
شَرِيْعَةُ الغَابِ تَدْخُلُ قَلْبَ الصحرَاء
انتشرت شريعة الغاب في المجتمع البشري بسرعة البرق، ووصلَتْ إلى كل بلدٍ ومدينةٍ، ودخلتْ إلى كل قريةٍ وقبيلةٍ واستقرّتْ في كل زُقاق، حتى أنها طالت قِمم الجبال وصخورها، وبطون الأودية ومياهها، وكثبان الصحراء ورمالها، باستثناء بعض الأماكن البعيدة النائية والتي كان منها قبيلة قصتنا.
ومن الطبيعي أن تجد هذه الشريعة في البلاد الواسعة والمدن الكبيرة، فكلما زاد عدد البشر ازداد معهم الشر، أما أن تصل هذه الشريعة إلى عمق الصحراء وتُخرّب حياة سكانها وأخلاق أهلها، فهو المستهجَن في الأمر.
وقد لَقِيَت هذه الشريعة السيئة قَبولاً واسعاً من قِبل بني البشر، وهي الشريعة التي استقطبت أكبر عدد منهم في أقصر وقت ممكن رغم أنها من صُنع يد الإنسان، ولأنَّ أهواء الناس ميّالة إلى الشر في الأغلب فقد أصبحت هذه الشريعة القبيحة هي الديانة الفعلية للكثيرين ممن ينتمون بالظاهر إلى الأديان السماوية وغير السماوية، وسوف أنقل لكم بعضاً من نماذج الذين انتهجوا هذه الشريعة في رحلتنا الصحراوية هذه لندرك معاً مدى الخطورة التي تحيط بمجتمعنا البشري حالياً، ولنتعلم من تجارب الماضين الذين دفعوا الثمن غالياً.
القَبيْلَةُ المُسالِمَة
يُحكى أنه كان مجموعة من الناس الفطريين بطبعهم والمسالمين بسلوكهم يسكنون في قبيلة عربية بدائية موقعُها قلبُ الصحراء الواسعة والتي لم يكن الكثيرون يعرفون عنها شيئاً بسبب انحرافها عن طريق القوافل وعدم اختلاط أهلها بالآخرين، فقد أسسوها بجهدهم وإصرارهم وكدّ أيديهم، وقد عاشوا في قبيلتهم بالفطرة التي خُلقوا عليها والتي لم تدنّسها قذارات الحضارات، ولم تتلطخ نفوسهم البيضاء بنجاسة التمدّن وشيطنة الكثيرين من الناس الذين انسلخوا عن فطرتهم وتبرأوا من سجاياهم وباعوا أخلاقهم، فلقد فتح أهل تلك القبيلة عيونهم على رمالٍ ذهبية تعكس لهم لون الشمس الذهبية، وخِيَم منصوبة على تِبْر الطبيعة مصنوعة من القش والجلود، وهي في نظرهم قصور فارهة، وإبلٍ ونِعاج وماعز ودجاج وعصافير كانت بالنسبة لهم كل حياتهم ومصدر عيشهم وسبب صمودهم، فكانوا يخرجون بها صباحاً للرعي والشرب، ويعودون في المساء وقد بدا التعب عليهم، فيأكلون من تلك الخيرات الأصلية التي نسجتها أيديهم الطاهرة، ويسهرون قليلاً يتسامرون أطراف الحديث، ويستعيدون ما حدث معهم في ذلك اليوم، ثم ينامون في وقت مُبكر بحيث لو مررت في المساء بقبيلتهم لظننتَ بأنها خاوية على عروشها بسبب الهدوء الذي يسيطر على ذلك المكان الرائع والهادئ، فلم يكن عندهم حرس يسهرون على أمنهم لأنّ أمنهم مُكتسَب من ذواتهم، ثم يكون اليوم الثاني كاليوم الأول لا يختلف عنه إلا بالتوقيت الزمني، وهكذا بقي الحال لسنين طويلة تغمرها المحبة وتكللها السعادة.
لقد كان كبيرهم حكيماً، وصغيرهم بريئاً، ونساؤهم محتشمة، وكان أهلها بحكم العائلة الواحدة، فكانوا يتعاونون فيما بينهم لتوسيع قبيلتهم ونصب خيامهم وتزويج الشباب والفتيات دون أن يحمل أحدهم أعباء الحياة.
لقد استمروا على سجيتهم الطاهرة مدة طويلة حتى زارهم واحد من شياطين الإنس فقلب حياتهم رأساً على عقِب.
رَحَالَةٌ غَربِي يَزوْرُ القَبيْلَة
ذات يوم كان أهل تلك القبيلة منتشرين لرعي الإبل والمواشي كعادتهم كل يوم، فرأى أحدهم رجلاً غريباً يجلس بالقرب من بئر مائهم وقد بدا عليه تعب السفر، وكان لون شعره أشقراً وبشرته بيضاء، فتقدّم نحوه مُرحّباً، وسأله إن كان يريد شيئاً، وعرض عليه خدماته كما تعلّم من كبار قبيلته، فطلب منه كوب حليب فأسرع الرجل وأتاه بكوب حلب طازج فشرب حتى ارتوى، وكانت لهجته العربية غريبة، فأدرك الرجل حينها بأنّ هذا الغريب ليس من العرب، وبينما هو واقفٌ يأمّل في حركات الغريب وإذا به يسأل: من أية قبيلة أنتَ؟ فأخبره الرجل عن قبيلته التي لا تبعد كثيراً عن البئر، فعلم الغريب بأنه اقترب من هدفه المنشود، وهنا لم يكن أمام الرجل سوى أن يدعو الغريب إلى القبيلة للقيام بواجب ضيافته، فوافق الغريب على الفور مما زاد في دهشة رجل القبيلة حيث ليس من عادة الضيوف أن يوافقوا بهذه السرعة، ولكن لم يكن أمامه سوى السكوت والقيام بالواجب، وإن كان ثمة أمر لا بدّ أن يظهر عاجلاً أم آجلاً، فحمل الرجل أمتعة ضيفه واصطحبه إلى دار الكبير كما ينص قانون القبيلة.
وقبل الوصول إليها أرسل شاباً ليخبر كبير القبيلة بقدوم ضيف غريب حتى يستعد للقيام بالواجب كيلا يدخلوا القبيلة على حين غَرَّة فيصاب الكبير حينها بشيء من الحرج أو الإرتباك.
وكان من عاداتهم الجميلة أنهم يخرجون إلى مشارف قبيلتهم لاستقبال الضيوف تكريماً لحلولهم بينهم.
وُصُولُ الرَحَالَةِ إِلَى القَبيْلَة
ما هي إلا دقائق معدودات حتى اقترب الضيف من القبيلة فوجد الرجال والنساء واقفين بكل أدبٍ واحترام ترحيباً به وبقدومه، فظنّ حينها أنه وجد ضالته التي يُنشدها، وأنّ فريسته ستكون سهلة المنال حيث شعر بأنّ أهل القبيلة بسطاء يسهل الكذب عليهم والإستحواذ على قلوبهم وأخْذِ ما في جيوبهم دون أي عناء، وكان واهماً في ظنه لأنّ المظهَر لا يكشف عن الجوهر في الكثير من الأحيان، فقد رأى شيئاً وغابت عنه أشياء.
وقبل أن يتكلم كبير القبيلة مع الضيف دنا الرجل الذي استقبل الضيف عند البئر وأخبر كبير القبيلة بما شعر حيال الضيف الغريب الذي كانت أسئلته كاشفة عن شيء من نواياه، فنهره الكبير وقال له: لا تحكُم عليه بشيء حتى نعلم أمره، وليس من عاداتنا أن نُثقل على ضيوفنا أو نطرح عليهم أي سؤال قبل أن نقوم بواجب الضيافة معهم، أليس كذلك يا بُني؟ فطأطأ الرجل رأسه خجلاً، ثم تقدم الكبير وصافح الغريب ودعاه إلى الدخول، وقد شعر بنفس ما شعر به الرجل، ولكنه كتمها في نفسه ليعلم الخبر اليقين.
وكان الضيف رحّالة من بلاد الغرب، وكانت وظيفته تشجيع العرب على ترك عاداتهم والتخلي عن قِيمهم ومعتقداتهم بل والخروج من ديارهم دون عودة بأساليب ترغيبية شيطانية يُمكن أن تؤثّر على عقول الشباب بسهولة، وكان هذا الغريب المُريب أحد زبانية ملوك الغرب الذين اعتادوا على تفريق الأمم واضطهاد الشعوب وضَرْبِ الأخلاق للسيطرة عليهم من دون كلفة أو عناء، وللمحافظة على مصالح بلادهم في آنٍ واحد، وقد سمع هذا الضيف بالصدفة عن استقامة تلك القبيلة وأهلها وتمسُّكهم بالدين والعادات العربية، فأراد أن يدمر نفوس أهلها لتسهل السيطرة عليهم عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، وكان يحمل في جعبته أكثر من مخطط لتدميرها.
وأثناء اصطحاب الكبير له إلى خيمة الضيوف أراد(الضيف) أن يقوم بجولة في القبيلة، فمنعه الكبير قبل أن يأكل ويستريح مبيّناً له أنّ ذلك مخالف للعادات والتقاليد فبُهت وتابع السير نحو الخيمة المخصصة له.
وبملاحظة صلابة الكبير وكيفية احترام أهل القبيلة له أدرك الرحالة صعوبة المهمة التي أتى من أجلها، ولكنه كان مضطراً للمتابعة علّه استطاع أن يتغلب على كبير القبيلة بدهائه الغربي.
وكان من أهدافه أيضاً أن يضم تلك القبيلة إلى سجل اكتشافاته، وأن يُكتب له الفضل في الهيمنة عليها وفي نقلها من مرحلة التخلّف والرجعية إلى عالَم التحضّر والتمدن حسب اعتقاده، وخصوصاً أنه أول رحالة غربي تطأ قدماه تلك الأرض.
بِدَايَةُ الشقَاء لِلقَبيْلَة
كان قدومه إليهم بداية الشقاء لهم، وسببَ زوال الأخلاق عند الكثيرين منهم، لأنه في الحقيقة شيطان بصورة إنسان ككثيرين ممن أسرتْهم الشهرة وقتلهم الطمع وسيطر عليهم الجشع والكراهية، فلم تر تلك القبيلة المصائب، ولم تُصبْ بالمتاعب إلا بعد حلول هذا الرحالة أرضهم بعد بحثٍ منه استمر لسنوات.
لقد وصل إليهم وحلَّ ضيفاً عليهم زلم يكن أهلاً للضيافة ولا موضعاً للتكريم لأنّ نواياه تجاههم كانت سيئة جداً، وكان دخوله عليهم كصاعقة مُحرقة نزلت من السماء فأحرقت الأخضر واليابس.
لقد قاموا بإكرام وفادته، فنحروا الإبل لأجله، وذبحوا النعاج على شرفه، وأعدوا الولائم احتفالاً بقدومه، ونصبوا له خيمة واسعة في أعلى موضع من القبيلة للتعبير عن علوّ مقامه فيهم، ووضعوا فيها أسرّة مريحة وأوانٍ نحاسية لا يستعملها إلا الضيوف خاصةً، فأكل حتى شبع، وشرب حتى ارتوى، ولم يسأله أحد عن اسمه وسبب قدومه، ولا من أين أتى ولماذا جاء، وهو يعرف شيئاً عن عادات العرب الذين لا يسألون الضيف عن حاجته إلا بعد مضي مدة من وقت وصوله، وبقيت الأطباق اللذيذة والفاكهة الطيبة تصل إلى سريره مدة ثلاثة أيام حتى خرج من خيمته باختياره في اليوم الثالث، ولو أنه بقي لأشهر لَما كلّمه أحد حتى يخرج، فوقف على باب خيمته يراقب حركاتهم وينظر إلى تصرفاتهم، ويُمعن النظر في طريقة عيشهم، وقد دوّن في قرطاسه كل ما رأى وسمع، وبينما هو واقف يكتب وإذ بشاب يأتيه بطعام الفطور فانحنى أمامه تكريماً له، ولكنّ الضيف الغربي لم يباطل الشاب بالإحسان بل عامله كما يتعامل مع العبيد في بلاده، حيث طلب منه أن يضع الطبق على الطاولة، فدخل الشاب الخيمة دون أن يتفوه بأية كلمة وخرج، فاستوقفه الرحالة وسأله عن مكان خيمة الكبير فدلّه عليها فذهب إليه ودخل خيمته دون إذن مسبق حتى يرى طريقتهم في التعامل مع الغرباء على حقيقتها، فقام الكبير احتراماً لضيفه، ورحّب به أشد ترحيب، وأجلسه على وسادة مرتفعة وهي المكان الذي يجلس فيه الكبير عادة، وراح الرحالة الخبيث ينظر إلى الأغراض الموجودة في خيمة الكبير، وقد أدهشه المنظر، فقد كانت كلها ثمينة ونفيسة يمكن لثمن أية قطعة منها أن تشتري بيتاً كبيراً في مدينته، فتحرك بداخله الشعور بالطمع، وبدأ يفكر بطريقة يستولي بها على تلك النفائس، فكان الكبير يكلمه وهو لا يلتفت إليه، حيث كان مشغولاً بالنظر إلى الكنوز التي لم ير مثلها في جميع رحلاته الإستكشافية، ولم يعلم بأنها إرث القبيلة، وأنهم لا يستغنون عن قطعة منها لأنها بالنسبة لهم رموز مجد وكرامة، وقد جرى بينهما حديث عادي، أما ما خرج عن العادة فسؤال الرحالة للكبير عن ثمن تلك القِطع، وكان كلما سأل عن ثمن قطعة أجابه الكبير بقوله: لا أعلم: فظنّ الرحالة بأن الكبير لا يعلم قيمة ما يقتنيه في خيمته، ولكنّه أجّل الحديث عن هذا الموضوع كيلا يُلفت انتباه الكبير إلى قيمة تلك القطع فيمتنع حينها عن إعطائه شيئاً منها.
وبعد مضي أكثر من ساعة طلب الرحالة من كبير القبيلة الإذن بالإجتماع مع أهل قبيلته رجالاً ونساءاً، كباراً وصغاراً، فلم يرفض طلبه، بل وافق على الفور رغم كونه طلباً غريباً لا يطلبه الضيوف عادة، ولم يسأله عن السبب احتراماً له ولقدومه، بل أرسل إلى أهل قبيلته شاباً من قِبله ليدعوهم إلى خيمة الضيف بعد المغرب.
فعندما رأى الرحالة تلك السهولة في تنفيذ طلباته بدأ بتنفيذ خطته لظنّه بأنه أمِن جانبهم، فاستأذن من الكبير ورجع إلى خيمته حتى يحين موعد الإجتماع، فطلب الكبير من خادمه اصطحاب الضيف إلى خيمته فرفض الضيف ذلك وقال له: لا أريد أن أتعبكم معي، فأنا أعرف طريق الخيمة، فنزل الكبير عند رغبة ضيفه، وهو يعلم حقيقة ما يدور في ذهنه حيث علّمته التجارب في رحلة حياته الكثير من الدروس، وراح يمشي بين الخِيم، وأهلُها يرحبون به عن اليمين وعن الشمال، وكان يُمعن النظر في الخيام علّه يجد عند أحدهم قطعة نفيسة مثل التي شاهدها في خيمة كبيرهم فيأخذها منهم حياءاً، ولسوء حظه لم يصادف شيئاً حتى وصل إلى خيمته فدخلها وهو يرسم خريطة في ذهنه للإنقضاض على تلك الثروات الهائلة التي لا يعرف قيمتها الكثيرون حتى من أصحابها.
وفي ليلة ذلك اليوم اجتمع أهل القبيلة أمام خيمة الضيف نزولاً عند رغبته وهم يُعظّمونه كضيفٍ قاموا بواجبهم الإنساني تجاهه، وكان قد حمل كل واحد منهم هدية متواضعة قدموها له، أما هو فلم يكن محل إكرامهم، ولم يبادلهم الطيبة إلا ظاهراً حتى يصل إلى مراده، ولم يحترم إنسانيّتهم ولم يعبأ بإكرامهم له حيث أعمى الطمع بصيرته، بل كان ينظر إليهم متعجباً من سلوكهم الذي لم ير مثله في بلاده المتحضرة.
كَبيْرُ القَبيْلَةِ يَتنبهُ للمؤامَرَة
دخل كبير القبيلة إلى خيمة الضيف ليخبره باجتماع الناس في الخارج وأنهم مستعدون لاستماع ما سيقوله لهم، فوجده جالساً بلباس النوم يكتب على ورقة كانت في يده، وعندما رأى الضيف كبير القبيلة داخل خيمته ارتبك وخبأ الورقة في صندوقه، وبسبب رفعة أخلاق الكبير لم يسأله عما يحدث بل اكتفى بإخباره استعداد الناس لسماع كلامه وأنهم مجتمعون في الخارج ينتظرون خروجه إليهم، ولكن الكبير أدرك حينها خبث ضيفه المشؤوم، وأنه يخطط لفعل شيء مُنكَر، ولكن الكبير عاجز عن التصريح بما يدور في ذهنه احتراماً لمقام الضيف حسب عاداتهم وأعرافهم، فسكت ودعاه إلى الخروج، فهمّ الضيف بالخروج فأوقفه الكبير وطلب منه تغيير ملابسه مبيناً له أن ذلك يخالف أعرافهم، فتغيّر لون الضيف وقال للكبير: عذراً لم أنتبه لملابسي، دقيقة واحدة وأصبح مستعداً.
أما أهل القبيلة فكانوا بمستوى احترام المواعيد فحضروا في الوقت المحدد احتراماً للضيف أولاً وطمعاً بالإستفادة من تجاربه التي اكتسبها في الأسفار المتعددة ثانياً، ولكنهم كانوا واهمين، وأما الرحالة فإما أنه نسي الموعد أو تناساه، وفي كلتا الحالتين لا عذر له.
وقبل أن يبدأ الضيف بالكلام تقدّم إليه شاب باسم القبيلة وقدّم له هديةً نفيسة، وهي عبارة عن تمثال ذهبي كبير كان يظنُّه أهل القبيلة مجرد تمثال قيمته معنوية وليست مادية، فهم نظروا إلى قيمة الإهداء المعنوية، وليس إلى القيمة الشرائية الفعلية، أما الرحَّالة فبمجرد أن لمس التمثال عرف قيمته الشرائية فوضعه في صندوقه، ثم أخرج بعض الزجاج الملوّن ووزعه على أفراد القبيلة مدّعياً بأنّ هذه جواهر نادرة الوجود، ففرحوا بهديته، ثم أراد أن يستغبيهم فطلب منهم إحضار ألقطع المشابهة للتمثال على أن يعطيهم المزيد من الجواهر المزعومة، فهمّ البعض لإحضار الذهب فمنعهم كبير القبيلة مبيّناً لهم أنه تصرّف غير لائق، فلا يجوز أن نعطي هدية ونأخذ شيئاً في المقابل، فأمرهم بإرجاع الجواهر ففعلوا، ثم تقدّم نحو الرحالة وهمس في أذنه: لسنا مغفلين كما تظن، فأنا أعرف أننا أعطيناك ذهباً خالصاً وأعطيتنا زجاجاً ملوناً، لا تقلق لن أشي بك احتراماً للضيافة، فقُم وتكلم بما تريد وابق في ضيافتنا إلى أن تمل منا: فعندما سمع الرحالة كلام الكبير أدرك بأنّ أمره قد افتُضح، فحاول أن يُجلي الصورة بالتمظهر أنه يريد مصلحتهم، وكان مطمئناً بأنّ أحداً منهم لن يمسه بسوء لأنه ضيف.
وقف على باب الخيمة وراح يوزّع عليهم الشكر تلو الشكر بعد المدح لهم والثناء عليهم ليغطي خطيئته، ثم بدأ يخبرهم عن جمال العالَم وجبال الأرض وأوديتها، وسهولها وبحارها وأنهارها، والمناظر الخلابة التي تسحر عيون الناظر إليها، وكم فيها من أنواع فاكهة وأطعمة لم تخطر ببالهم، وحيوانات بعشرات الآلاف، ونباتات بالملايين، وقد عدّد لهم أسماء عدة بلدان زارها في السنوات الأخيرة، وذكر لهم ما شاهده من قلاع وحصون وقصور وذهب وجواهر وصناعات متطورة، وراح يشجعهم على الخروج من قبيلتهم لمشاهدة ما يحيط بهم من حضارات وثقافات وتجارات عادت على تجارها بالأرباح الوفيرة، وقد ادعى بأنّ مدينته قبل الخروج والسفر كانت أصغر من قبيلتهم، أما عندما خرجوا منها تطورت واتسعت وأصبحت مدينة عريقة يحسب لها القريب والغريب ألف حساب، وقد استأنس الحاضرون بكلامه الذي سمعوه لأول مرة في حياتهم، حيث كانوا يظنون بأن حياة البشر مشابهة لبعضها، كما وشجعهم على استبدال الخيم بالمباني الحجرية المزخرفة بعد أن أراهم بعض الرسومات التي رسمها في جولاته، فقد حبّب إليهم السفر، مبيّناً لهم أنّ في ترحالهم خيراً لهم ولأمتهم، ولكنه لم يحدّثهم عن جشع الآخرين وأساليبهم المتنوعة في القتل والسرقة والنهب، ولا عن الظلم والقهر والإستغلال، ولا عن قطّاع الطرق، ولا عن أكلة لحوم البشر، ولا عن المناطق التي تعيش فيها الحيوانات المفترسة، ولا عن مخاطر السفر الكثيرة، وإنما اكتفى ببيان محاسنه فقط، ولعله تعمّد ذلك كي يخرجوا من ديارهم بدل أن يبقوا محصورين في قمقمهم الضيّق، ولم يكن هدفه حب الخير لهم ولقبيلتهم، وإنما كان الهدف تدمير ما تبقّى من أخلاق وآداب وعادات كريمة.
خَلْقُ فِتْنَةٍ بينَ أَهْلِ القبيلَة
عندما انتهى الرحالة من كلامه المعسول الذي كان في الظاهر حقاً وفي الباطن باطلاً، والذي لم يسمع أهل القبيلة مثله من قبل حصل ما لم يكن بالحسبان، وكان ما كان يخشاه الحكيم، حيث ظهرت في تلك الليلة بوادر الخلافات بين أفراد القبيلة بين مؤيّد لكلام الضيف ورافض له، فحصلت بينهم مشادات كلامية وعراك باليد بين شخصين، وكادت تنشب بينهم فتنة قاتلة لولا أن وأدها كبيرهُم في مهدها، حيث شعر منذ اللحظة الأولى بشيء غريب حيال هذا الضيف المجهول الذي كانت نظراته مريبة وحركاته غريبة.
فعندما انتهى الرحالة من خطابه الكاذب وحكاياته الخرافية حول التجوال والترحال أخذ الخيال يتجاذب بعض أصحاب الطموح من أهل تلك القبيلة البسطاء الذين صدّقوا كل كلمة نطق بها الرحالة، والمدهش أنّ الذين حملوا كلامه على محمل الصدق كانوا من طبقة الشباب والفتيات دون الكهول والشيوخ، وهناك وقع حكيم القبيلة في حيرة من أمره، حيث لم يكن باستطاعته أن يفضح أمر الضيف في العلن، فهذا خلاف العادات والتقاليد، فلربما كتب عنهم الرحالة ما يكرهون، وفي ذات الوقت لم يستطع الحكيم إخراج الناس من خيالهم، فهو أمرٌ يحتاج إلى دراسة جيدة وخطة محكمة وتصرّف حكيم، فانتظر حتى النهاية ليضع الدواء حيث تدعو الحاجة إليه.
أَرْبَعَةُ شَبَابٍ يَقَعونَ في الفخِ
قام أربعة من شبابهم قد أخذهم الحماس وسحرهم الكلام، وأبدوا استعدادهم للمغامرة والترحال رغم أنهم يجهلون كل شيء عن السفر وأصوله وفروعه ومتعلقاته وتبعاته، فهم طيلة حياتهم لم يخرجوا خطوة عن حدود مضاربهم، فسألوه ماذا نفعل؟ وأي طريق نسلك؟ وماذا نحمل معنا؟ وإلى أية مدينة نذهب في البداية؟ إننا لم نعد نطيق المكوث في الصحراء الخالية، فابتسم ابتسامة المنتقم، وأعطاهم النصائح الفاسدة.
أما جوابه لهم على (ماذا نفعل) فقال: إركبوا على ظهور نياقكم وانطلِقوا، ولا تديروا وجوهكم إلى الخلف، وإلا فلن تنجحوا في تحقيق أحلامكم.
وأما جوابه على (أي طريق نسلك) فدلّهم على الطريق المؤدية إلى بلاد يسيطر عليها الروم وكان واحداً منهم، وقد زودهم بخريطة تدلهم على الطريق التي يريدها هو.
وأما جوابه على (ماذا نحمل معنا) فقال احملوا القليل من الطعام والشراب فإنَّ الخير في الطريق كثير، فلا أحد يموت في السفر من الجوع والعطش، وها أنا أمامكم، لقد زرت معظم مناطق العالم، وكنت لا أحمل معي من الزاد سوى ما يكفيني ليومين، وكنت كلما وصلت إلى قبيلة أو مدينة استقبلني أهلها أحسن استقبال كما فعلتم أنتم معي بالضبط.
هذا كله والكبير واقف لا ينطق بأية كلمة، ولكن بدت عليه ملامح الدهشة والإستغراب من كلام الرحالة الذي كان جُل كلامه من وحي الشيطان.
ثم أخذ يسحرهم بكلامه، واختلى ببعض الشباب وذكر لهم بعض مغامراته مع نساء تلك المدينة حتى لم يعد يرى الشباب سوى طريق المغادرة دون أن يفكروا في عواقب الأمور، ولم يذكر لهم شيئاً عن مخاطر السفر مادياً ومعنوياً، فعندها قام كبير القبيلة وأسكت الرحالة بأدب وهدوء، وأخبره بأنهم راضون بالعيش في هذه الصحراء، وأنّ شباب قبيلته لا تغريهم المظاهر الخلابة، فهم يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم، ولن يتخلوا عن ديارهم حتى الموت، ثم أمر بفض الإجتماع، وأمر بطعام العشاء أن يوضع في خيمة الضيف، وطلب من أهل القبيلة العودة إلى خيامهم، وجينها أدرك الرحالة بأنّ لعبته انكشفت، وأنّ كبير القبيلة لن تنطلي عليه أية لعبة بعد الآن، فقرر أن يخلق فتنة بين الكبير وقبيلته حتى تُفتح الطريق أمام مطامعه.
الشَبَابُ الأَرْبَعَة
كان شبابنا المًغَرَّرُ بهم رفاق الطفولة تجمعهم المحبة والصداقة ومشابهة أسمائهم لبعضهم البعض، حيث اشتُقّت أسماؤهم من مادة فعْلٍ واحدة، وهم ماجِدٌ وَأَمْجَد ومَجْد ومَجيد، وسوف تدور أحداث قصتنا حول هؤلاء الأربعة.
الرحالَة يُحِرض أهلَ القَبيْلَة على كبيْرِهم
ظهرتْ عدةُ أخطاء في كلام الرحّالة وأفعاله حيث أعمى الطمع قلبه وأصبح كالمهرّج عندما رأى الذهب ولمسه، وهذا ما زرع الريبة في نفس كبير القوم وأوقعه في حيرة من أمره، فإن سكت عنه فتلك مصيبة، وإن فضح أمره فأيضاً مصيبة، وهنا اشتدت الحيرة عليه، ولهذا لجأ إلى الحل الثاني بحكمة.
فعندما كشف لعبة الرحالة، وتيقّن من نواياه السيئة تجاه القبيلة وأهلها وتاريخها ومصيرها نبّه أهل قبيلته من وقوع فتنة بينهم بسبب خداع الضيف المزعوم بعدما بيّن لهم وجوه الكذب الذي افتراه في خطابه، وقال لهم: ليس من عاداتنا ولا من أخلاقنا أن نزعج الضيف مهما صدر منه، ولكن عندما يصل الأمر إلى المس بكرامتنا والعمل على تدميرنا فيجب أن نخرج عن تلك القواعد لنحمي أنفسنا ومستقبل أولادنا: وعندها أيقن الكثيرون منهم بكلام كبيرهم(موضع ثقتهم) والتزموا بيوتهم إلا أربعة من الشباب الذين استحوذ عليهم سحر الكلام.
دخل الضيف خيمته، وقد اعتراه القلق بعدما ذهبت السَّكرة وأتت الفكرة، فراح يُفكر في طريقة للتخلص من الكبير الذي شكّل حجر عثرة في طريق هدفه، وبينما هو جالس وإذ بشاب يدخل عليه يحمل في يديه طعام العشاء فاستوقفه الضيف وطلب منه الجلوس، فجلس الشاب احتراماً لضيف القبيلة.
أراد الخبيث أن يستفرد بهذا الشاب ليجعل منه أداةً لتفيذ جريمته في حق الكبير، وطُعماً طرياً في صنّارته ليصطاد به في الماء العكِر، فجلس وراح يطرح الأسئلة تلو الأسئلة على الشاب المهذب وهو يجيبه بكل احترام وهدوء، ثم راح يوسوس له بأنّ كبيرهم يمنعهم من الوصول إلى التحضّر والتمدّن، وأنه يخشى على زعامته إن غادر قومه القبيلة واكتشفوا العالَم، ومن خلال طريقة الضيف في طرح الأسئلة أدرك الشاب نيّته الخبيثة وأنه يريد إلحاق الأذى بالكبير، فنصح الضيف بعدم الكلام حول هذا الأمر، وحذّره من غضب أهل القبيلة الذين يرون في كبيرهم كل حياتهم ومصدر عزتهم، فتركه وغادر الخيمة متوجهاً نحو دار الكبير الذي كان والد هذا الشاب، والضيف لا يعلم بأنه يتحدث إلى ابنه.
وعندما سمع ردّ الشاب عليه ازداد قلقه أكثر، وعلم بأنّ التحريض على الكبير صفقة خاسرة، فلجأ إلى ما هو أفظع.
مُحَاوَلَةُ قَتْل الكَبيْر
شعر الضيف بقلق شديد من عدم تجاوب الشاب معه، فإذا كان قد عجز عن إقناع شاب في مقتبل العمر فهو عن إقناع الكبار أعجز، فخرج من الخيمة ليستنشق الهواء فرأى غلاماً يلعب بالقرب من الخيمة فسأله عن الشاب الذي خرج من عنده للتو فأخبره بأنه ابن كبير القبيلة، فارتعدت فرائصه وسال العرق من جبينه، وهنا شعر بخطر كبير، وظنّ بأنه لن يخرج حياً من تلك القبيلة حيث لن يغفر له كبير القوم تلك الجريمة النكراء، ولم يعُد أمامه غير خيار واحد، وهو التخلص من الكبير بأقصى سرعة قبل أن ينتشر الخبر، وليُبعد أهل القرية عن نواياه ويُشغلهم بمصيبة اغتيال رئيسهم.
ولم يكن بإمكانه الإستعانة بأحد بعد أن أدرك حبهم الكبير لكبيرهم، ولهذا قرر أن يعمل بنفسه بطريقة يُبعد بها الشُّبهة عنه، فأرسل في طلب الكبير لأمرٍ ضروري لا يحتمل التأجيل، فاستجاب له وحضر إلى خيمته بأقصى سرعة، وهو متماسك لم يأمر أهل قبيلته بشيء بعد تجاه خزعبلات الضيف الحقير، فدخل إلى خيمته برفقة أحد الرجال الذي تعمَّد اصطحابه، وكأنّ شيئاً لم يحدث، وعندما رأى الرحالة ذلك الرجل يرافق الكبير غيّر خطته بالكامل، فقد كان ينوي خنقه بحبل متين، أما مع وجود رجل برفقته فلم يعُد لتلك المحاولة مكان، فقرر أن يستعمل طريقة أخرى، وراحا يتبادلان أطراف الحديث، وبدأ الرحالة بالإكثار من المدح والثناء للكبير وقبيلته، فتعجب الكبير من تغيّر الضيف بهذه السرعة، فبالأمس كان متعجرفاً كتوماً، واليوم يُكثر من الكلام، إنّ في الأمر سراً، وهنا أدرك الكبير باحتمال وجود مصيدة فاشتد حذره، فقال الضيف للكبير: أراك شارداً على غير عادتك، فهل هناك ما يُزعجك؟ فأجابه الكبير: لا بأس عليك، إنها مسؤولية القبيلة فقط، ثم قال الرحالة: أنا أشكر لكم حُسن ضيافتكم، وأتمنى أن تقبل ضيافتي لك وأنا في ضيافتكم، فتعجب الكبير من كلامه وقال: أنا لم أفهمك، ما الذي ترمي إليه؟ فقال الرحالة: أريد أن أدعوك لشراب مسحوق الورد الذي نشربه يومياً في بلادنا فهو لذيذ الطعم وعظيم الفائدة: فقال الكبير: لا بأس، آتني بالشراب فأنا أقبله منك لأننا نحب أن نعامل الآخرين كما نحب أن يعاملونا.
فقام الرحالة وصبّ كأسين من شراب الورد الممزوجين بالسم القاتل ويداه ترتجفان مما زرع الشك في قلب الكبير الذي أراد في تلك الفرصة أن يقضي على شر الضيف المشؤوم من خلال إحراجه، فقال له: أين كوبك أيها الضيف؟ فقال الرحالة: شربتُ قبل قليل حتى ارتويت، إشربا أنتما هنيئاً: فقال الكبير: إنّ من عاداتنا أن لا نأكل شيئاً أو نشربه قبل أن يتذوقه المضيف: فعندما سمع الضيف كلام الكبير اسود وجهه ولم يعد يعرف ما يفعل أو يقول.
صَانعُ السم شَاربُه
رفض كبير القبيلة أن يشرب كوب ماء الورد الذي قدمه إليه الرحالة إلا بعد أن يشرب الرحالة من نفس الإناء، فارتبك وحاول أن يسترجع الكوبين فلم ينجح، فقد أوقعه الكبير في مأزق لن ينتهي إلا بموته المحتم دون أن يقتله أحد، فادعى بأنّ ماء الورد يضر في صحته، فقال له الكبير ألم تقل قبل قليل بأنك شربت من ماء الورد حتى ارتويت وأنه ينفع جسد الإنسان؟ هيا اشرب، ولا مفر لك من ذلك، وإلا سوف تكون موضع تهمة عندنا، فأخذ كوباً ووضع فيه القليل من ماء الورد وشربه مكرَهاً، فهو أهون من أن يقتله أحد أفراد القبيلة أو يعذّبوه، وبعد دقائق بدأ عرق جبينه ينزف بقوة وارتفت حرارته فأفرغ الكبير الكوبين وخرج من خيمة الغريب.
ولكرم أخلاق كبير القبيلة، ورغم أنّ الرحالة الغربي أراد أن يقتله بالسم، فقد استدعى له طبيباً يقوم بمعالجته، فليس من أخلاقهم أن يتركوه يموت بينهم بهذه الطريقة، ثم منع أياً من أفراد القبيلة بزيارته أو التحدث إليه، ورغم كل ذلك استمر أهل القبيلة بإطعامه وكأنّ شيئاً لم يحدث.
وبعد مرور يومين على تلك الحادثة تماثل الرحالة للشفاء وخرج السم من جسمه، ولم يعُد مرحَّباً به، لذا قرر أن يغادر القبيلة خفية عن أنظار أهلها كيلا ينتقم منه أحد إذا رآه.
الشيخ علي فقيه

