
وُصُوْلُ موكب السبايا إِلَى الكُوْفَةِ
كان أهل الكوفة مهيئين نفسياً لاستقبال السبايا، فمنهم من كان يعرف الحقيقة وهوية السبايا، ومنهم من كان يجهل ذلك إذ لا نريد أن نظلم المظلوم، وهم بالأمس قتلوا سفير الحسين بعد أن بايعه الآلاف منهم فغدروا به وقتلوه شر قتلة.
لقد غادر موكب السبايا صحراء كربلاء وهم على الحالة التي ذكرناها متوجهين بهم نحو المحطة الأولى(الكوفة) من أجل الإحتفال بانتصارهم المزعوم على الحسين وأصحابه، وعندما شارف الموكب الوصول إلى الكوفة خرج الناس من بيوتهم للنظر إلى السبايا والمشاركة بهذا الإحتفال، ولكن كثيراً من لم يكونوا يعرفون هوية السبايا لأن أعوان ابن زياد كانوا قد نشروا بين الناس مقولة أن السبايا هم نساء وأطفال الخارجين عن الإسلام بخروجهم على مبايعة الخليفة يزيد، فلم يكونوا يعلمون بأن تلك النساء هم نساء رسول الله وحريمه.
لقد أثيرت هذه الدعاية قبل البدء بمعركة كربلاء لأن هناك كثيراً من المسلمين الثابتين على العقيدة الصحيحة كانوا على استعداد للجهاد، ولكن الظروف القاسية قد منعتهم من تحريك أي ساكن، وهم يشكلون قلة قليلة من أهل الكوفة الذين كانوا على علم بما يريد الحسين أن يصنعه، وذلك من خلال ما أخبرهم به مسلم ابن عقيل.
ولكن سرعان ما قضي على تلك الدعاية بفضل السيدة الجليلة زينب بنت علي(ع) التي لم تقابل مجموعة من الناس إلى وبادرتهم بالحقيقة المجهولة، فتحولهم بذلك من أعداء إلى أحباب ومناصرين.
وقد اقترب رجل من الموكب وقال للنساء: الحمد لله الذي قتلكم وأراح البلاد منكم: ولكن هذا الرجل المخدوع عندما عرف الحقيقة أخذ يبكي نادماً على ما قال.
فعندما قارب الموكب مدينة الكوفة خرج الناس للنظر إليهم، أقبلت امرأة من الكوفيات وسألت السبايا: من أي الأسارى أنتن؟
فأجابتها النساء: نحن أسارى آل محمد(ص) فأعطتهن ما يسترن به أبدانهن.
وقد غصت شوارع الكوفة وأزقتها بالناس، ويا له من شعور مرير قد اعترى تلك النسوة العظيمات.
قال بشير الأسدي: فجعل الناس ينوحون ويبكون، فقال الإمام علي بن الحسين(ع) أتنوحون وتبكون من أجلنا؟ فمن الذي قتلنا؟
خُطْبَةُ السَّيِدَةِ زَيْنَبَ(ع) فِيْ أَهْلِ الكُوْفَة
بعد أن اجتمع آلاف الناس حول موكب السبايا إستغلت السيدة زينب(ع) تلك الجموع وتلك الظروف المؤثرة للكشف عن الحقيقة التي لم يكن بعضهم عالماً بها، فأومأت بيدها إلى الناس أن اسكتوا فسكت الجميع ليسمعوا كلامها، فقالت(ع):
الحمد لله والصلاة على محمد وآله الطاهرين، أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر والمكر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة أو الزفرة، وإنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار حجتكم، ومدرة سنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبُعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، ويلكم با أهل الكوفة..أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم، وأي كريمة له أبرزتم، لقد جئتم بها صلعاء عنقاء فقماء خرقاء شوهاء كطلاع الأرض وملئ السماء، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الله أخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربكم لبالمرصاد”
أيها القارئ الكريم.. إنها عبارات كبيرة وكلمات معبرة ومؤثرة والتي إن دلت على أمر فإنما تدل على مدى الظلم الذي ألحقه أهل الكوفة بأهل البيت(ع).
بهذه الكلمات أحدثت العقيلة زينب(ع) ثورة نفسية بداخل الكوفيين الذين تمنوا لو أن الأرض تنشق وتبتلعهم قبل أن يروا زينب(ع) غاضبة عليهم حيث أوحى لهم هذا الغضب بغضب الله عليهم.
لقد شعر الكوفيون بعد هذه الكلمات بحجم الذنب الذي ارتكبوه في حق نبيهم وآله، واستصغروا أنفسهم التي اتبعت الهوى وتخلت عن الهدى.
ماذا يصنعون وقد جرى ما جرى، ماذا يقولون وجسد الحسين مطروح على أرض كربلاء، ماذا يفعلون وقد غضب الله عليهم.
خُطْبَةُ السيِدَةِ فَاطِمَةَ الصُّغْرَىْ فِيْ أَهْلِ الكُوْفَة
لم يقف الأمر عند كلام السيدة زينب(ع) فقد تتالت الكلمات العلوية كصواعق نزلت على رؤوس أهل الكوفة.
وقد تحدثت النساء من منطلق قوي، فلم يضعفن أمام ابن سعد وأعوانه، ولم تؤثر تلك الظروف على بلاغتهن وفصاحتهن لأنهن ثمرة أهل البيت(ع).
لقد نقل المؤرخون تلك الخطب لكونها من المستندات الأساسية التي يُعتمد عليها في الحكم على بني أمية، فإن السبايا أصدق مورد لمعرفة الحقيقة لأنهن شاهدن بأعينهن وسمعن بآذانهن كا ما جرى أو قيل في كربلاء، وما قالته تلك النسوة فهو الصحيح الذي يجب الأخذ به والإعتماد عليه.
فبعد أن أنهت السيدة زينب ابنة علي عليهما السلام كلامها قامت فاطمة الصغرى فخطبت في الناس خطبة لم تكن بأقل شأناً من خطبة العقيلة(ع) وبعد مقدمة طويلة قالت فاطمة الصغرى:
” أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخُيَلاء، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، وأكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيّه محمد(ص) على كثير ممن خلق تفضيلاً بيّناً، فكذّبتمونا وكفّرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأننا اولاد ترك أو كابُل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم افتراءاً على الله، ومكراً مكرتم والله خير الماكرين، فلا تدعُونّكم أنفسكم إلى الجذل فيما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنما أصابنا من المصائب الجليلة، والرزء العظيم في كتاب من قبل أن نقرءها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور، تبّاً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حلّ بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين، ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا، أم بأية رِجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا، والله قست قلوبكم وغلظت أكبادكم، وطُبع على أفئدتكم، وخُتم على سمعكم وبصركم، وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون، فتباً لكم يا أهل الكوفة، أي تراث لرسول الله قبلكم، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب(ع) جد بنيه وعترته الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر فقال:
نحن قتلنا علياً وبني علي
بسيوف هندية ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك
ونطحناهم فأي نطاح
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب، افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهرهم، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعا أبوك، فإنما لكل امرء ما كسب وما قدمت يداه، أحسدتمونا ويلاً لكم على ما فضلنا الله تعالى به…الخ ”
أيها القراء الأعزاء.. ما رأيكم بهذه الكلمات الفصيحة والبليغة التي صدرت عن فاطمة الصغرى وهي لا تبلغ من العمر احد عشر عاماً؟
لو تأملنا قليلاً بمنبع هذا الكلام لأدركنا الحقيقة التي نبحث عنها، فلا يكفي العلم لوحده من دون تفكّر وتأمّل.
إن فاطمة الصغرى رضوان الله عليها لم تنبئ بكلامها عن حجم المأساة فقط، وإنما كشفت أسراراً أخرى من أسرار آل محمد، وهي الحكمة التي وضعها الله في تلك الذرية المباركة التي توارثت العلم والحلم والأخلاق الفاضلة والصفات الكريمة.
أيها القراء..أليس من هوان الدنيا أن تسبى مثل تلك البنات العظيمات والنساء الكريمات؟
خُطْبَةُ أُم كُلْثُوْم
بعد أن أنهت فاطمة الصغرى كلامها وضج له الناس بالبكاء، ولم يستطيعوا الرد على أية واحدة منهن لأنهم علموا بجريمتهم التي ارتكبوها في حق الرسول وآله(ص) قامت إليهم أم كلثوم إبنة أمير المؤمنين(ع) وتابعت البيان والكشف عن الحقائق فقالت:
” يا أهل الكوفة.. سوأة لكم ما لكم خذلتم حسيناً وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتباً لكم وسحقاً، أتدرون أي دواه دهتم، وأي وزر على ظهوركم حملتم، وأي دماء سفكتموها، وأي كريمة أصبتموها، وأي صبية سلبتموها، وأي أموال انتهبتموها، قتلتم خير رجالات بعد النبي، ونُزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إن حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون.
قتلتم أخي ظلماً فويل لأمكم
ستجزون ناراً حرها يتوقد
سفكتم دماءاً حرّم الله سفكها
وحرّمها القرآن ثم محمد
كَيْفَ سُمِحَ لِلسبَايَا بِالكَلامِ
لو حصل السبي قبل افتعال مجزة كربلاء لما أذن أعوان يزيد لواحدة أن تتكلم، ولكنهم سمحوا لهن لأن كلامهن في نظرهم لن يقدم ولن يؤخر، فما أرادوا فعله فقد فعلوه، فلم يعد هناك خوف من إفشال المهمة.
ثم إن الله تعالى قد أعمى أفئدتهم عمّا يمكن أن يحدث بعد كلام النساء، وقد كان للغيب دور في ذلك.
ولم يكن ابن سعد ليظن بأن الكلام سوف يكون بهذا المستوى من البيان والتأثير على قلوب الناس، ولم يكن بإمكانه أن يسكتهن كيلا يقال فيه: لقد خاف من امرأة، وهذا معيب عند العرب.
ولم يكن قادراً على إسكاتهن لأن الناس هم الذين يريدون سماع كلامهن بهدف حب الكلام.
لقد كانت الأهداف في البداية كما ذكرنا، ولكنه بعد أن تكلمت النسوة بلهجة محمدية وبلاغة علوية وحكمة حسنية وجرأة حسينية فقد انقلبت الموازين لصالح أهل البيت.
فلو منع ابن سعد بنات رسول الله من الكلام لحكم الناس لصالحهن مباشرة، وهذا ما أجبره على القبول كما أُجبر يزيد على صعود زيد العابدين(ع) إلى منبره.
السبَايَا فِيْ قَصْرِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَاد
بعد أن أنهت النسوة كلامها أمر ابن سعد بهنّ إلى قصر ابن زياد لمتابعة مراسم الإحتفال بالنصر العظيم.
وقد كان ابن زياد قد أذن لجميع الناس بالدخول إلى قصره في ذلك اليوم ليشاركوه فرحة الإنتصار فاجتمع جمع كبير من أهل الكوفة في قصره ثم أُدخلت السبايا عليه.
ولم يكن ابن زياد قد حسب حساباً لما قد يطرأ على برنامجه، كان يظن بأن الدفّة لصالحه دائماً لأنه الأقوى، فلم يكن يعلم بأن ركب السبايا هو بداية هزيمته وبوادر قتله واقتلاع حكمه الجائر.
لقد جلس ابن زياد على عرشه متبختراً كعادته، وأمر بأن يأتوه برأس الحسين فيوضع بين يديه، هذا والسبايا ينظرن إلى الرأس الشريف أمامهنّ، فجعل ابن زياد ينظر إلى الرأس الشريف ويتبسم بسمة فرحة وتشفّ، وكان يحمل في يده سوطاً فراح يضرب ثنايا الرأس بسوطه ويقول: إنه كان حسن الثغر: ويقصد بذلك الحسين بن علي(ع) ثم قال مستهزءاً : لقد أسرع الشيب إليك أبا عبد الله، يوم بيوم بدر:
وكان الصاحبي أنس بن مالك موجوداً في قصر ابن زياد، فراح يبكي لحال الحسين ويقول: كان أشبههم برسول الله(ص)
كما وحضر المجلس زيد بن أرقم صاحب رسول الله وهو شيخ كبير، فلما رآه يضرب ثناياه قال: إرفع سوطك عن هاتين الشفتين فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله-ما لا أحصيه كثرة- يقبلهما:
ثم انتحب زيد بن أرقم باكياً، فالتفت إليه ابن زياد وقال له: أبكى الله عينيك، أتبكي لفتح الله؟
لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، وعندما سمع زيد من ابن زياد هذا الكلام نهض قائلاً: أيها الناس.. أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة، والله ليقتلنّ خياركم، وليستعبدنّ شراركم، فبعداً لمن رضي بالذل والعار.
ثم قال لعبيد الله بن زياد:لأحدثنّك أغلظ عليك من هذا: رأيت رسول الله(ص) أقعد حسناً على فخذه اليمنى، وحسيناً على فخذه اليسرى، ثو وضع يده على يافوخيهما، ثم قال أللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين.
فكيف كانت وديعة رسول الله عندك يابن زياد؟
ومن كل ما ذُكر هنا أعلق على كلمة من كلام ابن زياد وهي وصف قتل الحسين بالفتح.
هكذا كان ينظر ابن زياد وأميره إلى جرائمهم في حق الإسلام والمسلمين، فلقد قتلوا وظلموا ونشروا الفساد في البلاد واستعبدوا الناس وشربوا الخمر وتعاطوا كل المنكرات باسم الدين والخلافة.
إن الذين يعتبرون قتل ابن بنت رسول الله فتحاً لا شك أنهم لا يعرفون من الحق شيئاً.
لقد فتحوا بهذا الفتح المزعوم أبواب جهنم على حكمهم، وقد كانت أفعالهم القبيحة سبباً في هلاكهم على مستوى الدنيا والآخرة، ولقد كانوا عبرة لمن يعتبر عبر الزمن.
الحِوَارُ بَيْنَ زَيْنَبَ(ع) وَابْنِ مَرْجَانَة
لم يكن حديث العقيلة زينب(ع) مع ابن زياد بأقل شدة مما كان عليه مع أهل الكوفة إذ أنها لا تهاب سوى الله تبارك وتعالى.
وقد كان لهذا الحوار الذي دار بينهما صدى كبير في الوسط الإسلامي حيث كان كلامها معه إثباتاً لأحقية الحسين ونفياً لخلافة يزيد بن معاوية، وأن ما جرى في كربلاء من قبل الأمويين لم يكن من أجل الإسلام وإنما كان على الإسلام، لأن الذي يمثل الإسلام حقاً وصدقاً إنما هو الحسين بن علي(ع) وليس يزيد كما يزعم هو وأعوانه.
لقد ظن بن زياد بأنه سوف يذل زينب في مجلسه، فكان هو الذليل بفضل حكمتها وجرأتها.
يذكر المؤرخون بأن ابن زياد حاول أن يستفز العقيلة زينب(ع) ببعض الأسئلة، ولكنها كانت أقوى منه وأجرأ وأعلم إذ لا نسبة بالوعي والفهم والحكمة بينهما، فمن الطبيعي أن يكون النصر في ذلك لإبنة أمير المؤمنين، وإليكم نص الحوار:
إبن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم.
زينب: إنما يُفتضح الفاسق، ويُكذّب الفاجر، وهو غيرنا يا عدو الله.
إبن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟
زينب: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج؟ ثكلتك أمك يومئذ يابن مرجانة.
فعندما سمع ابن زياد أجوبتها انتفض يريد ضربها أو قتلها، فقيل له: إن المرأة لا تؤاخذ بما تقول، ثم تابعا حوارهما:
إبن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.
زينب: لعمري لقد قتلت كلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت.
إبن زياد: هذه سجّاعة، ولعمري لقد كان أبوك شاعراً وسجاعاً.
زينب: يابن زياد، ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلاً، ولكن نفث صدري با قلت.
أيها القراء الأعزاء.. لو لم تتكلم السيدة الحوراء زينب ابنة علي(ع) بتلك الجرأة والشجاعة لاستطاع ابن زياد أن يسيطر على الموقف، ولكن حكمة زينب حالت بينه وبين ذلك.
وقد لاحظتم من خلال هذا الحوار كيف حاول ابن زياد بألاعيبه الكلامية وخدعه الشيطانية أن يصور للناس بأن هؤلاء السبايا هنّ من أهل بيت عصاة ومردة، ولكن بعون الله تعالى فقد انقلب السحر على الساحر، وفضح الله نوايا ابن زياد على يد العقيلة زينب(ع).
لقد أسست ابنة علي(ع) بكلامها قواعد عامة ثبتت في نفوس الناس، وهي تقضي بكذب يزيد وأعوانه وأحقية الحسين واصحابه حتى أصبح كلامها ميزاناً يفرقون به بين الخير والشر في كل زمان ومكان.
لقد فشل ابن زياد في ذلك الحوار مع أنه عندما بدأ الكلام فقد كان واثقاً من نفسه وظاناً بأنه الأقوى حيث لم يكن يعلم مستوى زينب(ع)، ولأجل ذلك أوقف الحوار كيلا تتضح الفضيحة أكثر واتهمها بالسجاعة فأفهمته وكل الحاضرين بأن الوضع التي هي عليه لا يسمح لها بالسجاعة، وإنما نبع الكلام من واقعها الأليم، ولأجل ذلك حوّل الحوار بينه وبين زين العابدين فكانت النتيجة عليه وخيمة لأنه رأى من كلام الإمام السجّاد(ع) ما لم يكن يتوقعه.
حِوَارُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَاد مَع الإِمَامَ عَلِي بْنِ الحُسَيْنِ(ع)
بعدما كُتب عليه الفشل في حواره مع زينب أراد أن يحاور زين العابدين(ع) كي يرجح الأمر لصالحه، ولكن ما كان، لم يكن بمستوى ما يهدف إليه لأن حواره مع الإمام السجاد(ع) قد زاد الطين بلة وزاده عاراً فوق العار الذي هو عليه.
إبن زياد: أليس قد قتل الله علياً؟
الإمام: كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس.
إبن زياد: بل قتله الله.
الإمام: ألله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها.
إبن زياد: أو لك جرأة على رد جوابي؟ ثم أمر ابن زياد بضرب عنق الإمام(ع).
وهنا لعبت السيدة زينب(ع) دوراً مهماً حيث حفظت الإمام السجاد من القتل، وعندما سمعت زينب أمر ابن زياد القاضي بقتل ابن أخيها زين العابدين فتعلقت به، فقالت يابن زياد حسبك ما أبديت من دمائنا إنك لم تبق منا أحداً، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني قبله، فقال زين العابدين لعمته زينب: أسكتي يا عمة حتى أكلمه، ثم أقبل(ع) على ابن زياد وقال له: أبالقتل تهددني يابن زياد؟ أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة.
ثم أمر ابن زياد بإخراج الإمام السجاد من داخل القصر.
وَيَنْتَهِي الإِحْتِفَالُ فِيْ الكُوْفَةِ
بعد أن جالوا بركب السبايا في شوارع الكوفة وأزقتها، وشفى اليزيديون صدورهم بالإنتقام من رسول الله وأهل بيته(ع) ودار ما دار بين الركب والمحتفلين بهذا الإنتصار، اختتم هذا الإحتفال بهزيمة بن زياد وأعوانه.
لقد شعر ابن زياد بحجم الخطر الذ يتهدد عرشه وحكمه إن أبقى زينب وابن أخيها في الكوفة ساعة أخرى لأنهما سوف يحدثان ثورة كبرى ضد الحكم الأموي الغاشم.
أمام تلك الظروف الخطيرة بعث ابن زياد برسالة إلى أميره يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين وأصحابه وما فعل بالسبايا، فأمره يزيد بإرسال السبايا إلى الشام ليتم بذلك مراسم الإحتفال بهذا الإنتصار الذي كان بوابة هزيمتهم وهم لا يشعرون.
مُغَادَرَةُ الكُوْفَةِ
بعد وقت صعبٍ قضاه السبايا في الكوفة أمر أميرها بإرسالهن والإمام زين العابدين إلى الشام ليحتفل يزيد بهزيمتهن وسبيهن، وكما مهّد ابن زياد طريق إذلال السبايا وحرّض الناس عليهنّ ليكون ذلك دعامة لجريمته التي ارتكبها في حق الحسين وأهل بيته وأصحابه، من باب المثل الشعبي الشهير(ضربني وبكى وسبقني واشتكى) فكذلك صنع المسؤول الأول عن تلك الجريمة البشعة يزيد بن معاوية الذي بثّ في الأوساط الشامية دعايات كاذبة تهدف إلى إسقاط الحسين في نظرهم ليكونوا عوناً ليزيد على متابعة طريقه ضد الحق.
لقد بثّ عيونه وجواسيسه لبث تلك الدعايات خوفاً من أن تنقلب الموازين لصالح أهل البيت عندما يرون حالة السبايا.
لقد زرع يزيد في نفوس الناس أفكاراً شيطانية تمس بكرامة أهل البيت وتنفّر القلوب منهم حيث اتهمهم بالظلم وليس كمثله ظالم، واتهمهم بالعصيان والتمرد، وإن الذي يتمرد على الباطل لا يكون متمرداً وإنما مجاهد في سبيل الله تعالى.
لقد تهيأ الناس في الشام للحذر من تلك العصبة التي وصفها يزيد بالمجرمة والمتمردة واستعدوا لرضخهم بالحجارة ومشاركة الخليفة يزيد بمعاقبتهم ليكونوا عبرة لغيرهم ممن يفكر يوماً في مواجهة الحكم المتمثل بيزيد.
ولكن الواقع الذي رآه أهل الشام كان مختلفاً تماماً مع ما صوره يزيد لهم حيث رأوا نساءاً ثكلى وأطفالاً قد أيتمتهم معركة كربلاء، فلم يروا في وجوههم أثراً من آثار الإجرام والعصيان والتمرد كما وصفهم يزيد.
لقد رأوا وجوهاً ملائكية، وسمعوا كلاماً نبوياً، وشاهدوا أخلاقاً رسالية عالية.
لقد شاهدوا أشخاصاً مظلومين، ولم يروا ظالمين كما قيل لهم، ولأجل ذلك انقلبت الموازين لصالح الإمام الحسين(ع).
الشيخ علي فقيه


