الفكر الكربلائي

مفهوم الإنتصار

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

مفهوم الإنتصار

 

منذ أن انتشر البشر على كوكب الأرض صُنِّف الجميع أمماً وجماعات وقبائل فائتلف بعضهم مع بعض واختلف بعضهم مع البعض الآخر بفعل أسباب كثيرة لا يُحصى لها عدد.

وبسبب أطماع البعض وظلم آخرين وعشقهم للسيطرة والتسلط والتفرد بالقرار، وبسبب رفض بعض الناس للمذلة والعبودية والظلم العسكري والأمني والسياسي والإقتصادي والحقوقي وغير ذلك نشأت بينهم الحروب والمعارك ونتج من خلال بعض الظروف ثورات قام بها أفرادٌ وجماعات، وربما قامت بها دولة كبرى أو أمه بكاملها.

ولم يستطع المؤرخون جمع أخبار الحروب التي حدثت منذ عهد آدم وإلى زمن ليس ببعيد وذلك بسبب كثرتها وتنوعها واختلاف أسبابها وأزمانها وأماكن نشوبها، فبعضها كانت أسبابها غامضة دُفنت مع الذين دُفنوا بسببها، وبعضها كانت أسبابها واضحة وأهدافها جلية ليس فيها ما يُعاب به الثائر أو ما يلام به الثوار، وبعضها الآخر وُضع في خانة ما بين الأمرين وذلك لظهور بعض الأسباب وغموض بعضها الآخر.

هذا إذا قصدنا بالمعركة ما تعارف الناس عليه من كونها تتكون من جيشين أو فريقين أو فئتين كبيرتين من الناس تبدأ بالهجوم العشوائي أو المنظم عن طريق تصنيف الكتائب، وتكليف كل كتيبة بمهمة خاصة، أو عن طريق المبارزة كما كان يحصل في الكثير من المعارك التي كان يُكتفى فيها بما ينتج عن المبارزة الأولية بين أشخاص يختارهم القائد لها، أو ربما كانت تتطور الأمور بعد المبارزة لتتحول إلى عراك بين كل المقاتلين.

أما إذا قصدنا بلفظ الحرب أو المعركة تلك الخلافات والمشاكل والعراكات الفردية التي كانت وما زالت تحصل بين الناس فإن أعدادها لا تحتملها الأدمغة، بل لا يعلم أعدادها وأنواعها وأسبابها إلا الله تعالى، ولذا ينبغي التصالح على كون المقصود بالمعركة تلك التي تتبادر إلى أذهاننا عند سماع اللفظ فإن ذلك يساعدنا كثيراً على فهم المراد لأن التبادر علامة على الحقيقة.

إذاً.. كان بين الفترة والفترة أو في نفس الوقت تحصل عدة معارك في أماكن مختلفة من الأرض، منها ما كان موضع اهتمام فئة من الناس على اعتبار أن الأمر يعنيهم مباشرة، أو كانت تعني الغالبية منهم وذلك بسبب مستوى أهدافها وأسبابها كما كان الحال في معركة كربلاء المجيدة.

وقبل أن نغوص في عمق البحث تحسن الإشارة إلى مقدمة أخرى لها علاقة مباشرة بالبحث المراد، وهي أن كل معركة تنتهي كانت تنتهي بنتيجة واضحة واحدة، وهي انتصار فئة على فئة، بغض النظر عن كون المنتصرة تشكّل العدد الأكبر أو العكس، فلا تنتهي معركة بانتصار الفئتين أو هزيمة الفئتين، وذلك بغض النظر عن النظر إلى حجم الخسائر أو الغنائم لأن حجم الخسائر لا يدل على الهزيمة أو الإنتصار، فكم من معركة انتصرت فيها فئة تكبدت خسائر بشرية وغير بشرية أكثر من الفئة المهزومة، وكم من فئة انهزمت من دون أن تتكبد الخسائر الكبرى كما لو استسلمت للفئة الأخرى، ونادرٌ جداً في المعارك نتيجة التعادل، ونعني بالتعادل هنا تراجع الفئتين وانسحابهم من أرض المعركة، فإذا حصل ذلك في الحرب لم تكن الحرب حينئذ من النوع المألوف.

وهذا يعني أنه لا يمكن الحكم على النصر أو الهزيمة من خلال الخسائر لأن المعيار يكمن خلف تحقيق الأهداف، فهناك أهداف لا يمكن أن تتحقق إلا بفناء الفئة المنتصرة، وهذا يحصل بدراسة مسبَقة من القائد وأعوانه، كما حصل للحسين وجيشه عندما قاموا بدراسة واسعة فأدركوا أن النصر من خلال معركتهم لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تكبُّد خسارة كبرى قد لا تُبقي منهم أحداً على الإطلاق، وهذا ما أدركوه بعد دراسة الموقف، وهذا ما أقدموا عليه بعد أن أجمعوا كلمتهم عليه، ولا يمكن لأحد من الناس مهما تحاذق وتذاكى ولعِب على الأوتار الحساسة أن يدعي الهزيمة في صف الجيش الحسيني، لأنه لا شك سوف يتذرّع بأكذوبة النتائج العسكرية التي لم تكن يوماً مقياساً صحيحاً للنصر أو الهزيمة.

فالحسين(ع) لم يقل شيئاً إلا وفعله وحققه، فلقد قال للأمة: أريد أن آمر بالمعروف: فأمر بالمعروف، ووعدهم النهي عن المنكر فكان ذلك، وأخبرهم بأنه سوف يصلح ما فسد من أمور الدين، وقد أصلح ما فسد من أموره، وما هذه النماذج سوى صور عن الإنتصار العظيم الذي حققه(ع) من خلال تلك الثورة التي حوربت بشتى أنواع أساليب القتال المادي والمعنوي، وما زالت تحارَب حتى أيامنا هذه، وإن نفس تلك الحملات الهمجية التي تُشن ضد ثورة كربلاء لأكبر دليل على كونها عظيمة ومؤثِّرة، فلو لم تكن ثورة كربلاء بهذا المستوى من التأثير لما اعتنى بها هؤلاء، ولما جعلوها على جدول أعمالهم اليومية، ويذكّرنا هذا السلوك الحاقد والتعاطي المنحط مع تلك الثورة بتعاطي الوثنيين مع رسول الله(ص) عندما أدركوا مدى الخطر الذي بات يتهددهم بسبب الرسالة التي حملها الرسول وبلغها للناس، وهذا يعني أن التاريخ يعيد نفسه، وأن أسلوب الحسين هو نفس أسلوب جده، وأن الرسالة التي حملها الحسين واستشهد من أجلها هي نفسها التي حملها جده من قبل وقاتل من أجلها.

ولذا نحن عندما نسمع الشتائم التي تُوجّه إلى ثورة كربلاء أو صاحبها، وعندما نسمع تلك الأكاذيب المختلقة والأضاليل المفتعلة التي بات هدفها معلوماً فإننا لا نستغرب الأمر ولا نتراجع ولا يقلل ذلك من مسيرة التقدم والإستمرار حيث تعود أهل الحق على هذا النمط من الحروب الباردة أو الساخنة منذ قديم الزمان، ولأن القافلة تسير وليفهم العاقل.

فلو أننا أتينا بأي نموذج من نماذج الصراع بين الحق والباطل من عهد آدم(ع) وإلى عهدنا هذا لوجدنا أن هناك نقاط تلاقٍ بين الماضين والحاضرين والذين لم يأتوا بعد، ومن الطرفين من أهل الحق وأهل الباطل، فأسلوب قابيل السيء مع أخيه هابيل مشابه لأسلوب المعاندين لنوح، والطريقة التي استعملها نوح في رد الظلم وبيان الحق مشابهة لطريقة هابيل التي استعملها لرد كيد أخيه وبيان فسادها، وكذا شابه أسلوب نوح مع قومه أسلوب من أتى بعده من الأنبياء، كما شابه أسلوب قوم نوح أساليب كل الأمم الضالة التي واجهت الرسالات السماوية، وهنا لا بد لنا من وقفة طويلة على هذه النماذج خصوصاً التي ذكرها القرآن الكريم لنخلص بنتيجة واضحة من باب التشبيه أن الحسين كان على حق لأن سيرته كانت هي ذاتها سيرة أهل الحق عبر التاريخ.

وهذا ما سوف نفرد له محاضرة مستقلة لأن بيان هذه النماذج يزيدنا تمسكاً بالحق رغم كونا أشد الناس تمسكاً به، وقد أرجأت ذكر هذه النماذج إلى محاضرة أخرى كيلا أخرج عن صلب البحث المطروح في هذه المحاضرة.

نعود إلى مفهوم النصر والإنتصار المتعلق بالوضع العام والوضع الخاص، وأعني بالوضع الخاص ذلك الإنتصار المميز الذي حصل على أرض الطف من خلال الثورة الحسينية، وينبغي علينا دائماً عندما نذكر انتصار الحسين في كربلاء أن نصفه بالمميز لأنه كذلك بالفعل، ولن أكتفي بالقول أنه مميز فقط، وإنما ينبغي أن أشير إلى تلك الأسباب والعوامل التي ميزت انتصار الحسين عن باقي الإنتصارات الأخرى، وهنا يتحتم علينا إفراد بحث مستقل لبيان هذه الأسباب.

المهم هو أن ننظر إلى واقعة الطف بعين البصيرة والتعقل، وأن لا تقتصر النظرة على جثث مقطعة وأشلاء متناثرة هنا وهناك فإن حصر النظر في تلك الصور يحول بيننا وبين معرفة الحقيقة وإدراك المطلوب، والمطلوب هو أن نعي تماماً بأن النصر الذي صنعته واقعة الطف للجانب الإسلامي كان ولا يزال مصدر شرف وعزة وكرامة لهذه الأمة، وإن أنكر كثير من أهلها هذا الفضل لتلك الثورة المجيدة التي لا تحتاج إلى إطراء أو ثناء أو دفاع عنها من أحد لأن أمرها ساطع كالشمس في وسط السماء لا يحجب ضوءها عن الأرض غشاء أو ضباب.

وينبغي على الأمة كلها من جميع الفئات والطوائف أن تتغنى بهذا النصر الذي يصح وصفه بالمعجزة وإن لم يكن للإعجاز دور بارز فيه لأن ما صنعه الحسين(ع) من خلال ثورته كان خارجاً عن المألوف لدى الأذهان والعادات والتقاليد.

وهنا نقول للحزين أضف إلى حزنك فرحاً كبيراً فإنه وإن كان ما جرى على الحسين ومن معه في كربلاء موجعاً ومحزناً إلا أن ما صدر عن ذلك كان مصدر خير للجميع، وهنا فإننا نمتاز عن غيرنا في هذا المجال بأن حزننا على الحسين لا يشبه باقي الأحزان لأنه حزن مشحون بفرحة الإنتصار ونشوة العزة والكرامة.

فالعاقل لا يحزن على الحسين كحزنه على من فقد من أحبابه، بل العاقل هو الذي يجعل لحزنه على الحسين معنى يخرج عن نطاق الحزن، وهو أن يجعل من حزنه معنى رفض الظلم بجميع ألوانه وطبقاته وأشكاله.

فالحزن العادي المجرد عن المعنى الجوهري الخاص بحزننا على الحسين قد يتحول في وقت من الأوقات إلى حجر عثرة بيننا وبين من نريد إقناعه في حقيقة ما قام به الحسين الذي لم يقم بما قام من أجل أن نحزن عليه وعلى أولاده، وإنما قام بما قام من أجل أن نفهم الحقيقة ونتعلم كيف ينبغي أن نقف وقفة جريئة وشجاعة عندما تقتضي المصلحة ذلك، وأراد منا أن نفهم معنى الحياة العزيزة وكيف ينبغي أن نتعامل مع الحكام الظلمة الذين يسرقون خيرات الأمة ويذهبون بها إلى شفير الهاوية، ويريد أن يعلمنا كيف نتحرك ومتى نتحرك ولماذا نتحرك لكي تكون الفائدة أكبر من كل خسارة، فلقد خسر الحسين جسده وأجساد أولاده وأصحابه ولكنه ربح روحه وأرواحهم وروح الإسلام التي كانت مهددة بالخطر قبل ثورته المباركة، فلو لم يكن ما قام به في كربلاء أغلى من روحه وأرواح أولاده والمؤمنين الذين استشهدوا معه لما أقدم على ذلك من الأساس، ولا يوجد في نظر الحسين ما هو أغلى من روحه سوى رسالة الله التي جاء بها جده من اجل العالمين والتي كانت نهددة بالإنقراض على أيدي الذين اتخذوا من الإسلام وسيلة للوصول إلى العروش الوهمية التي قامت على الكفر والخبث وكل صفة رذيلة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى