قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِيْ قَلْبِ الصَحْرَاء(الجزء العاشر)

قصص وحكايات

 

اللقَاءُ بِابنِ بَطوطَة

 

لعله من أشهر رحّالة العرب على الإطلاق، فقد استغرقت رحلته الإستكشافية ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن، و هو محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ اللواتي الطَنجي المعروف بابنِ بطوطة، الذي وُلد بطَنجة سنة سبعمئة وثلاثة للهجرة، وعُرف في بلاد الشرق باسم(شمس الدين) ومن صغره كان السفر والتجوال يراوده كل يوم، وكان محباً للمغامرة والإكتشاف، وقد جال معظم بلدان العالم وتعلّم الكثير من الفنون واللغات والعلوم، وخاض في عدة مجالات علمية، وكان رجلاً ذكياً وشجاعاً يملك من الشجاعة والحكمة ما يمكّنه من إكمال رحلته وتحقيق طموحاته،  ولهذا لُقّب بشيخ الرحالين.

وكان شبابنا الخمسة يمتطون جيادهم الأصيلة ويسيرون بأقصى سرعة  بعد أن غادروا قبيلة الحاكم زياد ليكسبوا المزيد من الوقت لأنّ رحلتهم تأخرت لأسابيع، وأثناء سيرهم رأوا رجلاً كهلاً يجلس على بساطٍ في ظل ناقته، وآثار التعب ظاهرة عليه، وبيده قرطاس يكتب عليه بشكل سريع كيلا تفوته الفكرة فيخسرها ويحرم غيره من الإستفادة منها، ولأنه غارق فيما يكتب لم ينتبه لاقتراب الشباب منه، فدنوا منه أكثر وألقوا عليه التحية بصوت مرتفع مرات عديدةً حتى انتبه لهم وردّ التحية عليهم وترك ما في يده، ودعاهم إلى الجلوس معه للقيام بواجب الضيافة بعد أن أكمل كتابة فكرته واطمأن قلبه.

نزل شبابنا الخمسة وصافحوه بشدة وجلسوا حوله علهم يستفيدون منه بعض الإرشادات للطريق، وقد سكنت نفسه لهم بمجرد أن نظر إليهم حيث لمس الطيبة فيهم وروح المغامرة في محياهم، وقد قدّم لهم تمراً جيداً لم يتذوقوا مثله طيلة حياتهم فسألوه عن مصدر هذا التمر فأخبرهم أنه حمله معه من بلاد الهند، وعندما سمع الشباب هذه الكلمات أيقنوا أنه الوحيد الذي سوف يزودهم بمعلومات تعينهم في الوصول إلى الهند، وبعدها بدأ التعارف بينهم، وبعد أن تعرّف على أسمائهم وأنسابهم ومكان قبيلتهم أخبرهم باسمه بكل تواضع وهدوء فقال: أنا محمد بن عبد الله الملقَّب بشمس الدين والمعروف بابن بطوطة، فقال له ماجد: أتعني أنك أنتَ الرحّالة الشهير؟ فقال نعم، أنا هو الرحالة العربي الذي جال معظم بلاد العالَم، فتعجبوا وفرحوا فرحاً شديداً حيث سمعوا عنه الكثير منذ صغرهم، وكانوا يتمنون اللقاء به، وقد أتتهم الفرصة لوحدها، فشخص مثل ابن بطوطة يستفاد الكثير من تجاربه وتجواله، وهنا أخذهم الفضول حول لقب ابن بطوطة فأخبرهم أنه نسبة لاسم أحد أجداده.

وبعدها جلسوا صامتين لأكثر من ساعة وهم ينظرون إليه باستهجان وتعجّب وبسماتهم واضحة مما أدخل السرور إلى قلب ابن بطوطة، ثم بدأ يسألهم عن أصلهم وقبيلتهم ولماذا هم في ذلك المكان فأخبروه قصتهم شبه كاملة فأجابهم بقوله: إنكم لم تروا شيئاً بعد: فقال له حامد، أوبعد كل ما حصل لنا والمصائب التي واجهتْنا؟ فقال ابن بطوطة: الآتي أعظم، وما عليكم سوى المواجهة بوعي وحكمة، وأن لا يُخرجكم الخوف أو الغضب عن صوابكم.

ثم سأله ماجد عما كان يدونه في القرطاس؟ فأجابه إنه خلاصة رحلةٍ استغرقت ما يقرب من ثلاثين عاماً، إنني أكتب ما يمكن أن يجول بكم معظم بلاد العالم وأنتم في أماكنكم، فازداد إعجابهم وكبر فضولهم أكثر مما دفع بمجيد إلى أن يطلب منه الإطلاع على ما كتبه؟ فرفض وقال لهم: كل شيء جميلٌ في وقته المناسب، ولا شك بأنّ هذا الكتاب سوف يصل إلى قبيلتكم وغيرها من قبائل العرب وغير العرب: وكان يثق في نفسه كل الثقة بما يقوله للشباب.

 

قَضَاءُ لَيْلَةٍ مَعْ ابْنِ بَطوطَة

 

على الرغم من سعة الصحراء وقلة العابرين لكثبانها إلا أنها أرضُ مفاجآة وموطنٌ للمغامرات، فلربما تجدُ فيها ما لم تجدْه في المُدُن الكبرى والمناطق المتحضِّرة، ولربما تجاوز عدد أحداثها أحداث المناطق العامرة والأراضي المكتظّة.

فلو بقي شبابنا الخمسة أحلاس ديارهم لما أُتيحت لهم مثل تلك الفرص التي أتيحت لهم في الصحراء أثناء رحلتهم، وعلى سبيل المثال: اللقاء بابن بطوطة الشهير وقرية العبادلة وقُطّاع الطرق، فلو لم يخرجوا من ديارهم ويواجهوا الصعوبات ويتحملوا المشقات لَما حظوا بفرصة اللقاء مع شيخ الرحّالة كونها أكبر الفُرَص التي أُتيحتْ لهم.

فجلوس الشباب مع هذا الرحالة الشهير سيوفّر عليهم الكثير من المشقات ويخفف عنهم المتاعب والمشاكل طيلة رحلتهم الطويلة، حيث استطاع ابن بطوطة في تلك الليلة رغم قِصَر ساعاتها أن يجول بأفكارهم معظم بلاد العالَم التي زارها وتحسّس أمورها واستفاد من خبرات أهلها، وعرّفهم على الكثير من العلوم التي حازها والشخصيات التي التقى بها من العرب وغيرهم، ناهيك عن الأفراد والجماعات والحضارات والكثير من الفنون والعلوم والعادات والتقاليد التي رآها ودوّن أهمها.

طلب منه الشباب أن يحكي لهم قصة رحلته باختصار ليتعلموا من تجاربه ويرسموا خريطتهم بناءاً على ما سوف يسمعونه منه.

ومن حسن حظّ الشباب أنّ ابن بطوطة كان مرتاحاً في تلك الليلة مما أتاح له فرصة الكلام، فحكى لهم مختصر قصة حياته وموجز خريطة رحلاته ومواقف الخطر والأمن والحزن والفرح التي واجهها لأكثر من عقدين من الزمن، وكان حامد يدوّن كل ما ينطق به ابن بطوطة، وبكلامه زرع فيهم الأمل مجدداً، واشتدت عزيمتهم على متابعة الرحلة لكسب المعرفة قبل كسب الربح المادي، ثم غرق الجميع في سبات عميق، وفي الصباح استيقظ الشباب فلم يجدوا ابن بطوطة بينهم حيث حزم أمتعته عند الفجر وتابع مسيرة اكتشافه، وكان لقاؤهم به يشبه الحلم الذي تناثر حين استيقاظهم، ولكنهم وجدوا خريطة صغيرة تركها لهم حتى تهديهم إلى الطريق الآمن والأقرب نحو بلاد الهند.

 

حَريْقٌ يَنْشُب في خَيْمَة الشبَاب

 

بعد ليلة مفيدة قضاها الشباب مع الرحالة ابن بطوطة غادروا مكانهم في الصباح الباكر متوجهين نحو بلاد الهند حسب الخريطة التي حصلوا عليها.

وبعد يومٍ شاقٍّ وطويل شعروا بتعبٍ شديد وفتور في أبدانهم نتيجة الحركة المستمرة تحت أشعة الشمس، وكذلك أُنهكَتْ دوابهم، فوجدوا مكاناً مناسباً للتخييم، ولم يعلموا أنه مكانٌ مُعرَّض لأعتى العواصف الرملية التي حصدت أرواح الكثيرين من المسافرين قبلهم، فلو كانوا من أهل السفر لَما وقعوا في ذلك الفخ المميت، ولكن.. لا بد من خوض التجربة ودفع الثمن حيث لا يتعلّم المرء إلا من كيسه.

نصبوا خيمتهم وأعدّوا موقداً للطهو قريباً من الخيمة، وقد فرحوا في البداية لقوة النار التي ساعدتهم على الطهو بشكلٍ سريع، فتناولوا طعامهم وخلدوا إلى النوم وتركوا النار في الموقد مشتعلة لإبعاد المفترسات عنهم، وكان خطر النار عليهم أشد من خطر الحيوانات المفترسة.

وعند منتصف الليل هبّت عاصفة قوية حملت معها أجزاءاً من نار موقدهم وقعت على أطراف خيمتهم من الخارج وهم نائمون، وانتشرت فيها النيران بسبب سرعة الرياح فاستيقظ حامد مسرعاً على لهب النيران وأصوات الدواب الخائفة وبدأ يصرخ كيلا تحرق النار أحدهم، وأخد بساطاً وراح يُطفئ النار فاستيقظ باقي الشباب وساعدوه على إخمادها، ولكن بعد أن داس حامد على جمرة كانت تحته قد أحرقت قدمه، وبدأ يصرخ من شدة الألم، وارتفعت حرارة جسمه، فشغلهم ذلك عن أي أمرٍ آخر، وقد استعملوا ما بقي معهم من ماء لإخماد النيران.

وكانوا يحملون معهم العقاقير المضادة للحرارة والسموم، ولكن النار التهمتها، وقد بدأ الأمر يصعب عليهم شيئاً فشيئاً، ولم يبق معهم ماء ليستعملوه في تخفيض حرارة صاحبهم الذي أنقذهم من الموت حرْقاً.

وبدأ الشباب يركضون يميناً وشمالاً علّهم يجدون نبتة تساعدهم في معالجة صديقهم فلم يعثروا على شيء لأنَّ الرمال كانت تغطي المكان بالكامل، فالبقاء في ذلك المكان وانتظار الفَرَج هناك لا ينفع، ولذا كان لا بدّ من التحرك علّهم يجدون بصيص أمل في نجاته.

حملوه على دابته ثم انطلقوا بالسرعة الممكنة لأنّ حياته أصبحت على المِحَك، ولا بدّ أن يفعلوا شيئاً لإنقاذه، أي شيء، وبعد أكثر من ساعة فقد حامد وعيَه نتيجة ارتفاع الحرارة وشدة الألم، وهم يسيرون تحت أشعة الشمس الحارقة مما زاد في حيرتهم وقلقهم، وقد عملوا المستحيل لإيقاظه من تلك الغيبوبة، ولكن دون جدوى.

توقفت قافلتهم وأنزلوا صديقهم ووضعوه على الأرض، وأظلوه بأجسادهم ساعة وهم ينتظرون النتيجة، وهنا تدخلت الإرادة الإلهية عندما دنا منهم رجل يركب ناقته فسألهم عن الخبر وهو على ظهرها فأخبروه بالأمر والحيرة بادية في محياهم فاطمأنّ لهم ونزل إليهم، وقد شعروا بأملٍ في نجاة صاحبهم، فأخرج الرجل من سلّته جعبة تحتوي على العديد من الأدوية، وبدأ بعلاجه كما يجب، وقد استغرق في معالجته ساعتين والشباب يترقبون النتيجة، وفجأةً انخفضت حرارة جسمه وبدأ يستعيد وعيه شيئاً فشيئاً، فراح أصدقاؤه يشكرون الله على تلك النعمة ودموع الفرح تنسال على خدودهم.

جلس حامد ولم يكن يعلم ما أصابه في الساعات الماضية، ولكنه طلب الماء، وكان ماؤهم قد غار منهم فأخرج الرجل قِربته وسقى حامداً ماءاً فاستعاد نشاطه.

انتهت مشكلة غيبوبة حامد، وبقيت مشكلة الطعام والماء، فسألوا الرجل حاجتهم فأعطاهم نصف تموره وثلاثة أرباع مائه وأخبرهم أنهم سيصلون إلى قرية تبعد عنهم مسيرة يوم، فعرضوا عليه المال مقابل صنيعه فرفض أن يأخذ شيئاً، فشكروه أتم الشكر وأثنوا على أخلاقه العالية وانطلقوا في الوجهة التي دلهم عليها.

 

قَبيْلَة بَني مَيْسون

 

هي قبيلة عربية تقع بالقرب من الطريق التي تعبره القوافل باتجاه بلاد الهند وما حولها وما قبلها، وهي تبعد عن تلك الطريق ثلاثة أميال باتجاه الجنوب، وقد سُمّيت بقبيلة بني ميسون نسبة للجد  الأكبر الذي أسس هذه القبيلة قبل عقود من الزمن وعمِل على تطويرها وتوسعتها ونمو الإقتصاد فيها.

فبعد أن ودّعهم الرجل الخلوق الذي عالج حامداً وأنقذه من الموت المحتّم انطلقوا في الوجهة التي دلهم عليها ليجعلوا من تلك القبيلة محطةَ انطلاقٍ لهم بعد أن يتزودوا بالماء والطعام الكافيَين لمتابعة الرحلة، فساروا دون توقف حتى بلغوا مضارب قبيلة بني ميسون المتميزة بالخَضرة وبنبع ماء عذب لا ينضب ولا يجف على مدار السنة، وهذا ما جعل جدهم الأكبر يستقر في تلك البقعة التي قلّ نظيرها في الصحراء الواسعة، ولذا فهي عبارة عن واحة بُنيت حولها الدور والأسواق.

وكان أهلها يعملون في زراعة أراضيهم ورعي مواشيهم، وهذا ما جعل من تلك القبيلة رقماً صعباً في التجارة بسبب كثرة المحاصيل فيها وتنوّع الصناعات لدى أهلها.

فدخلوا القبيلة بعد أن لقوا من أهلها أجمل ترحيب، وكان من عاداتهم أن لا يستقبلوا أحداً أو يستضيفوه في دورهم إلا بعد موافقة كبيرهم، وهو الحفيد الوحيد للجد (ميسون) فأرشدهم الناس إلى داره، فذهبوا إليه وقد استقبلهم مُرحّباً بطريقة تُشبه استقباله لشيوخ القبائل وكبار العشائر، وكان ذلك علامةً على موافقته لمكوث الشباب في قبيلته.

وقبل أن يسألهم عن أي شيء وحتى عن أسمائهم دعا لهم بطعام وشراب، فأكلوا حتى الشبع ثم سألهم عن سبب مجيئهم إلى القبيلة فأخبروه بما جرى، فأمر لهم بدار واسعة وسمح لهم بالتجول في القبيلة متى شاؤوا وأن يشتروا كل ما يلزمهم لمتابعة رحلتهم الإستكشافية بأقل الأسعار بهدف تشجيعهم على التجارة والإستكشاف، وقد قدّم لهم جميع التسهيلات، ومنها أن لا يأخذ منهم التجار سوى كلفة السلع دون ربح.

فتزوّدوا بالطعام الوفير والبُسُط والثياب والعقاقير اللازمة وشعروا في تلك القبيلة بنكهة الوطن الأم.

وقبل مغادرة القبيلة بليلة واحدة أرسل كبيرها في طلب شبابنا الخمسة فحضروا إلى الساحة العامة، وكان جميع أهل القبيلة مجتمعين حول نيران أُعدّت للشواء، وفور وصولهم قام أهل القبيلة بالترحيب بهم على طريقتهم الخاصة، ثم أخبرهم الكبير بأنه أعدّ هذه الوليمة على شرفهم، فعاشت القبيلة تلك الليلة بسعادة لا توصف، وكذا شبابنا، ولعلها الموضع الوحيد في رحلتهم لم يواجهوا فيه أية مشكلة ولم تعترضهم أية صعوبات، وبعد أن شعروا بتلك الراحة عقدوا مشاورات فيما بينهم حول المكوث لأيام في تلك القبيلة حتى يصبحوا مستعدين تماماً لمواصلة رحلتهم فعرضوا الأمر على الكبير فرحّب بالفكرة وحبّذها لعلمه بضرورة الراحة والتأني قبل مواصلة السفر الطويل، ولعله وافق على طلبهم حتى يكتسبوا الخبرة الازمة من كبار تجار ورحّالة تلك القبيلة.

 

فِتْنَةُ حَسوْد

 

لا يوجد في الدنيا كلها بلدٌ أو مدينة أو قبيلة خالية من المشاكل والمشاغبين مهما كان حكّامها أذكياء وأقوياء ومهما كانت قوانينهم صارمة، وليس كل البشر كالملائكة، فهناك الصالح المحبّ المأمون شرُّه، والطالح الحسود البعيد خيره، ولعل قبيلتنا المذكورة فيها القليل ممن يحملون الصفات السيئة حيث طغى خير أهلها على شرور البعض فيهم.

على أيِّ حال لقد وافق كبير قبيلة ميسون على استضافة شبابنا الخمسة لأيام إضافية عندهم، وكانت فكرة صائبة منهم، ولكن ما لم يكن صائباً هو اطمئنانهم التام للجميع، فليس من العقل أن تحسب الجميع مثلك سواء كنتَ من أهل الخير أو من أهل الشر، فليس الجميع خيّرين، وليس الجميع مسيئين، فلقد ظنوا أنهم في مأمن من الشرور، والأمر غير ما توهموا.

ففي ليلة الإحتفاء بهم حضر أحد الحسودين ورأى بأم عينه كيف كرّم أهل القبيلة ضيوفهم مما أشعل في صدره نار الحسد، ولم يكن بإمكانه فعلُ أي شيء ضدهم كيلا يعاقبه كبير القبيلة على سوء تصرفاته، فعَمَد إلى الإنتقام منهم بطريقة خفية ليشفي غليله فيهم وفي أهل قبيلته الذين كانوا ينبذونه لسوء أفعاله وحقارة نفسه خصوصاً وأنّ محبوبته كانت حاضرة في حفل العشاء ولم تكفّ عن النظر إلى (مجيد) أحد شابنا الخمسة مما زاد في الطين بَلّةً.

لقد كان حبّه لتلك الفتاة من طرفه فقط حيث لم يكن أحد من أهل القبيلة يرضى بتزويجه من إحداهنّ نظراً لانحرافه الأخلاقي.

ففكّر وقدّر وخلُص إلى إحداث فتنة تودي بمستقبل شبابنا المظلومين لأنّ عقاب المخطئ في قانون تلك القبيلة صارم وشديد قد يصل إلى الإعدام في بعض الأحيان كما لو ارتكب أحدهم جريمة سرقة أو جريمة شرف.

وفي ليل ذلك اليوم عندما نامت العيون وهدأت الأبصار وخلتْ الشوارع من المارّة تسلل هذا الخبيث إلى دار كبير القبيلة حيث كان يعرف جغرافيته جيداً مما سهّل عليه إتمام فتنته وقضاء وطَره في ضيوف قبيلته.

كان كبير القبيلة يمتلك جوهرةً ثمينة ورثها عن أبيه وجده، وكان أهل قبيلة ميسون يعتزون بوجود تلك الجوهرة النادرة عندهم لأنها كانت تُمثّل شرفهم وجزءاً كبيراً من تاريخهم، وكان الحسون يعرف مكانها فسرقها ثم حضر إلى دار الشباب النائمين ووضعها داخل صندوق كانوا يحملونه معهم وكان فيه التمثال الذهبي الذي حملوه معهم طيلة تلك الرحلة، وهذا ما زاد في الأمر تعقيداً.

وفي الصباح الباكر وقبل أن يتناول الضيوف فطورهم استيقظوا على أصوات مرتفعة ووقْعِ أقدام رجال يركضون في أنحاء القبيلة فقاموا وتأهّبوا لمعرفة الخبر.

وفي تلك الأثناء أوصل الحسود إلى مسامع كبير القبيلة خبراً مفاده أنّ أحداً من أهل القبيلة رأى شاباً من الضيوف يتسلل إلى داره في منتصف الليل ثم خرج وهو يحمل معه شيئاً وهو مرتبك، ولم يكن أمام كبير القبيلة سوى فتحِ تحقيق لمعرفة الحقيقة كيلا يظلم أحداً، ولم يكن من صالحه انتشار الخبر بين باقي القبائل كيلا تذهب هيبتهم عندهم، فسرقة مثل هذا الكنز أمرٌ مَعيب قد يوصل إلى طرد الكبير من منصبه لأنه إذا سُرق منه الكنز فهو ليس أهلاً لحمل مثل هذا الشرف.

أرسل الكبير في طلب الشباب وبدأ التحقيق معهم فسألهم عن الجوهرة فنفوا أن يكونوا قد سمعوا عنها من قبل فضلاً عن أنهم لم يروها فقرر حينها أن يُرسل مجموعة من ثقاته لتفتيش أمتعتهم فاستأذنهم في الأمر فرحّبوا بالفكرة حتى يُثبتوا له براءتهم، وهذا ما أوقع الكبير في حيرة من أمره حيث لمس فيهم الصدق والأمانة والطيبة، ومن حينها قرر في نفسه أنه إن وُجدت الجوهرة عندهم فلن يحكم عليهم إلا بعد إتمام ما يرمي إليه حيث كان يدور في خَلده خطة لم يُفصح عنها حتى لأقرب المقربين إليه.

 

العُثورُ عَلَى الجَوْهرَة في أَمتِعَة الشبَاب

 

وقع كبير قبيلة ميسون في مشكلة كبيرة، وسيطرت عليه حيرةٌ لم تُصبْه من قبل حيث أصبح في وضعٍ لا يُحسد عليه، فمنصبُه وسمعته وسمعة قبيلته المزدهرة أصبحتْ على المِحك، فإما أن يُثبت عكس ما ظنّه الناس نجاه ضيوفه أو ستكون نهايته قريبة، ولذا أرسل ثلاثة رجال من ثقاته إلى الدار التي استضافوا فيها الشباب الخمسة ليتأكدوا من وجود الجوهرة المسروقة في حوزتهم، فإن لم يجدوها عندهم فقد هانت عليهم المصيبة لأنه إن كان شبابنا سارقين فلن يدخل ضيفٌ إلى تلك القبيلة بعد اليوم، وهذا يعني انعزالهم عن المجتمع الخارجي وهو يعني موت تجارتهم. وكان الرجال الثلاثة على ثقة أنهم لن يجدوها في أمتعة الضيوف الشباب حيث شعروا تجاههم ما شعر به كبيرهم، لقد شعروا أنهم من أهل الخير والأخلاق الرفيعة، فدخلوا عليهم واستأذنوهم في تفتيش أمتعتهم فوافقوا دون أي تردُّد رغم دهشتهم مما يحصل، ولكنّ المفاجأة لرجال الكبير كانت أنهم وجدوا الجوهرة المفقودة داخل صندوق كان بحوزة الشباب، فساد الصمت واحمرّت الوجوه وسيطرت الدهشة على الفريقين، فحملوها إلى دار الكبير واصطحبوا الشباب معهم إلى حيث الناس مجتمعون أمام دار كبيرهم لمعرفة الخبر، ولدى وصولهم بدأ الناس ينهرون الشباب وينظرون إليه بنظرات غضب ويهتفون بشعارات تأنيبية بلغة التهديد والوعيد، وحينها أخبر رجالُ الكبير الجميع بأنهم وجدوها في صندوق يخصّ الضيوف، فَعلتْ الأصوات المستنكرة التي طالبت بإنزال أشد العقاب بهم حيث لا يستحقون أي تكريم من أهل القبيلة، فهجم بعضهم لضرب الشباب فاعترضهم آخرون كيلا يكون في التسرّع مظلمة، فقال المهاجمون: عن أية مظلمة تتحدثون وقد بات الأمر واضحاً، فقد وُجدت الجوهرة المسروقة في صندوقهم، ثم شنوا عليهم هجوماً آخر وكاد الخلاف ينشب بين المؤدين والمعارضين فخشي الكبير من حدوث فتنة تحرق الأخضر واليابس، ولكن سنّة الحياة تقتضي ظهور الحق مهما كان أهل الباطل على حذر مما يصنعون.

وأمام هذا الواقع الحَرِج أشار الكبير للحاضرين بالهدوء فساد الصمت، وسأل الضيوف عن الأمر فأنكروا معرفتهم بها وأنه لا عِلم لهم بمن وضعها في الصندوق الخاص بهم، وأقسموا أنهم لم يرتكبوا مثل هذا الخطأ مع أعدائهم فكيف يمكن أن يرتكبوه مع مَن مدوا لهم يد العون واستضافوهم، فنفوا أن يكون هذا السلوك من أخلاقهم أو من أخلاق أهل قبيلتهم التي كان يعرف عنها الكبير كثيراً من المزايا الطيبة، وهذا ما كان يدعم موقف شبابنا في تلك الورطة، ورغم ذلك بقي أهل القبيلة غاضبين وهم يطالبون مجلسهم بإنزال العقاب بهم ليكونوا عبرةً لكل مَن تُسوّل له نفسه ارتكاب مثل هذا الخطأ.

وهنا كان لا بدّ من أن يفعل شبابنا شيئاً كيلا يتلبّسوا بتلك التهمة وهم براء منها، فقام ماجد واستأذن الكبير بالكلام فأذِن له رغم أنّ الكثرين من أهل القبيلة رفضوا الإستماع إليه، فهدّأ الكبير من روعهم وطلب منهم الإستماع علّه يأتيهم بدليل براءتهم من هذا الجُرْم، فقام ماجد وخاطب الجميع بالقول: لو كنا نحن الفاعلين لَما مكثنا لحظة واحدة في قبيلتكم بعد أن أصبحت جوهرتكم معنا كما يزعم البعض، وكان بإمكاننا الخروج ليلاً دون أن يرانا أحد، ولكننا استأذنا كبيركم بالبقاء عندكم لأيام إضافية حيث شعرنا بأننا نمكث في قبيلتنا وبين أهلنا، فلو كنا سارقين لَما بقينا بينكم بل ما كنا لنطلب الإذن بالبقاء هنا، ثم انظروا إلى وجه كل واحد منا نحن الخمسة فإنْ كانت ملامحنا تشير إلى أننا كما تظنون فنحن نقبل بأي حُكم يصدُر في حقنا وعندما تثبت براءتنا لم نمكث بينكم لحظة واحدة كيلا يتهمنا أحد منكم بشيء آخر: وهنا وضع ماجد أهل القبيلة في موقف صعب يمس بكرامتهم وكرامة كل ضيف قد يحل ديارهم.

وأمام هذا الكلام الهادئ والمنطقي صمت الجميع دون أن ينبث أحدهم ببنت شفه، وعندها قام الكبير ليقطع الشك باليقين وسأل الرجال الثلاثة أن يخبروهم أين وجدوا الجوهرة بالتحديد، فهل كانت في مكان مُحكَم ومغلق يوحي بأنها مسروقة أو كان الأمر غير ذلك؟

قال الرجال الثلاثة: لا والله، بل كان الصندوق مفتوحاً والجوهرة من فوق، بمعنى أنها لم تكن مخبأة، وهنا قال مجيد: أقسم أننا أغلقنا الصندوق قبل أن ننام، فقال الكبير: إذاً هناك طرف آخر قام بهذه اللعبة ويجب أن نكشف أمره قبل أن يعيث بيننا الفساد ويُسوّد وجوهنا مع أي ضيف يأتينا في المستقبل، وحينها اطمأنّ الجميع بأنّ الشباب ليسوا سارقين وراحوا يقدمون لهم الأعذار ويستحلفونهم أن يبقوا عندهم قدر ما يشاؤون، فقال ماجد: لا داعي للإعتذار وسنبقى عندكم بضعة أيام، ففرح الجميع لذلك، وبقي أمر الفاعل مجهولاً ولا بدّ من كشفه، وهذا ما يتطلّب منهم خطة ذكية.

 

الكَشْفُ عَنْ الفَاعِل

 

ثبتت براءة شبابنا مما نُسِب إليهم، وقرروا البقاء في قبيلة ميسون لأيام حتى يتهيأوا لمتابعة رحلتهم نحو الهند، ولكن بقي الفاعل مجهول المكان والهوية، ولا يجوز أن يبقى أمره مخفياً كيلا يوقع أهل القبيلة بما هو أسوأ، ولهذا كان لا بد من اكتشافه واعتقاله في أسرع وقت ممكن، ولا بدّ من وَضْع خطة محكمة للنيل منه قبل الفرار، ولذا كان أول ما قرره الكبير هو منعُ الناس من الخروج خارج القبيلة قبل اكتشاف المجرم، بمعى أنه فرض حصاراً محكماً على جميع الموجودين عندهم من أهل القبيلة ومن الغرباء سواء كانوا تجاراً أم ضيوفاً.

فلو كانت الجوهرة مفقودة لأمر المجلس بتفتيش كل المنازل والمحلات، وهو أمرٌ سهل على أي حاكم، أما مع ظهور المسروقات واختفاء السارق فهذا ما يتطلّب حنكة وحكمة لاكتشافه.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى