ولم يبق مما كُتب سوى عبارة(باسمك اللهم) وذلك بعد أن صرّح زهير بن أبي أمية في مجلس قريش قائلاً: يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يُباع لهم ولا يُبتاع منهم؟ واللّه لا أقعد حتى تُشَقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة:

فذهب أبو طالب ليخبر الرسول بأمر الميثاق فبادره الرسول بما حصل وكان في ذلك دليل قاطع على نبوته، وقد أخبر أبو طالب زعماء قريش بما سمعه من الرسول.

وقد انتهى الحصار الظالم في منتصف شهر رجب من السنة العاشرة للبعثة الشريفة.

 

 

تَعْذِيْبُ قُرَيْشٍ لِبَعْضِ المُسْلِمِيْن

لم يكتف زعماء قريش بفرض حصار ظالم على المسلمين ونبيهم بل راحوا يعذبون البعض ويقتلون البعض الآخر بهدف الفصل بينهم وبين ما جاء به الرسول(ص)، وكان ممن عُذّبوا:

  • بلال الحبشي: الذي كان غلاماً لأمية بن خلف أشد أعداء الرسول، فقد عمد إلى تعذيب هذا الغلام انتقاماً وتشفياً.

2-  عمار بن ياسر: الذي كان والده من السابقين إلى الاِسلام، فعمد المشركون إلى إيذائهم وتعذيبهم بعد ما انضموا إلى المسلمين، فكانوا يُخرِجون «عماراً وياسر وسمية» في وقت الظهيرة ويبقونهم طويلاً تحت أشعة الشمس، حتى مات ياسر، كما طعن أبو جهل بالرمح سُميّة في قلبها فماتت، فاعتُبرا أوّل شهيدين في الاِسلام.

أمّا عمّار فقد استخدم التقية للاِبقاء على نفسه، حيث تظاهر بترك الدين الاِسلامي حسب طلبهم، فانصرفوا عنه وتركوه، ولما ندم على فعله، طَمأنَه النبيُّ (ص) فقال له: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالاِيمان. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن عادوا فَعُدْ».

3 – عبد الله بن مسعود: الذي أبدى استعداداً للقيام بتلاوة القرآن جهراً على مسامع قريش في المسجد الحرام، فقرأ (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمن الرَّحيم* الرَّحْمن* عَلَّم القُرآن) فقام إليه الجميع يضربونه في وجهه وهو يقرأ حتى أُدمي جسمه ووجهه فتركوه، وهو مسرور بما عمله في تمكين قريش من الاستماع إلى كتاب اللّه تعالى وآياته المباركة.

4 – أبو ذر: جاهر بالدين حين كان المسلمون يدعون سراً، فقد نادى في المسجد: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله. ويوَكد التاريخ أنّ نداءه هذا كان أوّل نداء تحدّى جبروت قريش وظلمها، أطلقه رجل غريب عن مكّة وأهلها. فهجم عليه جماعة من قريش وضربوه بشدّة حتى أنقذه«العباس بن عبد المطلب» من الموت بحجّة أنّه من غفار، وتمر تجارة قريش على بلده، فخافوا على تجارتهم فأمسكوا عنه.

وقد تمكن من التأثير في قومه، فأسلم أبواه، ونصف رجال قبيلته ـ غفار ـ ثمّ أسلم ا لباقي بعد هجرة النبي (ص) إلى المدينة، ثمّ تبعتها قبيلة «أسلم» التي وفدت على الرسول  واعتنقوا الاِسلام.

وقد التحق «أبو ذر» بالرسول في المدينة وأقام بها و هو أوّل المجاهرين بالاِسلام، ورابع أو خامس من أسلم، فكان من السابقين والاَوّلين، الذين لهم مكانة عظيمة عند اللّه تعالى ومقاماً لا يضاهى.

 

 

الهِجْرَةُ إِلَى الحَبَشَة

قرر فريق من المسلمين والمسلمات الهجرة ليحافظوا بذلك على عقيدتهم ويتخلصوا من أذى قريش لهم، فنصحهم النبي(ص) بالخروج إلى الحبشة قائلاً لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صِدقٍ حتّى يجعل اللّه لكم فَرَجاً ممّا أنتم فيه: فغادروا مكة ليلاً نحو ميناء جدة وسافروا عبر البحر وقد كان عددهم حوالي 15 شخصاً بينهم أربع نسوة، وقد حصلت تلك الهجرة في شهر رجب في السنة الخامسة للبعثة، فحاول مشركوا مكة أن يلحقوا بهم إلا أن السفينة غادرت، ثم تبعت هذه الهجرة هجرة أخرى ضمت 83 شخصاً وفي مقدمتهم جعفر بن أبي طالب فوصلوا إلى أرض الحبشة ووجدوها كما وصفها لهم رسول الله(ص) وقد وصفت السيدة أم سلمة حالهم هناك بقولها: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمننا على ديننا، وعبدنا اللّه تعالى، لا نُوَذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه:

وبينما هم في الحبشة وصل إليهم خبر إسلام قريش فقرر بعضهم العودة إلى مكة وأصر الآخرون على البقاء في الحبشة، وقد كان هذا الخبر دعاية لا أساس له من الصحة حيث أن الذين رجعوا إلى مكة على إثر هذا الخبر عادوا إلى الحبشة مجدداً.

وممن بقوا في مكة بعد العودة من الحبشة عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار الوليد بن المغيرة، ولكنّه ردّ عليه جواره فاختار جوار اللّه ليواسي المسلمين ويشاركهم آلامهم ومتاعبهم، ممّا جعله يتلقّى فيما بعد شيئاً من تعذيب الكفّار وأذيتهم فأصابوا عينه.

 

مَكِيْدَةٌ لإِرْجَاعِ المُهَاجِرِيْنَ مِنَ الحَبَشَةِ إِلى مَكَّة

علم قادة قريش بأن المسلمين في الحبشة يتحركون بحرية وخافوا من أن يستدرجوا النجاسي إلى الإسلام فيحاربهم في مكة، فاجتمع الأقطاب في دار الندوة وقرروا إرسال هدية إلى النجاشي على أن يطرد المسلمين من دياره، وكان رئيس الوفد آنذاك عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فوصلا إلى النجاشي وسلماه الهدايا وقالا له: أيّها الملك إنّه قد ضوى ـ أي لجأ ليلاً ـ إلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم، فهم أبصر بهم وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

وقد شجعهم على قولهم هذا بطارقتُه الذين حصلوا على الهدايا من قبل، إلاّ أنّ النجاشي الحكيم العادل رفض إجابة مطالبهم دون أن يرجع إلى المسلمين فيرى رأيهم، وعندما حضروا أمامه بقيادة «جعفر بن أبي طالب » الناطق باسمهم، سأله الملك: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر بن أبي طالب بعد أن وصف حالهم قبل الاِسلام وكيف أنّ اللّه هداهم بالنبي (ص) : وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدّقناه وآمنا به واتّبعناه على ما جاء به من اللّه، فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الاَوثان، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلُّ من الخبائث، فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلَم عندك أيّها الملك.

وقد أثّرت كلمات «جعفر» البليغة وحديثه العذب تأثيراً عجيباً في نفس النجاشي حتى أغرورقت عيناه بالدموع،وخاصة عندما قرأ عليه بعض الآيات القرآنية التي تخص عيسى و مريم «عليهما السلام» فبكى النجاشي وبكى أساقفتُه معه، وقال: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة»، ويقصد أنّ القرآن والاِنجيل كلام اللّه و أنَّهما شيء واحد، ثمّ التفت نحو موفدي قريش قائلاً: انطلقا فلا واللّه لا أسلمَهم إليكما.

إلاّ أنّ «عمرو بن العاص» فكّر في حيلة جديدة تخلّصهم من موقفهم السّيء والمخزي، وهي: أن يخبر الملك بما يسيء إلى المسيح (عليه السلام) فقال في اليوم التالي للملك: إنّهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، ولكنَّ جعفراً أجاب الملك في ذلك: نقول فيه الذي جاءنا به نبيّنا (ص) ، هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، ممّا سرّالنجاشي و رضي به وقال: هذا واللّه هو الحقّ، وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي، من سَبّكُم غُرِم، ما أحبّ أنّ لي دبراً من ذهب، وإنّي آذيت رجلاً منكم، ثمّ ردّ على وفد قريش هداياهم قائلاً: فلا حاجة لي بها، فواللّه ما أخذ اللّه منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه، لا فخرجوا من عنده خائبين مقبوحين.

 

الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ

بدأ النبي (ص) رحلته الفضائية من بيت «أُمّ هانىَ» أُخت الاِمام علي (ع)  إلى بيت المقدس في فلسطين، والّذي يسمّى المسجد الاَقصى، وتفقّد بيت لحم مسقط رأس السيّد المسيح (عليه السلام) ومنازل الاَنبياء وآثارهم، وصلّى عند كلّ محراب ركعتين، ثمّ بدأ في القسم الثاني من رحلته، المعراج إلى السماوات العلى، فشاهد النجوم والكواكب، واطّلع على نظام العالم العلوي، وتحدّث مع أرواح الاَنبياء والملائكة، واطلع على مراكز الرحمة والعذاب ـ الجنّة والنار ـ ورأى درجات أهل الجنّة، و تعرّف على أسرار الوجود و رموز الطبيعة، ووقف على سعة الكون وآثار القدرة الاِلهية المطلقة، ثمّ واصل رحلته حتى بلغ سدرة المنتهى، فوجدها مسربلة بالعظمة المتناهية والجلال العظيم. وهنا كان قد انتهى برنامج الرحلة، فأُمر بالعودة من حيث أتى، فمرّ في طريق عودته، على بيت المقدس ثانية، ثمّ توجه نحو مكّة، مارّاً على قافلةٍ تجاريةٍ خاصّة بقريش، وبعيرٌ لهم قد ضلّ في البيداء يبحثون عنه، وشرب من مائهم، ثمّ ترجّل عن  البراق  في بيت أُمّ هانىَ، قبل طلوع الفجر. فأخبرها بما حدث، كما كشف عنه في أندية قريش صباح نفس تلك الليلة. إلاّ أنّ قريشاً كعادتها كذّبته وأنكرته، على أساس عدم استطاعة النبي القيام بذلك في ليلة واحدة، وطلبوا منه أن يصف بيت المقدس، فوصفه النبي وصفاً شاملاً، مع ما شاهده في الطريق، وخاصة عير قريش، التي أكد لهم بأنّها الآن في موقع التنعيم، فلم تمض لحظات حتى طلعت عليهم العير، فحدّثهم أبو سفيان بكلّما أخبرهم به الرسول من ضياع بعيرهم في الطريق والبحث عنه.

وقد اختلفت الاَقوال عن وقت حدوث الاِسراء والمعراج، فادّعى «ابن هشام و ابن إسحاق» انّه وقع في السنة العاشرة من البعثة الشريفة، وذهب الموَرّخ «البيهقي» انّه حدث في السنة الثانية عشرة منها، بينما قال آخرون إنّه وقع في أوائل البعثة، في حين أنّ فريقاً رابعاً أكد وقوعه في أواسطها.وربما يقال في الجمع بين هذه الاَقوال انّه كان لرسول اللّه معارج متعدّدة.

 

سَفَرُ النَّبِيّ(ص) إِلَى الطَّائِف

توفيت السيدة خديجة(عليها السلام) بعد وفاة أبي طالب، بشهر وخمسة أيّام، في السنة العاشرة من البعثة، وهي التي سمّاها الرسول عام الحداد أو الحزن، ومنذ هذا الوقت واجه (ص) ظروفاً صعبة قاسية قلّما واجهها من قبل، فقد اصطدم منذ بداية السنة الحادية عشرة بأحوال قاسية مفعَمة بالعداء والحقد والاَخطار التي هدّدت حياته الشريفة فلمّا توفي أبو طالب، نالت قريش من رسول اللّه من الاَذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيهٌ من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً، وفي البيت عندما بكت ابنته على وضعه هذا قال: «ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبوطالب»

وقد دفع هذا الاَمر المتردّي، أن يبحث الرسول عن بيئة أُخرى أفضل من بيئته لنشر الدعوة فيها، فاختار الطائف التي كانت تعتبر مركزاً هاماً آنذاك، فقرر السفر إليها وحيداً لمقابلة زعماء ثقيف، لعلّه يكسب نجاحاً في مهمته أو أنصاراً جدداً.

إلاّ أنّ عرضه لم يوَثر فيهم، بل إنّهم ردّوا عليه بصبيانية أوضحت تملّصهم من قبول الدعوة أو اعتناق الدين، بل أنّهم تمادوا في سلوكهم العدواني فأحاط به جمعٌ كبير منهم يسبّونه ويصيحون به، فالتجأ إلى بستان «عتبة وشيبة ابني ربيعة» للتخلّص من هوَلاء السفهاء، وعمد إلى ظل جلس فيه وهو يتصبب عرقاً، فقد ألحقوا الاَذى بمواضع عديدة من بدنه الشريف، كما أنّ رجليه سالت منهما الدماء، ولما دعا اللّه سبحانه وتعالى أن يعينه على هوَلاء الاَشرار، فقد تقدّم إليه ابنا ربيعة ـ اللّذان كانا ينظران إليه و يريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف ـ بطبق من عنب قدمه إليه غلام لهما اسمه «عداس النصراني» من أهل نينوى، فلمّا رأى ما يعلمه الرسول من علوم عن المسيح (عليه السلام) أسلم على يديه.

إلاّ أنّ النبي لم يتمكن من الرجوع إلى مكّة بسهولة، حيث خاف أذى المشركين، ممّا جعله يترك «نخلة» وهي واد بين الطائف ومكة، إلى حراء، فالتقى رجلاً من بني خزاعة طلب منه أن يخبر «المطعم بن عدي» بحالته، ويسأله أن يجير رسول اللّه حتى يدخل مكة في أمان.

ورغم أنّ «المطعم» كان وثنياً، إلاّ أنّه قبل أن يجيره فدخل مكة ليلاً، ونزل في بيت «مطعم» و بات فيه، ثمّ دخل في الصباح مع أهل بيته إلى المسجد الحرام ثمّ إلى منزله.

ولم ينس الرسول عمله الطيب هذا، بل تذكّره حتى بعد وفاة المطعم، إذ أنّه أعلن في معركة بدر عن استعداده للاِفراج عن جميع الاَسرى لو كان حيّاً، تقديراً لما قام به من إجارة وخدمة كبيرة له.

وكان النبي (ص) يستخدم كلّ وسيلة وطريقة لنشر دعوته، فكان يقوم بالدعوة في كلّ وقت وكلّ مكان، منتهزاً الفرص المناسبة لذلك، مثل استغلاله لاَسواق العرب الشهيرة: عكاظ والمجنة وذي المجاز، حيث كان الخطباء والشعراء يقفون فيها ليلقوا ما عندهم من شعر وخطب، وفكان النبي يقف على مكان مرتفع خاطباً: «قولوا لا إله إلاّاللّه تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذلّ لكم العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكاً في الجنة».

كما أنّه كان يلتقي في مواسم الحج بروَساء القبائل وأشرافها يعرض عليهم دينه، ويدعوهم إلى اللّه سبحانه، ويخبرهم بأنّه نبي مرسل، ويقول ابن هشام في ذلك: كان(ص) لا يسمع بقادم من العرب إلى مكة له اسم وشرف إلاّ تصدّى له فدعاه إلى اللّه وعرض عليه ما عنده.

 

بَيْعَةُ العَقَبَة

سكنت يثرب قبيلتا الأوس والخزرج في القرن الرابع الميلادي بعد هجرتهم من اليمن، وكان كثيرون منهم يحضرون مكة، وكان النبي(ص) يلتقي بهم ويعرض عليهم الدين في سنوات 11 و 12 و13 من البعثة، ومن أبرز من تشرفوا بلقاء الرسول(ص) سويد بن الصامت الذي أسلم ونشر الإسلام بين قومه إلا أن الخزرج قتلته، وكذا إياس بن معاذ الذي رأى أن الإسلام يحل النزاعات القائمة بين أهله، وقد تمت بيعة ستة أفراد من الخزرج وكان لهم نفوذ بين أهلهم، وكان لهم تأثير إيجابي في يثرب، وقدم في سنة 12 للبعثة اثنا عشر رجلاً منهم عقدوا مع النبي بيعة العقبة، وهي أول بيعة في الإسلام.

وكان نص تلك البيعة بعد الإعتراف بالإسلام والإيمان بالله ورسوله: بايعنا رسول اللّه (ص) على ألاّ نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق ولا نزني،ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف: ويرد عليهم النبي بقوله: إن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى اللّه عزّوجلّ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر: وطلبوا من النبي أن يرسل إليهم من يعلّمهم القرآن فأرسل إليهم مصعب بن عمير، وهكذا فقد أحدث تقدُّم الاِسلام في يثرب، هيجاناً كبيراً، وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فانتظروا حلول موسم الحجّ للاِلتقاء بالرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فخرجت قافلة كبيرة منهم ضمت 500 نفر، فيهم 73 مسلماً بينهم امرأتان، فالتقوا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي واعدهم بالعقبة:«موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق»، وهي الليلة 13 من شهر ذي الحجّة، فاجتمع بهم مع عمّه «العباس بن عبد المطلب» بعد أن مضى ثلث الليل ونام الناس، حتى لا يشعروا بخروجهم.

فتكلّم فيهم العباس قائلاً: إنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلاّ الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنّكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنّه في عزّ ومنعة من قومه وبلده.

ثم ّتكلّم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فتلا القرآن ودعا إلى اللّه ورغّب في الاِسلام ثمّ قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». فبايعوه على ذلك و هم في حماس وسرور عظيم.

 

الهِجْرَةُ الكُبْرَى

اجتمع روَساء قريش في دار الندوة، ، فاتّخذوا قراراً حاسماً وهو القضاء على النبي والتخلص منه بقتله، بواسطة اشتراك جميع القبائل في هذا العمل الاِجرامي حيث قال المقترح: فتختاروا من كلّ قبيلة رجلاً قوياً ثم ّتسلحوه حساماً عضباً،وليهجموا عليه بالليل ويقطّعوه إرباً إرباً، فيتفرّق دمه في قبائل قريش جميعها، فلا يستطيع بنو هاشم و بنو المطلب مناهضة قبائل قريش كلّها في صاحبهم، فيرضون حينئذٍ بالدية منهم. فاستحسن الجميع هذا الرأي واتّفقوا عليه، ثمّ اختاروا القَتَلَة، على أن يوَدّوا مهمتهم بالليل أثناء الظلام.

إلاّ أن جبرائيل  نزل على الرسول وأبلغه بمؤامرة المشركين فقرأ عليه قول اللّه تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يخرجُوكَ وَيمكرونَ وَيَمْكرُ اللّهُ واللّهُ خيْر الماكِرين) .

فقرر النبي(ص) أن ينام شخص في فراشه ليتصوّر المشركون أنّه موجود في منزله فيرتكز عملهم على محاصرة البيت دون الاهتمام بمراقبة الطرقات في نواحي مكة، فنام الاِمام علي (ع) في فراش النبي (ص) وحاصر المنزل أربعون فرداً من قريش، وخرج النبي  من الباب دون أن يشعر به أفراد قريش المكلّفون بقتله، وخروج النبي  بهذه الصورة والكيفية، فسّره البعض بأنّ القوم المحاصرين كانوا نياماً لحظة خروجه، إلاّ أنّ آخرين يرون إنّه خرج من البيت عن طريق الاِعجاز والكرامة دون أن يروه ويحسّوا به.

وقبيل طلوع الفجر عند ساعة الصفر، هجم المتآمرون على فراش النبي  ففوجئوا بوجود الاِمام علي يكشف عن نفسه، فغضبوا وندموا على انتظارهم الطويل حتّى الفجر، ولاموا أبا جهل الذي منعهم من دخول البيت فحمّلوه مسوَولية فشل الخطة، ولكنّهم أسرعوا في وضع خطه جديدة لترتيب أمر ملاحقته والقبض عليه.

وكان النبي  وأبو بكر قد أمضيا ليلة الهجرة وليلتين أُخريين في غار ثور الواقع في جنوب مكة، وذلك ليعمّي على قريش فلا يتبعوا أثره، إذ أنّ الطريق إلى المدينة يقع في شمال مكّة.

أمّا قريش فقد بادرت إلى بثِّ العيون والجواسيس في طرقات مكّة، ومراقبة مداخلها ومخارجها، وبعثت القافلة تقتص أثره ص في كلّ مكان وخاصة طريق مكة ـ المدينة، كما عيّنت مائة من الاِبل جائزة لمن يقبض عليه النبي ويردّه إليهم، أو لمن يأتي عنه بخبر صحيح.

وقد تمكّن المتتبعون لاَثر قدم الرسول من الوصول إليه عند باب الغار، إلاّ أنّهم استبعدوا وجودهما فيه، نظراً لنسج العنكبوت وبيض الحمام. فاستمرّت محاولات البحث ثلاثة أيّام بلياليها دون جدوى.

والنقطة الهامة في هذه القضية هي مفاداة الاِمام علي (عليه السلام) النبيّ بنفسه. وتعريض حياته لخطر الموت في سبيل الدين والاِسلام وحياة النبي، فهو نموذج رائع من الحبّ الحقيقي للحقّ، وقد مدحه اللّه تعالى في كتابه العظيم قائلاً: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاء مَرْضاتِ اللّهِ وَاللّهُ رءُوفٌ بِالْعِباد) .

وقد دفعت هذه العملية التضحوية الكبرى كبار علماء الاِسلام إلى اعتبارها واحدة من أبرز وأكبر فضائل الاِمام (عليه السلام) وإلى وصفه بالفداء والبذل والاِيثار، واعتبار الآية المذكورة في شأنه من المسلمات قلّما بلغ الحديث في التفسير والتاريخ إليها.

وقد طلب النبي (ص) من الاِمام علي (عليه السلام) أن يبتاع بعيرين له ولصاحبه، فقال أبو بكر: قد كنت أعددتُ لي ولك يا نبي اللّه راحلتين نرتحلهما إلى يثرب، فدفع إليه الرسول  ثمنهما.

كما أوصى النبي (ص) علياً (ع) بأن يوَدّي أمانته على أعين الناس، وأمره بترتيب رحلة الفواطم: فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وفاطمة بنت أسد أُمّ الاِمام علي (عليه السلام) وفاطمة بنت الزبير، ومن يريد الهجرة معه من بني هاشم إلى يثرب، وما يحتاجون له من زاد وراحلة.

 

وُصُوْلُ النَّبِيّ(ص) إِلَى المَدِيْنَة

وصل(ص) إلى قباء في الثاني عشر من ربيع الأول وقد نزل عند كلثوم بن الهرم، وانتظر هنالك قدوم علي وفاطمة الزهراء(ع) وكان الكفار قد لحقوا بعلي فحاربهم وتخلص منهم، فواصل سيره باتجاه المدينة حيث وصل إليها في منتصف ربيع الأول.

ولمّا انحدر النبي (ص) من ثنية الوداع ـ وهي منطقة قريبة من المدينة ـ و حطّ قدمه على تراب يثرب، استقبله الناس رجالاً ونساء، كباراً و صغاراً، استقبالاً عظيماً، ورحّبوا به أعظم ترحيب، وأصرّ القوم على النزول عند أحدهم، إلاّ أنّ النبي كان يقول عن ناقته: «خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة». فانتهت الناقة إلى أرض واسعة كانت ليتيمين من الخزرج يقال لهما: «سهل و سهيل» كانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت على باب «أبي أيّوب خالد بن يزيد الاَنصاري»، فاغتنمت أُمّ أيّوب الفرصة وبادرت إلى رحل الرسول فحلّته وأدخلته منزلها، وعندما تنازع القوم في أخذه، قال (ص) «أين الرحل؟» فقالوا: أدخلته أُمّ أيّوب في بيتها، فقال: «المرء مع رحله».

وقد اتّفق كُتّاب السيرة على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل المدينة يوم الجمعة، حيث صلّى الجمعة في بني سالم بن عوف، وهي أوّل جمعة جمعها (ص) في الاِسلام، وخطب أوّل خطبة في المدينة كان لها الاَثر العميق في قلوب أهلها ونفوسهم.

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الأُوْلَى للهِجْرَة

1- بِنَاءُ مَجْمَعٍ لِلمُسْلِمِيْن

إن أول عمل قام به النبي(ص) هو بناء مكان يجتمع فيه المسلمون للصلاة وغيرها من الأعمال التي تخدم الدين، ولم يكن المسجد آنذاك من أجل الصلاة فقط بل كان لتلقّي العلوم والمعارف ومركزاً للقضاء، ومرجعاً لحل مشاكل الناس على جميع الأصعدة.

وقد شارك النبي بنفسه في بناء المسجد حيث كان ينقل الحجارة واللبِن، وكان يردد قوله الشهير: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة: وكان عمار بن ياسر ممن عمل في بنائه بقوة وجدية، وفي تلك الظروف قال النبي كلمته المشهورة في عمار: تقتلك الفئة الباغية:

وبالقرب من ذلك المسجد بنيت بيوت صغيرة للفقراء وقد كُلّف عبادة بن الصامت بأن يعلمهم الكتابة وقراءة القرآن، وبعدها بنيت منازل أصحاب النبي حول المسجد.

 

  • حَلُّ بَعْضِ المَشَاكِل

تمكّن النبي(ص) من التغلب على الهديد من المشاكل التي كانت قائمة بينهم فآخى بين المهاجرين والأنصار حيث قال لهم: تآخوا في الله أخوين أخوين: وهناك اختار(ص) علياً(ع) أخاً لنفسه وقال: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة:

وكان من أمهات المشاكل هناك مشكلة يهود يثرب فإذا لم يستطع الرسول أن يضع حداً لتلك المشكلة فإنه لا يستطيع معالجة مشكلة قريش، فرأى أن يتقدّم بالتفاهم معهم بعقد معاهدة تعايش سلمي ودفاع مشترك بين الاَنصار والمهاجرين، يوقّع عليها اليهود أيضاً.

وتعتبر هذه المعاهدة من أهمّ الاَعمال التي كشفت عن مدى التزام الرسول بمبادىَ الحرية و العدالة، وقد كان هذا العمل من أكبر الإنتصارات السياسية للإسلام والمسلمين في ذلك الوقت.

ولم يقف الأمر عند يهود يثرب بل عقد النبي(ص) معاهدات مع بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، وكانت تلك مشابعة لمعاهدة يهود يثرب، وكان من أهم بنودها: عدم الإعتداء على الرسول وأصحابه.

ولكن اليهود لم يلتزموا الصمت في تلك المرحلة فراحوا يدسون السموم الفكرية والعقائدية بهدف زعزعة صفوف المسلمين، غير أن جميع مخططاتهم باءت بالفشل.

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الثّانِيَة للهِجْرَة

1- الإِسْتِعْرَاضَاتُ العَسْكَرِيَّةُ

تميزت هذه السنة من سنوات الهجرة بالإستعراضات العسكرية والمناورات الحربية التي أمر بها النبي(ص) منذ الشهر الثامن من الهجرة وحتى شهر رمضان من السنة الثانية لها، وقد كانت تلك أول مناورات عسكرية في تاريخ المسلمين.

2- إِرْسَالُ الغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا

الغزوة هي العملية التي كان يشارك فيها الرسول(ص) بنفسه، وأما السرية فهي التي كان يأمر بها ولا يشارك فيها.

لقد أعدّ النبي(ص) أول لواء عسكري بقيادة حمزة بن عبد المطلب حيث سيّره مع ثلاثين فرداً إلى سواحل البحر الأحمر حيث تمر قوافل قريش، فلم يحدث بينهم أي قتال.

وبعث(ص) بسرية أخرى بقيادة عبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب في ستين فرداً بهدف التعرض لقافلة قريش التجارية فلم يحدف بينهم قتال أيضاً.

وفي شهر صفر من تلك السنة خرج النبي بنفسه ومعه مجموعة من المهاجرين والأنصار لملاحقة ركب قريش التجاري حتى بلغ الأبواء فرجع دون أن يلقى أحداً منهم.

وفي شهر ربيع الأول من نفس السنة خرج ومعه مئتا فرد حتى وصل إلى بواط قرب ينبع على بُعد 90 كيلو متراً من المدينة ولكنه لم يظفر بقافلة قريش.

وكذا خرج في شهر جمادى الأولى لاعتراض أكبر قافلة تجارية لقريش خارجة من مكة نحو الشام بقيادة أبي سفيان ولكنه لم يلتقي بهم.

وأرسل عبد الله بن جحش في شهر رجب على رأس أفراد لملاحقة قافلة قريش التجارية فنزل نخلة بين مكة والطائف وتقابل مع قافلة قرشية بقيادة عمرو بن الحضرمي فباغتهم المسلمون واستولوا على أموالهم وأسروا اثنين منهم، وقد كانت تلك أول غنيمة يحصل عليها المسلمون، وأما الأسيران فلم يطلق الرسول سراحهما إلا أن تطلق قريش سراح اثنين من المسلمين فتم التبادل بينهما على هذا الأساس.

3- تَغْيِيْرُ اتّجَاهِ القِبْلَة

تحولت قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في الشهر السابع عشر للهجرة(رجب)  فقد صلّى الرسول (ص) 13 عاماً في مكّة نحو بيت المقدس، ولمّا زاد إيذاء اليهود للرسول بعد تنامي قوّة المسلمين وانتشار الاِسلام، وقولهم: «أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا» اغتمَّ الرسول لذلك وشق عليه، فانتظر فرجاً و وحياً من جانب اللّه، حتى نزلت الآية: (قَدْنَرْى تَقَلُّبَ وَجْهكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبلَةً تَرضاها) فكان تغيير القبلة واحداً من مظاهر الابتعاد عن اليهود و اجتنابهم.

وقد تمّ التحويل خلال الركعة الثانية من صلاة الظهر، حين أخذ جبرائيل (عليه السلام) يد النبي وأداره نحو المسجد الحرام،فتبعه الرجال والنساء في المسجد، فتوجه الرجال مكان النساء واتخذت النساء مكان الرجال.

4- مَعْرَكَةُ بَدْرٍ

كان المشركون قبل هجرة المسلمين قد صادروا أموالهم، وقد وردت معلومات للنبي(ص) تؤكد أن قافلة كبرى لقريش يحمل بضائعها ألف بعير يقودها أبو سفيان في أربعين رجلاً وهذا وقت مناسب لاسترداد حقوف المسلمين عبر مفاوضات بين الطرفين بعد الإستيلاء على أموال المشركين فخرج النبي(ص) ومعه 313 رجلاً 82 من المهاجرين و170 من الخزرج و 61 من الأوس وكان ذلك يوم الإثنين الثامن من شهر رمضان.

وكان خوف أبي سفيان قد دفع به إلى الإستغاثة بأهل مكة الذين كانوا جاهزين، فعلم النبي بذلك ولم يكن متهيئاً للحرب فاستشار أصحابه في ذلك فقرروا المواجهة العسكرية رغم قلة عددهم فتحركوا نحو بدر، غير أن أبا سفيان علم بذلك فغيّر وجهة سيره فأصر أبو جهل على مواصلة التقدم نحو بدر.

وأما من الجانب الإسلامي فقد اقترح أحدهم أن تدفن الآبار هناك للتضييق على القرشيين الذين تحركوا نحو بدر في السابع عشر من شهر رمضان وهناك التقى الجمعان فبرز من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، ومن المسلمين عوف ومعاذ وعبد الله بن رواحة، فرفضت قريش أن تبارزهم فبارزهم عبيدة ابن الحارث وحمزة والإمام علي(ع) فبارز حمزة شيبة وبارز عبيدة عتبة وبارز علي الوليد وانتهت المبارزة بقتل الثلاثة المشركين، وبعد تلك المبارزة الفردية التي ألقت الرعب في صفوف المشركين بدأت المبارزة الجماعية فحصلت بين الطرفين حرب طاحنة استشهد فيها من المسلمين 14 رجلاً وقُتل فيها من المشركون 70 رجلاً وأُسر منهم 70 أيضاً، وقد دُفن شهداء بدر في تلك الأرض، أما قتلى المشركين فقد أمر الرسول(ص) بإلقائهم في البئر.

ووقف الرسول أمام تلك البئر منادياً: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس، ثمّ قال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً، فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً:

ثم صلى العصر وغادر أرض بدر قبل غروب الشمس وقد وزّع الغنائم على مستحقيها ممن حضروا المعركة وممن غابوا عنها.

وتحولت بيوت مكة إلى مآتم فمنعهم أبو سفيان من البكاء وشجعهم على الأخذ بالثأر.

أما الأسرى فقد طلب منهم النبي بأن يعلّم كل واحد منهم القراءة والكتابة لعشرة من المسلمين مقابل الإفراج عنه أو يدفع كل واحد منهم أربعة آلاف درهم، وأما الفقير منهم فقد أفرج عنه من دون مقابل بعد أن دعاهم إلى الإسلام.

وقد تحركت عائلات مكة لدفع الفداء، وبعد هذا الإنتصار الكبير تغيرت معادلات كثيرة على الأصعدة السياسية حتى عند اليهود أيضاً.

5- غَزْوَةُ قَرْقَرة الكُدْر

تقع هذه المنطقة بين المعدن والمدينة يسكنها قبيلة بني سلم، وفي هذه السنة أيضاً بلغ النبي(ص) أن تلك القبيلة تتهيأ لحرب المسلمين في المدينة فخرج إليهم بنفسه إلا أنهم تفرقوا وانتهت هذه المواجهة على هذا الأساس.

6- غَزْوَةُ السّويْق

كان أبو سفيان قد قرر الإنتقام من المسلمين بعد هزيمته في بدر فاعتدى على رجل من المسلمين فقتله وقتل أجيراً له وأحرق داره وزرعه ليفي بنذره في أخذ الثأر فهاجمه المسلمون ففر منهم.

7- غَزْوَةُ ذِي أمّر

يقع هذا المكان في طريق المدينة، وقد وقعت هذه الغزوة عندما أعدت قبيلة غطفان هجوماً على المدينة فخرج الرسول لمحاربتهم فهربوا جميعاً، وقد حاول أحدهم أن يتخلص من رسول الله(ص) وهو يستريح تحت شجرة في وادي ذي أمّر، إلاّ أنّ النبي  تمكّن من السيطرة عليه بفعل معجزة إلهية، فأسلم الرجل.

8- زَوَاجُ السَّيّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء (عليها السلام)

تقدّم أشراف العرب للزواج من السيّدة فاطمة وكان(ص) يردهم ويقول: إن أمرها بيد الله: : فأدركوا أنّ زواجها ليس سهلاً، إلاّ أنّ الاِمام علياً (ع) حينما تقدّم إلى النبي (ص) يخطبها وافق على طلبه وقال: «يا عليّ إنّه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها، فرأيت الكراهة في وجهها، ولكن على رسلك حتى أخرج إليك».

فدخل على السيّدة الزهراء(عليها السلام) قائلاً : «إنّ علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته، وفضله وإسلامه، وإنّي قد سألت ربّي أن يزوّجك خير خلقه وأحبّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً، فما ترين؟».

فسكتت السيدة فاطمة(عليها السلام) ولم ير الرسول في وجهها كراهة، فقال: «اللّه أكبر، سكوتها إقرارها».

ولما لم يكن الاِمام عليّ يملك مالاً، أمره النبي ببيع درعه لصرفه على نفقات الزواج، وكان مهرها 500 درهم، وسكن أوّل الاَمر في منزل أحد الصحابة بصورة موَقتة، وعمل فرحاً وزفافاً جميلاً، وأطعم فيه كلّ المسلمين.

ونقل ابن بابويه، أنّ النبي أمر بنات عبد المطلب ونساء المهاجرين والاَنصار أن يمضين في صحبة فاطمة  وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن ولا يقولن ما لا يرضي اللّه، ثم ّدعا لهما النبي : «اللّهمّ إجمع شملهما، وألّف بين قلوبهما، واجعلهما وذرّيتهما من ورثة جنّة النعيم، وارزقهما ذرّيةً طاهرةً طيّبةً مباركةً، واجعل في ذرّيتهما البركة، واجعلهم أئمّة يهدون بأمرك إلى طاعتك، ويأمرون بما يرضيك. اللّهمّ إنّهما أحبّخلقك إليّ فأحبّهما، واجعل عليهما منك حافظاً، وإنّي أُعيذهما بك وذرّيتهما من الشيطان الرّجيم»

فكانت أفضل زيجة في الاِسلام وأكثرها خيراً وبركة، إذ أنجبا أفضل الاَولاد والبنات وأطهرهم: الحسن والحسين، وزينب «عليهم السلام» التي اشتهرت في نصرة أخيها بكربلاء.

أمّا ما دسّه أصحاب الاَقلام المأجورة و ذوو النفوس الضعيفة والقلوب الحاقدة من أباطيل و ترّهات حول وجود خلاف و تنازع بين الزوجين الطاهرين، فتكذّبه الاَحاديث الكثيرة عن رسول الّله حول مكانتهما و عُلوّ شأنهما، نقتطف منها ما يلي:

ـ «أحبّ الناس إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من النساء فاطمة ومن الرجال عليّ».

ـ «خير رجالكم علي بن أبي طالب، وخير نسائكم فاطمة بنت محمّد».

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الثّالِثَةِ للهِجْرَة

1- مَعْرَكَةُ أُحُد

قرر كفار قريش إعلان الحرب على النبي(ص) على أن تتكفل قريش بجميع النفقات اللازمة فأعدت أربعة آلاف مقاتل، وقد كانت نساؤهم تحرض الرجال على القتال والصمود، فكتب العباس بن عبد المطلب تقريراً مفصلاً للرسول(ص) حول تلك الإستعدادات، فعقد النبي اجتماعاً تقرر على إثره الخروج للحرب، وكان جيش المشركين قد وصل إلى أطراف المدينة، وعندها صلى المسلمون الجمعة ولبس الرسول لامته وتقلد سيفه وخرج بمئات المقاتلين للمواجهة بعد أن رفض مشاركة اليهود المتحالفين معه في تلك الحرب.

وفي يوم السبت 7 من شهر شوال، اصطف الجيش الاِسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم «عبد اللّه بن جبير» وطلب منهم الالتزام بالموقع إلاّ أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل هوَلاء الرماة لاَوامر النبي حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي.

وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني الدار لحمل الراية، قتلهم الاِمام علي جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً.

وبذلك فإنّ النتيجة الاَوّلية كانت هزيمة الكفّار مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (ص) مهما كلّفهم الاَمر، وهم:

1.عبد اللّه بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي .

2.عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي بأحجار فكسر رباعيته.

  1. ابن قميئة الليثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.

4.عبد اللّه بن حميد، الذي حمل على النبي فقتله أبو دجانة بطل الاِسلام.

5.أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المعركة وغيرها على شجاعته وقوّته، وقد أكدها الاِمام علي (ع) قائلاً: «كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول اللّه (ص) فلم يكن أحد أقرب منّا إلى العدو منه».

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم فاعتمدوا الاِعلام المزيف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من قطع الاَنوف وجدع الآذان وسمل العيون وقطع الاَصابع والاَرجل والمذاكير، نكاية بالمسلمين وإطفاءً للحقد الدفين، وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله فعُرفت بآكلة الاَكباد، كما عرف أبناوَها فيما بعد ببني آكلة الاَكباد.

وقال الرسول (ص) عندما شاهد عمّه حمزة: «ما وَقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا».

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكة، أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي  الظهر والعصر، دفنوا الشهداء واحداً واحداً أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد.

أمّا الشهداء فكانوا ما بين 70 أو 81 مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش 22 فرداً، وأمّا النبي فقد عالجته السيدة فاطمة «عليها السلام» والاِمام علي  حينما رجع إلى المدينة.

 

2- غزوة حمراء الاَسد

استغل اليهود والمنافقون أوضاع المسلمين بعد أحد فأمر النبي بملاحقة العدو في نفس هذه الليلة حتى يرهب العدو ويبلغه قوة المسلمين واتحادهم وأنّ ما أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فخرج بأصحابه إلى «حمراء الاَسد» مخلفاً على المدينة:ابن أُمّ مكتوم.

وقد استطاع «معبد بن أبي معبد الخزاعي» رئيس بني خزاعة، الذي ارتبط بعلاقات ودية طيبة مع الرسول والمسلمين بالرغم من كفره وشركه، من أن يخوّف أبا سفيان ويرعبه بما ذكره له عن قوّة المسلمين، وأعدادهم وملاحقتهم لقريش، ممّا دعاه إلى الانصراف عن مهاجمة المدينة مرّة أُخرى.

3- سَرِيَّةُ مُحَمّدِ بنِ مسْلمَة

عندما انزعج كعب بن الاَشرف لانتصار المسلمين في بدر، وحاول إثارة قريش عليهم، فبدأ بإيذاء نساء المسلمين، ممّا جعل الرسول يقرر التخلّص منه، فأرسل إليه محمّد بن مسلمة، الذي أعدّ خطة محكمة للقضاء عليه، فقتلوه بمساعدة أخيه بالرضاعة «أبونائلة». كما تخلّصوا من مفسد آخر هو:«أبو رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي» الذي قام بنفس دور كعب بن الاَشرف في إيذاء الرسول والمسلمين.

4- وِلادَةُ الإِمَامِ الحَسَنِ(ع)

وفي هذه السنة، ولد السبط الاِمام الحسن (عليه السلام) في 15 من شهر رمضان.

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ للهِجْرَة

1- النتائج السلبية لمعركة أُحد

بالرغم من إظهار المسلمين قوتهم، ومطاردتهم للعدو ومنعهم من مهاجمة المدينة، فإنّ المنافقين واليهود والمشركين أعدّوا الموَامرات ضدّ الاِسلام والمسلمين، وجهزوا العدّة لمحاربتهم،مثل قبيلة «بني أسد» التي أرادت الهجوم على المدينة لنهبها، فأرسل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) 150فرداً بقيادة أبي مسلمة الذي تمكن من القضاء عليهم والتخلّص منهم.

ومن المعروف أنّ النبي (ص) كان يرسل الدعاة و المبلغين من قرّاء القرآن الكريم، والمسلمين بالاَحكام الاِسلامية والتعاليم النبوية، لينقلوا تلك التعاليم والاَحكام إلى الناس في المناطق البعيدة والاَماكن النائية، كما كان يبعث من جانب آخر، السرايا والمجموعات العسكرية للقضاء على محاولات التمرد والموَامرات، ليتسنّى لهوَلاء المبلغين والدعاة في ضوء الاَمن والحرية والاَمان، الدعوة إلى الاِسلام وإرساء دعائم الحكومة الاِسلامية في القلوب، وتنوير الاَفكار وإيقاظ العقول. إلاّ أنّه كان يحدث أنّ بعض القبائل المتوحشة والمتخلفة فكرياً وأخلاقياً كانت تعتدي على هوَلاء المبلغين وتقتلهم بصورة مفجعة مأساوية مثلما قامت به جماعة من قبيلة «عضل والقارة» الذين طلبوا القرّاء من الرسول  وغدروا بهم أثناء الطريق إلى مكان سكنهم.

ومن قبلهم طلب أبو براء العامري في شهر صفر من هذه السنة، من الرسول أن يبعث رجالاً إلى نجد يدعوهم للاِسلام مع أنّه لم يسلم، فقال الرسول: «إنّي أخشى عليهم أهل نجد». ولكن أبا براء أعلن عن استعداده لاِجارتهم وضمان أمنهم فقال: أنا لهم جار. فبعث النبي (ص) أربعين رجلاً من أصحابه الخيار من حفظة القرآن و أحكام الاِسلام بقيادة «المنذر بن عمرو» و معه كتاب إلى «عامر بن الطفيل» أحد زعماء نجد، الذي قرر الغدر بهم، فقتل رسول المنذر، وطلب من بني عامر قتل المبلّغين، إلاّ أنّهم رفضوا على أساس أنّ لهم عقداً وجواراً مع أبي براء. فاستصرخ عليهم قبائل«بني سليم» الذين أجابوه، فأحاطوا بالدعاة وقاتلوهم حتى قتلوهم عن آخرهم بعد أن قاوموا بقوّة وبسالة عظيمة. وتسمّى هذه الحادثة بجريمة بئر معونة، التي لم ينسها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يذكر شهداءها فترة من الزمان.

2- غزوة بني النضير

طلب النبي (ص) من يهود بني النضير المساهمة في دفع دية اثنين قتلا خطأ، بموجب الاتفاقية المعقودة بينه وبينهم، والتي تقضي بالتعاون فيما بينهم في تسديد الدية، إلاّ أنّهم أضمروا له الشر، حينما سار إليهم في عدد قليل من أصحابه، وقصدوا قتله غدراً، وذلك بإلقاء صخرة عليه من فوق البيت الذي أستند الرسول ص إلى جداره، ولكنّه (ص) علم بموَامراتهم سواء من تحركاتهم المشبوهة، أو بخبر جاء من السماء، فترك المكان مسرعاً بالعودة إلى المدينة، دون أن يخبر أصحابه الذين انتظروه طويلاً دون جدوى، وقد أخبرهم عند عودتهم بالسبب:«همت اليهود بالغدر بي فأخبرني اللّه بذلك فقمت».

ورداً على الموقف الغادر لليهود، فقد أمر الرسول المسلمين بالاِعداد لحربهم، وبعث رسالة إليهم مع «محمّد بن مسلمة» يبلغ فيها سادتهم: «قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. أخرجوا من بلادي، فقد أجّلتكم عشراً، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه».

وكان حكم الرسول  هذا مطابقاً لما جاء في الميثاق الذي عقد بينهم عند دخوله المدينة: «ألاّ يعينوا على رسول اللّه ولا على أحد أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح في السر والعلانية، واللّه بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول اللّه في حلّ من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم». إلاّ أنّ المنافقين برئاسة «عبد اللّه بن أُبيّ» اتّصلوا ببني النضير يعرضون عليهم المساعدة والتعاون، بعدم تنفيذ أوامر الرسول  بالخروج من المدينة، ممّا دفعهم إلى اللجوء إلى حصونهم، والاِعداد للحرب ومقاومة الرسول حتى لا يسيطر المسلمون على ديارهم وبساتينهم وممتلكاتهم، وأرسل «حيي بن أخطب» إلى الرسول (ص) : إنّا لا نبرح من دارنا وأموالنا فاصنع ما أنت صانع؛ فما كان من النبي إلاّأن خرج إليهم، بعد أن استخلف على المدينة «ابن أُمّ مكتوم» وسار لمحاصرة بني النضير، فاستمر الحصار ست ليال على رواية ابن هشام، أو 15 يوماً حسب الروايات الاَُخرى. وأمر الرسول بقطع النخيل المحيطة بحصونهم، وإلقاء النار عليهم، حتى يكرهوا البقاء في تلك الديار بعد إعدام بساتينهم.

فدفعهم ذلك فعلياً إلى الرضوخ لمطالب الرسول بالجلاء عن موطنهم، على أن تحمل إبلهم ما لهم من مال دون أن يأخذوا السلاح والدروع، فرضى النبي ص بذلك، فخرج جماعة منهم إلى خيبر وأُخرى إلى الشام.

وقد جرت هذه الحادثة في ربيع الاَوّل 4هـ وأوردتها سورة الحشر في القرآن الكريم.

 

3- غزوة ذات الرقاع

علم النبي(ص) أنّ قبائل بني محارب و بني ثعلبة من قبائل غطفان، أعدتا للهجوم على المدينة، فسار إليهم وأدّبهم، دون أن يحدث قتال، وأصاب بعض الغنائم.

كما خرج النبي  في قوّة بلغت 1500 فرد من المحاربين قاصداً بدراً لملاقاة أبي سفيان، الذي كان قد قرر في أُحد أن يلتقي بهم في هذه السنة، إلاّ أنّهم تخوفوا من مواجهة المسلمين، وذلك من أظهر الصور لحكمة النبي (ص) في إجراءاته العسكرية، فقد أظهر قوته وعزيمته أمامهم، ممّا كان له أثره القويّ في نفوس الاَعداء.

 

4- تحريم الخمر

و قد حرّمت في أربع مراحل تدريجية ضمن آيات أربع أظهرت الاستياء من الخمر، فبدأت من مرحلة مخففة حتى انتهت إلى مرحلة الاِعلان عن التحريم القطعي. فالآيات الاَربع منعت من الخمر، بعد أن وصفتها بالرجس وإنّها نظير الميسر وانّها عمل شيطاني.

 

5وِلادَةُ الإِمَامِ الحُسيْنِ(ع)

و في هذه السنة ولد السبط الاَصغر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الاِمام الحسين (عليه السلام) في 3 شعبان.

وفي هذه السنة توفيت السيدة فاطمة بنت أسد أُمّ الاِمام علي (عليه السلام) .

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الخَامِسَةِ للهِجْرَة

1- غَزْوَةُ دَوْمَةِ الجَنْدَل

خرج الرسول (ص) في ألف من المسلمين إليها لما ذكر عن أهلها من أنّهم يظلمون الناس والتجار وينوون الاِغارة على المدينة، إلاّ أنّ الاَهالي تركوها وهربوا منها عند اقتراب المسلمين منها، فأقام بها النبي أيّاماً ثمّ عاد إلى المدينة في 20 من شهر ربيع الثاني، دون حدوث قتال.

 

2- غَزْوَةُ الأَحْزَاب(الخَنْدق)

بعد إجلاء بني النضير عن المدينة قرر زعماؤهم القيام بأعمال عدائية ضد المسلمين فقصدوا مكة وحرضوا قريشاً، وبذلك شكّلوا اتحاداً كبيراً من أحزاب كثيرة، ولذا سميت بغزوة الأحزاب.

علم النبي بتلك التحركات فاستشار أصحابه فأشار سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة ففعلوا ذلك، وكان طول الخندق 5500 متراً، بعرض خمسة أمتار وعمق خمسة أمتار، وقد أنجزا هذا العمل الكبير في غضون ستة أيام، وقام العدة البالغ عدد أفراده عشرة آلاف بمحاصرة المدينة شهراً، وكانوا على الشكل التالي:

أربعة آلاف من قريش، وسبعماية من بني سليم، وألف من قبيلة فزارة، وثلاثة آلاف وخمسماية مقاتل من باقي القبائل.

أما عدد المقاتلين من المسلمين في تلك المعركة لم يتجاوز الثلاثة آلاف حيث نزلوا في موضع مرتفع يراقبون تحركات العدو.

وكان الموسم موسم شتاء والطعام قليل فاتصل المشركون بيهود بني قريظة الذين كانوا داخل المدينة فنقضوا الميثاق مع الرسول، فعلم النبي بذلك فأرسل زيداً بن حارثة ومسلمة بن أسلم على رأس 500 مقاتل للحفاظ على أهل المدينة، وأما في ساحة المعركة فقد تمكن خمسة من شجعان المشركين بعبور الخندق وعلى رأسهم عمرو بن عبد ود العامري فطلبوا المبارزة مع أبطال المسلمين، فقال(ص) أيّكم يبرز إلى عمرو أضمن له الجنة: فقام الاِمام علي (ع) قائلاً:أنا له يا رسول اللّه: وكان القوم وكأنّ على روَوسهم الطير، وذلك لمكان عمرو وشجاعته المعروفة.

فقد برز الاِمام علي وقال النبي هنا كلمته الخالدة: «بَرَزَ الاِيمانُ كُلّه إلى الشرك كلّه». وتمكّن الاِمام علي (عليه السلام) من التخلص من عمرو والقضاء عليه حين ضربه ضربة قوية على ساقيه فقطعهما، فكبّر الاِمام علي  يعلن انتصاره ومقتل عمرو، ممّا كان له أثره في العدو، فألقى الرعب في نفوسهم، فهربوا إلى معسكرهم تاركين الخندق، وسقط أحدهم بفرسه في الخندق وهو: «نوفل بن عبد اللّه» فرماه الحرس بالحجارة، ممّا جعله يطلب مقاتلة أحد المسلمين، فنزل إليه الاِمام علي «عليه السلام» فقاتله وقضى عليه في الخندق.

ونظراً لضربة الاِمام علي (ع) الموَثرة ذات النتيجة والفعالية، فقد قال عنها النبي (ص) : «ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» إذ لم يبق بيت من بيوت المشركين إلاّ ودخله ذل بقتل عمرو بن عبد ود، على عكس ما حدث لبيوت المسلمين، فقد دخله بذلك العزّ والافتخار، فالضربة كانت في الواقع هزيمة للمشركين والاَحزاب ونهاية لقوتهم، بالاِضافة إلى الظروف السائدة، من قلّة الطعام والعلف والبرد.

 

3- غَزْوَةُ بَنِيْ قُرَيْظَة

قرر النبي (ص) معالجة قضية بني قريظة بعد المعركة دون انتظار، وذلك بأمر من اللّه تعالى، فسار مع المسلمين ليحاصر حصونهم التي تحصنوا بها وأغلقوا الاَبواب، فطلبوا من النبي السماح لهم بترك المدينة فرفض ولذا فقد سلّموا أنفسهم للمسلمين دون أيَّة شروط، فدخل المسلمون الحصن وجردوهم من سلاحهم وحبسوهم حتى يتقرر مصيرُهم، وقد قسمت الغنائم بين المسلمين بعد إخراج الخمس منها، وأُعطي للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد، وسلم الرسول ص أموال الخمس لزيد بن حارثة، ليشتري بها السلاح والعتاد والخيل من نجد.

وقد استشهد سعد بن معاذ الذي كان قد جرح في معركة الخندق، بعد أحداث بني قريظة. وانتهت هذه المشكلة في 19 من شهر ذي الحجّة.

 

4- زَوَاجُ الرَّسُوْلِ(ص) بِزَيْنَب بِنْتِ جحش

كان زيد بن حارثة قد سرقه قطّاع الطرق وباعوه في سوق عكاظ فاشتراه حكيم ابن حزام وأهداه لعمته السيدة خديجة(ع) التي أهدته بدورها إلى النبي(ص) الذي أحبه كثيراً وعامله بلطف، وعندما قرر الرسول(ص) أن يحطم الجاهلية فقد زوّج زيداً من ابنة عمته زينب بنت جحش، إلاّ أنّ زواجهما لم يدم طويلاً فافترقا بعد الطلاق، ثمّ تزوجها النبي وذلك للتخلّص من تقليد جاهلي آخر مترسب في المجتمع، حيث كان يعتبر الابن المتبنّى كالابن الحقيقي،يعامله مثله تماماً في الحقوق والواجبات، ولذا فقد كلف اللّه تعالى نبيه  بأن يقضي على هذا التقليد الجاهلي والسنّة الخاطئة بإجراء عملي ظاهر للعيان، و هو التزوّج من زينب مطلّقة متبنّاه زيد:( فَلَمّا قَضى زَيدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَي لا يَكُونَ عَلى الْمُوَْمِنينَ حَرَجٌ في أَزواجِ أَدْعيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً).

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ السَّادِسَةِ للهِجْرَة

1- القَضَاءُ عَلَى اليَهُوْد

كان لابدّ من القضاء على خطر اليهود، إذا أراد المسلمون حياة الاستقرار والاَمن، حتى لا تتكرر قضية الاَحزاب مرّة أُخرى، فأرسل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» مجموعة من شجعان الخزرج لتصفية هذا العنصر الحاقد، وكان على رأسهم: سلام بن أبي الحقيق، الذي عاش في خيبر، فخرجوا حتى وصلوا خيبر فدخلوها ليلاً، فدخلوا على المفسد وقتلوه، إذ طالما أزعج المسلمين بفتنه وموَامراته، وعادوا إلى المدينة سالمين.

2- قبيلة بني لحيان

قرر النبي (ص) في هذه السنة تخويف هذه القبيلة، التي اعتدت من قبل على عدد من دعاة المسلمين غدراً ودون رحمة، فقام بسلسلة من المناورات العسكرية واستعراض لقواته القتالية، ليرهب أعداء اللّه الآخرين أيضاً و قريش خاصة فيذعرهم حيث كان الرسول ص وأصحابه قد نزلوا عسفان على مقربة من مكة، وكان من رأيه، أنّه : «لو هبطنا عسفان لرأى أهل مكّة أنّا قد جئنا مكة». كما ذكر جابر بن عبد اللّه الاَنصاري أنّ النبي (ص) قال عند رجوعه إلى المدينة: «أعوذ باللّه من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الاَهل والمال».

 

3- بنو غطفان

في 3 من شهر ربيع الاَوّل، اعتدى جماعة من بني غطفان على إبل لرسول اللّه (ص) في منطقة الغابة ـ وهي قريبة من المدينة من ناحية الشام ـ و قتلوا رجلاً وأخذوا امرأة، فطاردهم الرسول  وقاتلهم في ذي قرد، واستعاد منهم المرأة وعدداً من الاِبل .

 

4- غزوة بني المصطلق

قرر الحارث بن أبي ضرار أن يغزو المدينة، فأعد الرسول عدّته للقضاء عليهم، فخرج عندما علم من رجال مخابراته بنواياهم، فلقيهم عند ماء «المريُسيع» وقاتلهم فتفرقوا، وغنم المسلمون منهم كثيراً كما سبوا عدداً كبيراً من نسائهم.

وبعد المعركة، حدث أن تقاتل اثنان من المهاجرين والاَنصار على الماء، حتى كادت أن تقع حرب بين الطرفين، لولا حكمة الرسول الذي تمكن من إخماد الفتنة في مهدها، وتجنيب المسلمين أخطارها، إلاّأنّ عبد اللّه بن أُبيّ رئيس المنافقين استغل الموقف فأثار الاَنصار ضدّ المهاجرين، على أساس أنّهم أقلّ مكانة منهم، ممّا تركت كلماته أثرها في نفوسهم، إذ أنّهم ما زالوا يعانون من بقايا العصبية الجاهلية، وكادت الحركة أن توجه ضربة قاضية إلى صرح الوحدة الاِسلامية والاِخوة الاِيمانية، ولكن زيد بن الاَرقم ظهر من بين فتيان المسلمين ليرد عليه بالكلمات القوية: «أنت واللّه الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمّد في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، واللّه لا أحبك بعد هذا أبداً». ثمّ سار إلى النبي (ص) يخبره بما حدث من المنافق، فأراد الرسول أن يهدّىَ الاَوضاع، فأمر بالرحيل في ساعة من النهار لم يكن يرتحل فيها عادة، كما أنّه سار ليلاً ونهاراً دون إستراحة إلاّللصلاة، وذلك حتى يشغلهم عن الذي حدث من عبد اللّه بن أُبيّ المنافق.

وقد طلب ابنه عبد اللّه من النبي أن يسمح له بقتل أبيه، حيث كان مسلماً حقيقياً أفضل من أبيه، ولكن الرسول قال: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».

فما كان من المسلمين إلاّ أن توجّهوا باللوم على ابن أُبيّ، فلحقه من ذلك ذلّشديد بين الناس ، فلم يعبأ به أحد، ولم يعد له أيّدور، وعاش بقية حياته محتقراً بين الناس.

وفي هذه السنة خرج جماعة من قريش تنشد اللجوء إلى الحبشة خوفاً من قوة المسلمين، وكان فيهم عمرو بن العاص، الذي قدم الهدايا الكثيرة إلى الملك، الذي نصحه بأن يعلن إسلامه، إذ لا مفر من انتشار الاِسلام في بلاده، فاضطر إلى أن يسلم على يديه، وكتم أمره عن أصحابه.

 

5- الحُدَيْبِية

كانت السنة 6 هـ تقترب من نهايتها حينما رأى الرسول في المنام أنّه دخل الكعبة وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت. فقص رؤياه على أصحابه، وتفاءل بها خيراً.

إنّ هذه الرحلة الروحانية انتجت مصالح اجتماعية وسياسية، عزّزت مكانة المسلمين في الجزيرة العربية وساعدت على نشر الدين الاِسلامي فيها، ومن أبرز بنود الصلح:

  1. وقف القتال عشر سنين بين الطرفين.
  2. من قدم إلى النبي من قريش دون إذن وليّه، يردّه عليهم، ومن جاء قريشاً من محمّد لا يردّوه إليه.
  3. السماح بدخول أيّ طرف في التحالف مع أيّة أطراف.
  4. يرجع المسلمون هذا العام على أن يقدموا العام القادم للعمرة.

5.لا يُستكره أحدٌ على ترك دينه، ويعبد المسلمون اللّه بمكة بحرية وأمان.

  1. احترام الطرفين لاَموالهم، فلا خيانة ولا سرقة.
  2. لا تعين قريشٌ على محمّد وأصحابه أحداً، سواء بسلاح أو أفراد.

ثمّ كتبت الوثيقة بنسختين، ووقع عليها نفر من شخصيات قريش والمسلمين شهوداً عليها، وتسلم سهيل بن عمرو نسخة قريش، واحتفظ النبي (ص) بالنسخة الاَُخرى.

وكثيراً ما اعترض المسلمون على بعض البنود، كالبند القاضي بتسليم كلّ مسلم سار إلى الرسول من قريش، والعكس، فأوضحه الرسول (ص) .

«من جاءهم منّا فأبعده اللّه، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم اللّه الاِسلام من قلبه جعل له مخرجاً». فلا قيمة لاِسلام وإيمان من يترك المسلمين ويهرب لاجئاً عند المشركين، إذ أنّه يوَكد بفعله أنّه لم يوَمن حقّاً بالاِسلام، ولذا لم يكن هناك حاجة لقبوله في جماعتهم.

وهذا الميثاق يوَكد نزاهة الاِسلام وروحه وحقيقة تعاليمه،وأنّه لم يُطلَب نشره بقوة وإجبار، كما يذكره الاَجانب وغيرهم دوماً.

وبعد الانتهاء من تلك المراسيم وعودة جماعة قريش، قام الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بنحر ما كان معه من الهدي في نفس ذلك المكان وحلق، وأدّى الآخرون نفس العملية، ثمّ عادوا إلى المدينة بعد 19 يوماً من البقاء في أرض الحديبية.

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ السَّابِعَةِ للهِجْرَة

1- إِعْلانُ الدَّعْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ عَالَمِياً

اتخذ الرسول(ص) هذه الخطوة بعد 19 عاماً من الصراع مع قريش فقد أرسل النبي(ص) 185 رسالة إلى رؤساء العالم وملوكهم يدعوهم فيها إلى الإسلام وهي تكشف عن أُسلوب الاِسلام في الدعوة والتبليغ، وأنّه يعتمد على المنطق والبرهان، لا على السيف و القهر، وعلى الاِقناع لا الجبر.

وهذا هو الهدف من الأساس حيث صرّح القرآن الكريم بكونها عالمية منذ البداية فقال سبحانه(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كافّةً للنّاسِ بَشيراً وَنَذِيراً) وقال  (وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمين) وقال (لِيُنْذِرَمَنْ كانَ حَيّاً)

ولذا فإنّ النبي (ص) اختار ستة أفراد من خيرة أصحابه حملوا كتبه إلى الملوك، تضمنت دعوته العالمية، إلى مختلف جهات الاَرض، فتوجه سفراء الهداية ورسل الدعوة المحمّدية في وقت واحد إلى: إيران والروم والحبشة ومصر واليمامة والبحرين والحيرة، واتّخذ من هذا اليوم الذي كتب فيه الرسائل خاتماً من فضة نقشه ثلاثة أسطر: محمّد رسول اللّه، في الاَعلى لفظة الجلالة، وتليه كلمة رسول ثم ّيليه اسمه الشريف، فختم به الكتب. كما أنّه ختم تلك الرسائل بالشمع أو الطين إمعاناً في السرية وحفاظاً عليها من التزوير.

ومن أبرز مبعوثيه ورسله إلى العالم:

  1. دحية بن خليفة الكلبي: بعثه إلى قيصر الروم في القسطنطينية.
  2. عبد اللّه بن حذافة السهمي: إلى البلاط الفارسي.
  3. حاطب بن أبي بلتعة، إلى مصر:
  4. عمرو بن أمية الضميري، إلى الحبشة
  5. شجاع بن وهب: إلى أمير الغساسنة:
  6. سليط بن عمرو إلى ملك اليمامة: هوذة بن علي الحنفي:

 

2- أَحْدَاثُ خَيْبَر

تقع خيبر على بعد 32 فرسخاً من المدينة، وهي منطقة واسعة خصبة، سكنها اليهود وبنوا فيها الحصون والقلاع المتينة، وبلغ عدد سكانها 20 ألف فرد، وكثير منهم اشتركوا في معركة الأحزاب ولهذا أراد النبي(ص) أن يقضي عليهم بسبب خطرهم على الإسلام، ولذا أعدّ النبي العدة لغزو أهم مراكز اليهود فخرج معه 1600 مقاتل، وعندما وصل إلى تلك المنطقة قطع الطريق أمام أية امدادات عسكرية لليهود، وكانت حصونهم وقلاعهم قوية فاحتل النبي(ص) النقاط الحساسة بأقصى سرعة، وأما اليهود فوضعوا النساء والأطفال في حصن والطعام في حصن آخر واستقر مقاتلوهم على الأبراج ولذا قاوموا المسلمين مدة شهر كامل، وفي فتح الحصن الأول استشهد واحد من المسلمين وجُرح خمسون آخرون، وفي فتح الحصن الثاني أُسرت صفية بنت حيي بن أخطب التي أصبحت زوجة للرسول فيما بعد، وقد سيطر الجوع على المسلمين فاضطروا لأكل ما كره أكله من الأنعام، ثم بعث(ص) رجالاً لفتح الحصون فلم يقدروا على ذلك فعندها قال(ص) : «لاَعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسولَه ويحبُه اللّه ورسولُه،يفتح اللّه على يديه، ليس بفرار ـ أو كرّار غير فرّار ـ» فعلم علي(ع) بذلك فقال: اللّهم لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت: فأرسل النبي إلى علي فأتى وبه رمد في عينيه فمسح له عليها فشفي من الرمد ودفع إليه اللواء ودعا له بالنصر وقال له: لئن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم: فتوجه الإمام نحو الحصون فخرج إليه أخو مرحب فقاتله الإمام وقتله، فخرج إليه مرحب غارقاً في الدروع والسلاح ليقاتل علياً  الذي تمكن من شقّ رأسه نصفين، فكانت ضربة قوية بحيث أفزعت من كان مع مرحب من أبطال اليهود، ففروا لاجئين إلى الحصن. وبقي آخرون منهم قاتلوا علياً منازلة، فقضى عليهم الاِمام (ع) ثمّ لحق بالفارين إلى الحصن، فضربه أحدهم فطاح ترسه من يده، إلاّ أنّ الاِمام  تناول باباً كان على الحصن فانتزعه من مكانه واستخدمه ترساً يحمى نفسه حتى فرغ من القتال. وبعد ذلك حاول ثمانية من أبطال المسلمين، كان منهم أبو رافع مولى النبي  أن يقلبوا ذلك الباب أويحرّكوه فلم يقدروا.

ونقل الشيخ المفيد في إرشاده بسند خاص عن أمير الموَمنين علي «عليه السلام» بخصوص الباب، قوله: «لما عالجتُ باب خيبر جعلته مجناً لي فقاتلتهم به،فلمّا أخزاهم اللّه وضعتُ الباب على حصنهم طريقاً ثمّ رميتُ به في خندقهم».

وهكذا انتهت الحرب بانتصار المسلمين، الذي كان وراءه ثلاثة عوامل أساسية:

  1. التخطيط العسكري والحربي الدقيق.
  2. حصولهم على معلومات وافرة عن العدو وأسراره.
  3. بطولة الاِمام علي (عليه السلام) .

 

 

3- عمرة القضاء

بعد مضي عام و احد على توقيع معاهدة صلح الحديبية، قرروا التوجه إلى مكّة، وخاصّة أنَّهم كانوا قد تركوها سبعة أعوام فاستعد ألفان للانضمام إلى النبي (ص) في أداء العمرة، كان من ضمنهم شخصيات بارزة ملازمة له طوال فترة وجوده في المدينة. وكان ذلك يوم الاِثنين 6 من شهر ذي القعدة. كما أنّ النبي  تحسباً لاَي طارىَ أعدّ مائتين من الاَفراد مسلّحين وضعهم خارج مكة على مقربة من الحرم للتدخل في أية مشكلة تصدر حيالهم.

وفي مكة خرج الاَهالي منها إلى روَوس الجبال وقالوا: لا ننظر إلى محمد ولا إلى أصحابه، فكانوا يراقبون المشهد من بعيد.

وطاف الرسول بالبيت على راحلته،وأمر عبد اللّه بن رواحة أن يردّد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص: «لاإله إلاّ اللّه وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده،وأعزّ جنده، وهزم الاَحزاب وحده» فردّدها المسلمون وراءه، ثمّ أمر بلالاً أن يوَذن على ظهر الكعبة لصلاة الظهر، فانزعجوا بسبب الاَذان، وأحرجتهم مضامينه التي كانت ضدّ ما يحملونه من معتقدات باطلة موروثة.

وبعد أداء المناسك، ذهب المهاجرون إلى منازلهم التي تركوها منذ سبعة أعوام فجدّدوا اللقاء بأقربائهم.

وبذا فقد تحقَّقت روَيا النبي (ص) قبل عام من هذا، في أنّه دخل البيت وحلق رأسه، ونزلت آية الفتح التي تناولت تحقيق هذا الوعد:

(لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُوَيا بِالحَقِّ لَتدخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنينَمُحَلِّقينَ رءُوسكُمْ وَمُقَصِّرينَ لا تَخافُون فَعَلمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَة

1- مَعْرَكَةُ مُؤتَة

أراد النبي(ص) أن يركز دعوته على سكان مناطق الحدود عند الشام فأرسل إلى أمير الغساسنة حارث بن عمير الأزدي فقُبض عليه وقُتل، فغضب الرسول والمسلمين لذلك، فأمر النبي بالخروج إلى الجهاد في شهر جمادى ووجّه جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة جعفر بن أبي طالب، وفي الشام أعد الحاكم الحارث مئة ألف فارس لإيقاف المسلمين، وكذا القيصر أعد نفس هذا العدد لذات الغاية، فتواجه الجيشان في منطقة مشارف فتراجع المسلمون نحو مؤتة وهناك بدأت المبارزات الفردية أولاً فاستشهد جعفر بعد مبارزة شجاعة، وكذا زيد بن حارثة، وكذا ابن رواحة، فاختار الجنود خالد ابن الوليد حيث وضع خطة للخروج من تلك المعركة ورجع الجيش الإسلامي إلى دياره بعد أن قتلوا عدداً كبيراً من خصومهم، غير أن كثيراً من المسلمين رفضوا منطق الإنسحاب هذا.

 

2- غزوة ذات السلاسل

لقد استطاع  (ص) في غزوة ذات السلاسل أن يطفىَ نار فتنة باستخدام معلومات دقيقة علمها عن العدو، قبل أن يخسر الكثير بغير ذلك،فقد علم من عناصر المخابرات الخاصة به أنّ أعداداً كبيرة متحالفة تجمعوا في منطقة وادي اليابس هدفوا إلى التوجّه نحو المدينة للقضاء على قوّة الاِسلام والمسلمين، وقتل النبي والاِمام علي خاصة،فأمر الرسول بنداء «الصلاة جامعة» أي دعوة الناس إلى الاجتماع به  فقال(ص): يا أيّها الناس، إنّ ذا هو عدو اللّه وعدوكم قد عمل على أن يبيِّتكم فمن لهم؟».

فخرجت جماعة بقيادة أبي بكر ساروا مسافة حتى واجهوا قبيلة بني سليم الذين قاوموا القوّة الاِسلامية، فقرر أبو بكر الانسحاب والرجوع من حيث أتى،إلاّ أنّ النبي لم يقبل بهذا الوضع، فانزعج لعودة الجيش بهذه الصورة المهينة، فأمر عمر بن الخطاب بتولّي القيادة، ولكنّه لم يحارب أيضاً لقوة العدو فانسحب أيضاً إلى المدينة،وطلب عمرو بن العاص من النبي أن يبعثه إلى هوَلاء الاَعداء على أساس أنّه من دهاة العرب، إلاّ أنّ بني سليم قاتلوه فهزموه وقتلوا عدداً من جماعته، فلم ييأس النبي  ونظم جماعة جديدة واختار الاِمام علياً قائدها، فاستعد الاِمام (ع) وتعصب بعصابة كان يشدها على جبينه في اللحظات الصعبة، ولبس بردين يمانيين، وحمل رمحاً هندياً، ثمّ توجه نحو الهدف سالكاً طريقاً غير معروفة ولا مطروقة حتى يعمّي بذلك على العدو، فتمكن من الانتصار عليهم.

وكانت تضحية الاِمام (عليه السلام) وشجاعته من الاَهمية بحيث نزلت فيها سورة العاديات كاملة:(وَالعادِياتِ ضَبْحاً* فَالمُورياتِ قَدحاً* فَالمُغِيراتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً* فَوسَطْنَ بهِِ جَمْعاً) .

 

3-فتح مكّة

أعلن النبي(ص) التعبئة بهدف فتح مكة وتحطيم أقوى قلعة من قلاع الوثنية، وطلب من اللّه سبحانه و تعالى في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة المسلمين وهدفهم: «اللّهم خُذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلاّبغتةً ولا يسمعون بي إلاّ فجأة».

واجتمع في مطلع شهر رمضان الكثيرون، فقد شاركت قبائل وطوائف مختلفة في هذا الفتح العظيم، اشتهر منهم: المهاجرون والأنصار وقبيلة مزينة وقبيلة جهينة وقبيلة بني كعب وغيرهم من غفار وأشجع وبني سليم، إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة الكبيرة وصلت إلى قريش، فقد أخبر جبرائيل (عليه السلام) النبي (ص) أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى مكة، وأنّ امرأة تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال،وقد ساعد النبي و المسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى المدينة، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش،ممّا جعل النبي (ص) يطلب من الاِمام علي (ع) والمقداد و الزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ الخليقة ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها الاِمام (عليه السلام) : لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.

وهكذا أعد النبي (ص) للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم 10 رمضان. وفي الطريق أفطر على الماء وأمر جنده بالاقتداء به:

وفي هذا الوقت، خرج العباس بن عبد المطلب من مكة متوجهاً إلى المدينة ليلتحق بالرسول خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية الفتح العظيم. كما التحق به عدوّان له أحجما عن الاِيمان برسول اللّه والاستجابة لدعوته و هما: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد اللّه بن أبي أُمية بن المغيرة، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول والموَذين له، إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّما ذكره لهما الاِمام علي (ع) ، بأن يقولا للنبي (ص) : ( قالُوا تاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنا وَإنْ كُنّا لخاطِئين) فسوف يعفو عنهما كما فعل يوسف (ع) مع إخوته.وقد حدث ما اقترحه الاِمام  فقبل إسلامهما.

وحينما وصل الجيش الاِسلامي إلى مشارف مكّة، عمد النبي ص إلى إرعاب أهلها وتخويفهم بإشعال النيران فوق الجبال والتلال، وهنا اتّجه «العباس بن عبد المطلب» ليوَدّي دوره العملي لصالح الطرفين، فيقنع قريشاً بالتسليم وعدم المقاومة، إذ أخبرهم بقوّة المسلمين وعددهم ومحاصرتهم لمكّة المكرمة، واصطحب معه أبا سفيان حتى يطلب له الاَمان و لهم كذلك من الرسول (ص) ، فأجاره عند الوصول إلى معسكر المسلمين، خاصة عندما حاول «عمر بن الخطاب» أن يقضى عليه ـ أي يقتل أبا سفيان ـ كما أنّه حاول إعادة قتله أمام النبي (ص) على أساس أنّه عدو للّه فلا بد من قتله.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد عزم على أن يفتح مكة دون إراقة دماء وإزهاق أرواح وتسليم العدو دون شروط،وقد تم ذلك نتيجة التخطيط السليم،وتحييد موقف أبي سفيان العدائي وحينئذٍ أطلق النبي (ص) أبا سفيان ليرجع إلى مكّة فيخبرهم بما رأى من قوّة الجيش الاِسلامي، ويحذرهم من مغبة المواجهة والمقاومة، والتسليم للاَمر الواقع بإلقاء السلاح والاستسلام دون قيد أو شرط. فصاح في أهل مكّة: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، أو قال: هذا محمّد في عشرة آلاف، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن،ومن أغلق بابه فهو آمن.

وأدّى كلّ ذلك إلى إضعاف نفوس أهل مكّة، حتى القياديين الاَعداء، ركنوا إلى المطالبة بالتسليم دون مقاومة.

وفي دخول مكّة أخذ النبي (ص) الحيطة والحذر، ففرّق الجنود، على أن يدخلوها من أسفلها، وآخرون يتخذون طريقاً من أعلاها، وأعداداً أُخرى تدخل من جميع المداخل والطرق الموَدية إلى داخل مكّة، فدخلت الفرق كلّها مكّة دون قتال، إلاّ ما حدث مع جبهة خالد بن الوليد، الذي قابلته مقاومة صغيرة تمكن من السيطرة على الوضع بعد هروب المعتدين.

أمّا النبي الاَكرم (ص) فقد دخل مكة من ناحية أذاخر وهي أعلى نقطة في مكّة، فضربت له قبة من أدم بالحجون ـ عند قبر عمّه العظيم أبي طالب ـ ليستريح فيها، فقد أبى أن ينزل في بيت من بيوتها. واغتسل بعد الاستراحة، فركب راحلته القصواء متوجهاً إلى المسجد الحرام لزيارة بيت اللّه المعظم والطواف به على راحلته، حيث لم يترجل،وكبّـر فكبّـر المسلمون، حتى ارتجت مكة فسمعه المشركون الذين تفرّقوا في الجبال ينظرون المشهد المثير. وحينما كان يمر على أي صنم من أصنام المشركين، يقول و هو يشير بقضيب في يده: (جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً) فيقع الصنم لوجهه، ثم أمر بتحطيم أكبر صنم للمشركين على مرأى منهم.

4- مَعْرَكَةُ حُنَيْن

استقر النبي(ص) في مكة 15 يوماً ثم غادرها إلى هوازن وثقيف على رأس 12 ألف مقاتل، فالتقى مع العدو الذي صنع فتنة ليفكك جيش المسلمين إلا أنهم التزموا بكلام رسولهم وحملوا على العدو حملة رجل واحد وأجبروهم على التراجع.

أمّا النتيجة النهائية للمعركة، فكانت شهادة ثمانية أفراد من المسلمين، وأسر ستة آلاف من العدو، وغنائم كثيرة من الحيوان وأربعة آلاف أوقية فضة.

وأعطى النبي (ص) أوامره بإرسال الغنائم والاَسرى إلى الجعرانة ـ بين مكة والطائف ـ و بلغ من حنق المسلمين على المشركين في هذه المعركة، أن قتلوا الرجال وذرّيتهم، فلمّا بلغ ذلك النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «ألا لا تُقتَل الذرية». وعندما قيل له: إنّما هم أولاد مشركين. قال «صلى الله عليه وآله وسلم» : «أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كلّ نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، وأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها».

 

5-غزوة الطائف

سكنت قبيلة ثقيف، واشتركوا مع هوازن في قتال المسلمين، وهربوا بعد المعركة السابقة إلى الطائف متحصنين في قلاعها وحصونها، فأمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بالاِعداد لمطاردتهم وملاحقتهم حتى ديارهم. فأرسل فريقاً عسكرياً بقيادة أبي موسى الاَشعري لملاحقتهم في أوطاس، فأحرز انتصاراً كبيراً على العدو. وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد توجه بجيشه إلى الطائف، حيث هدم حصن مالك بن عوف في طريقه، وسواه بالاَرض، حتى لا يستغله العدو فيما بعد.

واشتهرت حصون الطائف وقلاعها بالمنعة وارتفاع الجدران، فتمكنوا من ردّ المسلمين عن طريق حذفهم ورميهم، الذي أدّى إلى تراجعهم. فاقترح سلمان الفارسي أن يرمى الحصن بالمنجنيق فبدأوا برمي الحصون وأبراجها بالحجارة طوال عشرين يوماً، ممّا أصاب عدداً من المسلمين في هذه الاَعمال.

وممّا يذكر أنّ سلمان الفارسي هو الذي صنع جهاز المنجنيق، وعلّم المسلمين كيفية استخدامه، بينما يرى آخرون أنّ المسلمين حصلوا على هذا السلاح من يهود خيبر، وأنّ سلمان ربما أدخل عليه تحسينات إضافة أنّه علم المسلمين أسلوب استعماله.

كما أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حصل على بعض الآليات الحربية من خلال ما ترك في حروبه لقبيلة دوس التي استخدمتها في معاركها ضدّالمسلمين، فاستفاد منها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزو الطائف.

إلاّ أنّ نتائج تلك العمليات والآليات لم تأت بنتيجة حاسمة، فاتجه النبي إلى جانب آخر قد يكون أكبر قوّة وأثراً من الجانب العسكري، وهو الناحية النفسية والاقتصادية. إذ أنّ أرض الطائف كانت زراعية، ذات نخل وأعناب، ممّا فكر به الرسول (ص) لتهديدهم وتخويفهم لاَنّه سيعمد إلى قطع الاَعناب وإفناء المزارع، إذ استمر المعتصمون بالحصون في المقاومة. وعندما لم يرضخوا للتهديد، نفذ المسلمون عملياً أوامر النبي  بالقطع والحرق والاِتلاف، ممّا أزعج الاَهالي وطلبوا من النبي  أن يأمر رجاله بالكف عن ذلك، فتركوا العمل بهذا التكتيك. وقام بمحاولة أخيرة للتخلص منهم، فنادى: أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فنزل عدد منهم ملتحقاً بالمسلمين، وعرف منهم الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» بعض الاَخبار المرتبطة بالحصن، وأنّه لا نية لهم للاستسلام، و لديهم الاستعداد للمقاومة حتى لو طال الحصار عاماً واحداً، فلن يقعوا في أزمة أو ضيق بسبب طول الحصار. ولذا فإنّ الجيش الاِسلامي رأى أنّه من الاَصلح الرجوع عن ساحة القتال.

فترك النبي (ص) الطائف متوجهاً إلى الجعرانة حيث حفظت الغنائم والاَسرى، فاستقر فيها 13 يوماً وزع فيها الغنائم بأسلوب جدير بالدراسة والتأمل: فقد أخلى سبيل بعض الاَسرى، وخطط لاِخضاع وإسلام مالك بن عوف قائد المعارك ضدّ المسلمين، وكان من بين المشركين مع هوازن، قبيلة بني سعد التي أرضعت إحدى نسائها ـ حليمة السعدية ـ النبي (ص) وكبر بينهم وعاش معهم خمس سنوات، ولذا فإنّ جماعة مسلمة منهم قدمت إلى النبي يطلبون سراح الاَسرى من هذه القبيلة، وذكّروه بكلّ حياته بينهم في تلك السنوات. فردّ عليهم النبيص محسناً إليهم بأكثر ممّا قدموا، وتنازل عن نصيبه في الاَسرى، فتبعه المهاجرون والاَنصار و الآخرون، فارجعوهم إلى ذويهم. كما أنّ النبي  دعا أُخته شيماء وبسط لها رداءه ورحب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أُمّه وأبيه من الرضاعة، فأخبرته بموتهما، فقال: إن أحببت فأقيمي عندنا محببة مكرمة، وإن أحببت أن أُمتعك وترجعي إلى قومك فعلت. فاختارت الرجوع إلى أهلها بعد أن أسلمت طوعاً ورغبة، ومنحها ثلاثة عبيد وجارية.

وقد أدّت معاملات النبي هذه، وإطلاق الاَسرى إلى رغبة هوازن في الاِسلام، فأسلموا من قلوبهم، ففقدت الطائف آخر حليف لها.

ومن أحداث تلك السنة: وفاة زينب بنت الرسول وهي التي كان زوجها ابن خالتها أبي العاص الذي بقي على شركه بعد أن آمنت هي بأبيها، ولكنّه آمن في الفترةالاَخيرة وأعاد النبي  إليه زوجته.

كما أنّالنبي (ص) رزق في أواخر هذا العام ولداً سمّاه إبراهيم من زوجته مارية القبطية، فأهدى المولدة هدية ثمينة، وعق له في اليوم السابع وحلق شعره وتصدق بوزنه فضة في سبيل اللّه.

 

أَحْدَاثُ السَّنَةِ التاسعة للهجرة

  1. عام الوفود

في تلك السنة أخذت القبائل المتمردة تتقرب من المسلمين وتوالت الوفود عليه من كل مكان لتعلن إسلامها، ولذا سمي هذا العام بعام الوفود.

 

2- هدم الاَصنام

وفي تلك السنة أمر الله تعالى رسوله محمداً(ص) بأن يلغي كل مظاهر الوثنية فحطم جميع الأصنام التي كانت تُعبد من دون الله عز وجل.

 

  • غزوة تبوك

أعد امبراطور الروم قوة عسكرية هائلة لمحاربة المسلمين فتقدموا إلى منطقة البلقاء فأمر النبي(ص) المسلمين بالإستعداد لهم فشارك حوالي ثلاثين ألف مسلم في تلك الغزوة.

فقد استعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المعسكر قبل تحرّك الجيش، وألقى فيهم خطاباً هاماً لتقوية معنويات المجاهدين، وشرح فيه هدفه من هذه التعبئة العامة الشاملة.

وفي الطريق واجه متاعبَ ومشاق كثيرة، ولذا سمى هذا الجيش بجيش «العسرة»، إلاّأنّ إيمانهم العميق، وحبّهم للهدف المقدس، سهّل عليهم الاَمر. وعندما مروا بأرض ثمود، غطى النبي (ص) وجهَه بثوبه وأمر أصحابه بسرعة السير: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّوأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم مثلما أصابهم». كما نهاهم أن يشربوا من مائها ولا يتوضأوا به للصلاة ولا يطبخ به طعام. ولكنّهم شربوا عندما وصلوا إلى البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح (عليه السلام) فنزلوا عليها بأمر الرسول (ص) .

كما أنّ النبي أظهر في الطريق بعض الاَُمور الغيبية حتى لا يوَثّر شكّ بعضهم في إيمان الآخرين، مثلما جرى لناقته التي ضلت الطريق، وبدأ المنافقون في التقليل من قوّة النبي  واتّصاله باللّه سبحانه و تعالى، فأخبرهم بموقعها، بعلم من اللّه تعالى. وتنبأ عن أبي ذر و ما سيجري له عندما تأخّر عنهم فقال: رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده.

وصل الجيش في مطلع شهر شعبان إلى أرض تبوك، دون أن يجدوا أثراً لجيش الروم الذي كان قد انسحب إلى داخل بلاده مفضلاً عدم مواجهة المسلمين، وموَكدين حيادهم تجاه الحوادث والوقائع التي تجري في الجزيرة العربية. فجمع النبي  القادة و شاوَرَهم في أمر التقدّم في أرض العدو، أو العودة إلى العاصمة. فقرروا العودة ليستعيد الجميعُ نشاطَه بعد المشاق والتعب، إضافة إلى أنّهم حقّقوا هدفهم بتخويف العدو وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقالوا للنبي : إن كنت أُمرت بالسير فَسِرْ، فقال : «لو أُمرت به ما استشرتُكم فيه». فاحترم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) آراء هوَلاء وقرر العودة إلى المدينة.

  1. مسجد ضرار

أصبح أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة، الذي استشهد في أُحد، من المتعاونين مع المنافقين، الذين خططوا دائماً للتخريب و إفساد أعمال الاِسلام،ولذا قرر النبي (ص) اعتقاله فهرب إلى مكّة و منها إلى الطائف ثمّ إلى الشام، فقاد منها شبكة تجسسية لصالح المنافقين. وكتب في إحدى رسائله إلى جماعته، يطلب منهم أن يبنوا مسجداً في قباء في مقابل مسجد المسلمين ليتخذوه مركزاً لتخطيط وتنفيذ موَامراتهم. وكان النبي  قد رفض من قبل طلبهم هذا قبل مسيره إلى تبوك، فاستغلوا غيابه فأقاموه. و لمّا عاد النبي  طلبوا منه أن يوَدي ركعتين فيه ليسبغوا عليه الصفة الشرعية، إلاّ أنّ جبرائيل (عليه السلام) أوحى إليه بحقيقة الاَمر والنية، وسمّاه مسجد ضرار ووصفه بأنّه مركز لاِيجاد الفرقة والتآمر بين المسلمين:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُوَْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْحارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلفُن إِنْ أَردْنا إِلاّالحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّل يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ).

ممّا دعا الرسول  أن يأمر فوراً بتدميره وإحراقه وتسويته بالاَرض، فتحول مكانه إلى مزبلة فيما بعد. وكان ذلك ضربة قويّة للمنافقين، إذ انتهى حزبهم الخبيث وهلك حاميهما الوحيد عبد اللّه بن أُبي بعد شهرين من غزوة تبوك.

 

أحداث السنة العاشرة من الهجرة

  1. ورود وفد نجران، و المباهلة

كان النبي(ص) قد كتب إلى أسقف نجران أبو حارثة يدعوه إلى الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب، فتشاور مع رجاله وشخصيات دينية كان من ضمنهم شرحبيل الذي عرف بالعقل والحكمة والتدبير فاتفقوا على إرسال وفد منهم، فوصل الوفد ودخلوا المسجد لمقابلة النبي(ص) ثمّ جرت المفاوضات و المناقشات الدينية بينهم و بين النبي ص وخاصة فيما يرتبط بالسيد المسيح، فأوضح لهم النبي ص ما جاء حوله مفصلاً في القرآن الكريم، و أنّه بشر وليس إلهاً ولكنّهم لم يرضخوا لمنطق النبي ودلائله فدعاهم إلى المباهلة بعدما نزلت عليه الآيات: (فَمَنْ حاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِماجاءَكَ مِنَالعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللّهِ عَلى الكاذِبين) .

واتّفق الطرفان على إجراء المباهلة في الصحراء خارج المدينة، فاختار الرسول  من أهله أربعة أشخاص فقط هم: الاِمام علي (عليه السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والاِمامان الحسن و الحسين «عليهما السلام» فلم يكن غيرهم أطهر نفساً وأقوى وأعمق إيماناً. وفي الموعد المحدد سار النبي إلى الموقع بأسلوب مميز، فقد احتضن الاِمام الحسين وأخذ بيد الاِمام الحسن  وسارت السيدة الزهراء(عليها السلام) خلفه ، والاِمام علي خلفها، وهو يقول: إذا دعوتُ فأمِّنُوا

وكان زعماء الوفد النجراني قد قرروا أنّه إذا خرج النبي بأهله فقط، لم يباهلوه فإنّ ذلك يدل على صدقه وثقته بحاله، فلما شاهدوا ذلك بأنفسهم اندهشوا له، ولهذا قال أُسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي أرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لاَزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الاَرض نصراني إلى يوم القيامة. فاتّفقوا بذلك على عدم أداء المباهلة، واستعدادهم لدفع الجزية سنوياً للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» في مقابل قيام الدولة الاِسلامية بالدفاع عنهم.

 

  1. حجّة الوداع

في عام 10 هـ أمرَ اللّهُ تعالى نبيّه الكريم (ص) أن يشارك في مراسم الحجّ، ويعلّم مناسكه للناس، ويوقفهم على واجباتهم في هذه العبادة الكبرى عمليّاً، كما يقوم بإزالة كلّما ارتبط بها من زوائد طيلة السنوات الماضية، ويعيّن حدود عرفات ومنى و يوم الاِفاضة منها. ولذلك فقد تهيّأ عددٌ كبير من المسلمين لمرافقة النبي  في هذه الرحلة المباركة، فخرج الرسول  من المدينة يوم 26 من ذي القعدة حتى بلغ ذي الحُليفة ـ قرب مسجد الشجرة ـ فأحرم ودخل الحَرم ملبّياً: «لبيك اللّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحَمدَ والنعمة لك والملك لبيك، لا شريك لك لبيك» وهو نداء إبراهيم (عليه السلام) . وكان يكرّر التلبية كلّما شاهد راكباً أو علا مرتفَعاً من الاَرض أو هبط وادياً، وعندما شارف مكة قطع التلبية. فدخل مكّة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجّة متوجّهاً نحو المسجد الحرام رأساً، ودخله من باب بني شيبة وهو يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على إبراهيم (عليه السلام) ، فبدأ من الحَجَر الاَسود فاستلمه أوّلاًً ثمّ طاف سبعة أشواط حول الكعبة المعظمة، ثمّصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ثمّتوجه نحو الصفا والمروة للسعي بينهما، ثمّ التفت إلى حُجّاج بيت اللّه الحرام وقال: «من لم يسق منكم هدياً فليحلّوليجعلها عمرة (أي فليقصّر فيحل له ما حرم عليه الاِحرام) ومن ساق منكم هدياً فليقم على إحرامه».

إلاّ أنّ البعض منهم كره أن يحل إحرامه والنبي (ص) مُحرم، فأمرهم بتنفيذ ما قال: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرتُ لفعلتُ كما أمرتكم». أي أنّني لو كنت أعلم بالمستقبل وعرفت موقف الناس المتردد وخلافهم هذا من قبل، لما سقت الهدي، وفعلتُ ما فعلتموه، ولكن ما العمل وقد سُقتُ الهديَ فلا يمكنني الاِحلال من الاِحرام حتى يبلغ الهديُ محلّه.

وقد كره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلال فترة الحجّ أن يمكث في دار أحد، ولذا فإنّه كان يأمر بضرب ـ أي بإعداد ـ خيمة له خارج مكّة. وقصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عرفات في اليوم الثامن من ذي الحجّة عن طريق منى التي توقّف فيها إلى طلوع الشمس من اليوم التاسع، فركب بعيره نحو عرفات، ونزل في خيمة أُعدَّت له في نمرة، وألقى هناك خطاباً تاريخياً هاماً وهو على ناقته، في جموع بلغت 100 ألف.

وبدأ خطابه قائلاً: «أيّها النّاس اسمعوا قولي واعقلوه، فإنّي لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً، أيـّها النّاس، إنّ دماءَكم وأموالكم ـ وأعراضَكم ـ عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا وكحرمة بلدكم هذا، وكحرمة يومكم هذا».

وقد ألغى في هذا الخطاب عادات الثأر الجاهلية المشوَومة بادئاً بأقربائه، مثل الانتقام، والخيانة، أي أداء الاَمانة، والربا، كما استوصى بالنساء خيراً.

«وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً كتاب اللّه وسنّة نبيّه. والمسلمُ أخو المسلم، والمسلمون إخوة، ولا نبي بعدي ولا أُمّة بعدكم. ألا كلّشيء من أمر الجاهلية موضوعٌ تحت قدمي».

 

أَيْنَ وَمَتَى وَقَعَتْ حَادِثَةُ الغَدِيْر

وقعت هذه الحادثة بعد عودة رسول الله(ص) من آخر حجة له إلى بيت الله الحرام في الثامن من شهر ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة في مكان يُعرف بغدير خم بين مكة والمدينة.

مَاذَا حَصَلَ فِيْ غَدِيْرِ خُمْ

لم يكن ما جرى وما قيل في ذلك المكان والزمان بالأمر العابر، فلم يكن موقفاً عادياً أو حدثاً عابراً نمر عليه مرور الكرام بل إن ما حصل كان أكبر من ذلك بكثير، ففي تلك المنطقة المسماة(غديرخم) أُمر رسول الله محمد(ص) ببيان أمر عظيم على مستوى الأمة والتاريخ، وهو تسمية الخليفة الذي اختاره الله تعالى لهذا المنصب الرفيع، والذي هو تكليف إلهي شاق لا يحتمله إنسان عادي، وحتى لو وطّن أي إنسان عادي نفسه على تحمّل أعباء هذا الحمل فإنه لا شك سوف يأتي عليه يوم يهوي فيه أرضاً أو ينزل به إلى أسفل السافلين، وهذا ما حصل لهم بالفعل عندما ادعوا القدرة على القيام بتلك المهمة التي علِم الله تعالى بأنه لا يصلح لها سوى ابن أبي طالب(ع).

ففي الثامن من شهر ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة وقف(ص) في غدير خم وخطب بالمسلمين خطبة مهّد فيها لزف النبأ العظيم الذي يحفظ به وجودهم ويشد به عضدهم، وكان عددهم يقرب أو يزيد على مئة ألف شخص، وجاء في تلك الخطبة العظيمة:

” الحمد لله نستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا الذي لا هادي لمن أضل ولا مُضل لمن هدى ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد:
أيها الناس إني أوشك أن أُدعى فأجيب ،وإني مسؤول وأنتم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت ، وجهدت فجزاك الله خيراً .
قال (ص):ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن جنته حق وناره حق ، وأن الموت حق ،وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا :بلى ، قال : اللهم اشهد ثم أيها الناس ألا تسمعون ؟ قالوا : نعم
قال : إني فَرَطٌ – متقدم – على الحوض فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين .
فنادى وما الثقلان يا رسول الله ؟
قال (ص) : الثقل الأكبر ، كتاب الله ، والآخر الأصغر عترتي وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون ، فقال أيها الناس ، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم : قال : إن الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ،وأنا أولى بهم من أنفسهم .
فمن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه – يقولها ثلاث مرات – ثم قال : اللهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه وأحبّ من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب .
ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله :
{ اليوم اكملتُ لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي } فقال رسول الله : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي .
ثم أخذ الناس يهنئون علياً ، وممن هنّأه في مقدم الصحابة  أبو بكر وعمر كلٌ يقول :بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

4- وفاة إبراهيم ابن الرسول(ص)

وفي هذه السنة، و بعد 18 شهراً من ولادته، توفّي إبراهيم ابن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فحزن عليه. و كان النبي  قد فَقَد خلال السنوات الماضية، ثلاثة من أولاده: القاسم و الطاهر والطيّب. وثلاثة من بناته: زينب ورقية و أُمّ كلثوم. وبقيت له بنت واحدة هي السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من خديجة(عليها السلام) .

واعتبر النبيّ (ص) الحزنَ على الميت رحمةً إذ قال: «إنّما هذا رحمة، ومن لا يرحم لا يُرحَم،ولكن نُهيت عن خمش الوجوه، وشقّ الجيوب ورنّة الشيطان».

 

أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة

 

  1. الكتاب الذي لم يكتب

قرر الرسول (ص) بهدف الحيلولة دون انحراف مسألة الخلافة عن محورها الاَصلي، والحيلولة دون ظهور الاختلاف و الافتراق، أن يعزز مكانة علي (عليه السلام) ويدعم إمارته وخلافته، و أهل بيته، بإثبات ذلك في وثيقة خالدة تضمن بقاء الخلافة في خطها الصحيح.

ففي خلال زيارة بعض الصحابة له أثناء مرضه قال: «إئتوني بدواة وصحيفة، أكتب لكم كتاباً لا تضلّون بعده». فبادر عمر قائلاً: إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه. فكثر اللغَط والنقاش حول إحضار ما طلبه النبي أو عدمه، ممّا أغضب النبي (ص) فقال: «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع

وقد نَقل هذه الواقعة فريقٌ كبيرٌ من محدّثي الشيعة والسنة وموَرخيهم، وتُعتَبر من الروايات الصحيحة. وإذا سأل أحد عن عدم إصرار النبي على كتابة ذلك الكتاب، فذلك لاَنّه (ص) إذا أصرّ على موقفه، لاَصرّ هوَلاء في الاِساءة إلى النبي وخاصة أنّهم قالوا عنه، أنّه غلبه الوَجَع أو هجر، ثمّ قيامهم بعد ذلك بإشاعة الاَمر بين الناس.

وقد روى ابن حجر العسقلاني، أنّ النبي  قال لاَصحابه وقد امتلاَت بهم الحجرة وهو في مرضه: «أيّها الناس يوشك أن أُقبضَ سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القولَ معذرةً إليكم، إلاّ أنّي مخلفٌ فيكم كتابَاللّه ربّي عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي».

ثمّ أخذ بيد علي (عليه السلام) وقال :«هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، خليفتان نصيران لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألهما ماذا خلفت فيهما».

ومن الواضح أنّالنبي  لفت الاَنظار إلى حديث الثقلين مرّة أُخرى، برغم ما ذكره في مواضع متعدّدة، حتّى يوَكد أهمية الثَّقلين، وتدارك ما فات من كتابة الكتاب الذي لم يوفّق لكتابته.

وفي هذه اللحظات، طلب بعضاً من الدنانير كان قد وضعها عند إحدى زوجاته، وأمر علياً (عليه السلام) ليتصدّق بها.

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سُقي دواءً خطأً في علاجه،فقد تخيلت «أسماء بنت عميس» أنّ مرضَه ـ ذات الجنب ـ تعلمت علاجه من عقار مركب من نبات وأعشاب من الحبشة، إلاّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عَلِمَ بالدواء، ذكر بأنّ مرضه ليس ذات الجنب.

وفي تلك الفترةالحرجة، كانت السيدة الزهراء(عليها السلام) تلازم فراش والدها  لا تفارقه لحظة، وفجأة طلب منها أن تقرب رأسها إلى فمه ليحدّثها، فراح يكلّمها بصوت خفيفٍ لم يُعرَف،ولكن الزهراء(عليها السلام) بكت بشدّة، إلاّ أنّ النبي  أشار إليها مرّة أُخرى فحدّثها بشيء آخر، فرحت به وتبسمت مستبشرة. ولم تكشف عن ذلك إلاّ بعد وفاة النبي  بناء على إصرار عائشة: «أخبرني رسول اللّه ص أنّه قد حضر أجلُه وأنّه يُقبَض في وجعه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقاً به فضحكت».

وفي آخر لحظة من حياته الشريفة طلبَ الاِمام عليّاً (عليه السلام) قائلاً: «أُدعوا لي أخي». فعرف الجميع بأنَّه يريد عليّاً (عليه السلام) فدعَوا له عليّاً، فقال له: «أُدن منّي فدنا منه، فاستند إليه فلم يزل مستنداً إليه يكلّمه».

وسأل رجل ابن عباس: هل توفّي رسول اللّه  في حِجر أحد؟ قال: توفّي وهو مستند إلى صدر علىٍّ،وهو الذي غسَّله وأخي الفضلُ بن عباس.

وقيل إنّ آخر جملة نطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هي:«لا، إلى الرفيق الاَعلى». فكأنّ ملك الموت خيّره عند قبض روحه الشريفة في أن يصح من مرضه أو يلبّي دعوة ربّه، فاختار اللحاق بربّه.

وسأل كعب الاَحبار عن آخر كلمة قالها الرسول فقال الاِمام علي (عليه السلام) : أنّه قال: الصلاة الصلاة.

وقد ترك الدنيا (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الاِثنين 28 صفر، فَسُجّي ببرد يماني، ووُضع في حجرته بعض الوقت، وارتفعت صرخات العيال، وعلا بكاء الاَقارب، وانتشر نبأ وفاته في كلّأنحاء المدينة التي تحولت إلى مأتم كبير.

وقام الاِمام علي (عليه السلام) بغسل جسده الشريف وكفّنه، إذ أنّه كان قد ذكر: «يغسّلني أقربُ الناس إليّ». وصلّى عليه مع المسلمين، وتقرر دفنُه في حجرته المباركة. وحفر قبره أبو عبيدة بن الجراح وزيد بن سهل، ودفنه الاِمام علي (عليه السلام) يساعده الفضل بن العباس.

و لمّا فرغ الاِمام (عليه السلام) من غسله (ص) كشف الاِزار عن وجهه  وقال والدموع تنهمر من عينيه: بأبي أنت و أُمّي، طبتَحيّاً وطبتَميّتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد ممّن سواك من النبوة والاَنباء. ولولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع، لاَنفدنا عليك ماءَ الشوَون، ولكان الداءُ مماطلاً، والكمَدُ محالِفاً وقلاّ لك، ولكنّه ما لا يُملَك ردّه ولا يستطاع دفعه! بأبي أنت و أُمّي أُذكرنا عند ربّك واجعلنا من بالك».

وهكذا غربت شمس أعظم شخصية غيّرت مسار التاريخ البشري بتضحياته الكبرى وجهوده المضنية، وأعظم رسولٍإلهيٍ فتح أمام الاِنسانية صفحات جديدة ومشرقة من الحضارة والمدنية.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى