تاريخ أهل البيت

تَاريْخُ أَهْلِ البَيْت(ع)

الإِمَامُ الحَسَنُ المُجْتَبَى عليه السلام

 

 

وِلادَةُ الإِمَامِ الحَسَنِ(ع)

 

كان رسول الله(ص) مغتماً لما سمعه من بعض المشركين أنه أبتر لا عقب له حيث توفي أولاده الذكور وهم صغار، فطمأنه رب العالمين تعالى بأنه جعل عقبه في نسل فاطمة الزهراء(ع) التي كانت الكوثر بالنسبة له(ص).

ففي السنة الثالثة للهجرة الشريفة وفي ليلة النصف من شهر رمضان المبارك في المدينة المنورة خرج إلى هذه الدنيا نورٌ من نور الله حيث وُلد فيها الإمام المجتبى والسبط الأكبر لرسول الله الحسن بن علي وفاطمة، وهناك امتلأ وجه الرسول بعلامات الفرح وابتهج قلبه سروراً حيث كانت ولادة هذا النور امتداداً للرسالة لأنه سوف يكون أحد روادها في الأزمان الآتية.

أتى الرسول مسرعاً قائلاً: يا أسماء أين ولدي؟ فناولته الحسن وراح يملأ أذنه بكلام الله عز وجل ويغذيه روحياً منذ تلك اللحظات الأولى لحياته الشريفة.

فتناوله الرسول(ص) والفرحة تملأ قلبه وراح يشمه ويقبّله، ولفه في خرقة بيضاء بعدما نهاهم عن لفه بخرقة صفراء ولا ندري الحكمة من ذلك.

تَسْمِيَةُ الحَسَن(ع)

وجاء الإمام علي إلى فاطمة وسألها عن اسم المولود، أجابته: ما كنت لأسبقك، فأردف عليّ قائلاً: وما كنت لأسبق رسول الله (ص) فجاء الإمام علي  إلى رسول الله فسأله عن اسم المولود، فأجاب رسول الله (ص)! وما كنت لأسبق ربّي.

وانتظر الوحي من السماء ليُقضى في شأنه أمرٌ، وإذا بجبرائيل الأمين ينزل على الرسول(ص) ويبلغه سلام ربه وتبريكاته بهذا الوليد الجديد ويأمره بأن يسميه حسناً ففعل ذلك.

 

مُشَابَهَةُ الحَسَنِ(ع) لِجَدِّهِ الأَعْظَم(ص)

حصلت للإمام الحسن(ع) يوم ولادته كرامة فوق كراماته حيث كان أشبه الناس بجده المصطفى(ص) ولقد كان بنوا هاشم كلما اشتاقوا إلى رسول الله نظروا إلى سبطه الحسن، ولم تكن تلك المشابهة خَلقية فحسب، وإنما كانت مشتبهة خُلُقية أيضاً حيث اجتمع في الحسن(ع) أكثر الصفات التي حازها الرسول الأعظم(ص).

 

العَقِيْقَةُ

عندما وُلد الإمام الحسن(ع) عقّ الرسول(ص) عنه بعقيقة فذبحها ووزّع لحمها على الفقراء فأصبح ذلك سنّة متَّبَعة في الإسلام، وقال(ص) حينها: اللـهم عظمُها بعظمــــــه ، ولحمُها بلحمه ، ودمُها بدمه ، وشعرُها بشعره ، اللـهمَّ اجعلها وقاءً لمحمد وآلـــه:

الحَسَنُ بَضْعَةٌ مِنِّي

وفي يوم من الأيام بينما كان الرسول(ص) يحمل سبطه الحسن جاءت إليه أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب فبادرها بقوله: رأيت رؤيا في أمري؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: قصّيها، قالت: رأيت كأن قطعة من جسمك وقع في حضني، فناولها الرسول (ص) الرضيع الكريم ، وهو يبتسم ويقول : نعم هذا تأويل رؤياك . إنه بضعة مني . وهكذا أصبحت أم الفضل مرضعة الحسن (ع) .

نَشْأَةُ الإِمَامِ الحَسَن(ع)

نشأ الإمام الحسن المجتبى(ع) في أحضان النبوة حيث رباه جده النبي(ص) على الهدى والتقوى والورع وكل مكرمة وفضيلة فتخلّق بأخلاقه ونهل من معين فضائله فأصبح في الناس كجده قولاً وفعلاً ومضموناً.

ويكفي في بيان صناعة شخصية الحسن أنه فتح عينيه على هذه الدنيا وهو بين أعظم ثلاثة في الوجود محمد جده وعلي أبوه وفاطمة سيدة النساء أمه.

الحَسَنُ مِنِّي وَالحُسَيْنُ مِنْ عَليّ

هذا ما قاله النبي الأعظم(ص) في شأن الحسن والحسين، والسبب في ذلك هو أن الحسن(ع) ورث الصفات من أمه التي ورثت صفات أبيها فكان الحسن كجده في سلوكه السياسي والإجتماعي وغيرهما، بينما ورث الحسين(ع) صفات أبيه فكان مثله في الحرب والسلم واتخاذ المواقف.

مُعَامَلَةُ النَّبِيّ(ص) للإِمَامِ الحَسَنِ(ع)

لقد أولاه جده اهتماماً بالغاً حيث كان يؤهله لقيادة الأمة لأن معاملة الرسول لسبطيه على وجه الخصوص لم تنحصر في تعامل جدة مع أولاد بنته أو أولاد ابنه مما أنبأ عن كونه كان يصنعهما على عينه ويرفق بها لتكون معاملته لهما غذاءاً روحياً ينفعهما والأمة في المستقبل.

كان النبي(ص) يلاطف الإمام الحسن ويداعبه ويدنيه من وجهه وصدره ويزف إليه كلمات عظيمة ويتصرف معه بما يتناسب مع مقامه، وفي يوم من الأيام كان(ص) يصلي في الناس فتباطأ في رفع رأسه مما أثار جدلاً بين المصلين، وبعد الفراغ منها سألوه عن ذلك فأجابهم: جاء الحسن فركب عنقي ، فأشفقت عليه من أن أُنزله قسراً ، فصبرت حتى نزل اختياراً:

وفي أحد الأيام كان النبي(ص) يعظ الناس على المنبر وإذا به يرى الحسن والحسين يمشيان ويتعثران بثوبهما فيقطع كلامه وينزل عن المنبر ويأخذهما وهو يقول(اَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَــةٌ)

ويذكر المؤرخون بأن النبي(ص) كان كثير الذكر لهما حيث كان يحدّث الناس عنهما كثيراً ليلفت أنظار الناس إلى شأنهما، وكان يصطحبهما معه في أسفاره القريبة.

وفي يوم من الأيام دخل الرسول بيت فاطمة فلم يجد فيه أحداً فخرج وجلس في فناء مع أصحابه وإذا به يرى الحسن قد أتى فأخذه ثم راح يقبّله في فمه ويقول: الحسن مني والحسين من علي.

حُبُّ الحَسَنِ وَالحُسَيْن

ذات مرة كان النبي(ص) يقبّل الحسن ويشمه فجاء أحدهم وقال للرسول: إن لي عشرة ما قبَّلت واحـــداً منهم ، فقال رسول اللـه : من لايرحم لايُرحم: ثم قال(ص) كلمته الخالدة في الحسن والحسين(ع): الحسن والحسين ابناي ، مَن أَحبَّهما أحبني ومن أحبني أحبه اللـه ، ومن أحبه اللـه أدخله الجنة . ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه اللـه ، ومن أبغضه اللـه أدخله النار:

ولكثرة مبالغة النبي في حبهما والحديث عنهما فقد ظن الناس بأنهما أفضل من أبيهما علي(ع) فاستدرك الرسول(ص) الأمر فقال: هما فاضلان في الدنيا والآخرة، وأبوهما خير منهما:

كَلِمَاتٌ خَالِدَةٌ في الحَسَن والحُسَيْن(ع)

كان رسول الله(ص) يحمل الحسن والحسين(ع) ويجول في طرقات المدينة، وكان يقول: نعم الْجَمل جَمَلُكما ، ونعم الراكبان أنتما:

وقال(ص): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة:

وقال: الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا:

وقال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا:

وعن الإمام الرضا(ع) عن آبائه: قال رسول اللـه : الولد ريحانة وريحانتاي الحسن والحسين:

وقال: إذا كان يوم القيامة زين عرش رب العالمين بكلّ زينة ، ثم يؤتى بمنبرين من نور طولهما مائة ميل ، فيوضع أحدهما عن يمين العرش ، والآخر عن يسار العرش ، ثم يؤتى بالحسن والحسين فيقوم الحسن على أحدهما والحسين على الآخر ، يزيِّن الرب تبارك وتعالى بهما عرشه كما يُزَيِّنُ المرأةَ قرطاها:

وروى عمران بن حصين عن رسول اللـه (ص) أنه قال له : “ يا عمران بن حصين ! إن لكلّ شيء موقعاً من القلب ، وما وقع موقع هذين من قلبي شيء قط: فقلت : كل هذا يا رسول اللـه ! قال : يا عمران وما خفي عليك أكثر ، إن اللـه أمرني بحبّهما:

وروى أبو ذر الغفاري قال : رأيت رسول اللـه يقبِّل الحسن بن عليّ وهو يقول : من أحب الحسن والحسين وذريتهما مخلصاً لم تلفح النار وجهه ، ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج ، إلاّ ان يكون ذنباً يخرجه من الإيمان:

الإِمَامُ الحَسَنُ(ع) بَعْدَ وَفَاةِ جَدِّه(ص)

عاش الإمام الحسن(ع) في كنف جده الأعظم ثمان سنوات ففتح عينيه على الحياة وإذا بجده الأعظم0ص) مسجى بين يدي أبيه علي قد فارق هذه الحياة مخلفاً وراءه العديد من المسؤوليات الكبرى، وقد حصلت تلك الوفاة في السنة الحادية عشرة للهجرة.

لقد كان يرى انحراف الأمة بعد وفاة جده وقد عرف كل شاردة وواردة عما يدور في الساحة الإسلامية، وذات يوم دخل المسجد فوجد الخليفة الأول يخطب على المنبر فقال له الحسن(ع) بكل جرئة: إنزل عن منبر أبي: فسكت الخليفة الأول ثم قال: : صدقتَ فمنبر أبيك ، ولم يزد شيئاً . ولكنه عاتب عليّاً (ع) بعد ذلك وقد ظن أنه أثار الحسن عليه ، بيد أن الإمام (ع) حلف له أنه لم يفعل:

 

زَوْجَاتُ الإِمَامِ الحَسَن(ع) وَأَوْلادُهُ

تزوج (أم إسحاق) بنت طلحة بن عبيد الله، و(حفصة) بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، و(هند) بنت سهيل بن عمرو، وجعدة بنت الأشعث بن قيس، وقيل أكثر من ذلك.

وكان له خمسة عشر ولداً: وهم: زيد، أم الحسن، أم الحسين، أمهم أم بشير بنت أبي مسعود الخزرجية. الحسن، أمه خولة بنت منصور الفزارية. عمر والقاسم وعبد الله، أمهم أم أولد. عبد الرحمن، أمه أم ولد. الحسين الملقب بالأشرم وطلحة وفاطمة أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي. أم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية، لأمهات شتى ولم يعقب منهم غير الحسن وزيد:

أَخْلاقُهُ وَمَزَايَاهُ

حاز الإمام الحسن(ع) كل صفة أخلاقية وإنسانية حتى اشتهر بين الناس بأخلاقه العالية وصفاته الكريمة.

قال محمد بن إسحاق: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (ص)، ما بلغ الحسن بن عليّ. كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس:

ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى، فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص، فقد نزل ومشى إلى جنبه

وروى المؤرخون عن تواضعه وكرم أخلاقه عشرات الروايات فمن ذلك انه اجتاز على جماعة من الفقراء وقد جلسوا على التراب يأكلون خبزاً كان معهم فدعوه إلى مشاركتهم فجلس معهم وقال: (إن الله لا يحب المتكبرين، ولما فرغوا من الأكل دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم من عطائه، ومرة أخرى مر على فقراء يأكلون فدعوه إلى مشاركتهم، فنزل عن راحلته وأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وأعطاهم، وقال: (اليد لهم لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني ونحن نجد ما أعطيناهم). وكان من كرمه أنه أتاه رجل في حاجة، فقال له: (أكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا). قال: فرفعها إليه فأضعفها له، فقال له بعض جلسائه: (ما كان أعظم بركة الرفعة عليه يا ابن رسول الله!). فقال: (بركتها علينا أعظم، حين جعلنا للمعروف أهلاً. أما علمتم أن المعروف ما كان ابتداء من غير مسألة، فأما من أعطيته بعد مسألة، فإنما أعطيته بما بذل لك من وجهه وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً يميل بين اليأس والرجاء لا يعلم بما يرجع من حاجته ابكأية الرد، أم بسرور النجح، فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه خائف يخفق فإن قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه، فإن ذلك أعظم ممّا نال من معروفك).

وسأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار، وقال له: (ائت بحمال يحمل لك). فأتى بحمال، فأعطاه طيلسانه، وقال: هذا كرى الحمال).

وجاءه بعض الأعراب. فقال: (أعطوه ما في الخزانة!.. فوجد فيها عشرون ألف درهم. فدفعت إليه، فقال الإعرابي: (يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحتي فقال الإمام الحسن (عليه السلام):

نحــــن أناس نــــوالــــنا خضل          يرتــــــــع فـــيه الرجاء والأمل

تجود قبل الســـــؤال أنـــــفسنا          خوفاً على ماء وجه من يسل

ومرّ به رجل من أهل الشام ممن غذّاهم معاوية بالحقد والكراهية لعليّ وآل عليّ فجعل للإمام الحسن (عليه السلام) السب والشتم والإمام ساكت لا يتكلم وهو يعلم بأن الشامي لا يعرف عليّا وآل عليّ إلا من خلال الصورة التي كان معاوية بن هند يصورهم بها وعندما انتهى الشامي من حديثه بما فيه من حلف وفظاظة ابتسم إليه وتكلم معه بأسلوب هادئ ينم عن سماحة وكرم متجاهلاً كل ما سمع وما رأى، وقال: (أيها الشامي أظنك غريباً فلو أنك سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، وإن كنت جائعاً أطعمناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، أو طريداً آويناك)، ومضى يتحدث إلى الشامي بهذا الأسلوب الذي يفيض بالعطف والرحمة حتى ذهل الشامي وسيطر عليه الحياء والخجل وجعل يتململ بين يديه يطلب عفوه وصفحه ويقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

وهكذا كان في جميع مواقفه مثالاً كريماً للخلق الإسلامي الرفيع الذي دعا إليه القرآن الكريم:

ورأى غلاماً أسود يأكل من رغيف لقمة، ويطعم كلباً هناك لقمة فقال له: (ما حملك على هذا؟) قال: (إني استحي منه أن آكل ولا أطعمه). فقال له الحسن (عليه السلام): (لا تبرح مكانك حتى آتيك). فذهب إلى سيده، فاشتراه واشترى الحائط (البستان) الذي هو فيه، فأعتقه، وملّكه الحائط.

وسأله رجل أن يعطيه شيئاً فقال له: (إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة) فقال له: ما جئتك إلا في إحداهن فأعطاه مائة دينار، ثم اتجه الرجل إلى الحسين (عليه السلام) فأعطاه تسعة وتسعين ديناراً وكره أن يساوي أخاه في العطاء، ثم ذهب الرجل إلى عبد الله بن جعفر فأعطاه أقل منهما ولما قص عليه ما جرى معهما، قال له: ويحك أتريد أن تجعلني مثلهما إنهما غرا العلم والمال غراً.

ويروي المؤرخون عن سخائه أيضاً أن جماعة من الأنصار كانوا يملكون بستاناً يتعايشون منه فاحتاجوا لبيعه فاشتراه منهم بأربعمائة ألف، ثم أصابتهم ضائقة بعد ذلك اضطرتهم لسؤال الناس، فرد عليهم البستان حتى لا يسألوا أحداً شيئاً.

عِبَادَةُ الإِمَام(ع)

كان الإمام الحسن(ع)أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وقيل أنه حج خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد معه، وإذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغش عليه منها، وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله تعالى الجنة وتعوذ بالله من النار.

وكان إذا توضأ، أو إذا صلّى ارتعدت فرائصه واصفر لونه من خشية الله تعالى. وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات. وخرج من ماله لله تعالى مرتين.

آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الإِمَامِ الحَسَن(ع)

بينما كان رسول الله (ص) وجماعة من أصحابه، إذ أقبل إليه الحسن فأخذ النبي  في مدحه، فما قطع رسول الله كلامه حتى أقبل إلينا أعرابي يجر هراوة له، فلما نظر رسول الله قال: قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر منه جلودكم، وإنه يسألكم عن أمور، وإن لكلامه جفوة، فجاء الأعرابي فلم يسلّم وقال: أيكم محمد؟ قلنا: ما تريد؟ قال رسول الله: مهلاً، فقال: يا محمد لقد كنت أبغضك ولم أرك والآن فقد ازددت لك بغضاً، فتبسم رسول الله (ص) وغضبنا لذلك، وأردنا بالأعرابي إرادة، فأومى إلينا رسول الله أن اسكتوا، فقال الأعرابي: يا محمد إنك تزعم أنك نبي، وأنك قد كذبت على الأنبياء، وما معك من برهانك شيء، فقال له (ص): وما يدريك؟ قال: فخبّرني ببرهانك، قال: إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي فيكون ذلك أوكد برهاني. قال: أو يتكلم العضو؟ قال(ص): نعم يا حسن قم، فازدرى الأعرابي نفسه، وقال: ما يأتي، ويقيم صبيّا ليكلّمني، قال(ص): إنك ستجده عالماً بما تريد، فابتدره الحسن (عليه السلام): مهلاً يا أعرابي.. لقد بسطت لسانك، وعدوت طورك وخادعت نفسك، غير أنك لا تبرح حتى تؤمن أن شاء الله، فتبسم الأعرابي وقال له هيه: فقال له الحسن (عليه السلام): نعم، اجتمعتم في نادي قومك وتذاكرتم ما جرى بينكم على جهل، وخرق منكم فزعمتم أن محمداً صنبور ـ أي لا خلف له ـ والعرب قاطبة تبغضه، ولا طالب له بثأره، وزعمت أنك قاتله، وكان في قومك مؤنته، فحملت نفسك على ذلك، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمّه تريد قتله، فعسر عليك مسلكك وعمي عليك بصرك، وأبيت إلا ذلك، فأتيتنا خوفاً من أن يشتهر وإنك إنما جئت بخير يراد بك. أنبئك عن سفرك، خرجت في ليلة ضحياء، إذ عصفت ريح شديدة، اشتد منها ظلماؤها وأظلت سماؤها، أعصر سحابها، فبقيت محر غماً كالأشقر، إن تقدم نُحِر، وإن تأخر عُقر، لا تسمع لواطئ حسّاً، ولا لنافع نارٍ جرساً، تراكمت عليك غيومها، وتوارت عنك نجومها فلا تهتدي بنجم طالع، ولا بعلم لامع، تقطع محجّةٍ وتهبط لجّة، في ديمومة قفر، بعيدة القعر، مجحفة بالسّفر، إذا علوت مصعداً ازددت بعداً، الريح تخطفك، والشوك تخبطك، في ريح عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشتك آكامها، وقطعتك سلامها، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرّت عينك، وظهر دينك وذهب أنينك.

قال الأعرابي متعجباً: من أين قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويداء قلبي، ولقد كنت كأنك شاهدتني وما خفي عليك شيء من أمري وكأنه علم الغيب.

ثم قال الأعرابي للحسن (عليه السلام): الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. فأسلم الأعرابي وحسن إسلامه، وعلّمه رسول الله شيئاً من القرآن فقال: يا رسول الله ارجع إلى قومي فأعرّفهم ذلك؟ فأذن له (ص) فانصرف إلى قومه ثم رجع ومع جماعة من قومه فدخلوا الإسلام، وكان الناس إذا نظروا إلى الحسن (عليه السلام) قالوا لقد أعطي ما لم يعط أحدٌ من الناس.

مَعْ أَبِيْهِ علي(ع)

عاش الإمام الحسن(ع) مع أبيه أمير المؤمنين علي(صلوات الله عليه) عقوداً من الزمن كانت حافلة بالأحداث والمواقف والعبر، وقد لازم الإمام الحسن أباه كما لازم جده الرسول من قبل فتعلم عنهما الكثير الذي لا يحتمله الناس العاديون.

لقد أعان أباه في تأدية واجباته الدينية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية في سنوات الحصار والإقامة الجبرية وفيما بعد ذلك أيضاً، فدافع مع أبيه عن المظلومين ووقف في وجوه الظالمين بكل ما آتاه الله تعالى من قوى متعددة الجوانب.

ومن مواقفه الجريئة التي اتخذها مع أبيه(ع) أنه عندما أُبعد أبو ذر الغفاري إلى الربذة أصدر عثمان أمراً بعدم توديعه، غير أن الإمام علياً وولديه الحسن والحسين خرجوا إلى توديعه بكل حرارة مستنكرين بذلك حكم عثمان عليه، وكان في هذا السلوك رسالة واضحة إلى الخليفة الثالث.

وقد شارك الإمام الحسن(ع) أباه في حرب الجمل سنة 36 للهجرة بعد أن ذهب إلى الكوفة برفقة عمار لتحريض الناس على القتال الذين أتوا برفقته إلى البصرة من أجل القتال، وقد فضح الإمام الحسن أكاذيب عبد الله بن الزبير بتلك الخطابات التي كان يلقيها أمام الناس، وقد كان للإمام الحسن(ع) دور بارز في تلك المعركة الكبيرة.

وهناك دور مشابه لعبه الإمام الحسن(ع) في وقعة صفين حيث سطّر فيها أروع ملاحم البطولات والتضحية في سبيل الإسلام الحنيف، وقد حاول معاوية أن يألب الحسن على أبيه فلقي منه أشد القتال.

وحين حضرت أمير المؤمنين (ع) الوفاة، عيّن الإمام الحسن (ع) محلّه، بوصيّة مسبقة من النّبيّ (ص)، وأشهد على ذلك، سائر أبنائه الكرام، وكبار الشّيعة:

 

 

إِمَامَةُ الحَسَنِ(ع)

نص رسول الله (ص) على الأئمة والخلفاء من بعده بأمرٍ من الله عزّ وجلّ وهذا ما اعترف بصحته الأعلام من السنة والشيعة كما رواها الفريقان بأحاديث كثيرة وأسانيد متعددة ونصوص مختلفة.

منها: ما روي عن جابر ابن سمرة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، فكبّر الناس وضجوا، ثم قال كلمة خفيت عليّ: قلت لأبي: يا أبة ما قال؟ قال: كلّهم من قريش وروي عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة: أنه سمع النبي (ص) يقول: بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من بني هاشم:

وجاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله للإمام علي (عليه السلام): أنا أولى بالمؤمنين منهم بأنفسهم ثم أنت يا علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعدك الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم بعده الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم بعده محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده جعفر أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده موسى أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده محمد أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده عليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم بعده الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والحجة بن الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم أئمة أبرار هم مع الحق والحق معهم:

أما عن ولاية الحسن (عليه السلام) ففي حديث ابن عباس الذي مر ذكره قال النبي (ص): أما الحسن فإنه ابني وولدي ومنّي، وقرة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الأمة، أمره أمري وقوله قولي، من تبعه فإنه مني، ومن عصاه فليس مني:

عَهْدُ الإِمَامِ الحَسَن(ع)

فُجع الإمام الحسن(ع) باستشهاد أبيه في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان المبارك فانتقلت مواريث الخلافة إليه في ظروف بلغت من الضراوة والشدة منتهاها، ففي صبيحة شهادة علي(ع) ولدى العودة من دفن الجسد الطاهر قام الإمام الحسن(ع) خطيباً في المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسول الله (ص)، ثمّ قال: لقد قبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأولّون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (ص) يوجّهه برايته ولا يرجع حتّى يفتح الله على يديه، وما خلّف صفراء ولا بيضاء ـ إشارة للذّهب والفضّة ـ إلاّ سبع مأئة درهم، فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله، ثمّ خنقته العبرة، فبكى وبكى النّاس معه:

ومن أجل أن لا تنحرف الإمامة عن مسارها الصّحيح الأصيل، أضاف بعد ذلك: أنا ابن البشير أنا ابن النّذير أنا ابن الدّاعي إلى الله بإذنه أنا ابن السّراج المنير أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) ، فالحسنة مودّتنا أهل البيت:

ثمّ جلس، فقام عبد الله بن العبّاس بين يديه فقال: « معاشر النّاس هذا ـ إشارة للإمام الحسن (ع) ـ إبن نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه ».

فاستجاب له النّاس وقالوا ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا وبادروا إلى البيعة له بالخلافة: وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان، يوم وفاة أبيه (عليه السلام) سنة أربعين للهجرة.

تَبَادُل الكُتُبِ بَيْنَ الإمام الحَسَن(ع) وَمُعَاوِيَة

لمّا بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين وبيعة النّاس إبنه الحسن  دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة، ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الأمور.

فعرف الإمام(ع) بذلك، فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة فأُخرج وأَمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه، وكتب الحسن (ع) إلى معاوية:

« أمّا بعد: فإنّك دسست الرّجال للاحتيال والاعتيال وأرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، وما أوشك ذلك، فتوقعه، إنشاء الله تعالى ».

ومن الرّسائل التي بعثها الإمام (ع) لمعاوية، والّتي نقلها ابن أبي الحديد، هذه الرّسالة:

«… فلمّا توفّى ـ رسول الله (ص) ـ تنازعت سلطان العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، فأنعمت وسلّمت إليهم، ثمّ حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، فلمّا صرنا أهل بيت محمّد وأولياءه إلى محاجّتهم وطلب النّصف منهم بعدونا واستولوا بالاجماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدّين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده.

فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدّين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه، والله حسيبك، فسترد فتعلم لمن عقبى الدّار، وبالك لتلقيّن عن قليل رَبَّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلاّم للعبيد، إنّ عليّاً لمّا مضى لسبيله، ولاّني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله ألاّ يؤتينا في الدّنيا الزّائلة شيئاً ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامة.

وانّما حملني على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني وبين الله عزّوجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم، والصّلاح للمسلمين، فدع التّمادي في الباطل، وأدخل فيما دخل فيه النّاس من بيعتي، فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله، وعند كلّ أوّاب حفيظ وله قلب منيب، واتّق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه فيه، وإن أنت أبيت إلاّ التّمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ».

فكتب معاوية اليه: «… والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النّبيّ ، فلو علمت أنّك أضبط منّي للرّعية، وأحوط على هذه الامّة وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدوّ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكن قد علمت أنّي أطول منك ولاية، وأقدم منك بهذه الامّة تجربة، وأكبر منك سنّاً، فأنت أحقّ أن تجيبني إلى هذه المنزلة الّتي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مالك العراق من مال بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أيّ كور العراق شئت… والسّلام »

لم يقف معاوية عند حدود الإمتناع عن البيعة فحسب وإنما عمل على الإطاحة بالإمام الحسن(ع) وقد أمر باغتياله.

خِطَابٌ عَظِيْمٌ بَعْدَ أَخْذِ البَيْعَة

نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله في أمته، ثاني كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وقال: ولو (ردّوه إلى الرسول وأولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).

ثم يمضي في خطابه، ويردف أخيراً بقوله: (وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان فإنه لكم عدوٌ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: (لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ) فتلقون إلى الرماح أزراً، وللسيوف جزراً وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً ثم (لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، وأمر الأمراء ونظر في الأمور)

بِدَايَةُ العَمَل

بعد أن بايعه الناس قام(ع) في إدارة شؤون الدولة فاختار العمّال والولاة على المناطق، ووضع أسس الدولة العادلة والقوية، وفي المقابل كان معاوية بن أبي سفيان يعمل بشكل حثيث على هدم الدولة الإسلامية وتوسيع رقعة حكمه ومنطقة نفوذه.

لقد أحكم الإمام سيطرته على المنطقة الإسلامية باستثناء الشام التي كان يتزعمها معاوية، وقد شكّل ذلك ثغرة واسعة جداً في جسم الدولة.

فمنذ أن بايع الناس الإمام بدأ معاوية بالتخطيط لإثارة الفتنة وزعزعة الأوضاع بهدف إفشال قيادة الإمام الحسن الزكي، فأرسل جواسيسه إلى الكوفة والبصرة للبدء بالعمل الشيطاني.

ومن أبرز جواسيس معاوية في الكوفة رجل يدعى الحميري، ومن أبرزهم في البصرى رجل يدعى القيني لمراقبة الأوضاع السياسية هناك ورصد حجم الجماهير التي بايعت الإمام(ع) فتم القبض على هذين الجاسوسين وأمر الإمام بإعدامهما في الساحة العامة، وقد أثار سلوك معاوية سخط الجماهير، وعندها أرسل الإمام خطاباً شديد اللهجة يعلن فيه عن استعداده لخوض الحرب ضد جبهة التمرد التي يقودها معاوية وجاء في الخطاب :أما بعد، فإنك دسست إليّ الرجال، للاحتيال والاغتيال، وأرصدت العيون، كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقعه إن شاء الله، وقد بلغني إنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى:

ومن الواضح أن رسالة الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية تضمنت تهديداً مباشراً لمعسكر الشام كما انه (عليه السلام) أبرز جانب القوة في قبال التهديدات التي وجهها معاوية بعد إرساله الجاسوسين.

ومن جهة ثانية استطاع الإمام الحسن في هذه الرسالة أن يسحب البساط من تحت معاوية في أن يمتلك زمام المبادرة في تقرير الحرب ضد الدولة الإسلامية ولذلك نجد أن جواب معاوية على رسالة الإمام الحسن كان خالياً من الإثارة حيث جاء بصورة أراد فيها معاوية أن يتملق للإمام وأن يبعد نفسه عن قضية إرسال الجواسيس فقد كتب، أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ولقد علمت بما حدث فلم أفرح، ولم أشمت، ولم أيأس:

وبعد أن تمكن الإمام الحسن أن ينتزع المبادرة من يد معاوية، أرسل الإمام رسالة ثانية أكثر تفصيلاً وتعنيفاً، سلط فيها الأضواء على حقه المشروع في ولاية المسلمين كما بيّن فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وحقوقهم، كما ضمّن الرسالة تهديداً لمعاوية وتحذيره من التمادي في غيّه، وشق الصف الإسلامي، وهذا نص الرسالة:

(من الحسن بن علي أمير المؤمنين، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فإن الله جلّ جلاله، بعث محمداً رحمة للعالمين، وكافّة للناس أجمعين ينذر من كان حياً، ويحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله، حتى توفّاه الله غير مقصّر ولا واهن، وبعد أن أظهر الله به الحق ومحق به الشرك، وخصّ به قريش خاصة. فقال له: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) فلما توفّي، تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش، نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقه فرأت العرب أن القول ما قالت قريش، وأنّ الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت إليهم.

ثم حاججنا نحن قريش، بمثل ما حاججت به العرب، فمل تنصفنا قريش إنصاف العرب لها. إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلما سرنا أهل بيت محمد وأولياؤه إلى محاججتهم، وطلب النصف منهم، باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا وللعنت منهم لنا فالموعد إليه، وهو الوليّ النصير.

ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان بيتنا وإذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، أمسكنا عن منازعتهم، مخالفة على الدين، أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغرماً يثلمون به، أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا إفساده، فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثبك يا معاوية، على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود.

وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولكتابه. والله حسيبك فسترد عليه، وتعلم لمن عقبى الدار وبالله لتلقين عن قليل ربّك، ثم يجزينّك بما قدّمت يداك. وما الله بظلام للعبيد. إن عليّاً لمّا مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض، ويوم، منّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيّاً، ولاني المسلمون الأمر من بعده، فأسال الله أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئاً، ينقصنا به في الآخرة، ممّا عنده من كرامة. وإنما حملني على الكتابة إليك، الأعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين.

فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم، أني أحقّ بهذا الأمر منك، عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فوالله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر ممّا لاقيه به. وادخل في السّلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين.

وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك، سرت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)

فرد معاوية برسالة إلى الإمام جاء فيها: قد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول الله من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد والله بلّغ وأدّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة وأنار به من العمى، وهدى به الجهالة والضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته… وذكرت وفاته وتنازع المسلمين الأمر بعده وتغلبهم على أبيك، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواريي رسول الله، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك،.. وإنك أمرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل، وإن هذا الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش، لمكانها من نبيها، ورأي صلحاء الناس من قريش، والأنصار وغيرهم، وسائر الناس وعوامها، أن يولوا من قريش هذا الأمر أقدمها إسلاماً وأعلمها بالله، وأحبها وأقواها على أمر الله، فاختاروا أبا بكر وكان ذلك رأي ذوي الدين، والفضل، والناظرين للأمة، فارفع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون إنّ فيكم من يغني غناءه ويقوم مقامه، ويدب عن حريم الإسلام دبه، ما عدلوا بالأمر إلى غيره، رغبة عنه ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً.

وقد فهمت الذي دعوتني إليّ من الصلح والحال فيما بيني وبينك اليوم، مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي! فلو علمت إنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ولو رأيتك لذلك أهلاً لسلمت لك الأمر بعد أبيك، فإن أباك سعى على عثمان، حتى قتل مظلوماً فطالب الله بدمه، ومن يطلبه الله فلن يفوته ثم ابتز الأمة أمرها، وخالف جماعتها فخالف نظراءه، من أهل السابقة والجهاد، والقدم في الإسلام، وادعى إنهم نكثوا بيعته، فقاتلهم، فسفكت الدماء واستحلت الحرم، ثم أقبل إلينا لا يدعي علينا بيعة ولكنه، يريد أن يملكنا اغتراراً فحاربناه وحاربنا، ثم صارت الحرب إلى أن أختار رجلاً واخترنا رجلاً ليحكما بما يصلح عليه، وتعود به الجماعة والألفة وأخذنا بذلك عليهما ميثاقاً، وعليه مثله، على الرضا بما حكما فأمضى الحكمان عليه الحكم، بما علمت وخلعاه، فوالله ما رضى بالحكم، ولا صبر لأمر الله، فكيف تدعوني إلى أمر، إنما تطلبه بحق أبيك وقد خرج، فانظر لنفسك ولدينك… وقد علمت، إني أطول منك ولاية وأقدم منك بهذه الأمة تجربة وأكبر منك سناً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي أعاننا الله وإيّاك على طاعته، انه سميع مجيب الدعاء)

لقد كان هدف معاوية من تلك الرسالة هو المراوغة والإلتفاف على الإمام الذي كشف بدوره النقاب عن نوايا معاوية حيث رد عليه الإمام بقوله: أما بعد: فقد وصل إليّ كتابك، تذكر فيه ما ذكرت، وتركت جوابك، خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام:

التَّعْبئَةُ العَسْكَريَّة

بعد أن أدرك الإمام(ع) هدف معاوية من وراء مكاتباته له شرع بالتعبئة العسكرية استعداداً للحرب ضد معاوية الذي كان العائق الأكبر في وجه الدولة الإسلامية العادلة.

وقد خطب الإمام بالمسلمين خطاباً كشف لهم فيه عن العديد من الأمور حيث قال(ع): أما بعد: فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلستم نائلين ما تحبون إلا الصبر على ما تكرهون، وبلغني أن معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرّك، لذلك اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظرون:

ولكن ردهم على الإمام شكّل صدمة كبيرة له حيث آثروا الإمتناع عن الجهاد بحجة التعب وما شاكل.

وأزاء هذا الرأي المتخاذل قام عدي بن حاتم مستنكراً فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرّوا مراوغين كالثعالب أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها…

ثم قام بعده قيس بن سعد، وقيس بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التميمي، وقالوا بمثل ما قال عدي فأنّبوا الناس ولا موهم على الموقف المتخاذل، ثم جاءوا للإمام (عليه السلام) وأعلنوا له عن استعدادهم لخوض الحرب معه، والإمام (عليه السلام) بدوره أعرب لهم عن ارتياحه من الموقف البطولي لصحابته فقال لهم:صدقتم رحمكم الله ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيراً:

لقد حكم خيار الحرب، ولكن الحرب تحتاج إلى التجنيد والإمكانيات المتعددة والأعداد الكبيرة لخوض مثل تلك المعركة في تلك الظروف الحرجة وذلك الموقف المتخاذل الذي فتح صفحة شؤم على الأمة.

وبعد ثار أراد الإمام أن يحركهم ويهيأهم للحرب كاشفاً لهم إيجابياتها فقال(ع): معشر الناس: عفت الديار، ومحيت الآثار، وقلّ الاصطبار فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحّت البراهين وفصّلت الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها، قال الله عز وجلّ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، فلقد مات والله جدي رسول الله (ص)، وقتل أبي (ع)، وصاح الوسواس الخنّاس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السنّة، فيا لها من فتنة صمّاء عمياء لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها، أظهرت كلمة النفاق، وسيّرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل العراق، من الشام والعراق، هلّموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضّاح، والعلم الجحجاح، والنور الذي لا يطفئ، والحق الذي لا يخفى.

أيها الناس: تيقظوا من رقدة الغفلة ومن تكاشف الظلمة، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردى بالعظمة، لئن قام إليّ منكم عصبة بقلوب صافية وبنيّات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق ولا نية افتراق، لأجاهدن بالسيف قدماً ولأضيقنّ من السيوف جوانبها ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها فتكلموا رحمكم الله:

أَوَّلُ فِرْقَة عسكرية يُرْسِلُها الإمام(ع)

بعد أن تمكن الإمام الحسن(ع) من تجنيد عدد كبير من المسلمين لخوض الحرب ضد زعيم الشام بعث بقرقة قوامها اثنا عشر ألف مقاتل بقيادة عبيد الله ابن العباس، وهي أكبر فرقة عسكرية من جيشه، وقد وجّه الإمام تعاليمه ونصائحه لقائد الفرقة حيث قال له: يا ابن عمّ: إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء مصر… فسر بهم وألن جانبك، وأبسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، وسر بهم نحو الفرات، حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير بمسكن، ثم امضي حتى تستقبل معاوية فإن أنت لقيته، فاحبسه حتى نأتيك، فإني في أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين ـ يعني قيس بن سعد ـ وسعيد بن قيس ـ فإذا لقيت معاوية فلا تقاتلنّه حتى يقاتلك، وإن فعل فقاتله، فإن أصبت فقيس على الناس، وإن أصيب قيس، فسعيد بن قيس على الناس:

الخِيَانَةُ الكُبْرَى

وبعد أن تحرك الإمام الحسن بالناس ووصل بهم معسكر المدائن بدأ يعدّ الفرق ويجهز الصفوف لخوض الحرب، وفي هذه الأثناء وصلت رسالة مستعجلة من قيس بن سعد إلى الإمام جاء فيها :إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بإزاء مسكن، وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس، يرغبه في المسير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له فيها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسلّ عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته…)

لقد بث معاوية شائعة في أوساط جيش الإمام المرابط في الأنبار ومسكن، في رسالة بعثها معاوية إلى عبيد الله بن العباس قال فيها: إن الحــــسن قــــد أرسلني في الصلح، وهــــو مسلّم الأمر إليّ فـــإن دخلت في طاعتي متــــبوعاً، وإلا دخلت وأنت تابع:

ولقد قدم معاوية في رسالته الإغراءات المادية إلى عبيد الله بن العباس التي هي عبارة عن مائة ألف ديناراً يستلم نصفها حال وصوله إليه، والنصف الآخر في الكوفة بعد أن يدخلها معاوية للسيطرة على السلطة هذا إضافة إلى أن معاوية أخبر عبيد الله بأنه سيمنحه أحد كور الشام. وحينما وصلت هذه الرسالة من معاوية إلى عبيد الله بن العباس، جلس الأخير ينظر في ترغيبات معاوية، وراح يهيم بفكره المسند بشيطان الهوى إلى ما سيناله من أموال وقطائع وغاب عن ذهنه الهدف المقدس الذي جاء من أجله لمحاربة معاوية، فلم يخطر بباله عاقبة السوء التي تنتظره فآثر حب الذات والشهوات على هدفه الكبير.

وفي منتصف الليل سار عبيد الله على رأس ثمانية آلاف رجل، متخفياً صوب جبهة معاوية، فسلّم نفسه إليه مؤثراً إلحاد معاوية على إيمان إمامه الحسن (عليه السلام).

وبعد أن وصل خبر عبيد الله بن العباس إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، عمد بعدها الإمام (عليه السلام) إلى تعبئة الفراغ الذي خلّفه عبيد الله في جبهة الأنبار فوجه رجلاً آخر من كندة على رأس أربعة آلاف مقاتل وطلب منه الإمام (عليه السلام) أن لا يحدث شيئاً حتى تأتيه الأوامر من الإمام (عليه السلام).

ثم سار هذا الرجل مع فرقته متوجهاً نحو الأنبار، فنزل بها يستعد لتنفيذ أوامر الإمام (عليه السلام)، ووصل خبره إلى معاوية يفيد بوصول فرقة عسكرية جديدة إلى الأنبار، فأرسل معاوية رسالة إغراء مماثلة إلى قائد هذه الفرقة وقال له فيها (إنك أن أقبلت إليّ أوّلتك بعض كور الشام والجزيرة غير منفّس عليك).

كما أرفق معاوية مع رسالته هذه خمسمائة ألف درهم، فلما وصلت الرسالة إلى الكندي هاجت نفسه للقبول بإغراءات معاوية، والخضوع لترغيباته، فانسلّ ومائتا رجل باتجاه معسكر الشام، فترك فرقته دونما قيادة.

وعلم الإمام الحسن (عليه السلام) بخبر الكندي فقام وخطب في الناس وقال: (هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، وأنا موجه رجلاً آخر مكانه وإني أعلم أنه سيفعل بي ما فعل صاحبه ولا يراقب الله فيّ ولا فيكم).

ثم طلب الإمام (عليه السلام) رجلاً من مراد فسلّمه زمام القيادة العسكرية وأمدّه بأربعة آلاف رجل، وقبل أن يغادر المرادي المدائن، جاء إلى الإمام (عليه السلام) أمام جموع الناس وعلى مرأى ومسمع منهم وحلف بالإيمان المغلظة التي لا تقوم لها الجبال بأنه لن يفعل ما فعله من كان قبله من القادة العسكريين.

وسار المرادي مع كتيبته إلى الأنبار، فلمّا وصل، جاء خبره إلى معاوية فعاود الأخير الكرّة ثالثة وأرسل إلى المرادي يغريه ويرغبه في المسير إليه وأرفق بالرسالة خمسة آلاف درهم كما وعده إحدى كور الشام والجزيرة، ولما وصلت الرسالة إلى المرادي مالت به ريح الشهوات إلى معاوية، فسلك الطريق إليه تاركاً وراءه العهود والمواثيق والأيمان التي اقتطعها على نفسه للإمام الحسن (عليه السلام). ولما بلغ الخبر الإمام (عليه السلام) جاء إلى الناس وقال: (قد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنكم لا تفون لله بعهد وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم وصار إلى معاوية).

وأخيراً فما صمدت من الثلاثة فرق العسكرية التي بعث بها الإمام الحسن (عليه السلام) إلى جبهات القتال سوى المجموعة المتبقية من فرقة عبيد الله بن العباس والتي يبلغ عددها أربعة آلاف رجل وقد تسلم قيس بن سعد قيادة هذه البقية من الفرقة تلك.

مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالِ الإمَامِ الحَسَنِ(ع)

بينما كان الإمام الحسن(ع) يحث الناس على النهوض كان معاوية بن أبي سفيان يحث الكثير من زعماء القبائل على اغتياله، فعلم الإمام بذلك فارتدى درعاً واقياً، وقد اختارت المجموعة المكلفة باغتياله أن ينفذوا العملية أثناء قيام الإمام بصلاته، وبينما كان الإمام الحسن (عليه السلام) يصلي في مسجد الكوفة، قام أحدهم بتسديد سهم في كبد قوسه، ثم أطلقه نحو الإمام فوقع السهم في منطقة الدرع الذي كان يلبسه الإمام فحال ذلك دون نجاح مخطط الاغتيال وبالتالي فشلت مؤامرة معاوية.

ثم قام الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن انتهى من صلاته خاطباً في الناس ومحذراً أقطاب المؤامرة وبعض الفئات المتعاطفة مع معاوية فقال: (يا قوم ويلكم والله أن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي وإني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي وإني أقدر أن أعبد الله عز وجل وحدي ولكن كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقــــونهم ويستطعــمونهم ممّا جعل الله لهم فلا يسقــــون ولا يطعــــمون فبعــــداً وسحقاً لما كسبته أيديهم (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)

وكشف الإمام (عليه السلام) في خطبته هذه النقاب عن الجهة التي كانت وراء تنفيذ محاولة الاغتيال، حينما ذكر الإمام (عليه السلام) السبب الرئيسي وراء إقدام هذه الجهة على عملية عدوانية تسعى منها إلى تحقيق بعض المصالح والمطامع المادية التي وعدهم بها معاوية.

وقد حصلت أكثر من محاولة لاغتياله إلا أنه(ع) بحكمته كان يكشف تلك المحاولات ويواجهها بكل حكمة.

 

صُلْحُ الإمامِ الحَسَن(ع)

عندما خانه جيشه فلم يبق أمامه سوى إجراء صلح يضمن به الدين وحياة المسلمين، ولقد حاول بعضهم أن يستعمل هذا الصلح في غير وجهه بهدف تشكيك الناس بقدرة وإخلاص الإمام الحسن(ع) الذي كان حكيماً في جميع ما قال أو فعل.

لقد اضطر الإمام(ع) إلى إجراء صلح مع معاوية حتلا يتسنى له النهوض مجدداً ولكن الغيلة كانت أسرع من طموحاته.

على كل حال لقد صالح الإمام الحسن معاوية بعد أن تفكك جيشه، وهناك فرق كبير بين الصلح والمبايعة.

ولنقل : كان ذلك بمثابة هدنة بين الطرفين.

فلم يكن للإمام آنذاك خيار سوى ترجيح كفة الحل السلمي لأنه لو استمر في الحرب مع تلك القلة التي صمدت معه لما بقي على وجه الأرض إسلام ولا مسلمون.

زيد للإمام (ع): يا ابن رسول الله لقد اضطرب الناس وتحيروا في أمرهم ماذا تقدر لهم: فأجابه الإمام: أرى والله أن معاوية خير لي من هؤلاء، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي، وانتهبوا ثقلي، وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي، وآمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني، فيضيع أهل بيتي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً فوالله لأن أسالمه وأنا عزيز، خير من أن يقتلني وأنا أسيره، أو يمنّ عليّ فيكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبها على الحي منا والميت. ثم قال زيد الجهني: وهل تترك شيعتك كأغنام غاب عنها رعاتها؟! فقال الإمام (عليه السلام): ما أصنع يا أخا جهينة؟ وإني والله أعلم بأمر قد أدى به إلا عن تقاته، إن أمير المؤمنين قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً، يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أو كيف بك إذا وليّ هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم، الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد، ويطول ملكه، يسنّن بسنن البدع والضلال، ويميت الحق وسنّة رسول الله، يقسم المال في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحق به، ويذلّ في ملكه المؤمن ويقوّي في سلطانه الفاسق، ويجعل المال بين أنصاره دولاً، ويتخذ عباد الله خولاً، ويدرس في سلطانه الحق ويظهر الباطل، ويلعن الصالحين، ويقتل من ناوأه على الحقّ، ويدين من والاه على الباطل فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس يؤيده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويظهره على الأرض، حتى يدينوا له طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، حتى لا يبقى كافر إلا آمن، وطالح إلا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه:

 إِجْرَاء اتفَاقِيّة الهدنة

قبل توقيع الوثيقة كتب الإمام(ع) إلى معاوية رسالة جاء فيها: أما بعد: فإن، خطبي انتهى إلى اليائس، من حقّ أحييته وباطل أمته، وخطبك خطب من انتهى إلى موارده، وإني اعتزل هذا الأمر وأخلّيه لك، وإن كان تخليتي إيّاه شراً لك في معادك، ولي شروط أشترطها لأبتهضنّك إن وفيت لي بها بعهد، ولا تخف إن غدرت، وستندم يا معاوية كما ندم غيرك، ممن نهض في الباطل أو قعد عن الحق حين لم ينفع الندم:

وما إن وصلت رسالة الإمام إلى معاوية حتى أرسل إليه ورقة بيضاء مختومة ليكتب فيها الإمام شروطه، فكتب(ع): بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان. صالحه على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين.

وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد لأحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث، فلأخيه الحسين. وأن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر عليّاً إلا بخير.

وأن لا يسمي الحسن (عليه السلام) معاوية أمير المؤمنين، ولا يقيم عنده شهادة. واستثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف، وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين كل عام ألفي ألف درهم، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين، ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد.

وعلى أن الناس آمنون، حيث كانوا من أرض الله، في شامهم، وعراقهم، وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمّن الأسود، والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحداً بما مضى، وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.

وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم، وأموالهم، ونسائهم وأولادهم. وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، وأن لا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كلّ ذي حق حقه.

وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله عائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق. وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله، وميثاقه، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى من نفسه. شهد عليه بذلك الله وكفى بالله شهيداً والسلام)

وقد قامت قيامة الناس في وجه الإمام الحسن الذي كشف لهم بدوره عن حقيقة الأمر الذي يجهلونه.

ولذا فقد جاءت مجموعة إلى الإمام الحسن(ع) بعد إجراء تلك الهدنة يطلبون منه الإذن بقتال معاوية فأجابهم(ع) بقوله: أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالحرام في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أركض وأنصب ما كان معاوية بأبأس مني بأساً ولا أشد شكيمة، ولا أمضى عزيمة، ولكني أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء، فارضوا بقضاء الله، وسلّموا الأمر له وألزموا بيوتكم وأمسكوا:

مَوْقِف الإمام الحسن(ع) من الطليعة

جاء عدي بن حاتم أحد طليعة الإمام الحسن (عليه السلام) وقال: (يا ابن رسول الله لوددت إني مت قبل ما رأيت أخرجتنا من العدل والجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيس التي لم تلق بنا.

فرد الإمام (عليه السلام) قائلاً: يا عدي: إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كلّ يوم هو في شأن:

وجاء مالك بن ضمرة فتلفظ بكلمات عنيفة، وألقى باللائمة على الإمام (عليه السلام) فرد عليه الإمام (عليه السلام) بلطف وهدوء وقال له: (إني خشيت أن يجتثّ المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناع:

وجاء حجر بن عدي بعد توقيع اتفاقية الهدنة إلى مجلس معاوية ليبايع وكان الإمام الحسن (عليه السلام) حاضراً في المجلس فالتفت حجر إلى الإمام (عليه السلام) وقال: (أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا ورجعوا مسرورين بما أحبوا).

ثم خرج الإمام الحسن (عليه السلام) ولقي حجراً فخلى به يخبره عن الهدف من وراء اتفاقية الهدنة.

فقال (عليه السلام): يا حجر قد سمعت كلامك في مجلس معاوية وليس كل إنسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وإني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاءً عليكم والله تعالى كل يوم هو في شأن:

وينقل أبو سعيد لبعض أصحابه قصته مع الإمام الحسن (عليه السلام) حول مسألة الصلح مع معاوية ويقول: قلت للحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام): يا ابن رسول الله لمَ داهنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟

فقال: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى ذكره على خلقه وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام)؟ قلت: بلى، قال: ألست الذي قال رسول الله (ص) لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبساً ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي، هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة فيه ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحداً إلا قُتل)

 

استشهاد الإمام الحسن(ع)

رأى معاوية بن أبي سفيان أن أفضل طريقة للراحة هو قتل الإمام الحسن(ع) غيلة حيث كان عاجزاً عن قتله في العلن،

وقد استطاع معاوية أن يتصل بجعدة وراح يعرض عليها الإغراءات المادية ويحدثها عن الأموال الطائلة والضياع والثروة التي سيعطيها إيّاها والتي بلغت عشرة آلاف دينار وإقطاع عشرة ضياع من سورار وهي موضع بالعراق من بلد السريانيين، وسواد الكوفة، ووعدها أيضاً بتزويجها من ابنه يزيد… ولكن بشرط أن تدس السم إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، فلم تطل التفكير في الأمر بل أعطت موافقة فورية.

وفي اليوم المحدد جاءت جعدة بالطعام المسموم وقدمته إلى الإمام الحسن (عليه السلام) فلمّا وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين وأمي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.

وأما إن رفعت جعدة المائدة من تحت الإمام (عليه السلام) حتى بدأ السم ينتشر داخل جسمه (عليه السلام) ويقطع أمعاءه فكان السم يسري.. والألم يسري معه.. وكلاهما يصرمان ما تبقى من عمره الشريف.

جاء إليه أخوه الإمام الحسين (عليه السلام) فلمّا رأى حاله بكى، فقال له الحسن (عليه السلام): ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكي على ما أراك فيه. فقال له الحسن (عليه السلام): إن الذي يأتي إليّ بسمّ يدبّر فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدّعون أنهم من أمة جدنا، وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك، وسبي ذراريك ونسائك وأخذ ثقلك، فعندها تحلّ ببني أمية اللعنة، وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار)

وظل الإمام الحسن  يكابد الألم وقد سيطر السّم على كل أنحاء جسمه حتى أنه شكا لأخيه الحسين قائلاً: (يا أخي سقيت السّم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه، إني لأضع كبدي).

يقول جنادة بن أبي أمية: (… ثم انقطع نفسه وأصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين (عليه السلام) والأسود بن الأسود عليه، حتى قبّل رأسه بين عينيه، ثم قعد عنده فتسارّا جميعاً فقال أبو الأسود: إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه.

ودنا الإمام الحسين من أخيه الحسن  فوجد أن وجه الإمام  يميل إلى الاخضرار فقال الإمام الحسين: مالي أرى لونك إلى الخضرة؟ فبكى الحسن؟ وقال: يا أخي لقد صحّ حديث جدي فيّ وفيك.

ثم تعانقا طويلاً وتعابرا ثم بكيا كثيراً فسأل الإمام الحسين  أخاه الحسن  عن حديث رسول الله (ص) فقال الإمام الحسن (عليه السلام): (أخبرني جدّي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، على منازل أهل الإيمان رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر والآخر من الياقوت الأحمر، فقلت: يا جبرائيل لمن هذان القصران فقال: أحدهما للحسن والآخر للحسين (عليهما السلام). فقلت: يا جبرائيل فلم لا يكونان على لونٍ واحد؟ فسكت ولم يرد جواباً، فقلت لم لا تتكلم؟ قال: حياءً منك. فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسم ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين فإنه يقتل ويحمر وجهه بالدم.

ثم سكت الإمام الحسن (عليه السلام) وقال كلمته الأخيرة عليكم السلام يا ملائكة ربي ورحمة الله وبركاته وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، وغاب شخص الإمام (عليه السلام) عن دار الدنيا إلى دار الخلد في الجنات النعيم)

تَشْيِيْعُ جَنَازَةِ الإمام الحسن(ع)

تولى الإمام الحسين (ع) مهمة تغسيل الجسد الطاهر لأخيه الحسن وهكذا تكفينه ولفّه، وبعدها حملت جنازة الإمام الحسن (ع) إلى مسجد رسول الله (ص) ولمّا وصلوا المسجد اعترض مروان طريق الجنازة للحيلولة دون الدخول بها إلى المسجد، ثم مضى إلى عائشة يحرضها على منع دفن الإمام الحسن عند جده، فجاءت عائشة على بغلة لتمنع دفن الإمام، فدنا عبد الله بن عباس منها وزجرها وقال لها: يوم على الجمل ويوم على البغل، أو قال هو أو غيره: تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت. فلم تنتهر، بل قامت بتهييج بني أمية، فأقدموا على رشق جنازة الإمام بالسهام، حتى أننا نقرأ في الزيارة المنقولة عن الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف ـ (يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى وسهام الأمة معرفة في أكبادكم ورماحهم مشرعة في نحوركم وسيوفهم مولعة في دمائكم وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته وشهيد فوق الجنازة قد اشتبكت بالسهام أكفانه..)

فجرد بنو هاشم السيوف لمواجهة سهام بني أمية، لو لا تدخل الإمام الحسين الذي التزم بوصية أخيه الإمام الحسن، ثم أمر الحسين (ع) بأن تحمل الجنازة إلى البقيع، فمالوا بالجنازة نحو البقيع. وقد اجتمع الناس لجنازته حتى ما كان البقيع يسع أحداً من الزحام وقد بكاه الرجال والنساء سبعاً، واستمر نساء بني هاشم ينحبن عليه شهراً، وحدّت نساء بني هاشم عليه

وقبل أو يوارى الجثمان الطاهر للإمام الحسن (عليه السلام) دنا منه أخوه محمد بن الحنفية ونعاه قائلاً: رحمك الله يا أبا محمد، فوالله لئن عزّت حياتك لقد هدّت وفاتك، ونعم الرّوح، روح عمّر به بدنك ونعم البدن، بدن ضمه كفنك، لم لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحلف أهل التقوى، ورابع أصحاب الكساء، غذتك كفّ الحق، وربيت في حجر الإسلام، وأرضعتك ثديا الإيمان، فطب حيّاً وميتاً، فعليك السلام ورحمة الله وإن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ولا شاكّة في الخيار لك.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى