
نور البصيرة
عندما خلق الله البشر ألقى في جواهرهم أنواراً كثيرة كالفطرة والفكر والبصيرة، فإن البصيرة نور من أنوار الله تعالى ينبغي على كل إنسان أن يعمل بها ليكون عمله واقعياً ومثمراً لأن الإنطلاق من البصيرة في أي أمر يُكتَب له النجاح لأن صاحب البصيرة يتخذ القرارات الناجحة بسبب إلقاء أحكام البصيرة عليها قبل اتخاذها، ومن هنا فإننا نجد بأن أهل البصائر قليلوا الخطأ.
وها هو كتاب الله العزيز يمدح أصحاب البصائر النيرة ويحث الجميع على التحلي بها والإنطلاق منها والعمل على أساسها من أجل أن لا يذهب تعبنا سدى من دون مردود نرضى به، وفي نفس الوقت فإن القرآن يوبّخ كل الذين أماوا بصيرتهم وألقوا العمى فيها استجابة منهم للشيطان الغوي الذي يعمل على تجميد البصائر وإطفاء أنوارها داخل الإنسان الذي إذا فقد بصيرته فقد نفسه وخسر كل شيء، ففي سورة الحج قال سبحانه(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) وفي هذه الآية دعوة صرحة إلى النظر والتأمل والتفكر الموصل إلى الماورائيات والذي به يدرك الإنسان حقائق الأشياء ومخفيات الأمور لأن البصيرة تدرك ما لا يمكن للبصر أن يدركه، فالذين ينظرون بعين البصر ولا ينظرون بعين البصيرة هم عميٌ كما يصفهم ربهم.
وفي سورة الأعراف قال تعالى(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) فالأمر ليس سهلاً كما يتخيل بعض الناس فإن تلك القوى النورانية المودَعة فينا هي حجة بالغة علينا في يوم الحساب لأنه كان بإمكانا أن نبصر بالقلب ونصل إلى المعرفة المطلوبة ولكننا فضّلنا العمى على العلم والإيمان فكنا بذلك مقصرين مسؤولين عن كل ما قمنا به في هذه الحياة، والجدير بالذكر أنه تعالى شبّه هذه المجموعة من الناس بأنهم كالأنعام ثم أوصلهم بالتشبيه إلى مستوى أوضع من مستوى الحيوانات فقال بل هم أضل لأن الحيوان لا عقل له حتى يدرك جواهر الأمور تكويناً أما الإنسان فإنه يتمتع بقوة ميزه ربه بها عن باقي المخلوقات والعجماوات فأراد سبحانه أن يرفع الإنسان ولكن الإنسان اختار لنفسه تلك المنزلة الخسيسة.
قال(ص) ليس الأعمى من يَعمى بصره إنما الأعمى من تعمى بصيرته: وقال علي: فقدُ البصر أهون من فقد البصيرة: وقال: نظر البصير لا يُجدي إذا عَمِيَت البصيرة: وقال: فإنما البصير من سمع فتفكّر ونظر فأبصر وانتفع بالعبر ثم سلك جَدَداً واضحاً يَتجنب فيه الصَّرعة في المهاوي:
الشيخ علي فقيه



