بَلاغَةُ الْسيدَةِ فَاْطِمَةَ الْزهْرَاء (عَلَيْهَا الْسلامُ)
أسرار الخُطبَة الفَدَكيَة

بَلاغَةُ الْسيدَةِ فَاْطِمَةَ الْزهْرَاء (عَلَيْهَا الْسلامُ)
كان بين الحين والآخَر يظهر في عصر من العصور أشخاص يغمرون الحياة بالفضل والنفع والخير، وكانوا يمرُّون في التاريخ البشري مَرَّ الكرام، لا يشبع الناس من أُنْسهم، ولا يمَلُّون من ذِكرهم، لأن ذكرهم يذكّرهم بكل جميل.
ولم تكن هذه النماذج كثيرة، وإنما كانت نادرة الوجود، حيث كانوا بالنسبة للبشر كمَنامٍ سريع يرونه في ليلهم، وسرعان ما يستيقظون فيتحسرون على انتهائه وانقضائه، فيتمنون لو أنهم يرونه أو يرون مثله ثانية أو أنهم لم يستيقظوا من رقدتهم تلك.
ومن أعظم تلك النماذج التي كانت سريعة المرور وكثيرة المنفعة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) حيث ندر وجودها منذ عهد آدم وإلى يومنا هذا، إذ لم تشهد الأرض بعدها امرأة تضاهيها بالعلم والحِلم والحكمة والتقوى والعَظَمة.
وليس من السهل أن يظهر بيننا شخص يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه كفاطمة الزهراء(ع)، فمَن استغل وجودها وأرضاها ربح الدنيا والآخرة، ومن آذاها فقد كتب على نفسه الخلود في العذاب لأنه خسر بإغضابها دنياه قبل آخرته، ولا ينفع الندم بعد ارتكاب الجرائم التي لا تُغتفر، فأي جريمة أعظم من هتك حرمة الزهراء وغَصْب حقها وإدخال الحزن إلى قلبها وإشعارها بالظلم الذي حلّ بها بعد وفاة أبيها الأعظم الذي أوصى العالَم بها وأمر الناس بحبها لأن حبها يعني طاعة الرحمن فلم يُسمَع لقول الرسول، ولم تُحفظ فيهم البتول حتى التحقت بالرفيق الأعلى غاضبة عليهم مُعرِبة بوجهها عنهم، والملتقى في يوم الحساب يوم تتغيظ نار جهنم لحزن فاطمة وتضطرب الملائكة للأذى الذي نزل بها فعندها يُحكم على الظالمين بالنار وينالون غضب الجبار الذي آلى على نفسه أن يرحم محبيها والسالكين في طريقها، ويعذب ظالميها مهما كان حجم ونوع ظلمهم لها.
فلم يعهد عصر الفصاحة ولم تشهد ساحة البلاغة ولم يَرَ أرباب المعاني والبيان، بل ولم يسمعوا عن امرأة أعظم منطقاً وأدقَّ صواباً وأحسن وأعذب كلاماً وبياناً من كلام ومنطق سيدة النساء فاطمة بنت محمد عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ألف تحية وسلام.
الشيخ علي فقيه


