
الأدلة القرآنية على استحقاق فاطمة(ع) لِفَدَكٍ
ثم تابعت كلامها قائلة:
(أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) ، وقال فيما اقتَصَّ مِن خَبَرِ يَحيى بنِ زَكَرِيّا إذ قال: (فَهَبْ لي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقوبَ ) وقال : ( وأُولو الأرحامِ بَعْضُهُم أولى بِبَعْض في كتابِ اللهِ ) وقال : ( يُوصيكُمُ اللهُ في أوْلادِكُم لِلذّكَرِ مثلُ حظِّ الاُنثَيَين ) وقال : ( إن ترَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ للوالِدَيْنِ والأقرَبينَ بالمَعروفِ حَقّاً على المتّقين )
وفي الحقيقة أنهم تركوا كتاب الله ونبذوه خلف ظهورهم، وقد أعطتهم الزهراء أدلة قرآنية على ثبوت حقها في الإرث ولا يمكن لأحد أن ينكر هذه الآيات المحكمات التي لا تقبل التعدد في التفسير لكونها تحمل وجهاً واحداً من وجوه التفسير.
وصل بنا الكلام إلى الأدلة القرآنية المحكمة التي بينتها الزهراء(ع) للذين ادعوا عدم حقها في فدك بدعوى أن الأنبياء لا يورثون أولادهم، وقلنا ونكرر بأن هذا الحكم لم ينزل الله به سلطاناً بل هو حكم الجاهلية التي لا ترى شريعة سوى شرائعها الغابية الظالمة وقوانينها البعيدة كل البعد عن العدالة.
الإستدلالُ على ضَلال القوم
لقد أوردت الزهراء(ع) هنا خمسة أدلة على ضلال القوم.
الدليل الأول: قوله تعالى(وورث سليمان داود) فسليمان نبي ووالده داود نبي وقد ورثه ولم يقيد القرآن هذا الإرث بشيء ولو أراد أن يخرج الإرث المالي لأخرجه ولكنه أطلق الحكم، ويؤكد التاريخ بأن سليمان ورث الملك والكنوز والأموال عن أبيه، وهذا الدليل لوحده يكفي ولكنها(ع) لم تكتف به من باب إتمام الحجة.
الدليل الثاني: قوله تعالى(فَهَبْ لي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقوبَ)
وهو كلام الله عن يحيى بن زكريا وقد أشار إلى موضوع الإرث، وتخصيص الإرث هنا بالنبوة يحتاج إلى دليل ثم إن النبوة ليس أمراً وراثياً بل هي اصطفاء واجتباء من قبل الله سبحانه وتعالى.
الدليل الثالث: وهو قوله عز وجل(وأُولو الأرحامِ بَعْضُهُم أولى بِبَعْض في كتابِ اللهِ) فبأي وجه شرعي يحاول هؤلاء أن يحرموا الزهراء من حقها المفترض لها من قبل الله تبارك وتعالى، فقد يكذب الإنسان على ربه فيما إذا كان الأمر المكذّب فيه لا دليل صريح عليه أما عندما تكون الأدلة كثيرة وواضحة بحيث يصعب إنكارها فيكون الكاذب هنا مفترياً على الله ورسوله ومعانداً لهما.
الدليل الرابع: (يُوصيكُمُ اللهُ في أوْلادِكُم لِلذّكَرِ مثلُ حظِّ الاُنثَيَين) يعني على الأقل كان الأجدر بهم أن يقروا للزهراء بنصف التركة لأن الوصية الإلهية واضحة لا تقبل الشك ولا التحريف ولا أي نوع من أنواع التعتيم، ولكنهم أصروا على حرمانها من جميع حقوقها.
الدليل الخامس: (إن ترَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ للوالِدَيْنِ والأقرَبينَ بالمَعروفِ حَقّاً على المتّقين) فالخير هو المال سواء كان نقداً أو أرضاً أو بيتاً، وبمعنى آخر هو ما يملكه الإنسان فعليه أن يوصي بهذا الخير للورثة فإذا مات الإنسان ولم يوصي بتركته وجب تقسيمها بحسب ما ورد في القرآن والسنة، وأوضح ما ورد فيهما هو مسألة الميراث لأن الآيات الحاكية عنه وردت صريحة وواضحة ومفصَّلة لكيلا يختلف اثنان في موضوع الإرث الذي كان وما يزال سبب الكره والعداوة بين كثير من الناس ممن يختلفون على التركة ويخالفون الحكم الإلهي فيها نتيجةً للطمع والجشع ونسيان يوم الحساب.
ثم تابعت الكلام فقالت:
(وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي)
وهنا ترد الزهراء على القوم الذين زعموا بأنه لا حظوة لها من أبيها ولا إرث لها بدعوى أن النبي لا يورّث أولاده، وهنا تبدي الزهراء(ع) استنكاراً شديداً وهي تقول لهم هل أنزل الله عليكم آية أخفاها عن رسول الله وهل تعتبرونني على غير ملة رسول الله، نعم الكافر لا يرث المسلم أما المسلم فيرث المسلم كما نص القرآن الكريم، فإن اعتبر هؤلاء بأن الزهراء من ملة مغايرة لملة رسول الله فقد كذبوا على الله وجاؤوا ببهتان عظيم يستحقون عليه الخلد في نار جهنم لأن الزهراء سيدة العالم بأسره وأعظم مؤمنة في هذا الوجود.
أولست أنا وأبي من ملة واحدة ملة الإسلام؟ فلماذا إذاً تعاملونني بهذه الطريقة وكأنني من غير الملة، ثم خاطبت زعيم القوم الذي أعطى الأوامر بالهجوم على دار الزهراء وإحراقها وكسر الباب وهو يعلم بأن الزهراء واقفة خلفه، يعني كانت المؤامرة تقضي بقتل الزهراء، وبالفعل لقد قتلت الزهراء على أثر ذلك الهجوم الوحشي وكانت تلك من أعظم الجرائم في تاريخ الرسالات السماوية.
ولذلك قالت له:
(فَدونَكَها مخْطومَةً مرحولةً تَلقْاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ ، فَنِعْم الحَكَمُ اللهُ ، والزَعيمُ مُحَمَّدٌ، والمَوْعِدُ القِيامَةُ ، وَعِنْدَ السّاعِة يَخْسَرُ المُبْطِلونَ ، ولا ينفَعُكُم إذ تَنْدمونَ ، ولِكُلِّ نَبأ مُسْتَقرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ مَن يَأتيهِ عذابٌ يُخزيه وَيَحِلُّ عليه عَذابٌ مُقيمٌ)
فدونكها، الضمير عائد على فدك موضوع النزاع بينهم، فدونكها مخطومة مرحولة، وهذا من أعظم التعابير التي يمكن استعمالها في المقام الذي كانت عليه الزهراء لأنه يعبّر عن المطلوب بشكل مختصر للغاية، معنى هذه الكلمات الثلاث أنه يا بن أبي قحافة أنت تريد فدكاً وقد سحبتها بالرحل كما تسحب الناقة ووضعت الحلقة فيها كما توضع الحلقة في أنف البعير كيلا يفلت من صاحبه.
فالخطام هو كل ما يوضع في أنف البعير، ومرحولة أي الرحل للناقة كالسرح للفرس.
سوف تكون فدكاً وبالاً عليك في يوم المحشر يوم يسألك ربك عن صنيعك بأولياء الله وكتابه وسنة نبيه فنعم الحكم الله والزعيم محمد، ففي يوم القيامة سوف يحكم الله عليك بما جنته يدك وارتكبته في حق الزهراء الذي ذكّرته بالله والحساب فلم يتذكر ثم ذكرت له عاقبته الحتمية حيث قالت:(وَعِنْدَ السّاعِة يَخْسَرُ المُبْطِلونَ ، ولا ينفَعُكُم إذ تَنْدمونَ ، ولِكُلِّ نَبأ مُسْتَقرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمونَ مَن يَأتيهِ عذابٌ يُخزيه وَيَحِلُّ عليه عَذابٌ مُقيمٌ)
ثم تابعت الزهراء كلامها أمام المسلمين فتوجهت إلى جهة الأنصار وخصتهم بالكلام فقالت لهم:
عِتَابٌ وَنَصِيْحَةٌ
(يا معشر النقيبة وأعْضادَ المِلَّةِ وحَضَنَةَ الاِسلام ، ما هذِهِ الغَميزَةُ في حَقّي والسِنَةُ عَن ظُلامَتي)
فمعشر النقيبة هم الجماعة الفتيّة، والأعضاد هم المعينون ماهذه الغميزة في حقي، يعني ما هذا التجاهل لحقي الواضح والمعلوم لديكم، ولماذا هذه السنة أي هذا النوم عن مظلوميتي.
(أما كانَ رسَولُ اللهِ أبي يقول : « المرءُ يُحْفَظُ في وُلْدِهِ)
وهذه وصية من وصايا رسول الله للمسلمين وهو حكم عام يجب على الجميع أن يعملوا به فإذا أردت أن تحفظ المرء فاحفظه في ولده، ثم قالت(ع):
(سَرْعانَ مَا أحْدَثْتُم ، وَعَجْلانَ ذا إهالَة ولَكُم طَاقَةٌ بما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ على ما أطْلُبُ واُزاوِلُ)
سرعان ما نسيتم رسول الله وتعاليمه ووصاياه، وأنا أعتقد بأنكم ذووا طاقة على نصري والدفاع عن حقي فلماذا هذا التهاون:
(أتقولونَ ماتَ محمّد فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوسَعَ وَهْنُه وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَاظْلَمَّتِ الأرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وكُسِفَتِ الشَمسُ وَالقْمَرُ، وانْتَثَرَتِ النجومُ لِمُصيبَتِهِ، وأَكْدَتِ الآمالُ، وَخَشَعَتِ الجِبالُ، واُضيعَ الحَريمُ، واُزيلَتِ الحُرْمَةُ عِنْدَ ممَاتِهِ)
هل يعني موت محمد انعدام الدين وزوال القيم والمبادئ؟ إن موته أمر عظيم ولكن هذا الأمر قد اتسع فتقه وشقه عندما لم تحفظوه في أهل بيته، وهذا ما زاد في الطين بلة فإن موت محمد بالإضافة إلى ظلم أهل بيته قد أظلمت له الأرض وكسفت له الشمس والقمر، وكل هذه العبارات تأكيد على جلل المصاب وشدته.
ثم وصفت الأمر بقوله:
(فَتِلكَ وَاللهِ النازِلةُ الكُبْرى، والمُصيبَةُ العُظمى، لامِثْلُها نازِلَةٌ، ولا بائِقَةٌ عاجِلَة، أعْلَنَ بها كتابُ اللهِ جَلَّ ثَناؤُه في أفْنِيَتِكُمْ، وَلِقَبْلِهِ ما حَلَّ بِأنبياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ حُكْمٌ فَصْلٌ، وقَضاءٌ حَتْمٌ: (وما مُحمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قد خَلَتْ مِن قَبلِهِ الرُسُلُ أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُم على أعْقابِكُم وَمَنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ فلنَ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيْجزي اللهُ الشاكرينَ)
وبالفعل لقد ارتدوا على أدبارهم وانقلبوا على أعقابهم حيث استغلوا موت رسول الله وخلو الساحة أمامهم.
ثم راحت(ع) تبيّن مدى ظلم المسلمين لها وهم قادرون على حفظها والدفاع عنها فقالت للأوس والخزرج وهم بني قيلة وقيلة هو أسم أم قديمة لهم: (إيهاً بني قيلة أاُهْضَمُ تُراث أبي؟ وأنتم بِمرَأىً منّي ومَسْمَع، ومُنْتَدىً ومَجْمَع، تُلْبِسُكُمُ الدَعْوَةُ، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعُدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنَّة، توافيكم الدَعْوَةُ فلا تجيبون، وتأتيكُمُ الصَرْخَةُ فلا تغيثونَ، وأنتم مَوْصوفونَ بالْكِفاح، مَعروفونَ بِالخَيْرِ والصّلاح، والنُخْبَةُ الّتي انْتُخِبَتْ، والخيرةُ التي اختيرت لنا أهْلَ البَيْتِ، قاتَلْتُمُ العَرَبَ، وتَحَمَّلْتُم الكَدَّ وَالتَعَبَ، وناطَحْتُم الاُممَ وكافَحْتُم البُهَمَ، لا نَبْرَحُ أو تَبْرَحون، نأمُرُكُم فَتَأْتَمِرونَ حتّى إذا دارَتْ بِنا رَحى الإسلام، ودَرَّ حَلَبُ الأَيامِ، وَخَضَعَتْ ثَغْرَةُ الشِرك، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإفك، وَخَمَدَتْ نيرانُ الكُفْرِ، وَهَدَأَتْ دَعْوَةُ الهَرَجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدّين، فأنّى حزتم بعد البيان ؟ وأسررْتم بعد الاِعْلانِ؟ ونَكَصْتُم بَعْدَ الاِْقدام؟ وأشْرَكتم بعد الإيمانِ؟)
تقول لهم أنا أظلم ويغصب عليّ حقي بمرأى منكم ومسمع بعد أن كنتم من خيرة الناس لنا وناطحتم الأمم وقاتلتم الناس من أجلنا أصبحتم اليوم علينا وأشركتم بعد أن كنتم مؤمنين، والآن تأتيكم صرختنا فلا تجيبون ولا تغيثون من دون سبب يدعو إلى هذا التقاعص والجفاء.
وبما أنهم آثروا الدنيا على الآخرة فقد ذهب عملهم هباءاً منثوراً كأنهم لم يؤمنوا من الأساس وكأنهم لم يعملوا ما عملوا ولذلك وبختهم الزهراء بقولها:
(بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أوّل مرّة، أتخشونهم فالله أحقُّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)
لقد آثروا سعة العيش القائم على الكفر والظلم على العيش الطبيعي المتوج بالأنوار الإلهية، وهو معنى قولها(ع):
(ألا وقد أرى أن قد أخذتم إلى الخفض وأبعَدْتُم مَن هو أحقُّ بالبَسطِ والقَبض، وخَلَوْتُم بالدَعَة ونَجَوْتُم بالضّيق من السعة، فَمَجَجْتُم ما وَعَيْتُم، ودَسَعْتُم الذي تَسَوَّغْتُم فإن تكفروا أنتم ومَن في الأرض جَميعاً فإنّ الله لغنيٌ حَميدٌ)
الخفض هو سعة العيش، والدعة هي الراحة والسكون، والدسع هو الدفع والقيء، ولو كفر جميع أهل الأرض فإن الله تعالى غني عنهم وأهل البيت أغنياء عن جميع الناس فلا يحتاجون منهم شيئاً.
الشيخ علي فقيه


