
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ{البقرة/51}
لم تكن أخطاء بني إسرائيل صغيرة وإنما كانت بمستوى العقيدة حيث انحرفوا عن التوحيد رغم المعجزات التي شاهدوها والنعم الإلهية التي لمسوها.
فبعد هلاك فرعون وجنوده أمر الله كليمه موسى بأن يذهب إلى جبل الطور ليُحضر ألواح التوراة، وقد أخبرهم موسى بأن رحلته هذه سوف تستغرق ثلاثين ليلة، ولكن الله تعالى أراد أن يختبر إيمانه فزاد على تلك الليالي عشر ليال أخر، وفي تلك الأثناء كان الشيطان يوسوس لبني إسرائيل من أن موسى تركهم وهرب وفي ذلك الوقت جاءهم السامري وقد اخترع لهم عجلاً يصدر صوتاً فعكفوا على عبادته وكفروا بالله بعد الإيمان، وقد كانو بذلك ظالمين لأنفسهم.
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{البقرة/52}
إن الميزة في نعم الله على بني إسرائيل هو أنه كان يعفو عنهم المرة تلو الأخرى، هذا مع العلم بأنهم كانوا يستحقون على أخطائهم أشد أنواع العذاب، فرغم أنهم كفروا بالله وهددوا نبي الله هارون بالقتل ووضعوا العجل أمامهم وراحوا يعبدونه من دون الله نجد بأن عفو الله قد شملهم بعد أن جاءهم موسى وعلموا بسبب تأخيره فأعلنوا التوبة فقبل الله منهم ذلك وعفا عنهم علهم يستمرون في الإيمان ولكن كل هذا كان خداعاً منهم لموسى لأنهم من الأساس لم يكونوا مؤمنين وإنما اتبعوا موسى حتى يخلصهم من ظلم فرعون وليس اللع بغافل عما يفعل هؤلاء.
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{البقرة/53}
الفرقان وصف للقرآن الكريم الذي قال الله في صفته(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) والمراد بالفرقان هنا القرآن الكريم.
ومن خلال تتبع آيات القرآن نجد بأن هذا الوصف ليس خاصاً بالقرآن بل إنه يشمل جميع الكتب السماوية بدليل قوله تعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ) والذي يتبادر إلى الذهن من لفظ الفرقان في هذه الآية هو التوراة، وفي بعض الآيات يوصف غير الكتب بالفرقان كما في قوله سبحانه(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ) فهل المراد بالفرقان هنا الزبور أم أن المراد به غير الكتب السماوية؟
نرجع إلى كتب اللغة فنجد بأن المراد بالفرقان هو كل ما يفرق بين الحق والباطل، وأعظم مصداق لهذا المعنى هو الكتب السملوية بالدرجة الأولى ثم كل ما يفرق بين الخير والشر.
نعم إن الفرقان إسم لكل ما فيه فرقان بين الحق والباطل والخير والشر بدليل قوله تعالى(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) فالكتاب هو التوراة وعليه يكون المراد بالفرقان في الآية غير التوراة، ولهذا ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالفرقان هنا هو تلك المعجزات التي جرت على يد موسى والتي فرقت بين الحق والباطل، فلقد أنزل الله تعالى على بني إسرائيل التوراة والمعجزات لعلهم يهتدون إلى الحق، ولكن النتيجة كانت هي النتيجة الدائمة وهي إصرارهم على الكفر رغم وضوع الأمر عندهم.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/54}
لم يظلم الله عباده فهو العادل الذي لا جور عنده، ولكن الناس يظلمون أنفسهم بأنفسهم ثم يظلمونها بظلمهم لغيرهم، والله تعالى لا يحب الظلم مهما كان صغيراً وقد نهى عنه مراراً في كتابه الكريم، فمعاقبة الله لبعض الأقوام عبر الإبادة الجماعية لم يكن ظلماً من الله تعالى بل حصل بما كسبت أيدي الناس بعد أن حذّرهم الأنبياء من عذاب الله وسخطه فلم يبالوا بوعيد الله لهم فاستحقوا العذاب، ثم إننا خلق الله وعبيده يفعل بنا ما يشاء ولا أحد يسأله عما يفعل(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)
وبنوا إسرائيل قوم ظلموا أنفسهم واستخفوا بالله وأنبيائه وآياته بعد أن رأوا من الآيات ما لم يرها غيرهم من الناس، فالحجة عليهم أقوى وأبلغ، ولهذا كانت توبتهم صعبة عليهم لأن الظلم الذي اقترفوه كان عظيماً إذ كيف يمكن لقوم رأوا آيات الله وقد أنعم الله عليهم بالكثير أن يكفروا بالله تعالى بهذه السهولة ويعبدون عجلاً صنعه لهم السامري، لأجل هذا كان العقاب شديداً فلقد أمرهم نبيهم أن يقتلوا أنفسهم بأنفسهم وبغير هذه الطريقة لن يغفر الله لهم فراح المذنب يضرب المذنب بالسيف حتى حصلت لهم إبادة جماعية بما كسبت أيديهم، ولم يقتصر الأمر على موتهم فقط بل على الأذى الذي كانوا يشعرون به عندما يقتل الصديق صديقه والأخ أخاه.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{البقرة/55}
عندما ذهب موسى إلى الميقات اصطحب معه سبعين نفراً من كبار بني إسرائيل ليشهدوا على كون الألواح قد نزلت على موسى من السماء حتى لا يتهمه بنوا إسرائيل لأنهم قوم أراذك وقبيحوا النفس وسيؤوا الظن، وبينما كان موسى على الجبل ينتظر نزول الألواح عليه وإذ به يتفاجأ بطلب يطلبه منه بنوا إسرائيل، فلقد طلبوا منه أن يريهم رب العالمين بالعين المجردة وقالوا له بأننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وهنا وقع موسى في حيرة من أمره وتوجه إلى الله تعالى فيما قاله بنوا إسرائيل فأنزل الله عليهم صاعقة من السماء على جبل قريب منهم وصحبها برق ورعد شديدين حتى زلزل الله بهم الأرض فخر السبعون صرعى، وقد أراد الله تعالى أن يوصل رسالة إلى هؤلاء المعاندين حتى لا يبقى تفكيرهم محصوراً بالماديات والمحسوسات، وكأن الله يريد أن يقول لهم من خلال تلك الصاعقة إنه لا يمكن أن يرى الإنسان بعينه جميع الظواهر فما بكم برب العالمين الذي لا تدركه الأبصار.
ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{البقرة/56}
عندما رأى موسى ما حل بالرجال السبعين شق عليه الأمر لأن بني إسرائيل سوف يتهمونه بقتلهم فدعا الله تعالى أن يحييهم حتى يخبروا الناس بما حدث معهم وبهذا يلقي الله الحجة عليهم مرة أخرى، فاستجاب الله دعاء كليمه وأعاد السبعين إلى الحياة وقد رأوا بأم أعينهم كيف يحيي الله الموتى.
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ{البقرة/57}
بعدما نجى الله بني إسرائيل من فرعون وجنوده أمرهم بالذهاب إلى أرض فلسطين حتى يدخلوها ويقاتلوا العمالقة فيها فعصوا أمر الله وتركوا موسى وحيداً بعد أن قالوا له(يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ونتيجة لهذه المعصية غضب الله عليهم مجدداً وعاقبهم بالتيه أربعين سنة في صحراء واسعة لم يعرفوا كيف يخرجون منها ولكن ثلة قليلة منهم ندموا على تلك المعصية وشكوا لموسى حرارة الشمس والجوع فدعا ربه فأظلهم الله بغمام يختلف عن الغمام العادي الذي سرعان ما يتناثر في الفضاء فلقد أظلهم بغمام بقي فوقهم أينما توجهوا، والمن الذي أنزله ربهم عليهم هو عبارة عن مادة لذجة ذات طعم حلو، والسلوى نوع من الطير.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ{البقرة/58}
أمرهم الله سبحانه بأن يدخلوا بيت المقدس وأن يعيشوا فيها حياة طيبة فيأكلوا فيها من رزقه الواسع، وقد طلب منهم أن يقولوا حطة أي يا رب حط عنا الذنوب والخطايا، فإذا التزمتم بذلك فسوف يزيدكم الله من فضله.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{البقرة/59}
من العادات السيئة عند بني إسرائيل أنهم يستهزؤون بكل شيء وذلك من باب الكفر والعناد، فلقد طلب منهم نبيهم أن يدخلوا باب المدينة ويقولوا حطة، فراحوا يقولون حنطة بدل حطة وذلك من باب الإستهزاء بموسى(ع) ونتيجة لذلك أنزل الله عليهم الرجز من السماء، وكان للمفسرين أقول حول معنى الرجز، فمنهم من قال هو الإضطراب، ومنهم قال هو العذاب، وقال آخرون هو مرض الطاعون الذي تفشى فيهم بسرعة وأهلك مجموعة كبيرة منهم، ومهما يكن فإن جميع المعاني تصب في معنى الغضب الإلهي الذي نزل عليهم بسبب كفرهم واستهزائهم، وقد أشارت الآية إلى أن ما قاموا به هو من الفسق.
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ{البقرة/60}
أذكروا يا بني إسرائيل نعمة الله عليكم عندما استسقيتم كليمه موسى في تلك الصحراء وكاد العطش يقتلكم فتوجه موسى إلى ربه فأمره الله بأن يضرب صخرة كانت هناك بعصاه فضربها موسى وبلمح البصر انفجرت منها اثنتا عشرة عيناً، وكان عدد قبائل بني إسرائيل آنذا اثني عشر قبيلة وقد تفجرت العيون بعدد قبائلهم وسارت كل عين باتجاه قبيلة، وقد كانت كل قبيلة تعرف العين الخاصة بها، ثم دعاهم الله تعالى إلى أن يأكلوا من رزقه ويشربوا من مائه ويشكروه على نعمه ويتخلوا عن العناد وإيذاء الأنبياء.
ففي هذه الآية استعمل الله لفظ الإنفجار حين قال انفجرت ولكنه تعالى في سورة الأعراف عبّر بالإنبجاس حيث قال فانبجست منه، ومعنى الإنبجاس هو سيلان الماء بهدوء حتى يمكن لهم أن يسيطروا عليه، فبالإنفجار يتدفق الماء بقوة وبالإنبجاس يسير بهدوء.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ{البقرة/61}
فيما مضى عندما كان الجوع يأكل أمعاءهم طلبوا من نبيهم أن يدعو الله لهم فاستجاب الله لنبيه وأنزل عليهم المن والسلوى وراحوا يأكلون من هذا الطعام الطيب الذي يتمناه كل إنسان مدة من الزمن، فتحرك اللجاج بداخلهم فأتوا إلى موسى يشكون له مللهم من هذا الطعام فطلبوا منه أن يتوجه إلى ربه ويدعو لهم حتى تخرج لهم الأرض من نباتها كالبقل والخيار والعدس والبصل، فعند ذلك أجابهم نبيهم بأنكم يا بني إسرائيل تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، أي أنكم تستبدلون المن والسلوى بالبقل والبصل، هذه المرة لن يستجيب الله لكم لأنكم تلجون في الطلب ولكن الله تعالى أوحى إلى نبيه أن يأمرهم بالذهاب إلى مصر فإن فيها جميع أنواع الخضار والطعام الذي طلبوه، فهم يريدون أن يحصلوا على معيشة كريمة من دون أي تعب أو عناء.
إذاً أمرهم موسى بالذهاب إلى مصر وقد اختلف المفسرون في المراد من لفظ مصر في الآية، فهل هي موطنهم الذي تركوه أم أن لفظ مصر يراد به المدينة أية مدينة فإنه في الصحراء لا يوجد خضار أما في المدن فهي موطن لهكذا أنواع من الطعام، ولعل المراد بمصر هنا هو مطلق المدينة لأن اليهود لم يرجعوا إلى موطنهم مصر أبداً.
ومرة جديدة باؤوا بغضب من الله لأنهم اعتدوا على أنبيائه وقتلوهم، وضربت عليهم الذلة لأنهم أنكروا التوحيد.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/62}
هناك مشكلة حقيقية عند كثير من الناس في عملية فهم المراد من كلام الله عز وجل، فتنزل الآية لتدل على شيء فيستعملها المحرفون في غير ما نزلت له ابتغاء التضليل والتشكيك، وهذا القرآن له أهله وله أعداؤه عبر التاريخ لأن أهل القرآن يمثلون نهجاً مستمراً منذ اليوم الذي نزل فيه، وكذلك أعداء القرآن والإسلام فإنهم جماعات كثيرة وهم يستعملون أكثر من طريقة للطعن في كتاب الله.
والآية هنا من الآيات التي أدخل عليها البعض شبهة حول حقيقة الإيمان فادعى البعض بأن الله يقبل العمل من الإنسان سواء كان يهودياً أم نصرانياً أم مسلماً فالجميع سواء، ولكن الحقيقية أضيق من ذلك بمراتب، إن سياق الآية يشير إلى أن بعض اليهود والنصارى وربما بعض المسلمين أيضاً فخروا بدينهم وظنوا بأنهم أفضل من غيرهم وأن الجنة خُلقت لهم دون غيرهم، فرد الله عليهم بهذه الآية التي يجب التنبه إلى معناها الحقيقي، فالآية تشير إلى أن الأجر والثواب يقومان على أساس الإيمان الحقيقي بالله وباليوم الآخر مع ضميمة العمل الصالح وليس مجرد ادعاء فارغ.
بعضهم أدخل شبهة في المقام فادعى بأنه ليس من الضروري أن يعتنق اليهودي أو النصراني الإسلام المهم هو أن يؤمن بالله ويوم القيامة مدعياً أن ذلك هو مفاد الآية الكريمة، فهذا المدعي إما أنه جاهل حقاً بأسلوب القرآن وتفسيره وإما أنه يعلم الحق ويحاول بث الشبهات فإن الله تعالى صرح في العديد من الآيات أنه لا يقبل عملاً من الإنسان إلا عن طريق الإسلام ومن أبرز تلك الآيات قوله سبحانه(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاِْسْلاَمِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) وكان للمفسرين قولان في معنى الآية الكريمة.
بعضهم قال لو عمل اليهود والنصارى بما جاء في كتبهم لآمنوا حقاً بخاتم الأنبياء واتبعوه.
وقال آخرون إن هذه الآية تجيب على سؤال طرحه المسلمون في بداية ظهور الإسلام وهو مصير آبائهم وأجدادهم الذين اتبعوا اليهودية والنصرانية قبل ظهور الإسلام فهل هم ناجون أم معذَبون؟ نقول إن كل أمة عملت في عصرها بما جاء به نبيها كانت فرقة ناجية، وبعبارة أخرى: إن اليهود المؤمنين العاملين قبل ظهور المسيح هم فرقة ناجية، والمسيحيون المؤمنون العاملون قبل ظهور الإسلام ناجون أيضاً ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وأما الصابؤون فهم قوم كانوا على دين نوح وكانوا يعملون بدين سماوي وليسوا مجوساً كما ادعى البعض لأن القرآن فصل بينهم وبين المجوس حيث قال تعالى(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابئينَ وَالنَّصَارى وَالَْمجُوسَ).
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{البقرة/63}
أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل وهو عبارة عن توحيد الله، والإِحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، والقول الصالح، وإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، واجتناب سفك الدماء والإيمان بالأنبياء فإنكم إن عملتم بمضمون هذا الميثاق فأنا أضمن لكم دخول الجنة.
وأما بالنسبة لرفع الطور فوقهم فقد قال العلامة الطبرسي رحمه الله حدث هذا حين رجع موسى من الطور، فأتى بالألواح، فقال لقومه: جئتكم بالألواح وفيها التوراة والحلال والحرام فاعملوا بها. قالوا: ومن يقبل قولك؟! فأرسل الله عزّ وجلّ الملائكة حتى رفعوا الجبل فوق رؤوسهم، فقال موسى(ع): إن قبلتم ما آتيتكم به وإلاّ أرسلوا الجبل عليكم، فأخذوا التوراة وسجدوا لله تعالى ملاحظين الجبل (أي وهم ينظرون إلى الجبل من طرف خفي)، فمن ثمّ يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم.
وكان للمفسرين أقوال مختلفة في مسألة رفع الطور فوق رؤوس بني إسرائيل فقال بعضهم إن الله تعالى رفع فوقهم الجبل من أجل أن يظلهم به فيكون رفع الجبل فوقهم نعمة لا نقمة.
وقال آخرون إن زلزالاً قوياً ضرب الجبل فاقتلعت منه صخرة كبيرة ومرت فوق رؤوسهم كلمح البصر فخافوا من أن تسقط عليهم.
وقال بعضهم لقد ظن بنوا إسرائيل أن الجبل فوقهم من شدة الإهتزاز، المهم أن الله تعالى أعطاهم آية جديدة من آياته حتى يؤمنوا ويعملوا صالحاً وقد أمرهم أن يأخذوا ما في التوراة بقوة وأن يعملوا بما فيها لعلهم يُرحمون في يوم القيامة.
وقد سئل الإمام الصادق(ع) عن المراد بالقوة في الآية أفبقوة الأبدان أم بقوة القلوب فقال(ع) بهما جميعاً:
ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ{البقرة/64}
رغم تلك الآيات التي رأوها بأعينهم وسمعوها بآذانهم ورغم تلك النعم الكبرى التي من الله بها عليهم كفروا بالله مرة أخرى وتزلزلت عقائدهم، ولكن الله تعالى بفضله على عباده أعطاهم فرصة أخرى علهم يتوبون حقاً ويعملون صالحاً.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ{البقرة/65}
إن روح العصيان والتمرد متغلغلة في قلوب اليهود ويمكن القول بأنه لم يمر في التاريخ من هو أقبح منهم فلقد كفروا وقتلوا أنبياء الله بعدما أنعم الله عليهم، وذات مرة أمر الله اليهود بأن يسبتوا أي أن يتوقفوا عن العمل يوم السبت، وكان في ذلك اختبار لإيمانهم أيصمدون على الإيمان أم يكفرون كالعادة، وقد شمل هذا الأمر جميع اليهود ومنهم أولئك القاطنين على ساحل البحر، وقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكثر الأسماك يوم السبت قرب السواحل وتندر بقية أيام الأسبوع، ولكن طمعهم المعلوم دفعهم للمخالفة فراحوا يصطادون الأسماك في اليوم الذي نهاهم ربهم فيه عن العمل فغضب الله عليهم ومسخهم على هيئة حيوانات.
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ{البقرة/66}
لقد جعل الله عز وجل تلك الحادثة عبرة لمن كان في ذلك الزمان ولكل الأمم اللاحقة وموعظة لمن يريد أن يتقي الله عز وجل.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{البقرة/67}
هذه الآية وسبع آيات بعدها تحدثنا عن قصة حدثت مع اليهود بينت لنا حجم لجاجهم وكيفية استهزائهم بنبيهم وأنهم كانوا لا يؤمنون به وبكلامه فأراد الله عز وجل أن يعطيهم أكثر من درس وعبرة في آن واحد، ولعل قصة هذه البقرة لم تُذكر في موضع آخر وقد أطلق على سورة البقرة هذا الإسم نظراً لوردود هذه القصة الهامة ضمن آياتها.
ففي يوم من الأيام حدثت جريمة قتل غامضة لدى اليهود فلم يعرفوا الجاني وكاد البعض يُظلمون من خلال توجيه الإتهامات فلجؤوا إلى نبيهم موسى(ع) وسألوه أن يسأل ربه إحياء هذا القتيل حتى يخبرهم بالحقيقة قبل أن تدور المعارك فيما بينهم، فتوجه موسى إلى ربه فأمره الله بأن يأمرهم بذبح بقرة فقال لهم نبيهم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فعندما سمعوا هذا الكلام سخروا منه وقالوا ما علاقة البقرة بهذه الحادثة، فقال لهم أنا لا أستهزئ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ{البقرة/68}
لو أتى بنوا إسرائيل بأية بقرة حولهم وبأية صفات لقضي الأمر الذي فيه يختلفون ولكنهم لجوا كالعادة فتشددوا في أمرها فشدد الله عليهم وراحوا يسألون نبيهم أسئلة بهدف اللجاج والإستهزاء وكان الله تعالى بعد كل لج منهم يضيق الخناق عليهم ويصعّب الأمر لهم، والشيء الملاحظ في هذه الآية وغيرها من الآيات التي تتحدث عن كلام اليهود هو أنهم كانوا دائماً يستعملون مع نبيهم لفظ ربك، إسأل ربك، أدع لنا ربك، وهم يقصدون بذلك الإساءة وعدم الإيمان وكأن رب موسى غير ربهم، وعلى كل حال فقد طلبوا منه أن يبين لهم شيئاً عن مواصفات تلك البقرة التي ستكون سبباً في الإحياء، فهؤلاء نظروا إلى نوع البقرة ومواصفاته وغفلوا عن القدرة الإلهية التي تحيي من دون أي سبب، فأجابهم: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ: يعني ليست كبيرة ولا صغيره بل متوسطة الحجم فافعلوا تؤمرون ولا تصعبوا الأمر على أنفسهم لأن موسى(ع) كان على علم بنتيجة هذا اللجاج وكان ينصحهم دائماً بالتسليم لأمر الله ولكنهم لم يكونوا أهلاً لقوله ولا محلاً لنصائحه.
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ{البقرة/69}
لم يكتفوا بما قال لهم نبيهم لأنهم لا يؤمنون بكلامه فلقد كانوا شاكين في الأمر رغم الآيات الكثيرة التي شاهدوها ورغم علمهم بأن الذي أحياهم من قبل قادر على أن ييحي هذا القتيل فسألوا موسى هذه المرة أن يبيّن لهم لونها وهنا ضيق الله عليهم أكثر وطلب منهم بقرة صفراء نقية لا لون آخر معها، ولم يكن على وجه الأرض آنذاك بقرة بهذه المواصفات سوى واحدة في أرض بعيدة.
من السهل أن يجدوا بقرة لا فارض ولا بكر، ولكن يصعب عليهم أن يجدوا بقرة صفراء شديدة الصفرة كما طلب منهم، وقد علّق مسألة إحياء المقتول على إيجاد هذه البقرة وذبحها فلو تراجعوا عن رأيهم وركنوا أمام الأمر القائم لما قُبل منهم بل لا بد من إيجاد تلك البقرة النادرة ، وهم مضطرون لإحياء المقتول ولكنهم رغم اضطرارهم لم يتخلصوا من عاداتهم السيئة وعرقلة المسائل.
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{البقرة/70}
لم يكتفوا بتلك المواصفات وبقي الشك يراودهم فسألوا موسى أن يفصّل لهم أكثر لأن البقر يتشابه عليهم وهم يخشون أن يشتروا بقرة ولا تكون هي المطلوبة فيخسرون المال بسبب غلطة واحدة، وكان اليهود ولا يزالون أكثر الناس حباً بالمال، يا موسى إن وضحت لنا الأمر أكثر فسوف نهتدي بإذن الله لأننا في حيرة شديدة من أمرنا.
الشيخ علي فقيه



