قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِيْ قَلْبِ الصَحْرَاء(الجزء الثامن)

قصص وحكايات

 

البدايةُ الثانيَة

 

خرجوا من قبيلتهم وهم أربعةُ شباب، وقد أصبحوا الآن خمسةً عندما انضم إليهم الشاب المصري، فانطلقوا بروحٍ واحدة لهدف واحد، وهو الوصول إلى بلاد الهند لإكتشاف المجهول وعقد الصفقات التجارية، وحمل البضائع النفيسة منها لإنعاش أهل قبيلتهم ومحيطها.

لقد كان من المستحيل في بداية الأمر لأيٍ كان أن يصرف أنظارهم عن بلوغ بلاد الروم التي عشقوها بسبب تشجيع الرحّالة الغربي لهم، والذي كان يكذب عليهم بهدف استدراجهم إلى تلك البلاد الظالم ملوكُها، والتي هي بحاجة إلى عمّال وعبيد لبناء الهياكل وصناعة التماثيل لأنهم كانوا يسعون لتأسيس حضارة جديدة تضاهي ما سبقها من حضارات، وذلك على حساب تعب ودماء الأبرياء من الناس، وخصوصاً من الغرباء الذين كانوا يقصدون بلادهم من أجل العيش، ولكن الشيخ الحكيم الذي التقى بشبابنا في الصحراء استطاع أن يُقنعهم بالعدول عن رأيهم خشيةً عليهم من الهلاك بعد أن حكى لهم ما حدث له في شبابه مع الرومان، وكيف أنهم اعتقلوه واستخدموه لعشر سنين، كما وأنه حكى لهم عن آلاف الرجال الذين ماتوا من التعب تحت أشعة الشمس الحارقة ومن الجوع والظمأ، وهم يحملون الصخور والرمال فوق ظهورهم وسياط الجنود تنزل عليهم، وعندما سمع الشباب كلام الحكيم المنطقي الذي أشعرهم بشيء من الخوف من بلوغ بلاد الروم عملوا برأيه وأخذوا بنصائحه بعد أن لمسوا الصدق في حديثه والسداد في كلامه، وها هم اليوم في طريقهم نحو البلاد التي شجعهم على الذهاب إليها(بلاد الهند)

ورغم أنها طريقٌ تعبرها القوافل وتعجّ بالمارّة إلا أنها ليست آمنة مع اليقين بأنها أقل خطراً من تلك التي كانوا يسلكونها.

تبقى الصحراء هي الصحراء، وما أدراك ما الصحراء.

 

قَبْلَ الخُروجِ مِنْ مِصْر

 

أهم زاد للمسافر في الصحراء هو الماء والطعام الوفيران، لأنهما يعنيان استمرار الحياة ما لم يأتِ الأجل، فإن كان السفر لمدة عشرة أيام وجب أن يحمل المسافر منهما ما يكفيه لأكثر من ذلك تحسباً لأي طارئ قد يطرأ.

لقد تعلّم الشباب مما مروا به قبل وصولهم إلى مصر ما يجب حمله في السفر، فجهّزوا كل ما يلزمهم وانطلقوا مع بزوغ فجر ذلك اليوم، والأمل يملأ قلوبهم.

لقد اهتم الشباب بحمل الماء والطعام والأغطية والبُسط، أما الشاب حامد فقد اهتم بحمل بعض العقاقير اللازمة في الصحراء، وأهمها ترياق لسعة الأفعى ولدغة العقرب، فإنّ هذا الترياق في الصحراء يعني كل شيء للمسافر.

وقُبيل مغادرتهم أرضَ مصر عقدوا اجتماعاً خُماسياً ناقشوا فيه حيثيات الرحلة من ظروف قد تطرأ وهي ليست بالحسبان، وقد رسموا خريطة مسيرهم وتعاهدوا أن يلتزموا بها مهما عاكستهم الظروف ووقفتْ في طريفهم الأسباب، وقد اختاروا أميراً عليهم في تلك الرحلة، ووقع الإختيار على حامد المصري الذي كان أكثر منهم خبرةً في شؤون السفر، ثم انطلقوا على بركة الله، وابتعدوا عن أرض مصر الكريمة، وأول قرية وصلوا إليها بعد يومين من السفر كانت قريةً صغيرة لا يقصدها المسافرون عادةً، وقد أطلقنا عليها اسم(قرية العَبادلة) وسوف تعرفون سبب تلك التسمية بعدما نذكر لكم ماذا حدث فيها، وماذا استفاد شبابنا من سلوكيات بعض أهلها، مع العلم بأنّ ما حدث مسلٍّ ومضحك، وقد كان مرورهم بها ورؤية ما حدث بمثابة اكتساب معلومات وترويح عن النفس.

 

قَبيْلَةُ بَني عَرَافة

 

أثناء مسير شبابنا في الصحراء الواسعة لاحظوا علامات حياة في مكان منحرف عن طريقهم فظنوا أنها قبيلة، فقرروا الذهاب إليها بهدف الراحة وحمل الماء والطعام بعد أن نفد منهم ثلثاه.

وكان ظنُّهم في محله حيث كانت قبيلة كبيرة تكتظ بالسكان وتعج بالأسواق، وكانت تلك القبيلة أول محطة أساسية لهم في رحلتهم منذ خروجهم من مصر، وقد اكتسبوا من المعلومات فيها ما لا يمكن أن يُكتسب في أي مكان آخر، حيث كانت قبيلة مشهور أهلها بالحنكة والذكاء، وكان يسكنها رجل حكيم أطلق على أولاده الثلاثة اسم(عبدالله) وإليكم ما رأى شبابنا وما سمعوا مما يُدهش النفوس ويؤنس القلوب.

ولحظة وصولهم إلى المدينة أرشدهم الناس إلى دار أبي عبد الله الذي اشتُهر عنه إقراء الضيف، فوصلوا ودخلوا عليه وقد رحّب بهم هو وعبادلته أحسن ترحيب، فقدموا لهم أشهى الطعام وأفخم الثياب، وباتوا تلك الليلة مرتاحين دون أن يزعجهم أحد بأية كلمة.

وكالعادة عند الصباح قُدّم لهم طعام الفطور ودخل عليهم الأخوة الثلاثة(العبادلة) بهدف التعرّف وتبادُل أطراف الحديث.

وبعد أن تمّ التعارف طرح شبابنا الخمسة على الأبناء الثلاثة السؤال الذي طرحه الكثيرون قبلهم، لماذا أسماكم والدكم(عبد الله) وهو أمرٌ غريبٌ ومستهجَن.

فأنكر العبادلة هدف أبيهم من اتحاد أسمائهم، وأخبروا شبابنا بأنه سرٌّ اختزنه لنفسه منذ ولادتهم، وقد صادف أنّ والدهم في ذلك اليوم قد توفاه الله، وكان قد ترك لهم شيئاً في صندوق داخل غرفته، فقاموا بواجب الدفن والعزاء، وقد شاركهم شبابنا الخمسة في عزائهم وكأنهم من أفراد الأسرة.

وفي ليلة الدفن عَمَد أولاده إلى فتح الصندوق ليعرفوا قدر التركة التي ورثوها عنه، ففتحوه فإذا فيه ورقة مكتوب فيها: عبد الله يرث، عبد الله لا يرث، عبد الله يرث:

لقد كانت حيرتهم من تسميتهم جميعاً بعبد الله كبيرة، وبعد فتح الصندوق وقراءة الوصية زادت حيرتهم أكثر، ووقعوا في معضلة لا يمكن أن تُحل بسهولة، حيث لم يعرفوا أي عبد الله يرث، وأي عبد الله لا يرث.

ولا شك بأنّ حَيرة شبابنا الخمسة كانت أكبر، فطيلة أعمارهم لم يسمعوا بأمرٍ كهذا، وقد أخذهم الفضول ليعرفوا حقيقة الأمر، وقد نسوا الهدف الأسمى من رحلتهم(بلاد الهند) وهنا بدأت قصة يريد الجميع معرفتها.

 

العَبَادلَةُ يَسألونَ أَهْلَ قَرْيَتِهم

 

إنه لأمرٌ غريبٌ ومُعقّد أن يُطلق أبٌ على أولاده الثلاثة نفس الإسم، وأعقد من ذلك ما كتبه في الوصية، فبعد أن قرأها العبادلة جالوا على رجال قبيلتهم من أصحاب والدهم خصوصاً علّهم يعثرون على كلمة تشفي صدورهم وتُخرجهم من حيرتهم، فكان جواب الجميع متّحداً(لا نعرف شيئاً والله أعلم)، فكان كلما زُرع في نفوسهم أملٌ على باب أحدهم تحطّم داخل داره، وهذا ما زاد في الطين بلّة، إلى أن أرشدهم أحد كبار القبيلة إلى قاضٍ ذكي ومُحنّك هو القادر على معرفة الأمر، وكان هذا القاضي يسكن في قرية بعيدة جداً عن قريتهم، فحزموا أمتعتهم وأخبروا شبابنا الخمسة بنيّتهم في الذهاب إليه، وكانوا عازمين على الذهاب حتى ولو كان في أقصى الأرض، فاتفقوا على أن يصاحبوهم إلى قرية القاضي، بل أصروا على مرافقتهم ليعلموا حقيقة الأمر، فحلّ هذا اللغز في نظرهم هو أنفع دروس الحياة.

وسار الثمانية على عجلة من أمرهم ليُدركوا قرية القاضي في أسرع وقت ممكن حتى تسكن نفوسهم وتطمئن قلوبهم.

 

فيْ طَريْقِهمْ نَحْوَ قَريَة القَاضِي

 

هنا تبدأ حكاية العبادلة، ومن هنا تظهر حنكتهم ويتضح ذكاؤهم الحاد وفطنتُهم التي اشتُهروا بها في قبيلتهم.

فبعد خروجهم من مضاربهم، وقطْعِهم مسافات طويلة إلتقوا برجل في الطريق بدأت على وجهه معالم الحيرة وعلامات القلق، وهو يبحث عن شيء فقده، وقد كان ينظر يميناً وشمالاً ويركض مسرعاً في غير اتجاه، فدنا منه أحد شبابنا وسأله: هل تبحث عن شيء يا عم؟ فقال: أجل، لقد ضاع جملي وأنا أبحث عنه منذ الفجر ولم أجده، فقال عبد الله الأول: هل جَمَلُك أعور؟ فقال الرجل: نعم، إنه بالفعل أعور، فهل رأيته؟ فقال عبد الله الثاني: هل هو أقطب الذّيل؟ فقال: أجل إنه كذلك بالفعل، فهل رأيتموه؟ دلوني على مكانه من فضلكم، فقال عبد الله الثالث: هل هو أعرج؟ فقال الرجل، نعم هو أعرج، يبدو أنكم رأيتموه في الطريق، هيا أخبروني عن مكانه أرجوكم فليس لي مالٌ غيرُه.

فقالوا له: أبداً.. إننا لم نره قط، فتفاجأ الرجل من إنكارهم، وظنّ أنهم وجدوه وسرقوه، فاستنكر عليهم قولهم: كيف لم تروه وقد وصفتموه لي وصفاً دقيقاً؟ أنا أقسم بأنكم سرقتموه، سوف أشكوكم إلى القاضي، فقالوا إننا ذاهبون إليه فرافقنا إن شئت، فرافقهم ومشى معهم أياماً دون أن يكلمهم حتى وصلوا أخيراً إلى المدينة التي فيها القاضي الذكي.

 

القاضي يأمُرُ بإكْرَام الشبَاب

 

بعد مسير مُضني وتعبٍ شديد في الصحراء الحارقة وصل شبابنا الخمسة برفقة العبادلة ومعهم صاحب الجمل إلى القاضي المنشود، فاستقبلهم وقصَّ كل واحد منهم عليه قضيَّته، فطلب منهم القاضي أن يذهبوا ويستريحوا على أن يحل لهم قضيّتهم في اليوم الثاني، وقد أمر القاضي خادمه الأول بأن يقدم إليهم وليمة غداء جيدة، ثم أمر خادمه الآخر بمراقبتهم والتنصّت عليهم ليعرف خبرهم.

وبينما كان الخادم الثاني يراقبهم سمع منهم العجب العجاب، فقد قال عبد الله الأول: إنّ المرأة التي أعدّت هذا الطعام حامل، وقال عبد الله الثاني: إن هذا اللحم الذي نتناوله هو لحم كلب وليس لحم ماعز، وقال عبد الله الثالث: إنّ القاضي ابن زنا: فرجع الخادم الثاني إلى القاضي فسأله ماذا سمع؟ فقال له الخادم: لقد قال أحدهم إنّ المرأة التي طهت لهم الطعام حامل، وقال الثاني إنّ اللحم الذي قُدّم إليهم لحم كلب وليس لحم ماعز، وقال الثالث، وهنا تلكأ الخادم بالكلام فأجبره القاضي على التكلم بعد أن أعطاه الأمان، فقال الخادم: لقد قال عنك الثالث إنك ابنُ زنا والعياذ بالله، وعندما سمع القاضي كلام خادمه تمالك نفسه ليعرف حقيقة الأمر قبل أن يُصدر أي حُكم، وعلى الفور ذهب إلى دار المرأة التي طهت الطعام، وهو يعلم أنها غير متزوجة، فكيف تكون حاملاً، فلقد صنع القاضي كل ذلك ليُثبت كذب العبادلة لأنه ارتاب منهم حين رآهم، فوصل إلى دارها وسألها عن موضوع الحمل فأنكرت، فهددها، فاعترفت أنها حامل من أحدهم.

ثم ذهب إلى القصاب وسأله: ما الذي ذبحته بالأمس؟ فقال ماعز، فألح عليه أن يعترف فاعترف أنه ذبح كلباً وباعه للناس على أنه ماعز.

ثم ذهب إلى أمه، وكان ذلك أصعب موقف يواجهه في حياته، وسألها عن أبيه الحقيقي فقالت: أنت إبني وأبوك هو الذي تحمل اسمه، فزاد شكُه عندما سمع كلام أمه فألح عليها أن تعترف وهو يبكي، فأشفقت أمه عليه واعترفت له أنه ابن رجل آخر قد زنى بها، وهنا بدأت المرحلة الثانية، وهي كيف عرف العبادلة تلك الأمور الثلاثة وهم لم يروا شيئاً، بل هم أول مرة يزورون فيها مدينة القاضي.

 

كَيْفَ عَرَفَ العَبَادلَةُ تلكَ الأُموْر

 

لم يعُد همّ القاضي أنه ابن زنا أم أنه أطعم الضيوف لحم كلب أم أنّ الطاهية كانت حاملاً، بل أصبح همه الوحيد أن يعرف كيف عرف العبادلة كل تلك التفاصيل، وللوهلة الأولى ظنّ القاضي بأنهم يعلمون شيئاً من الغيب، ولكن بعد تقديم التفسيرات المنطقية لما حدث اتضحت الصورة وشُفيت الصدور.

في اليوم الثاني جمع القاضي العبادلة وشبابنا الخمسة ومعهم صاحب الجمل لينظر في أمره ويُصدر حُكمه المناسب، فسأل القاضي عبد الله الأول: كيف عرفتَ أنّ الجمل أعور؟ فأجابه: إنّ الجمل الأعور غالباً ما يأكل من جانب العين التي يرى بها، ولا يأكل من جانب عينه التالفة، وقد رأيت آثار ذلك بأم عيني فاستنتجتُ أنّ جمله أعور.

ثم سأل القاضي عبد الله الثاني: كيف عرفتَ أنّ الجمل كان أقطب الذيل؟

فأجابه: إنّ من عادة الجمل السليم أن يحرك ذيله يمينا وشمالا أثناء إخر اجه لفضلاته وينتج من ذلك أن البعر يكون مفتتا في الأرض، إلا أني لم أر ذلك في المكان الذي ضاع فيه الجمل ، بل على العكس رأيت البعر من غير أن ينثر فاستنتجت أن الجمل كان أقطب الذيل.

وأخيرا سأل القاضي عبدالله الأخير قائلا : كيف عرفت أن الجمل كان أعرجاً؟  فأجابه: رأيت ذلك من آثار خف الجمل على الأرض فاستنتجت أن الجمل كان أعرجاً.

وبعد أن استمع القاضي للعبادلة اقتنع بما قالوه، وطلب من صاحب الجمل أن ينصرف بعدما عرفوا حقيقة الأمر، وبعد رحيل صاحب الجمل قال القاضي للعبادلة : كيف عرفتم أنّ المرأة التي أعدت لكم الطعام كانت حاملا؟ فقال عبدالله الأول: لأنَّ الخبز الذي قدم على الغداء كان سميكا من جانب ورفيعا من الجانب الآخر ، وذلك لا يحدث إلا إذا كان هناك ما يعيق المرأة من الوصول إليه ، كالبطن الكبير نتيجة للحمل، ومن خلال ذلك عرفت أن المرأة كانت حاملا، وبعد ذلك سأل القاضي عبدالله الثاني قائلا : كيف عرفت أن اللحم الذي أكلتموه كان لحم كلب ؟ فقال عبدالله : إن لحم الغنم والماعز والجمل والبقر جميعها تكون حسب الترتيب التالي (عظم – لحم – شحم) إلا الكلب فيكون حسب الترتيب التالي (عظم- شحم – لحم ) لذلك عرفت أنه لحم كلب. ثم جاء دور عبدالله الثالث وكان القاضي ينتظر هذه اللحظة ، فقال القاضي : كيف عرفت أني ابن زنا؟ فقال عبدالله : لأنك أرسلت شخصا يتجسس علينا ، وفي العادة تكون هذه الصفة في الأشخاص الذين ولدوا بالزنا، فقال القاضي (لا يعرف ابنَ الزنا إلا ابنُ الزنا) وبعدها ردد قائلا: أنت هو الشخص الذي لا يرث من بين أخوتك لأنك ابن زنا.

وقد رأى شبابنا من تلك القضية عجباً، وقد استفادوا الكثير مما يفيدوهم في المستقبل، ثم ودّعوا العبادلة وانطلقوا نحو وجهتهم الأساسية.

 

عَاصِفَةٌ رَمليةٌ تُعيقُهُمْ وتُشتتُ شَمْلَهُم

 

يُخطئ مَن يظنُّ بأنّ السفر في الصحراء خالٍ من المخاطر وبعيدٌ عن العوائق التي يمكن أن تؤخّر الرحلة لأسابيع أو لأشهر، هذا إذا بقي المسافر على قيد الحياة، فإنّ عدد ضحايا الصحراء لا يُحصى، وكتب التاريخ مليئة بالوثائق والحكايا حول هذه الأمور.

وقلّةٌ هم الذين يستمتعون بالسفر في الصحراء لأنّ مناخ الصحراء لا يتلاءم مع الطبع السليم ولا ينسجم مع فكرة الإستجمام.

كان من المفترَض أن يبلغ شبابنا هدفهم الأم في غضون شهرٍ واحد من زمن انطلاقهم من قبيلتهم، ولكن ما حدث معهم(كما عرفتم) من تغيير الهدف والعوائق التي أبطأتْ مسيرهم منعهم من بلوغ الهدف المطلوب رغم أنه مرّ على خروجهم من قبيلتهم أكثر من شهرين، وما زالوا في بداية الرحلة.

ففي مساء اليوم الذي غادر فيه الشباب مدينة القاضي كانت السعادة تملأ صدورهم بسبب الفائدة التي اكتسبوها من جرّاء ما حدث للعبادلة، وكان جوُّ الصحراء هادئاً فظنوا أنهم سيقطعون في تلك الليلة مسافة طويلة، ولكنّ ظنُّهم لم يكن في محلّه، وسعادتهم لم تدُم طويلاً بسبب تلك العاصفة الصحراوية التي أضاعت كل ما معهم من متاع، وأبعدتهم عن بعضهم البعض، وقد فقدوا ثلاث دواب من دوابهم، وكثيراً من طعامهم وشرابهم، وهذا يعني البطئ الشديد والتعب الكبير والعناء الذي لا يُحتمل، بل يعني أنّ حياتهم أصبحت على المِحكّ.

كانت ساعاتٍ مرعبةً، وأجواءاً تملأها رائحة الموت، ولحظاتٍ مخيفةً مع صفير الهواء السريع لا يُمكن أن تُنسى، وأصوات الشباب الممزوجة بالخوف تملأ المكان، فلقد كانت عاصفة أعتى من تلك التي أصابتهم قبل أسابيع، وأصبح همّ كل واحد منهم أن ينجو بنفسه، فمنهم مَن تمسّك بنبتةٍ صحراوية هشّة(على قاعدة أنّ الغريق يتمسك بشعرة تطفو فوق الماء) ومنهم مَن استلقى على الأرض مستسلماً لمصيره، ومنهم مَن ظلّ يمشي ويركض دون أن يعرف وجهته، وبقي الأمر على تلك الحال إلى أن بزغ ضوء الفجر الذي أفصح عن حجم الكارثة ومدى الخسارة التي تكبّدها الشباب.

ويُمكن القول أنه بقي شبابنا الأربعة على قيد الحياة بفضل الخبرة التي كان يمتلكها رفيقهم المصري(حامد) الذي كان أول مَن تحرّك للتحري عن مصير الشباب بعد تلك العاصفة العنيفة.

شبابنا الأربعة فقدوا صوابهم وكان همهم النجاة، أما حامد فمنذ أن بدأت العاصفة تمسّك بإحدى قِرَب الماء حيث خاض مثل هذه التجربة في زمنٍ ليس ببعيد، وكان همّه أن ينجو لينجي معه رفقاءه، وهذا ما يفرضه قانون السفر في الصحراء، فمن العار أن تهتم بنفسك وتُهمل مَن معك.

 

إِجْتِمَاعٌ بَعْدَ افتِرَاق

 

عند هبوب الرياح الشديدة في منتصف الليل الفائت أدرك حامد بدنوِّ عاصفة صحراوية قوية ربما لا ينجو منها أحد، فأعطى تعلماته للشباب الأربعة الذين لم يسمعوا كلامه بسبب صوت الريح وسرعة التغيّرات التي أحدثتها مقدمات العاصفة، فقد كانت الرمال تتطاير على وجوههم مثل الأبر، وعندما أخذت العاصفة بالإشتداد بدأ التشتت في صف الشباب فذهب كل واحد منهم في ناحية لأنّ الأمر جديدٌ عليهم وهم لا يعرفون طرق الإحتماء، بل تعاملوا معه بالفطرة أو الغريزة، ولكنّ صاحبنا  حامد نام على الأرض ولم يتزحزح من مكانه، وقد غطّى بدنه ببساط كيلا تدخل الرمال إلى جوفه فتخنقه وتودي بحياته.

وعند انتهاء العاصفة رفع البساط عن بدنه، ونفض الرمال عن نفسه، وقام مسرعاً للبحث عن رفقائه، وقربة الماء في يده، فراح يبحث عن أية علامة تدله على وجود أحد الشباب حياً، وبقي كذلك حتى سطع الضوء وأصبحت الرؤية واضحة.

وفي تلك الليلة كانت قد تشكّلت كثبان رملية كثيرة، منها الكبير ومنها الصغير، ومنها الكثيف والخفيف، وراح ينظر إلى كل رمل مرتفع علّه يلاحظ ما يدل على وجود الشباب، وبينما هو ينظر بتمعّن لاحظ اهتزاز الرمال في بعض الضواحي، فأسرع وراح يزيل الرمل بأسرع ما يمكن حتى ظهرت قدم إنسان، فاجتهد في إزالة الرمل حتى أخرج من بينه صديقه مجيداً الذي كان غائباً عن الوعي، فأخذ قربة الماء وراح يضع القليل منه على شَفَتَي مجيد وعينيه حتى استعاد وعيه.

ثم بدأ الإثنان معاً بالبحث عن الآخرين فبحثوا ساعةً فعثروا على ماجد وأمجد تحت كثبان رملي خفيف، وكانت أيديهما متشابكة وحالتهما أسوأ مما كانت عليه حالة مجيد، ولكن حامداً بخبرته الواسعة استطاع أن يُنقذهما بكل الوسائل المتاحة.

أمّا مَجدٌ فقد بقي مجهول المكان والحالة، فبحثوا عنه لأكثر من ساعتين ولم يجدوا له أثراً فظنوا بأنه مات برمال متحركة أو سبع أكله، وقد شارفت شمس ذلك اليوم على المغيب، ومجدٌ لم يظهر بعدُ.

جلس الأربعة متحيرين مرتجفين غارقين في التفكير المشحون بالخوف والحزن، فمنهم من كان غارقاً في التأمّل، ومنهم من كان يبكي، ومنهم مَن تملّكته الصدمة فلم ينبث ببنت شفة، وقد عزموا في قرارة أنفسهم على العودة من حيث أتوا، فهم غير مستعدين بعد اليوم بالتضحية من أجل بعض المال أو خسارة واحد آخر من أجل الإستكشاف.

وفي تلك اللحظة تبددت آمالهم وخابت ظنونهم وانحطت قواهم، ولم يبق لديهم هدف في الحياة سوى معرفة مصير صديقهم.

لقد شُلّت حركتهم، وانعدمتْ معنوياتهم، وبقوا جالسين في مكانهم واليأس يسيطر عليهم، والحزنُ بادٍ على محياهم، فأشار عليهم مجيد بالعودة حيث فقدوا الأمل بالعثور على صاحبهم مجد، فأشار عليهم حامد المصري بالمبيت في مكانهم وعدم التحرك حتى صباح اليوم الثاني، فقال له ماجد، وما الجدوى من بقائنا بعد أن مات أعز أصدقائنا، فأجابه حامد: إننا لم نتأكد من هلاكه بعد، ما عليكم سوى الإنتظار حتى الصباح، فمَن رغب منكم بالعودة فليعُد، أما أنا فلن أبرح مكاني حتى أعرف مصير مجد، ثم حكى لهم عن بعض قوانين وعادات السفر في الصحراء، والتي لا يمكن أن يخالفها كيلا يقع في الخيانة، فاتفقت الكلمة على البقاء في ذلك المكان.

ساد الهدوء، وعمّ الظلام، ونام الجميع وهم جالسون بعد أن ظنّوا أنّ جفونهم لن تغمض، ولكن هكذا هي الطبيعة تتحكم بالإنسان.

 

مُفاجَئةٌ عِنْدَ الصبَاح

 

مع طلوع الشمس استيقظ حامد المصري الذي كان أكثرَ قَلَقاً على المفقود مجد، فانتصب، وكان الأماجدة ما زالوا نائمين، فنصب لهم خيمة تحميهم من حرارة الشمس ثم تابع نظراته في جميع الإتجاهات، وبدأ يلتفت يميناً وشمالاً علّه يلحظ شيئاً يبشّر بالخير، فرأى سواداً يقترب منهم شيئاً فشيئاً.

وكان شعوره حينها مضطَّرباً، أهو خائف كيلا يكون هذا السواد مجموعة من قُطّاع الطرق، أم هو مستبشرٌ إذ قد يكون السواد مجداً صاحبهم.

أخذ وضعية الدفاع عن النفس، ولم يوقظ أصدقاءه من نومهم حيث لا تدعو الضرورة إلى ذلك.

ومع اقتراب السواد أكثر أدرك أنه شخص يمشي ببطئ قد أنهكه التعب، فشعر حينها أنه مجدٌ المفقود فأسرع نحوه، وكان ظنه في مكانه فتعانقا طويلاً ثم أمسك بيده وأدناه نحو الخيمة.

 

مَجْدٌ يَروي ما حَدَثَ له

 

استيقظ الأماجدة الذين كانوا غارقين في سُباتٍ عميقٍ من شدَّة التعب الذي لاقَوه حين العاصفة، لقد فتحوا أعينهم على وجه صديقهم مجد فظنوا أنهم يهذون أو يحلمون حيث كان يجلس معهم في نفس الخيمة، وربما ظنوا للوهلة الأولى أنه شَبَح، ثم أدركوا أنهم مستيقظون وأنّ مجداً قد عاد بخير، فقاموا وراحوا يعانقونه ويقبّلونه وهم يبكون من شدة الفَرح، وكل واحد منهم يطرح عليه الأسئلة بشكلٍ عفوي وهو يهدئ من روعهم ويطلب منهم إعطاءه فرصة لإخبارهم بما حدث.

وبعد أن هدأت نفوسهم واستقرّ وعيهم طلبوا من صاحبهم مجد أن يحكي لهم ما حدث له أثناء الفراق، فقد كانوا في غاية الشوق لمعرفة تلك المغامرة، فهي قصة سوف ترافقهم في كل زمان ومكان، بل تستحق أن تُروى في كل حين، فقال لهم:

عندما بدأتْ العاصفة ظننتُها كسابقتها ستنتهي بعد دقائق دون إحداث أي ضرر، ولكن عندما أخذت تشتد بشكلٍ سريع لم أفهم حينها ماذا يجري، وظننتُ للوهلة الأولى أنه عقابٌ من الله كعقاب عاد وثمود، فصوت الهواء الشديد ذكّرني بالريح الصرصر العاتية، وقد حجب عن مسامعي أي صوت آخر، كنتُ أراكم دون أن أسمع أصواتكم، وكنت أصرخ بشدة وأنتم لا تسمعونني، فرُحتُ أركض مع الريح لعلي أجد مأوى يحميني، فتعثّرت قدماي واختل توازني وأصبحتْ الريح تحملني، فكانت ترفعني تارةً وتخفضني تارةً أخرى.

وفي آخر رفعةٍ لي سقطت على أمّ رأسي حتى أُغمي عليَّ، وبعد فترة لا أعرفها استعدت وعيي فوجدت نصف جسمي غارقاً في التراب إذ كانت رمالاً متحركة، فرُحتُ أطلب النجدة وأصرخ لأكثر من ساعتين، وبقيت على تلك الحالة حتى مطلع الفجر، وبينهما أنا كذلك لا حول لي ولا قوّة دنا مني رجلان فاستنجدت بهما وطلبت منهما شربة ماء، فأبوا أن يسقوني حتى أعطيهم كل ما أملك، فأخذوا ناقتي مع أحمالها، وفيها التمثال الذهبي الثمين الذي كنا قد حصلنا عليه، كل ذلك مقابل شربة من الماء، وعندما وافقتُ على طلبهم أخرجوني من تحت الرمال وطلبوا مني الإنصراف بأسرع ما يمكن، فبدأت أمشي وأصرخ وأبحث عنكم حتى رأيت سوادكم من بعيد، ووصلتُ إليكم سالماً، وهو أهم ما في الأمر، فهنأوه بالسلامة وحملوا ما بقي معهم من قطرات ماء وكسيرات خبز وحُبيبات تمر، وانطلقوا باتجاه هدفهم رقم قلة زادهم.

 

وَاحةٌ عَلى جَانب الطريْق

 

بعد نجاتهم من تلك العاصفة العاتية إلتأم شملهم مجدداً وتابعوا طريقهم باتجاه بلاد الهند، وقد ضاع الكثير من مالهم وغذائهم ومائهم بسبب العاصفة، وفقدوا دابتين من دوابهم، وهذا يعيق التقدم في العادة، وقد ركب كل اثنين منهم على دابة واحدة، ثم مشوا طويلاً حتى نفد منهم الماء والطعام، وشارفوا على الهلاك حيث جفّت عروقهم من شدة العطش وحرارة الطقس، ولكنّ إرادة الله سبحانه شاءت لهم النجاة بسبب تلك الواحة ذات الأشجار الخضراء والمياه العذبة الباردة، فقد أبصروا ماءاً من بعيد فظنوه سراباً كما هي العادة، فتقدموا نحوه يائسين، ولكنه كان ماءاً حقيقياً في واجة كبيرة تحيط بها الأشجار من كل مكان.

فبمجرد وصولهم إليها شربوا حتى ارتووا، ثم اغتسلوا بمائها البارد، فعادت أرواحهم إليهم، واستعادوا كامل نشاطهم، وكانت أشجارها مورقة ومثمرة، فقطفوا ما كان موجوداً، وأكلوا وحملوا معهم ما يكفيهم لأيام.

لقد نصبوا خيمتهم بجانب الواحة، وكان النسيم عليلاً، فقرروا البقاء عندها لأيام حتى يستعدوا لِما بقي أمامهم من مشاق السفر وبُعد المسافة ومخاطر الطريق، وكان ذلك رأياً سديداً أشار به حامد المصري الذي زار تلك الواحة من قبل، وقد أخبرهم قبل العثور عليها بوجودها فظنوا أنه يكذب عليهم ليخفف عنهم ويقوي من معنوياتهم، فجلسوا وراحوا يتسامرون أطراف الحديث حول الأطباق الشهية التي لم يتذوقوا طعمها منذ مدة، وخصوصاً الشواء الذي لم يشموا رائحته منذ أسابيع، فأشار عليهم ماجد بنصب فخٍّ علهم يصطادون ما يمكن أكله، فوافقوا على رأيه دون تردد، لأنّ الجميع كانوا يشتهون الشواء، ولكنهم ليس لديهم خبرة الإصطياد إلا حامداً فقد صنع فخاً من خشب وحبال ووضعه داخل حُفرةٍ عميقة في المكان الذي يأتي منه الحيوانات للشرب من ماء الواحة.

 

ظَبْيٌ يَعْلَقُ فِيْ الفَ

 

غرقوا في سُبات عميق بعد الشرب والإغتسال وتناوُل بعض الفاكهة من أشجار تلك الواحة النضرة ثمارُها، ولعلهم لم يشعروا بمثل هذا الإرتياح منذ أن تركوا ديارهم، لقد كانت ليلة هادئةً مؤنسة يرغب بمثلها كل مسافر، فلا يوجد أجمل من أن ينام المسافر بقرب الماء وتحت ظل الأشجار في جوٍّ معتدِل، فالواحة في الصحراء تعني كل شيء بالنسبة للقوافل التي يشرب الطاقَم والدواب، ويحملون في قِربهم ما يكفيهم لأيام.

ومن المعروف لدى العارفين بقانون الحياة من أصحاب الخبرة والتجارب أنّ الحياة لا تخلو من المنغّصات التي يمكن أن تطرأ في أي زمان وأي مكان، وأنّ المنغّصات تأتي بنِسَبٍ كبيرة أو صغيرة، منها ما لا يُعبأ به، ومنها ما يوقف عجَلة الأمور.

ولا يمكن أن تسير أمور البشر من دون عوائق تقطع طريق مسيرتهم، أو مشاكل تقف في طريق مساعيهم ومخططاتهم وأهدافهم، هذه سُنّة الحياة التي يجب أن يعيها الجميع.

نعود إلى أبطال قصّتنا، فقُبيل الفجر بساعة استيقظ الأماجدة من نومهم مرعوبين وقد اقشعّرت جلودهم عندما سمعوا صوتاً قوياً يأتي من داخل الحُفرة التي نصبوا فيها فخّهم بالأمس، فتوجهوا نحو الفخ مسرعين دون أي إدراك أو تفكير أو حذَر حيث شغلتهم رغبتهم بالشواء عن التفكير في أيّ خطَرٍ قد يطرأ، دنوا من الحفرة فوجدوا ظبياً سميناً قد علقت قدمه في الفخ الذي كان منصوباً، وعلى الفور أتى حامدٌ بخنجر حاد ونزل إلى الحفرة وذبحه وسلخه وأصبح جاهزاً للطهو، ثم رفعوه وعلّقوه على وتدٍ متين بالقرب من الخيمة حتى يجف دمه تماماً، ودخلوا إلى الخيمة ليُكملوا نومهم، فقد ناموا على التفكير برائحة الشواء وطعمه، ولم يلتفت أحدهم لِما قد يحصل عند تلك الواحة المستهدَفة من بعض البشر والحيوانات المفترسة خصوصاً وقد انتشرت رائحة دماء الظبي في المكان.

وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعوا صوتاً مرعباً ليس ببعيد عنهم، وصدى أنياب حادة تطحن عظاماً، فحملوا سيوفهم وخرجوا، وإذ بهم يتفاجؤون بذئب كبير يلتهم ظبيهم، فأخذوا يصرخون عليه ويُشهرون سيوفهم نحوه ويرمونه بالحجارة حتى رحل آخذاً معه نصف الظبي المسلوخ.

فأشار عليهم ماجد بأن يجمعوا الحطب على الفور ليبدأوا بالشواء فيأكلوا اللحم قبل ضياعه، ويستفيدوا من النار المشتعلة لإبعاد المفترسات عن خيمتهم، فإذا كانت رائحة الدماء قد جلبت إليهم ذئباً، فالله وحده يعلم ماذا ستجلب إليهم رائحة الشواء.

تصدّى حامد المصري لجمع الحطب كونه أعرف منهم بأساليب البقاء في الصحراء، وبدأ الباقون بتحضير ما يلزم.

 

كَارِثَةٌ جَدِيْدَةٌ

 

كان الأماجدة يخططون لأكل الشواء وجمعِ المَتاع والإنصرافِ عن الواحة بأسرع وقت حتى يقطعوا مسافة كبيرة بعد ذلك النشاط فإنهم كلما قطعوا ميلاً اقتربوا من هدفهم أكثر، ولكنّ الريح كعادتها تجري بعكس ما تشتهي السُفن، وربما تُحطمهت وتُهلك طاقمها إن لم يكن لهم حظٌ بالبقاء، فبينما هم منشغلون بتحضير لوازم الشواء ينتظرون عودة صديقم حامد بالحطب النادر وجوده في الصحراء، سمعوا صراخاً متبَعاً بأنين أَلَمٍ يخرج من تلك المَصْيَدة، فظنوا بأنّ الذئب قد هاجم صاحبهم المصري وأكله، فارتعبوا وارتعدتْ فرائصهم من خوفهم عليه، وخوفهم من أنياب الذئب، فتوجهوا نحو الحفرة على الفور مسلحين مستعدين لأية مواجهة، فوجدوا حامداً ملقى في قعر الحُفرة يصرخ من شدة الألم، فنزلوا إليها بواسطة الحبال وأخرجوه منها وهو يصرخ(قدمي.. قدمي) فأتوا به إلى الخيمة والألم يزداد شيئاً فشيئاً، وقد وقعوا في حيرة من أمرهم إذ لا خبرة لهم في مداواة الجروح والكسور.

ما شغل بالهم أكثر هو الحرارة المرتفعة التي أصيب بها حامد، فحرارة جسمٍ مرتفعة مع حرارة جوٍ عالية كارثة الكوارث، وقلّ مًن نجا من مثل ذلك، فأشار عليهم بأن يُحضروا صندوق العقاقير الذي أخرجه معه من مصر فإنّ فيه ما يلزم لخفض الحرارة وتخفيف الألم، فذهب مجد ليُحضر الصندوق فلم يجده حيث كان ضمن أحمال الناقة التي أخذها الرجلان من مجد عندما كان في ورطة الرمال المتحركة، وهنا أصيبوا بخيبة أمل، ولم يعرفوا ماذا يصنعون خصوصاً وأنّ حالة صديقهم تتدهور شيئاً فشيئاً.

وكما يوجد في الدنيا منغّصات، يوجد أيضاً لمسات خير غيبية تتدخل في الوقت المناسب، فراحوا يغسلون جبينه بالماء البارد وهذا يساعد على تخفيض حرارة الجسم، وبينما هم جالسون وإذ بهم يرون رجلين يتقدمان نحو الواحة برفقة ناقة كبيرة تحمل أثقالاً، فأمعن مجد النظر بالرجلين فأدرك أنهما من أخذ ناقته حين العاصفة فتوجه الشباب نحو الرجلين وهم يتوسلون إليهم أن يعطوهم صندوق العقاقير.

فكما عقدوا صفقةً مع مجد بالأمس، هم يعقدون اليوم صفقة جديدة مع الشباب مقابل صندوق العقاقير، وهو أن يعطوهم كل ما لديهم من مال ونفائس، وكان هذا الأسلوب المنحط هو المهنة التي يعتاش منها هؤلاء المنحطون أخلاقياً وإنسانياً، وإليكم جوهر تلك الصفقة الظالمة التي أماتت النخوة في الصحراء بسبب الطمع والجشع.

 

الصفَقَةُ الجَائرَة

 

أصبحتْ حياة حامدٍ على المِحَك، إما أن يتناول العقار فيحيا، أو يُترك دونه فيموت، فقد طلب الرجلان من الشباب أن يعطوهم الدواب والمال والمتاع والطعام مقابل أن يتركا لهم صندوق الأدوية، وعلى إثر طلبهما جرى شجار حاد بين الطرفين وكادت أن تقع معركة بينهم، فحاول حامد رغم شدة مرضه أن ينهرهما ويوبخهما، وكانت أمنيته أن يقوى على حمل السيف حتى يلقنهما درساً لن ينسياه مدى الحياة، ولكنَّ مجيداً وافق على عرضهما دون أن يأخذ إذناً من رفقائه المشحونين بالغضب، لأنّ حياة صديقهم أغلى من كنوز الأرض.

وتمّت تلك الصفقة الجائرة التي كادت تودي بمستقبل الشباب الخمسة، ولكنّ الضرورات لها أحكامها وأثمانها فتنازلوا عن كل ما يملكون في سبيل حفظ صاحبهم من الهلاك.

وعلى الفور تناول حامد عقار خفض الحرارة وتسكين الألم ثم صنعوا له جبيرة بدائية حتى يلتئم كسره، واضطروا للبقاء في مكانهم لثلاثة أيام متتالية حتى أصبح حامد قادراً على المشي ولو بإعانة الشباب والإتكاء على العصا.

 

كَمَا تُدِيْنُ تُدَانُ

 

هكذا هي سُنّة الحياة، وهذا هو قانون الطبيعة، يومٌ لك ويومٌ عليك، والأيام يداولها ربّ العالمين بين الناس.

فإنْ كانت الأيام مؤاتيةً لك فهي فرصةٌ ذهبية يجب استغلالها فلا تضيّعها، وإن كانت عليك فعليك بالصبر الذي يجتاز به المبتلى كل محنة أو مصيبة.

فمن الجهل أن يظن الشخص بأنه آمنٌ من الشرور، وأنه بمنأى عن المتاعب، والأجهل منه هو الذي يعرف ذلك ويعمل بعكس القاعدة أو يسير بالإتجاه المعاكس لسُنن الحياة.

كم من رفيعٍ وضعته الظروف، وكم من وضيع رفعته الأحداث، فلا الراكب يبقى راكباً، ولا الماشي يدوم مشيُه.

وكم من غنيٍ أصبح فقيراً بعد أن ظنّ أن لن يقدر عليه أحد، وكم من فقير استغنى.

وكم من ظالمٍ شاءت الظروف أن يدفع ثمن ظلمه مضاعَفاً، وكم من مظلوم يئس من استنقاذ حقه فحصل عليه بساعة.

وهذا ما حصل لشبابنا وللرجلين المبتزّين بعد أن شاءت الأقدار أن يُلقنا درساً لن ينسياه مدى الحياة.

حمل شبابنا ما بقي معهم من أمتعة أخفوها عن الرجلين، وساروا مشياً على الأقدام، وكانوا يتناوبون على مساعدة حامد كيلا يُصاب بحمى جديدة، وبعد مسيرٍ دام لسبع ساعات في ذلك اليوم وجد شبابنا الرجلين المبتزَّين في وسط الطريق، أحدهما واقف يلتفت يميناً وشمالاً، والآخر ملقى على الأرض يئنّ من ألم ألمَّ به، وخمس دوابٍّ حولهما.

تقدم الرجل من شبابنا وطلب منهم المساعدة، فأجابه مجيد بالقول: وبما نساعدك يا هذا؟ فقال الرجل: لقد لُسع صاحبي منذ ساعة، وحرارته ترتفع فإن لم نساعده على الفور فارق الحياة، فقال مجيد: وماذا تريد منا؟ قال الرجل: عقاراً للسعة الأفعى، فقال مجيد: ولكنّ ثمنه باهظ، فقال الرجل ندفع لكم كل ما تطلبونه، المهم أن ينجو صاحبي، فدخل ماجد على الخط وقال للرجل: لا نريد سوى ما أخذتموه منا، فوافق الرجل على إرجاع كل ما أخذه منهم مقابل ترياق لسعة الأفعى، فركبوا دوابهم وانطلقوا بعد أن أعطوا الرجل ما طلب، ثم نصحوه أن لا يعود إلى أفعاله الوضيعة لأنه لن ينجو من شرّ أفعاله عاجلاً أم آجلاً.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى