قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِيْ قَلْبِ الصَحْرَاء(الجزء السابع)

قصص وحكايات

 

الشباب الأربعة يواصلون سفرهم

 

بعد غيابنا عنهم أكثر من عشرين يوماً نرجع إليهم لنرى ماذا حدث معهم في تلك المدة التي رافقنا فيها الموفد إلى قبيلته.

وما حصل معهم في تلك الفترة أكثر مما حصل مع الموفد لأنه كلما ابتعد الإنسان عن موطنه كلما ازدادت الأحداث معه.

قبل وصول الموفد إليهم حاملاً معه الخبر الأليم كان شبابنا قد اعتادوا على الترحال وتأقلموا مع الواقع، أما بعد قدومه إليهم وافتراقه عنهم ازداد حنينهم لربوع الوطن، فرجع هو وتابعوا هم طريقهم وكأنهم بدأوا السفر من جديد بعد أن سيطر الإحباط على نفوسهم، وكان بعضهم يحدّث نفسه بالرجوع إلى القبيلة، ولكنهم عدلوا عن هذا العزم كيلا يصبحوا أضحوكة على ألسنة بعض أقاربهم، فتابعوا الطريق موطّنين أنفسهم على مواجهة أي خطر في سبيل النجاح.

 

الوقوع في المصيَدة

 

كانوا يسيرون على الطريق المعتادة ضمن الخريطة المرسومة، وقد مرّت أيامٌ عليهم دون أن يواجهوا أية مشكلة، وكان طعامهم وفيراً وماؤهم كثيراً ودوابهم سليمة، فصادفوا على جانب الطريق أرضاً عشبية واسعة كان يجب عليهم الإلتفاف حولها ليُكملوا المسير، فاقترح عليهم ماجد أن يسيروا بين العشب بهدف اختصار المسافة وكسب الوقت لأنها أقصر من الطريق المعتادة، فوافق الجميع فوراً، وهم غافلون عن أمرٍ هام، وهنا أوقعوا أنفسهم في خطأ لا نعلم إن كانوا سيجتازونه أم لا، فلو كان السير فوق هذه الأرض آمناً لسلكه المسافرون من أصحاب الخبرة قبلهم، فلم يخطر ببال أحدهم وجودَ خطرٍ في تلك الطريق، حيث أعمى التعب بصائرهم، وشغلتْهُم طول المسافة عما يمكن أن يحدث لهم بسبب تلك المخالفة، ولكن.. لا بأس أن يتعلم الإنسان وإن لم تكن النتيجة لصالحه في البداية.

بدأوا السير وهم فرحون لهذا المكسب وظنوا أنهم سيقطعون المسافة بنصف الوقت المطلوب لو أكملوا السير على الطريق العشبية، وكان صديقهم ماجد(صاحب الفكرة) يسير في الخلف، وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعوا صوت صراخ وأنين، فنظروا إلى الخلف فلم يجدوا ماجداً، وكأنّ الأرض انشقت وابتلعته، وهذا ما حصل بالضبط حيث وقع ماجد وناقته فريسةَ فخٍ منصوب في المكان كان مُعَداً لإصطياد الغزلان، فارتعب الجميع وراحوا يصرخون بأعلى أصواتهم ينادونه وهو يناديهم، فلحقوا الصوت فوجدوه مطروحاً في قعر حفره عمقها أكثر من عشرة أذرع، فحاولوا إخراجه منها ولكن دون جدوى لأن الحفرة عميقة جداً، ولا يمكن إخراج ماجد منها إلا عن طريق الحبال المتينة، وهم لا يحملون معهم أي حبل.

وما هي إلا دقيقة واحدة حتى تقدّم نحوهم ثلاثة رجال هم الذين نصبوا الفخ لصيد الحيوانات، وبدأوا يعاتبون الشباب على سيرهم في هذه الطريق، وقد حمّلوهم مسؤولية ما جرى، ولكن لم يكن المهم لديهم سوى إنقاذ صديقهم وناقته على أمل أن لا يكون قد كُسر له يدٌ أو ساق.

أحضر الرجال حبلاً قوياً ونزل واحد منهم إلى الحفرة فربط ماجداً بالحمل وطلب من الرجال سحبه إلى الأعلى، فأخرجوه ثم أخرجوا الناقة، ولحسن حظهم لم يُصب صديقهم بأي أذى لأنَّ أقدام الناقة امتصت صدمة الوقوع، فأخرجوهما ثم طلبوا منهم العودة من حيث أتوا بعد أن أخبروهم بأنّ المكان مليء بالأفخاخ، فعادوا أدراجعهم وتابعوا سيرهم في الطريق المعتادة، وقد تعلموا أن لا يسلكوا إلا ما هو واضحٌ من السُبُل.

 

اللقَاءُ بالرجُلِ الحَكيْم

 

السفر في الصحراء فيه المَضرّة وفيه المَسرّة، وفيه الربح والخسارة والتعب والراحة، وفيه فوائد مادية ومعنوية لا تُحصى مقابل المصائب التي يتحملها المسافر في الصحراء.

ففي الصحراء تكتسب من أنواع المعرفة بيوم واحد ما لا تكتسبه في وطنك بسنة، وذلك بسبب التقائك بالعديد من أصحاب الثقافات المختلفة أثناء سيرك في الطريق.

ففي الصحراء تتعلم من الإيجاب والسلب على حدٍ سواء، بمعنى أنك تتعلّم مما ينفعك ومما يضرك.

ورغم فوائده التي تعود على المسافر يبقى الخوف مسيطراً عليه طيلة مدة سفره حتى يرجع إلى وطنه وأهله حيث تكلّم الكثيرون عن مخاطر السفر ومساوئه وأتعابه، وأسدلوا ثوب الظلام على فوائده المادية والمعنوية، وأنّ السفر مصنع الرجال ومحور التقاء الشعوب.

فبعد الدرس الجديد الذي تعلمه الشباب الأربعة مما جرى لهم في الفخ العميق فوق أرض العُشْب تابعوا سيرهم مجدداً في الطريق الصحيح متوجهين نحو هدفهم الأم، وهي البلاد التي تقبع تحت سيطرة الروم التي حثّهم على زيارتها الرحّالة الخبيث الذي زار قبيلتهم من قبل وكان الهدف من تشجيعهم هو الإيقاع بهم وإيصالهم إلى جنود الروم دون أية كلفة حتى يستخدموهم في الحروب وغيرها.

وبعد ساعات من المشي مرةً على ظهور النياق وأخرى على الأقدام شارفت الشمس على المغيب، فقرروا النزول للراحة في مكان يصلح للمبيت، وقبل أن ينصبوا خيمتهم كان الليل قد أسدل ثوبه الأسوَد، فلاحظوا شعاع ضوء في مكان ما بالكاد يمكن أن يُرى بالعين بسبب بُعده، فقرروا متابعة السير علّهم يجدون ما ينفعهم أو ما يؤنسهم في وحشة العتمة الصحراوية تلك.

تابعوا المسير ووصلوا إلى مكان الضوء فإذا هي نارٌ أشعلها شيخٌ كبير كان يجلس على باب خيمةٍ نصبها للمبيت، وكان مسافراً مثلهم، ولكنه كان ذا خبرة واسعة في شؤون السفر، وكان من الحكماء، فسلموا عليه فردّ عليهم السلام، ودعاهم إلى الجلوس مُرحِّباً بهم أشدَّ ترحيب.

ثم دعاهم إلى مشاركته طعامه فلبوا دعوته كيلا يجرحوه لعِلمهم بقبح ردِّ الإحسان خصوصاً في القبائل العربية التي تخضع لعادات وتقاليد لا توجد عند غيرهم، ثم عرضوا عليه المساعدة قبل أن يعرفوا عنه شيئاً، فشكر لهم صنيعهم بعد أن أخبرهم بأنه لا يحتاج شيئاً، فهو أجدر بأن يعرض عليهم المساعدة لأنه ذو شأن وخبرة.

شعر شبابنا بأنه من النبلاء المحترمين، ولكنّ الذي حيّرهم هو وجوده في ذلك المكان.

وبسبب نباهته وحكمته أدرك ما يدور في خاطرهم، فطلب منهم الجلوس والصمت حتى يحكي لهم أبرز ما جاء في قصة حياته لينتفعوا من تجاربه خصوصاً بعد أن عرف حداثتهم في السفر والهدف منه، فأراد أن ينقذهم من الهاوية قبل الوقوع فيها حيث لاحظ الكثير من التناقضات الغير مقصودة في كلامهم.

بدأ الشيخ كلامه معهم بتحذيرهم من بلاد الروم مبيّناً لهم نوايا الرحالة الخبيث الذي شجّعهم على زيارة تلك البلاد، وكان يعرفه حق المعرفة حيث التقى به مرات عديدة أثناء تجواله وترحاله، وقد أخبرهم بأنه يتعامل مع الروم ويتقاضى منهم المال على كل شخص يقصد تلك البلاد عن طريقه، وقد طابق كلام الشيخ كلام كبير قبيلتهم، ولكنهم أصروا على بلوغ الهدف مهما كان الثمن، وقد أخبروه بهلاك الرحالة ففرح لذلك حيث تخلّص كثير من الناس من شره وشيطنته، وعندما أدرك الشيخ إصرارهم على رأيهم أراد أن يلقي في صدورهم من النصائح والتوجيهات ما يمكن أن ينفعهم ويدرأ الخطر عنهم.

 

كلامٌ من ذَهَب

 

قال الشيخ الحكيم للشباب بعد أن لمس إصرارهم على الذهاب إلى بلاد الروم فخشي على حياتهم وأراد أن يصرف أنظارهم عن الموضوع بعد أن يختار لهم البديل الأنسب.

إسمعوني يا أولادي، سأقول لكم ما أقوله لولدي، أنا أحترم طموحكم وأُكبِر لكم رأيكم وإصراركم على النجاح والمُضي قُدُماً، ولكنّ النجاح لا يُكتب إلا بطُرقه الصحيحة، هناك مقدمات وشروط يجب أن تتوفر حتى تدركوا النجاح، وإلا فما تقومون به إنما هو مضيعةٌ للوقت والعمُر، وعلى فرض أنكم أدركتم بلاد الروم وكُتب لكم البقاء على قيد الحياة فسوف ترجعون إلى ذويكم خالي الوصال، أنا يا أولادي لا أستطيع أن أمنعكم من الذهاب إلى تلك البلاد ما دمتم مصرين على قصدها، ولكن يمكن لي أن أنصحكم ببديل أظنه سيرضيكم ويحقق لكم طموحاتكم دون أن يصاب أحد منكم بأي أذي مادي أو معنوي، أنصحكم بالذهاب إلى بلادٍ فيها من الخيرات ما لا يُعد، وليس فيها الخطر الموجود في بلاد الروم، فاستحب الشباب الفكرة وطلبوا من الشيخ إرشادهم إلى تلك البلاد فهو ذو خبرة واسعة في هذا المجال، وقد أخبرهم بأنه في شبابه وصل إلى تلك البلاد واسفاد من خيراتها وعلوم وتجارب وخبرات سكانها، ثم قال لهم:

لقد غرّر بكم الرحالة الخبيث ليُرسلكم إلى بلاده بهدف استعبادكم والإستفادة من قوة أبدانكم كما فعل مع الكثيرين من شباب القبائل قبلكم، فلو وصلتم إلى بلاد الروم لن ترجعوا إلى وطنكم أبداً لأنهم سوف يستخدمونكم ثم يقتلونكم كيلا تنقلوا شيئاً من حضارتهم إلى قبائلكم، وأنا أشفق عليكم من ضياع شبابكم بهذه الطريقة، أما لو قصدتم بلاد الهند فسوف تحققون جميع أحلامكم وتعودون إلى وطنكم محمّلين بالخيرات.

وبهذا سلخ من قلوبهم فكرة الذهاب إلى بلاد الروم وقرروا من حينها الذهاب إلى بلاد الهند، وقد زوّدهم الشيخ بخرائط تنفعهم لإدراك تلك البلاد دون الوقوع في المتاعب والمشاكل.

وعندما أدرك الشباب حجم خبرة الشيخ طمعوا بالإستفادة منه أكثر بما يعينهم على إكمال رحلتهم، فطلبوا منه بعض النصائح التي تعينهم على إتمام مهمتهم.

ثم بدأ بإلقاء النصائح والحِكَم، وهم يستمعون إلى كل كلمة بإصغاء تام ويضعونها في قلوبهم، ومما قال لهم: كنت أود أن أقضي حياتي كلها مسافراً، لو كان بإمكاني امتلاك حياة أخرى أقضيها في وطني:

خيرُ لك أن تسافر وحيدأ من أن تصحب رفيقاً سيئاً.

إذا كنت سترفض الطعام الجديد وتتجاهل العادات و تتجنب الناس، فربما يكون من الأفضل حينها أن تبقى في المنزل:

ربما لا يقضي السفر على التعصب، لكنه يبين أن كل الشعوب تبكي وتضحك وتأكل وتموت، ويُظهر أننا لو حاولنا فهم الآخرين لربما نصبح أصدقاء:

ثم نصحهم بنصيحة تحميهم من كيد اللصوص والأشرار الذين تعددت أساليبهم في الإستيلاء على أمتعة المسافرين فقال لهم:

اذا عرض عليكم أحد شيئاً من الطعام أو الشراب فلا تأكلوا أو تشربوا قبل أن يشرب هو من نفس الطبق، فقد وقعت في هذا الفخ وأنا بسنكم، ولكن الله أنقذني، حيث كان الشراب مسموماً وكان الهدف قتلي وسرقة ما أحمل.

وإن طلب أحدهم المساعدة فليساعده اثنان منكم، والآخران يجب أن يراقبوا المكان جيداً كيلا يكون طالب المساعدة مصيدة لكم.

وبعد ذلك شكر الشباب هذا الشيخ الحكيم وناموا عنده تلك الليلة، وفي الصباح الباكر ودعوه وانطلقوا.

 

التوجه نَحْوَ بلادِ الهِنْد

 

لم يكن بإمكان أحد أن يصرف نظر الشباب وقلوبهم عن بلاد الروم حيث اقترنت فيها أحلامهم من اليوم الذي زار فيه الرحالة المجرم أرض قبيلتهم، وكان الذهاب إلى بلاد الروم هو سبب خروجهم الأول من وطنهم، وكل المِحَن وجميع المخاوف التي واجهتهم في الطريق لإنما تحمّلوها واجتازوها بغية أن يصلوا إلى تلك البلاد سالمين لكثرة ما زرع الرحالة الخبيث في نفوسهم أوهاماً عن روعتها وروعة العيش فيها وكثرة خيراتها وكل ذلك كان وهماً لا واقع له ولا أساس لصحته.

وقد شاءت حكمة الله ورحمته أن يسلم شبابنا الأربعة، فوجّهتهم القدرة نحو خيمة ذلك الشيخ الحكيم الذي كان سبباً في حفظهم ونجاح تجارتهم بسبب النصائح التي أسداها إليهم، والساعات القليلة التي قضوها معه في تلك الليلة صرفت أنفسهم عن تلك البلاد الفاسد أهلها، وأصبح لديهم هدفٌ آخر وحلمٌ جديد، وهو الذهاب إلى بلاد الهند التي شجعهم الشيخ على الذهاب إليها.

وفي الصباح الباكر استعدّ الشباب للإنطلاق ومشى معهم الشيخ مدةً، وهو أحد أساليب توديع الضيف عندهم، وأثناء مشيهم سأل مجدٌ الشيخ عن أجود ما يمكن أن يحملوه معهم من بلاد الهند فأشار عليهم بحمل التوابل ونوادر الأقمشة فاستحب الشباب الفكرة لأن ثمن التوابل آنذاك كان يعادل ثمن الذهب.

وجاءت لحظة الوداع فعانقهم الشيخ واحداً تلو الآخر، وطلب منهم المرور على قبيلته في طريق العودة حتى يطمئن عليهم، فوعدوه بذلك وانطلقوا من جديد لأجل هدف جديد.

 

تغييرُ خَريطَة المَسير

 

بعدما صرف الشيخ نفوسهم عن بلاد الروم وشجعهم على زيارة بلاد الهند قرروا الذهاب إليها، وقد لزم عليهم العودة إلى مفترَق طُرُقٍ يعبرون من خلاله إلى مناطق تقع في الطريق الموصل إلى الهند، وكانوا قد تجاوزوا هذا المفترق منذ أيام حيث يبعد عن مكانهم أكثر من مئة ميل.

وكان الشيخ قد أشار عليهم بأن يجعلوا من رحلتهم رحلة تجارية وثقافية في وقت واحد مبيّناً لهم أفضلية اكتساب المعرفة على كسب المال، وقد رحّب الشباب بهذه الفكرة أشد ترحيب، وقد اتفقوا على أن يكون ماجد هو الكاتب والرسّام لأنه أسرعهم كتابةً وأجملهم خطاً.

ولكن.. على أي شيء يكتبون وقد خرجوا من ديارهم وليس معهم قرطاس أو دواة، فأعطاهم الشيخ كل ما يحمل معه من قرطاس، وبهذا بدأت في حياتهم مرحلة جديدة لم يكونوا لها مقرنين من قبل.

عادوا أدراجهم مسرعين ليُدركوا الطريق الصحيح فجدّوا السير حتى وصلوا إلى المفترق المقصود بعد ثلاثة أيام من السير المتواصل، وقد لاحظوا حركة قوية للقوافل على تلك الطريق مما زرع الطمأنينة في نفوسهم على عكس الطريق التي توصل إلى بلاد الروم والتي لا يعبرها إلا القلة.

وصلوا إلى نقطة انطلاقهم الجديدة وكانت الشمس قد شارفت على الغروب فنصبوا خيمتهم على جانب الطريق وناموا نوماً عميقاً.

 

التوجه نحوَ مِصْرَ

 

مع بزوغ ضوء الفجر ركب الشباب نياقهم وانطلقوا نحو مصر التي تضم أعظم حضارات العالَم، وقد سمعوا عنها الكثير، فأحبوا أن يزوروها ويستفيدوا من ثقافة أهلها ويرسموا صوراً لأهم معالمها وآثارها التي تعود إلى آلاف السنين.

وكانت مصر بعيدة عن موضع انطلاقهم، وكان الوصول إليها يحتاج إلى أكثر من خمسة أيام، وقد قطعوا كل هذه المسافة دون أن يعترضهم أي حادث خطير حيث كانت القوافل تملأ تلك الطريق، فلا قطَّاع طرق، ولا لصوص، ولا انقطاع للماء أوالطعام.

 

على مَشارِف مَصْر

 

وصل الشباب إلى مشارف مصر متلهفين لدخولها، ولم يكن أحدهم يعرف شيئاً عن طرقها أو عادات أهلها أو أسماء مدنها أو حتى عن آثارها القيمة والنفيسة، ولكنهم وجدوا شباناً يجلسون على المداخل، هم في الحقيقة أدلاء، وظيفتهم استقبال الوافدين ومرافقتهم إلى حيث يريدون مقابل بدلٍ مالي معروف عندهم.

وكانت خطتهم تقضي بمضيّ يومين في مصر ثم يواصلون المسير نحو بلاد الهند، ولكنهم عندما رأوا من عجائب الحضارات وروعة الأثارات من أهرامات وقبور ملوك ومن التحف النفيسة والأماكن المقدسة ما لا يمكن وصفه لروعته أمضوا فيها ما يزيد على عشرة أيام، وكأنهم نسوا الهدف الأساسي من رحلتهم، فقد زاروا معظم مدن مصر، ومروا بالقرب من نهر النيل، وكان ماجد يرسم تارةً ويكتب تارة أخرى حتى حصلوا على الكثير من المعلومات التي لم يسمع بها أحد من أهل قبيلتهم.

 

الدليل الشاب يطلب مرافقتهم في الرحلة

 

معاشرة شخص لعشرة أيام في السفر تَعْدل معاشرتَه سنةً في الحَضَر لأنّ السفر يُسفر عن أخلاق الرجال، وما يحرص المرء على إخفائه في وطنه يبديه عند أول منعطف وهو مسافر.

فمنذ وصول الشباب إلى مصر استقبلهم الشاب الدليل(واسمه حامد) ورافقهم لمدة عشرة أيام ليل نهار فأكل من طعامهم ونام على فراشهم وشرب من مائهم، وقد رأى شبابنا من حسن سلوكه في تلك المدة ما يؤهله لأن يكون صديقاً حميماً لهم، فقد أُعجبوا بحنكته، واندهشوا لذكائه وطيبته وأسلوبه الرائع في مخاطبة الآخرين.

وعندما قرر الشباب مغادرة مصر بدت ملامح السوء والكآبة على وجه حامد فسألوه عن سبب امتعاظه، فطلب منهم أن يرافقهم في رحلتهم بعدما رأى من طيب معاشرتهم ما شجّعه لأن يكون رفيقاً لهم في تلك الرحلة، وبعد أن علِم بهدفهم الكريم من خلال سفرهم الطويل وكان صاحب خبرة في الأسفار حيث خالط المئات من التجار والمسافرين كما تفرض عليه مهنته، وكان معه رأس مال لا بأس به.

فعندما طلب منهم ذلك رحّبوا بطلبه ووافقوا على الفور، فجهز نفسه وودّع أهله وانطلق معهم بعد أن أعطاه والده جواداً أصيلاً يستعين به في السفر.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى