
رُوْحُ أَهْلِ العِصْمَةِ وَاحِدَةٌ
عندما نتحدث عن واحد من المعصومين(ع) فكأنما نتحدث عن الجميع، لأن شأنهم واحد وديدنهم واحد وكيفية تعاطيهم مع الله والخلق واحد، وسبب هذا التوحد في السلوك والصفات هو أن المصدر الذي يأخذون عنه، والطريقة التي يتعلمون بها هي واحدة، فلقد أخذوا علمهم عن رسول الله عن جبرائيل عن الله تبارك وتعالى، ولقد أحسن من قال: ووال أناساً قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرائيل عن الباري: وهذا يعني أنهم يشكلون في هذه الحياة النهج القويم والصراط المستقيم، وهذا ما صرّح به رسول الله(ص) عندما قال:مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى: ومن هنا نعلم بأن هناك قاسماً مشتركاً بين الجميع وهو وحدة توجهاتهم نحو الهدف الأسمى وهو الحفاظ على دين الله عز وجل.
الهَم الذِي شَغَلَ بَالَ الرسُوْلِ(ص)
لقد كان كل هم الرسول الأكرم(ص) أن يصل الدين إلى جميع المناطق في العالم، وكانت وظيفته مركّبة من أمرين: الأول: إيصال الدين إلى الجميع، والثاني: الحفاظ عليه بعد نشره، وقد دفع حياته كلها في سبيل ذلك.
أَهَم مَسْؤُولِياتِ الوَصِي عَلِيٍ(ع)
وكذا كان هم الإمام علي(ع) وهو حفظ الإسلام من دخول الأغيار عليه، فلقد أمّنه من كل خطر عسكري وفكري وعقائدي لإيمانه بأن هذا الوجود لا قيمة له من دون عقيدة في قلوب الناس، فقد بذل كل طاقاته وإمكانياته في سبيل بقاء الدين واستمراره، فكل المعارك التي خاضها وكل التعاليم التي أوصلها إلى أذهان الناس كان الهدف منها حفظ الإسلام من الأخطار، وقد نجح الإمام في ذلك بسبب إرادته العالية وإخلاصه لله ورسوله، بينما كان غيره يهدفون إلى أمور لا علاقة لها بالدين، فقد كانوا يسعون لكسب المال والجاه والحصول على الحكم نابذين خلفهم مسؤولياتهم تجاه الدين، فلم يكن همهم دين الله، وإنما كان همهم أنفسهم، وذلك على خلاف ما كان عليه علي(ع) الذي دفع روحه ثمناً لبقاء الدين الحنيف الذي كان يعتبره أغلى من روحه ووجوده.
وقد أقر أهل الحق وأصحاب الضمائر الحرة بهذا الجهد الكبير والفضل العظيم لأمير المؤمنين علي(ع) موقنين بأنه لولا جهوده وجهاده وسهر عينه لما بقي للإسلام أي أثر في هذه الحياة.
وكذلك الإمام الثاني من أئمة الهدى الحسن الزكي المجتبى سبط الرسول المصطفى، فقد حفظ الإسلام والمسلمين بحكمته ووعيه وصبره على أذى الأمويين له ولأخيه وللمؤمنين، فقد أجرى مع معاوية صلحاً فيه الضمانة لهذا الدين، فإنه لولا صلحه المعروف لزال الإسلام من الوجود على يد معاوية ومن تبعه من الناس، ونحن نعتقد تماماً بأن معاوية لا يمثل الإسلام، بل هو يمثل مجموعة من الناس كان لهم المصلحة في اتباعه والسير خلفه.
وكذلك الإمام الثالث أبو عبد الله الحسين الشهيد حبيب جده وروحه وريحانته الذي بذل الدم الغالي من نفسه وأولاده وأصحابه في سبيل الدفاع عن الدين مصرحاً بهذا الهدف قبل وصوله إلى كربلاء بمدة طويلة حيث قال: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر: وكان العاشر من شهر محرم عام واحد وستين للهجرة أبرز حدث وأكبر أثر للحفاظ على الدين.
وهكذا كان الأمر لدى الزهراء البتول التي عملت جاهدة على إصلاح ما أفسدته أيدي الغدر والجور والخيانة أصحاب المطامع والمصالح الخاصة الذين حرّفوا كتاب الله ونبذوه خلف ظهورهم وبدّلوا معانيه الأساسية ووضعوا معان تنسجم مع أهوائهم ومصالحهم، وفرضوا على الناس أن يأخذوا بآرائهم ويسيروا على نهجهم رغم وضوح بطلانه، كل ذلك بهدف الوصول إلى الغايات الدنيئة التي خططوا لها من عهد رسول الله(ص) ولكنهم لم يستطيعوا أن يحركوا ساكناً في حياته، فأرجؤوا الأمر إلى ما بعد وفاته، لأنهم لو واجهوا الرسول لمَا أيدهم أحد، فرأوا أن يصبروا إلى أن يموت محمد فتخلو الساحة حينئذٍ أمامهم، فهؤلاء لم يؤمنوا برسول الله إلا من أجل غاياتهم الخبيثة، حيث لمسوا المنفعة في إعلان الإسلام، وهم في الحقيقة أعداؤه الألداء الذين يريدون تدميره بطريقة خفية حاقدة، وإذا صادف أنهم حافظوا على الدين مرة فلأجل أنفسهم، لأنه ليس من مصلحتهم أن يزول الشيء الذي يعلقون عليه آمالاً كبرى، فلو لم يكن لهم في انتسابهم إلى الإسلام مصلحة لما أعلنوا الإسلام من الأساس، والدليل على ما نقول هو أنهم لم يأتوا إلى الإسلام إلا بعد أن رأوا تهافت الناس عليه، فلم يكونوا سباقين إليه، وإنما انتظروا النتيجة، فرأوا أنهم إذا لم يدخلوا فيه فسوف ينبذهم الناس، فعند ذلك أعلنوا الإسلام ظاهراً، وقلوبهم مليئة بالعداء للرسول والرسالة ولجميع المؤمنين بالله ورسوله وبالأخص أهل البيت(ع).
وأكبر شاهد على كونهم أعداءاً لرسول الله والدين هو أنهم عند وفاة الرسول تركوه مسجى في أحضان علي وراحوا يتفقون على تقسيم التركة في السقيفة المشؤومة التي كانت مصدر البلاء الأكبر للإسلام.
ويدلنا على كرههم لله ورسوله ما فعلوه بسيدة نساء العالمين، وكلهم يعلمون بأن النبي كان يقدسها ويأمر الناس باتباع نهجها.
الشيخ علي فقيه


