
عبيد الدنيا
إن المؤمن العاقل الغيور على دينه والمتمسك بنهج النبي وآله(ص) يتمنى لو أن جميع الناس قد فهموا الحقيقة ودرسوا واقع أهل البيت عبر التأمل في كلامهم ومراقبة مواقفهم في جميع الظروف والحالات حيث صدر عنهم في تلك الظروف المختلفة ما ينفع البشرية ويضمن لها العيش العزيز والسعادة المرجوة على مستوى الدنيا والآخرة.
ففي كربلاء وقبل كربلاء صدرت من الإمام الحسين(ع) كلمات نورانية عظيمة فيها من المعاني ما هو أبعد من التصور وأوسع من الإدراك، ولم تخف تلك الأبعاد على أحد، فصحيح أنها غير ظاهرة للعَيان ولكن التفكر بها يوصل إليها.
ومن جملة تلك الكلمات الكريمة التي جرت على لسان أبي عبد الله الحسين(ع) قوله الشهير:الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون:
كثيراً ما نعطي الإهتمام لسيرة الإمام الحسين وتفاصيل الثورة المجيدة التي قام بها الإمام على أرض الطف، ولكننا قلّ ما نقف على معاني كلماته العظيمة وأبعاد خطبه الراقية التي فيها ما فيها من التعاليم والإرشادات والمعاني الدينية والإجتماعية والإنسانية فضلاً عن المعاني السياسية والعسكرية الهامة التي تشتمل على دروس من الدرجة الأولى.
وهذه الكلمة الإمامية الحسينية الإلهية هي من الكلمات القصار التي وردت على لسان مولانا أبي عبد الله الحسين والتي تحمل الكثير من المعاني والأبعاد رغم قلة ألفاظها.
ولكي نفهم المراد العميق من وراء هذه الكلمة كان لا بد لنا أن نتأمل فيها ونضعها على طاولة البحث والتشريح، وهنا يمكن لنا أن نستخرج منها ثلاثة معان أو ثلاثة مفاهيم تكشف لنا عن الحقيقة التي كان الناس عليها وما زالوا.
المفهوم الأول: مفهوم العبودية للدنيا أو بمعنى آخر مفهوم استعباد الدنيا لأهلها أو استسلام بعض الناس لأهواء الدنيا وشهواتها.
وهنا نسأل أنفسنا جملة من الأسئلة فنقول: ما هي الدنيا، وما المراد بأنها تستعبد الناس مع أنها لا تتكلم ولا تتحرك ولا تفكر ولا يوجد فيها خصوصية واحدة من خصوصيات الممتَحَنين فيها، وكيف يمكن لعبدٍ من عبيد الله أن يتحول إلى عبد من عبيد الدنيا؟
هذه أسئلة مطروحة وهي محل ابتلاء كثير من الناس، ولذا ينبغي أن نجيب عليها لنصل إلى المراد.
الدنيا هي هذه الحياة التي فيها أنواع كثيرة من الحقائق والأوهام والأعمال والمعتقدات والسلوكيات والمشاعر والزخارف والمغرِيات والشهوات، وفيها الخير والشر والحق والباطل والظالم والمظلوم والعالم والجاهل والمِهن والحِرف والصناعات والشجر والنبات والبحار والأنهار والحيوانات والشمس والقمر والأرض والفضاء وغير ذلك مما يحتاج بيانه إلى الكثير من الصفحات والكلمات والتعابير المختلفة.
والإنسان فيها مخيّر بين الحق والباطل فله القدرة على اختيار أي طريق منهما فإذا اختار الحق نال السعادة وإذا آثر الباطل وعمل به كان من الأشقياء.
فإذا اختار الباطل كان أسيراً لها وعبداً من عبادها وهو الذي قرر ذلك وحدد مصيره فيها فهي لا تتكلم ولا تتحرك بل إن كل ما فيها مسخّر للمخلوقات الحية وفي مقدَّمِها الإنسان سيد الحياة والعقل المدبر لها فهو يبنيها أو يهدمها ويطوّرها أو يبقيها على حالها، فالدنيا ليست بحراً أو نهراً أو شجرة أو أرضاً بل هي هيكل يتكوّن من كل ما فيها، فيها أمتعة كثيرة منها الحرام وأكثرها الحلال فإذا استهوت النفس صاحبها أرشدته لأخذ الحرام من الدنيا وإذا كان عاقلاً ذا نفس زكية أخذ الحلال منها وليس كل الحلال لعلمه بأن في حلالها حساباً وفي حرامها عقاباً.
فالعبودية للدنيا هي الإستسلان لشهواتها المطلقة من دون رقابة أو حذر أو انتباه فإذا أصبح هم الإنسان إشباع شهواته مهما كانت الوسيلة فقد أصبح عبداً للدنيا، وقول الحسين(ع) الناس عبيد الدنيا فهو لا يعني الجميع بل الأغلبية الساحقة لأن أكثر الناس من الماضين والحاضرين كانوا عبيداً لها ولذا فقد عبّر القرآن عن كون أهل الشر أكثر في العديد من آياته مثلَ قوله تعالى(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) وقوله(بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)
فالناس عبيد الدنيا ما لم يتقوا الله ويحذروا عقابه ويتخلوا عن ضلالهم وانحرافهم وانخراطهم في الحرام بحيث أصبحوا جزءاً منه لكثرة فعلهم له.
وفي زمن الإمام الحسين(ع) كان الأغلبية الساحقة من الناس عبيداً للدنيا حيث اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق وباعوا أديانهم بدنيا غيرهم أو بمبالغ زهيدة من المال لا تكفي لأن تكون قوت شهر للشخص وعياله، وبمعنى آخر لقد باع آخرته بقليل من الطعام الذي كان باستطاعته الحصول عليه بمئات الطرق المشروعة.
وأبرز شاهد على ما نقول هم الذين التفّوا حول مسلم ابن عقيل وكانوا آلافاً ولكن بعد أن وصلتهم إشارة تهديد من ابن زياد تركوا ابن عقيل وحيداً وسلّموه للموت مع أنهم كانوا قادرين(نظراً لعددهم الهائل ودورهم الفعال في تلك الفترة) أن يغيروا المعادلة على الأرض من أساسها، فلو أنهم وقفوا موقفاً واحداً لما تجرأ يزيد على ارتكاب تلك الجريمة، ولكنهم تفككوا بدل أن يتحدوا ولم يكونوا صفاً واحداً كما أمرهم ربهم فذهبت قوتهم هباءاً فلم يغنِ عنهم جمعهم شيئاً فهم كثيرٌ ولكنّ قلوبهم شتى.
والشاهد الآخر على ما نقول هو الحشود الهائلة التي تمترست في أرض الطف لقتل الحق وأهله مقابل أوهام وعدهم بها يزيد وأعوانه في الأمصار، والحكمة الإلهية أن أغلب أنصار يزيد قد خسروا كل شيء فلم يربحوا من الدنيا شيئاً ولم ينالوا من الآخرة حظاً وبذلك خسروا الدنيا والآخرة لأنهم وضعوا أيديهم في يد الشيطان الذي مثّله يزيد في تلك الآونة، فجَمْعُ ثلاثين ألفاً لقتال سبعين شخصاً لأكبر دليل على أن الناس عبيد الدنيا.
المفهوم الثاني: من المفاهيم التي استخرجناها من هذه الكلمة الحسينية المختصرة هو موضوع التجارة بالدين واتخاذه سِتاراً للعيوب وهذا السلوك لم يبدأ في عهد الحسين وإن بلغ القمة في تلك المرحلة، ولم ينته بعد استشهاد الحسين(ع) فإنه ما زال ممتداً حتى هذه الأيام وقد تضاعفت هذه الظاهرة السيئة إلى حد لم يعد الأمر فيه محتَملاً، وهذا معنى قوله(ع) يحيطونه ما درت به معايشهم، ففي زمن الرسول(ص) التف حوله العديد ممن يُطلق عليهم إسم الصحابة غير أن الأحداث أثبتت أنهم لم يُعلنوا الإسلام إلا لأنهم وجدوا المصلحة الشخصية فيه ولو أنهم وجدوا المصلحة في بقائهم على إعلان الكفر لبقوا كذلك.
وفي زمن أمير المؤمنين علي(ع) كان الظروف مشابهة لعهد خاتم الأنبياء لأن الذين تستروا بالدين وتاجروا به في عهد الرسول كان لهم خلَفٌ أمثالُهم، وكذا الحال في زمن الحسن المجتبى(ع) وكذا في عهد الحسين ولكن هذه الظاهرة في عهد الحسين قد أخذت منحى آخر حيث ادعى يزيد أنه خليفة رسول الله وهو أول عدو لله ورسوله، وقد كان الدين لعقٌ على لسان يزيد وألسنة أعوانه فلم يتستروا بالدين فقط وإنما راحوا يغيرون أحكامه بما يتناسب مع أوضاعهم فجعلوا الشيطان بمستوى الرحمن وكانوا أهم أدوات الشيطان الرجيم في تلك الفترة.
ولشدة انتشار هذه الظاهرة في أيامنا أصبح الحكم على المؤمنين سلبياً حتى تثبت براءتهم لأن أغلب الكذابين والتجار بالدين هم الذين يتمظرون بمظهر الإيمان وقلوبهم سوداء خالية من الخشية لله والحب له ولرسوله.
والمفهوم الثالث: من المفاهيم المستفادة من كلام الحسين(ع) حول وصف الناس بعبيد الدنيا هو مفهوم البلاء الذي يواجهه الناس بطرق مختلفة فمنهم من يواجهه بالصبر لأن الصبر هو الدواء الفعال لمكافحة البلاء مهما كان كبيراً أو مديداً ولأن المؤمن يدرك بأن البلاء امتحان من الله لعبيده فمن صبر عليه كشفه الله عنه ورحِمه، ومن فقد صوابه كان من ضعفاء الإيمان الذين يتجاذبهم الشيطان الرجيم حتى يقضي عليهم، فكثير من أهل البلاء كفروا واستنكروا واعترضوا على الله مع أن في البلاء تكفيراً للذنوب ورِفعة في الدرجة، فلقد صبر الأنبياء على محنٍ لم نواجه مثلها نحن البشر العاديين، فصبروا عليها لنتعلم منهم كيفية الخلاص من تلك المحن التي يستغل الشيطان آثار وقعها على قلب الإنسان حيث تهيء له أرضية ملائمة للسيطرة على ابن آدم بشكل يسير.
وقد ابتلى الله عباده بيزيد ابن معاوية فقلّ الديانون آنذاك وقد خسروا بذلك خسراناً مبيناً لأنهم لم يواجهوا البلاء بالصبر والحكمة والإيمان.
الشيخ علي فقيه



