
أَهَم ما وَرَد فِي خُطْبَةِ الزهْرَاءِ(ع)
في هذا البحث سوف نقف على نقاط تتكفل ببيان الحقيقة التي عملت الزهراء في خطبتها على بيانها، ولا بد لنا دائماً من التذكير بالحق، لأن هناك جهات عديدة تعمل على طمس الحقائق وفرض التعتيم على المسائل التي لا تنسجم مع أهوائهم ولا تنزل عند رغباتهم.
النقطة الأولى: وهي أن أحكام القرآن الكريم والسنّة المطهرة من واجبات ومحرمات تشمل رسول الله والأئمة المعصومين(ص) فَهُم يلتزمون بها كغيرهم من الناس، بل إن التزامهم بها أولى من التزام الناس، لأنهم القدوة للبشر، والمعصومون الذين لا يتركون واجباً ولا يرتكبون محرماً، ولا أحد من الرواة والمحدثين والمؤرخين ينكر بأن رسول الله(ص) كان ملتزماً بأوامر الله تعالى ونواهيه مع وجود خصوصيات خص الله بها نبيه من قبيل جواز التزويج بأكثر من أربع نساء لحكمة من الله تعالى.
مثلاً: عندما يقول الله تعالى(يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فهذا حكم شرعي من الله تعالى، وعلى الجميع أن يلتزموا بمضمونه، سواء كانوا معصومين أو غير معصومين، وهذا الحق الإلهي للولد ينطبق على سيدة نساء العالمين(ع)، وعلى القول بأن البنت ترث النصف فقط، فقد كان لها حق في نصف فدك على الأقل، ولكنهم أرادوا أن يحرموها كلياً من هذا الإرث، وهي عندما خرجت تطالب بحقها ليس من أجل فدك وثمنها، بل من أجل الحفاظ على أحكام الله تعالى، لأنها لو سكتت عن هذا الحق في هذه المرة فسوف يتجرأ القوم على أحكامٍ أخرى في المرة المقبلة، وبهذه الطريقة يزول الدين من الوجود، فلم يكن هم الزهراء فدكاً كما حاول البعض أن يصور الأمر للناس ويقول بأن طمع الزهراء بفدك هو الذي جرها إلى ما حدث لها، وإنما كان همها عدم تحريف الحكم الإلهي.
النقطة الثانية: وهي أن النبي(ص) هل يملك كغيره من الناس أو أنه لا يملك: نحن وغيرنا من المسلمين نعتقد تماماً بأن رسول الله(ص) كان يملك الأشياء كغيره من الناس، فلقد كان يملك داراً ودابة وأمتعة وطعاماً، وإلا إذا قلنا بأنه لا يملك فكيف كان يأكل طعاماً لا يملكه؟ وكيف كان يركب دابة ليست من حقه؟ فإذا قلنا بأنه لا يملك كان ذلك خروجاً واضحاً عن النصوص المعتبرة، وهذا يعني حرمانه من حقوقه المدنية والشرعية، ولا أحد يقر بهذا الأمر، وإذا قلنا بأنه يملك الأشياء(وهو الصحيح) فهذا يعني أنه إذا مات وله تركة فيجب أن توزع تركته على أولاده كما نص القرآن الكريم، ولم يكن لرسول الله من الأولاد سوى فاطمة(ع) فهي تملك تركة أبيها كلها بالأصل والرد.
النقطة الثالثة: لقد قلنا ونكرر بأن أحكام الله عز وجل شاملة لجميع المكلفين من دون استثناء، فلا يخرج من دائرة التكليف أحد حسب الأنظمة الشرعية التي سنتها الشريعة، فلا يخرج عن دائرة التكليف سوى فاقد القدرة والمجنون وغيرهم ممن شملهم حديث الرفع: رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطأ والنسيان وما لا يعلمون ما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان:
إذاً.. لا يخرج أحد عن دائرة التكليف إلا إذا استثناه القرآن الكريم أو السنة الشريفة، ففي موضوع الإرث إذا راجعنا الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تحدثت عن الإرث لوجدناها وردت مطلقة لم تستثن من الناس أحداً، ولو كان النبي(ص) وابنته الزهراء(ع) مستثنيين من هذا الحكم لذكره القرآن أو لذكره الرسول على الأقل، ولماّ لم يرد استثناء فيهما ولم يأتي نص يخرجهما عن هذه القاعدة كان الحكم شاملاً لهما أيضاً، فما هو الدليل الذي اعتمد عليه الذين حرموا الزهراء من حقها في حرمانها من الإرث؟ نقول: لا يوجد نص يخرجهما عن القاعدة سوى افتراء القوم عليهما.
وقد أشارت الزهراء(ع) إلى هذه النقطة بالذات عندما توجهت إلى أبي بكر قائلة له: أفي كتابٍ أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئاً فرياً، ثم قالت أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي:
لا يوجد قرآنان، ولم يخص الله أحداً بآية أخرج منها محمداً(ص) فعلى أي أساس يريدون أن يطبقوا شريعتهم بالزهراء دون شرع الله تعالى.
النقطة الرابعة: أن فاطمة الزهراء(ع) معصومة، وليس في قلب المعصوم طمع بشيء سوى رضا الله تعالى، فلا يعقل أن تنحرف الزهراء عن الحق من اجل قطعة أرض كبيرةً كانت أو صغيرة، وهي التي كانت تتصدق على الفقراء بكل ما تملك.
النقطة الخامسة: وهي الترويج بين الناس من أن فاطمة عرضت نفسها للخطر وخرجت على حكم الله تعالى طمعاً بفدك، وذلك من أجل أن يحرضوا الناس عليها فلا يلومونهم فيما يصنعون بها وإن قتلوها.
النقطة السادسة: لو كان الذين هاجموا دار الزهراء يريدون الحفاظ على شرع الله وأحكام كتابه كما يدعون كذباً لما أقدموا على ارتكاب تلك الجريمة وبتلك الطريقة الوحشية التي لا تتفق مع الدعوة إلى الله وإصلاح شرعه، فإنه تعالى يأمرنا بأن ندعو الناس إلى دينه بطرق الخير والحكمة حيث قال(أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) والطريقة التي أراد بها القوم تصحيح الأمر كما يدعون لا تنسجم مع معنى هذه الآية الكريمة، حيث أنهم كانوا بعيدين كلياً في تعاطيهم مع الزهراء عن الحكمة والموعظة الحسنة، حيث كانوا وحوشاً ضارية تهجم على فريسة لا حول لها ولا قوة، لقد كانوا بتعاملهم ذاك مسيئين لها، وهي الواعظة لهم، فلم تخاطبهم بوحشية كما تعاملوا معها، وإنما راحت تعظهم وتذكرهم بالله علهم يرجعون إليه، وهي تعلم بأنهم لن يتوبوا ولن يخشوا الله تعالى، ولكنها ألقت الحجة عليهم كيلا يكون لهم حجة في يوم الحساب.
إن الدعوة إلى الله تعالى تتم بالطريقة التي سنها الله وليس عن طريق خلع الباب وكسر الضلع وإسقاط الجنين ونبت المسمار في الصدر والسب والشتم وغير ذلك من ممارسات البشاعة التي صدرت عن القوم يوم الهجوم الشيطاني على منزل النبوة والإمامة والعصمة والطهر والنزاهة والعلم والأخلاق الكريمة والصفات العليا.
النقطة السابعة: وهي الكشف عن نوايا القوم وفضحهم أمام الملأ كيلا يبقى الناس ظانين بهم خيراً، وبالنبي وآله شراً، وهذا هو جوهر المؤامرة التي حاكها القوم ضدها، فهل كانت نيتهم إصلاح الفساد كما يدعون؟ أم أنها كانت نشر الفساد بعد أن نشر النبي الخير والعدل والمساواة بينهم؟ فلو كانت نيتهم إصلاح الأمر لوجب عليهم أن يتركوا الأمر للزهراء، فهي التي من شأنها أن تصلح الفساد وتحاربه لأنها العالمة بالصلاح والفساد والمميزة بينهما، فلو كانت نيتهم الإصلاح لكان أول أمر يجب أن يقوموا به هو عدم الهجوم على الزهراء واللجوؤ إليها في تصحيح الأمر.
لقد أرادوا بها كيداً فجعلهم الله الأخسرين، لأنها وقفت موقفاً جريئاً لم يكن أحد منهم يتوقع صدور مثل هذا الموقف الذي كان بمثابة صاعقة نزلت على رؤوسهم، لأنها استطاعت أن تفضح أمرهم وتكشف نواياهم الهادفة إلى الإستيلاء على كرسي العرش وهدم الإسلام ووضع دين آخر مكانه يكون منسجماً مع أهوائهم الضالة وممارساتهم المنحرفة عن جادة الصواب.
لقد كشفت الزهراء للعالم كله بأن هؤلاء لم يدخلوا إلى الإسلام عن قناعة وإيمان، وإنما دخلوا إليه لأنهم لمسوا المصلحة من إعلان الإيمان حفاظاً على أنفسهم من أيدي المسلمين.
النقطة الثامنة: لقد كُشف للناس مدى حقدهم الذي كان مبيتاً منذ فترة طويلة، وأنهم حاسدون لها لما سمعوه من النبي في حقها، فلقد كان رسول الله(ص) يحدثهم دائماً عن ابنته فاطمة ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى، فبدل أن يعظموها ويقتدوا بها ويتبركوا بوجودها بينهم راحوا يبعدونها عن الساحة لأنها كانت تشكل خطراً على عروشهم القائمة على الظلم والكذب والتحريف والإنحراف، ولأنهم أدركوا حجم الخطر الذي تشكله عليهم فقد أقدموا على ارتكاب تلك الجريمة في حقها وهم يعلمون بأن الله تعالى يغضب لغضب فاطمة، ولكن الشيطان الغوي أنساهم غضب ربهم عليهم وأنساهم كل القيم والمبادئ والآثار التي سوف تنجم عن جريمتهم، فأطاعوا الشيطان بصدق وإخلاص وعصوا الرحمن بشكل واضح.
النقطة التاسعة: وهي أنهم خططوا ونفذوا ما خططوا له، ولكنهم لم ينجحوا في الوصول إلى الهدف، حيث كانت إرادة الزهراء(ع) أقوى منهم، فقد خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة، فكانوا أخسر الأخسرين، وقد جعلهم الله تعالى عبرة للبشر على مر العصور.
النقطة العاشرة: وهي أن خطبة الزهراء اشتملت على بيان النصوص القرآنية المحكمة التي تثبت حقها في فدك، أما هم المعتدون الآثمون فلم يملكوا دليلاً واحداً ضدها.
النقطة الحادية عشرة: وهي أن طلب الزهراء من علي بأن يخفي قبرها فيه حكمة وهدف لا يعرفه الكثيرون، فلقد ادعى بعضهم بأنها طلبت ذلك كيلا ينبشوا قبرها، وأنا شخصياً أرفض هذا المنطق لأنهم لن يستفيدوا بشيء من نبش قبرها سوى العار عليهم فيزيدهم هذا الفعل عاراً فوق عارهم السابق، فهم لا يقدمون على ذلك ليس من باب الخوف من الله تعالى بل من باب الخوف من كلام الناس والعادات والتقاليد التي كانت تمنع ذلك بشدة، ولعلها طلبت إخفاء قبرها لتبيّن للناس حجم الأذى الذي نزل بها، وفي نفس الوقت حجم غضبها عليهم، فهي لا تريد منهم أن يزوروا قبرها ويبكوا عليها ويستعملوا قبرها للوصول إلى غايات قبيحة مرة أخرى، فقد أرادت أن يموتوا في حسرتهم لأنهم ليسوا من البشر، بل هم وحوش ضارية على صورة بشر.
وقد كانت في اتخاذ هذا القرار كما في غيره حكيمة وواعية، لأن الناس سوف تسأل دائماً لماذا أخفت قبرها؟ وهذا السؤال سوف يكون مفتاحاً لبيان الحقيقة التي يطلبها الناس، وإن إخفاء القبر أحد أكبر العوامل المساعدة على بيان الحقيقة وصدق فاطمة(ع) وهي الصادقة في كل مورد وعلى كل حال.
الشيخ علي فقيه


